LOGINالفصل الرابع: عرض غير متوقع
كان المكتب الذي أدخلني إليه في الطابق الأخير، يطل على المدينة كلها من زجاج ممتد من الأرض إلى السقف. بدت المدينة تحتنا كلوحة صغيرة من الأضواء، وبدوتُ أنا في وسطها ذرة ضائعة. جلستُ على طرف الكرسي كأنني أستعد للفرار في أي لحظة. قال آدم وهو يسكب لي فنجان قهوة بنفسه دون أن يستدعي أحدًا: — سأكون صريحًا، فالمجاملات مضيعة للوقت. أنا آدم الراوي، رئيس مجموعة الراوي القابضة. جدي، رحمه الله، ترك وصية غريبة: لا أرث إدارة المجموعة إلا إذا تزوجتُ قبل نهاية هذا الشهر. وإلا آلت الإدارة إلى عمي «طارق»، الرجل الذي لا أثق به ولا أنوي أن أسلّمه إرث عائلتي. — وما شأني أنا بوصية جدك؟ — أحتاج إلى زوجة. زوجة على الورق، لمدة عام واحد، ثم ينتهي كل شيء بهدوء وبلا مشاكل. ضحكتُ ضحكة قصيرة مريرة، وكدتُ أسكب القهوة من يدي المرتجفة: — ألهذا اخترتني؟ لأنني بلا حول ولا قوة؟ فتاة مطرودة من بيتها يسهل شراؤها؟ — اخترتكِ لأنك ابنة رجل تعرف الأوساط كلها ما يدور حوله، فلن يشكّ أحد في أن زواجًا كهذا وُلد من رحم الحاجة. — سكت لحظة ثم أضاف بنبرة أخفض: — ولأنني رأيتُ فيكِ يوم ركضتِ تحت المطر شيئًا لا يُشترى. لم أرَ فتاة تبكي، رأيتُ فتاة تغضب. والغضب، إن أُحسن توجيهه، أقوى من المال. كانت كلماته غريبة على أذني؛ فما اعتدتُ أن يرى أحدٌ في غضبي قوة، فقد عوّدوني طوال عمري أن أبتلعه وأبتسم. جلستُ أتأمل فنجاني الذي يتصاعد منه البخار، وأحسستُ بأن هذا الرجل الغريب يقرؤني كما يُقرأ كتاب مفتوح، وهذا ما أخافني وأغراني في آن واحد. أطرقتُ. تذكرتُ سالم الحمداني ورائحة سيجاره وعينيه التي تزنانني بالوزن، وتذكرتُ صمت أبي في القاعة. تخيلتُ نفسي أعود إلى ذلك البيت مكسورة، فأستسلم، فأصير ملكًا لرجل لم أخترْه. وتخيلتُ في المقابل عامًا واحدًا من الحرية، بثمن اسمٍ على ورقة. لم أكن أخشى الغرباء بقدر ما خشيتُ قلبي، فقد تعلّمتُ بالطريقة الصعبة أنه ساذج في قراءة الرجال. وقلتُ لنفسي: هذه المرة سيكون الاتفاق مكتوبًا، وبنوده واضحة، ولن يكون هناك مكان للأوهام. — وماذا أستفيد أنا؟ — سألتُ أخيرًا. — حمايتك من صفقة أبيك. سأتكفل بالأمر بطريقتي، فلن يجرؤ أحد على الاقتراب منكِ بعد أن تحملي اسمي. وستحصلين في نهاية العقد على مبلغ يكفيك لتبني حياتك من جديد حيث تشائين. رفعتُ عينيّ إليه وقلتُ ما لم أتوقع أن أقوله: — لا أريد المال وحده. أريد أن أتعلّم. أن أفهم كيف تُدار هذه الإمبراطوريات، وكيف يُسقط الكبارُ الصغار. أريد أن أعرف اللعبة يا سيد آدم، حتى لا يبيعني أحد مرة أخرى. نظر إليّ بدهشة حقيقية للمرة الأولى، وكأنني قلتُ شيئًا لم يخطر له. ثم قال ببطء: — هذا شرط غير معتاد. — وأنا فتاة غير معتادة، كما قلتَ. ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، هذه المرة وصلت إلى عينيه ولو لثانية. ثم قال: — سأمنحكِ الليلة لتفكري. وغدًا فجرًا، إن كنتِ ما زلتِ مصرّة، سنتحدث في الشروط. توقفتُ عند الباب وسألتُه دون أن ألتفت: «لماذا تثق بي وأنت لا تعرفني؟» جاءني صوته هادئًا: «لا أثق بك بعد. لكنني أعرف أن من لا يملك شيئًا يخسره هو أصدق الناس في وعوده». ولم أجد ما أردّ به. خرجتُ من المكتب وساقاي لا تكادان تحملانني. قضيتُ الليل كله في غرفتي الضيقة، أحدّق في سقفها المتشقق وأقلّب الأمر: عام واحد، رجل غريب، عقد بلا حب. كان الأمر جنونًا، وكان النجاة الوحيدة في آن واحد. وحين بدأ الضوء يتسلل من النافذة، ارتديتُ أنظف ما لديّ من ثياب، وسرتُ عائدة إلى البرج الزجاجي. --- من دفتر آدم وقف آدم أمام النافذة بعد أن خرجت، وفي يده الفنجان الذي لم تلمسه. ليلى المنصور. الاسم الذي حاول ألا يفكر فيه منذ سنوات، منذ الليلة التي انهارت فيها شركة والده، وقيل يومها إن يوسف المنصور كان أحد الأيدي التي دفعتها إلى الهاوية. لم تكن تعلم. ولم يكن ينوي أن تعلم الآن. — عام واحد فقط، — همس لنفسه. — عام، ثم أعرف كل ما أريد أن أعرفه عن أبيها. لكنه لم يكن يدري بعدُ أن أخطر ما في خطته لم يكن عدوّه، بل الفتاة التي ستحمل اسمه. ---الفصل السادس والعشرون :نظرة الشك مرّ الأسبوع التالي كأنه شهر كامل. تحولتُ إلى شبح في القصر الذي طالما شعرتُ فيه بالانتماء تدريجيًّا؛ صلاحياتي معلّقة، وموظفو الشركة يتجنبون النظر إليّ في الممرات كأنني وباء، وحتى زينب عادت إلى برودتها الأولى، وكأن الشهور الماضية من الدفء لم تحدث قط. الأقسى من كل ذلك كان آدم نفسه. لم يعد يأتي إلى الإفطار، وصار يعود من مكتبه بعد منتصف الليل، وحين نلتقي في الممرات يكتفي بإيماءة باردة أو سؤال روتيني عن حالي. كنتُ أراه يبتعد أمام عيني، كجليد يتجمد من جديد فوق نهر بدأ يذوب للتو. كنتُ أمرّ بجانب مكتبه في طريقي كل صباح، آملة أن يفتح الباب ويناديني كما اعتاد، لكن الباب كان يبقى مغلقًا، وصوت اجتماعاته المتلاحقة يتسرب من خلفه كجدار إضافي بيننا. شعرتُ أنني أخسر شيئين معًا: مكانتي التي بنيتها بالكد، والرجل الذي بدأ قلبي يفتح له أبوابًا لم يفتحها لأحد من قبل. حاولتُ مرارًا أن أشرح له نظريتي عن فادي، لكنه كان يستمع بصبر ظاهري ثم يقول بحياد مؤلم: «سنترك الأمر للجنة التحقيق يا ليلى. لا أريد أن أتسرع في اتهام أحد، كما لا أريد أن أتسرع في تبرئة أحد». في أحد الأيام،
الفصل الخامس والعشرون: الاتهامبعد أيام من حفل الجمعية الخيرية، وبينما كان آدم يحاول احتواء الأضرار السياسية لإعلان طارق المفاجئ، انفجرت فضيحة جديدة هزّت الشركة من أساسها.استُدعي آدم فجأة إلى اجتماع طارئ لمجلس الإدارة، ودُعيتُ أنا أيضًا، وهو أمر غير معتاد إلا في الأزمات الكبرى. حين دخلنا القاعة، وجدتُ وجوه الأعضاء متجهمة، وطارق يقف عند رأس الطاولة ممسكًا بملف أحمر سميك، وابتسامة الانتصار ترتسم على شفتيه بوضوح لا يخفيه.— أعتذر عن هذا الاستدعاء المفاجئ، — بدأ طارق بصوت رسمي مصطنع، — لكن أمرًا خطيرًا وصل إلى علمي، يمسّ أمن هذه الشركة من الداخل.فتح الملف، وأخرج أوراقًا مطبوعة، ووزعها على الأعضاء. نظرتُ إلى النسخة أمامي فتجمد الدم في عروقي: كانت رسائل بريد إلكتروني، تبدو وكأنها مرسلة من حسابي الشخصي، إلى عنوان بريد يخص «مجموعة الحمداني»، تحتوي على تفاصيل حساسة عن استراتيجية تمويل مشروع الميناء، وعن نقاط ضعف قانونية في عقد الشراكة مع بنك فيبر.— هذه ليست رسائلي! — قلتُ بصوت مرتجف من الصدمة والغضب معًا.شعرتُ بعشرات العيون تحدّق فيّ حول الطاولة، بعضها بشفقة، وبعضها بريبة صريحة، وبعضها الآ
الفصل الرابع والعشرون: فخّ في الحفل جاء حفل الجمعية الخيرية الذي حذّرتني منه أذني في السوق القديم أسرع مما توقعت. أقيم في فندق «الأندلس» نفسه الذي التقيتُ فيه آدم أول مرة، وكأن القدر يحب أن يغلق دوائره في الأماكن نفسها. كنتُ أرتدي فستانًا فضيًّا اختارته الجدة نورة بنفسها، وشعرتُ لأول مرة منذ أسابيع بسعادة حقيقية، فآدم لم يفارق جانبي طوال الطريق، ويده تمسك يدي بثبات جديد لا علاقة له بالتمثيل أمام الكاميرات. لكن السعادة لم تدم طويلًا. فور دخولنا القاعة، لمحتُ من بعيد وجهًا لم أتوقع رؤيته هناك: أبي، يقف بجانب سالم الحمداني، وكلاهما يتحدث بجدية مع طارق الذي بدا مبتهجًا بشكل غير معتاد. اقترب منا سامر بوجه قلق، وهمس في أذن آدم بشيء جعل ملامحه تتجمد. التفت إليّ آدم وقال بصوت منخفض: — ليلى، يبدو أن عمي أعدّ إعلانًا مفاجئًا الليلة. لا أعرف تفاصيله، لكن كن حذرة. قبل أن أسأل أكثر، صعد طارق إلى المنصة وطلب الميكروفون من منظمي الحفل، بحجة «مفاجأة سارة تخص عائلته الكريمة». اعتلى المنصة بابتسامته الزيتية المعتادة، ونظر مباشرة نحوي بنظرة انتصار مسبق. — أيها الحضور الكرام، يسعدني أن أعلن الليلة
الفصل الثالث والعشرون: القلب يتمرّدفي الأيام التي تلت الحفل، بدأت رنا الخوري تظهر بشكل متكرر في حياة الشركة، تحت غطاء «الشراكة الاستراتيجية» التي ذكرتها. كانت تحضر الاجتماعات، وتتصل بآدم مباشرة دون المرور بسامر، وتترك في مكتبه هدايا صغيرة أنيقة بذريعة الصداقة القديمة. لاحظتُ أن آدم يتعامل معها بحذر شديد، لكنه لا يستطيع أن يرفض التعاون التجاري الذي تمثله، فالبنك الذي تديره ضروري لتمويل مرحلة جديدة من مشروع الميناء.كنتُ أراقب كل هذا بصمت، أحاول أن أقنع نفسي بأن ما أشعر به مجرد قلق مهني، لكن قلبي كان يعرف الحقيقة أفضل مني: كنتُ أغار، غيرة حقيقية خالصة لا علاقة لها بالعقد أو بالمصلحة.في مساء أحد الأيام، دخلتُ مكتب آدم لأسلمه بعض الأوراق الموقعة، فوجدتُ رنا تجلس أمامه، تضحك على شيء قاله، ويدها تلمس ذراعه بثقة زائدة. توقفتُ عند الباب لحظة، فشعر آدم بحضوري وسحب ذراعه بسرعة كطفل ضُبط متلبسًا، لكن الأذى كان قد وقع بالفعل في قلبي.— ليلى، — قال بصوت متوتر، — كنا فقط نناقش تفاصيل التمويل.— لا داعي للتفسير، — قلتُ بهدوء بارد وضعتُ الأوراق على المكتب. — هذا عملك، لا شأن لي به.خرجتُ من المكتب
الفصل الثاني والعشرون: المرأة الثالثةلم يمض أسبوع حتى وصلت دعوة أنيقة إلى القصر، من نوع لم أتوقعه: حفل استقبال يقيمه بنك «الشرق للاستثمار» لتكريم كبار عملائه، وعلى رأس المدعوين اسم لم أسمعه من قبل: السيدة «رنا الخوري»، الشريكة الجديدة للبنك، والتي وُصفت في بطاقة الدعوة بأنها «صديقة قديمة للسيد آدم الراوي».حين رأى آدم بطاقة الدعوة على الطاولة، توقف للحظة، وظهر على وجهه تعبير لم أفهمه، مزيج من المفاجأة وشيء آخر أعمق.— من هي رنا الخوري؟ — سألتُ بفضول لم أخفه.— كنا... معًا، قبل سنوات. في إنجلترا، أثناء الجامعة. — قال بحذر، وكأنه يقيس كل كلمة. — انفصلنا حين عدتُ لأتولى الشركة بعد وفاة أبي. لم أرها منذ ذلك الحين.شعرتُ بشيء يشبه الغيرة يتسلل إلى صدري، غيرة لم أكن أتوقع أن أشعر بها تجاه ماضٍ لا علاقة لي به. لكنني تذكرتُ نفسي بسرعة: أنا زوجة على الورق، لا يحق لي أن أغار.وقفتُ أمام مرآتي قبل الحفل بساعة، أرتدي الفستان الفضي وأحاول أن أقنع نفسي بأن ما أشعر به مجرد قلق عابر، لكن يدي كانتا ترتجفان وأنا أثبّت أقراطي، وأدركتُ أن قلبي بدأ يتصرف بطريقة لم أعد أسيطر عليها، رغم كل التحذيرات التي و
الفصل الحادي والعشرون: هدنة هشّةبعد ليلة الشرفة، بدا القصر وكأنه يتنفس بإيقاع مختلف. صار آدم يأتي إلى الإفطار كل صباح بدل أن يكتفي بفنجان قهوة يحمله إلى مكتبه، وصرنا نتناقش في الأخبار والكتب كزوجين حقيقيين، لا كشريكين في صفقة. حتى زينب لاحظت التغيير، وبدأت تعاملني بلطف أعمق من مجرد الواجب.لكن الهدنة، كما تعلمتُ في هذا البيت، لا تدوم طويلًا دون أن يخترقها ظل من الماضي.كنتُ أستمتع بتلك الأيام الهادئة رغم معرفتي أنها مؤقتة، كمن يجلس في عين العاصفة يستجمع قواه قبل أن تعصف به الرياح من جديد. كنتُ أتعلم أن أستمتع باللحظة دون أن أسأل نفسي إلى متى ستدوم، وهو درس لم أكن أجيده من قبل، فحياتي علّمتني دائمًا أن أترقب الضربة القادمة أكثر مما أستمتع بلحظة السكينة.في أحد الأيام، طلبت مني الجدة نورة مرافقتها إلى السوق القديم لشراء بعض التوابل النادرة التي لا تجدها إلا هناك، عادة سنوية تحرص عليها رغم تقدمها في السن. أثناء تجوّلنا بين الأزقة الضيقة المزدحمة بالباعة وروائح البهارات، توقفتُ فجأة أمام محل صغير لبيع الأقمشة، إذ لمحتُ امرأة تفحص قطعة حرير أزرق، وكان وجهها يشبه وجهًا أعرفه جيدًا.كانت سو







