LOGINالفصل الثاني: صفقة الأب
لم تصدمني السيارة، لكنها كادت. ارتجفتُ من رأسي إلى قدميّ، وانحنى سائقها من نافذته يسألني إن كنتُ بخير، فاكتفيتُ بهزّ رأسي ومضيت. لم أرَ الرجل الجالس في المقعد الخلفي، الذي راقبني من خلف الزجاج المعتم حتى غبتُ في الظلام. مشيتُ ساعات لا أدري عددها، والمدينة نائمة من حولي. مرّت بي أضواء المحلات المطفأة، وشوارع خالية إلا من قطط تحتمي من المطر. كنتُ أفكر في كل شيء وفي لا شيء: في وجه كريم حين تراجع، وفي ابتسامة سلمى، وفي الصمت الغريب الذي لفّ القاعة. وحين بدأ الفجر يلوّن الأفق بخيوط رمادية، أدركتُ أنني لا أملك مكانًا آخر أذهب إليه سوى البيت الذي طُعنتُ فيه. عدتُ لأنني أردتُ أن أسمع من أبي كلمة واحدة: اعتذارًا، أو حتى تفسيرًا. كنتُ أتشبث بأمل صغير أحمق، أن يكون قد ندم، وأن يفتح ذراعيه كما كان يفعل حين كنتُ طفلة تخشى الرعد. فالقلب يعلم الحقيقة، لكنه يرفض أن يصدّق حتى تُثبتها له الحياة بقسوة. كان الضوء مضاءً في مكتبه. دخلتُ مبلّلة الثياب، أقطر ماءً على السجاد الفاخر، فرفع رأسه عن الأوراق دون دهشة. وإلى جواره جلس رجل ستيني ضخم الجسد، تفوح منه رائحة السيجار وتلمع في أصابعه خواتم ثقيلة. عرفتُه فورًا؛ إنه الرجل الذي وقف بجانب أبي في القاعة، «سالم الحمداني»، أحد كبار المستثمرين في المدينة. قال أبي دون مقدمات: — اجلسي يا ليلى. لدينا أمر مهم. — أمر أهم من ابنتك التي خانها خطيبها في بيتك؟ تجاهل سؤالي كأنه لم يُقَل، وأخذ يعبث بقلمه: — الشركة مفلسة يا ليلى. لم أشأ إخبارك من قبل. الديون تحاصرنا من كل جانب، والسيد سالم مستعد لإنقاذنا بشرط واحد… أن تصبحي زوجته. ساد صمت ثقيل، حتى سمعتُ دقات الساعة الجدارية تنقر في أذني كالمطارق. نظر إليّ سالم بعينين تقيّمانني كما يُقيَّم أثاث معروض للبيع، وابتسم ابتسامة جعلت معدتي تنقبض. — زوجته؟ إنه في عمرك يا أبي! — هي صفقة، لا أكثر. عقد زواج مقابل إنقاذ اسم عائلتنا. وقد وقّعتُ بالفعل على الاتفاق المبدئي. نظرتُ إلى وجه الرجل الذي ربّاني، فلم أجد فيه أثرًا للأب الذي أتذكّره حين كان يحملني على كتفيه في طفولتي. وفهمتُ حينها لماذا لم يتحرك في القاعة، ولماذا كان ذلك الرجل واقفًا إلى جواره: لقد كان يعلم بخيانة كريم، بل ربما كان جزءًا من الترتيب كله، ليجعلني أنهار فلا أقاوم. ولم يكن يعنيه إلا ثمن الصفقة. وقفتُ وقد جفّ الدمع في عينيّ، وقلتُ بصوت ثابت لم أعرفه في نفسي: — لن أُباع يا أبي. — ليس لكِ خيار. — بل لي. وسأثبت لك ذلك. ضحك أبي ضحكة قصيرة جافة، وقال وهو يعود إلى أوراقه: «الكبرياء ترف لا يملكه الفقراء يا ابنتي. ستعودين خلال أسبوع، وستوقّعين». لم أجبه. كان في ثقته المطمئنة ما هو أقسى من الصفعة؛ فقد كان يراني شيئًا مضمونًا، كضمانة بنكية لا تحتاج إلى سؤال. أما سالم فاكتفى بإشعال سيجاره، وابتسم ابتسامة رجل اعتاد أن يحصل على ما اشتراه. صعدتُ إلى غرفتي وجمعتُ ما استطعتُ حمله في حقيبة صغيرة: بضعة ثياب، ودفتر أمي القديم، وصورتها الوحيدة. وحين نزلتُ، كانت أم صالح تنتظرني عند الباب الخلفي، عيناها حمراوان من البكاء. دسّت في يدي مغلّفًا صغيرًا وهمست: — هذا كل ما ادّخرتُه يا ابنتي. اذهبي، ولا تلتفتي خلفك. لم أستطع أن أقول لها شيئًا. احتضنتُها بقوة، فشممتُ رائحة الصابون القديم والخبز الدافئ التي طالما ارتبطت في ذاكرتي بالأمان. كانت هي الوحيدة في ذلك البيت التي لم تبعني ولم تُخيّرني، بل أعطتني ما تملك دون أن تسأل عن الثمن. قبّلتُ يدها المتشققة، وخرجتُ من البيت بثوبي المبلّل، وأغلقتُ خلفي الباب الذي لن أعود إليه أبدًا. وبينما كنتُ أهبط الدرج الحجري، أدركتُ أنني لا أملك مالًا كافيًا ولا مأوى ولا اسمًا أحتمي به. لكنني ملكتُ في تلك اللحظة شيئًا لم أملكه من قبل: **غضبًا يعرف طريقه**. ---الفصل السادس والعشرون :نظرة الشك مرّ الأسبوع التالي كأنه شهر كامل. تحولتُ إلى شبح في القصر الذي طالما شعرتُ فيه بالانتماء تدريجيًّا؛ صلاحياتي معلّقة، وموظفو الشركة يتجنبون النظر إليّ في الممرات كأنني وباء، وحتى زينب عادت إلى برودتها الأولى، وكأن الشهور الماضية من الدفء لم تحدث قط. الأقسى من كل ذلك كان آدم نفسه. لم يعد يأتي إلى الإفطار، وصار يعود من مكتبه بعد منتصف الليل، وحين نلتقي في الممرات يكتفي بإيماءة باردة أو سؤال روتيني عن حالي. كنتُ أراه يبتعد أمام عيني، كجليد يتجمد من جديد فوق نهر بدأ يذوب للتو. كنتُ أمرّ بجانب مكتبه في طريقي كل صباح، آملة أن يفتح الباب ويناديني كما اعتاد، لكن الباب كان يبقى مغلقًا، وصوت اجتماعاته المتلاحقة يتسرب من خلفه كجدار إضافي بيننا. شعرتُ أنني أخسر شيئين معًا: مكانتي التي بنيتها بالكد، والرجل الذي بدأ قلبي يفتح له أبوابًا لم يفتحها لأحد من قبل. حاولتُ مرارًا أن أشرح له نظريتي عن فادي، لكنه كان يستمع بصبر ظاهري ثم يقول بحياد مؤلم: «سنترك الأمر للجنة التحقيق يا ليلى. لا أريد أن أتسرع في اتهام أحد، كما لا أريد أن أتسرع في تبرئة أحد». في أحد الأيام،
الفصل الخامس والعشرون: الاتهامبعد أيام من حفل الجمعية الخيرية، وبينما كان آدم يحاول احتواء الأضرار السياسية لإعلان طارق المفاجئ، انفجرت فضيحة جديدة هزّت الشركة من أساسها.استُدعي آدم فجأة إلى اجتماع طارئ لمجلس الإدارة، ودُعيتُ أنا أيضًا، وهو أمر غير معتاد إلا في الأزمات الكبرى. حين دخلنا القاعة، وجدتُ وجوه الأعضاء متجهمة، وطارق يقف عند رأس الطاولة ممسكًا بملف أحمر سميك، وابتسامة الانتصار ترتسم على شفتيه بوضوح لا يخفيه.— أعتذر عن هذا الاستدعاء المفاجئ، — بدأ طارق بصوت رسمي مصطنع، — لكن أمرًا خطيرًا وصل إلى علمي، يمسّ أمن هذه الشركة من الداخل.فتح الملف، وأخرج أوراقًا مطبوعة، ووزعها على الأعضاء. نظرتُ إلى النسخة أمامي فتجمد الدم في عروقي: كانت رسائل بريد إلكتروني، تبدو وكأنها مرسلة من حسابي الشخصي، إلى عنوان بريد يخص «مجموعة الحمداني»، تحتوي على تفاصيل حساسة عن استراتيجية تمويل مشروع الميناء، وعن نقاط ضعف قانونية في عقد الشراكة مع بنك فيبر.— هذه ليست رسائلي! — قلتُ بصوت مرتجف من الصدمة والغضب معًا.شعرتُ بعشرات العيون تحدّق فيّ حول الطاولة، بعضها بشفقة، وبعضها بريبة صريحة، وبعضها الآ
الفصل الرابع والعشرون: فخّ في الحفل جاء حفل الجمعية الخيرية الذي حذّرتني منه أذني في السوق القديم أسرع مما توقعت. أقيم في فندق «الأندلس» نفسه الذي التقيتُ فيه آدم أول مرة، وكأن القدر يحب أن يغلق دوائره في الأماكن نفسها. كنتُ أرتدي فستانًا فضيًّا اختارته الجدة نورة بنفسها، وشعرتُ لأول مرة منذ أسابيع بسعادة حقيقية، فآدم لم يفارق جانبي طوال الطريق، ويده تمسك يدي بثبات جديد لا علاقة له بالتمثيل أمام الكاميرات. لكن السعادة لم تدم طويلًا. فور دخولنا القاعة، لمحتُ من بعيد وجهًا لم أتوقع رؤيته هناك: أبي، يقف بجانب سالم الحمداني، وكلاهما يتحدث بجدية مع طارق الذي بدا مبتهجًا بشكل غير معتاد. اقترب منا سامر بوجه قلق، وهمس في أذن آدم بشيء جعل ملامحه تتجمد. التفت إليّ آدم وقال بصوت منخفض: — ليلى، يبدو أن عمي أعدّ إعلانًا مفاجئًا الليلة. لا أعرف تفاصيله، لكن كن حذرة. قبل أن أسأل أكثر، صعد طارق إلى المنصة وطلب الميكروفون من منظمي الحفل، بحجة «مفاجأة سارة تخص عائلته الكريمة». اعتلى المنصة بابتسامته الزيتية المعتادة، ونظر مباشرة نحوي بنظرة انتصار مسبق. — أيها الحضور الكرام، يسعدني أن أعلن الليلة
الفصل الثالث والعشرون: القلب يتمرّدفي الأيام التي تلت الحفل، بدأت رنا الخوري تظهر بشكل متكرر في حياة الشركة، تحت غطاء «الشراكة الاستراتيجية» التي ذكرتها. كانت تحضر الاجتماعات، وتتصل بآدم مباشرة دون المرور بسامر، وتترك في مكتبه هدايا صغيرة أنيقة بذريعة الصداقة القديمة. لاحظتُ أن آدم يتعامل معها بحذر شديد، لكنه لا يستطيع أن يرفض التعاون التجاري الذي تمثله، فالبنك الذي تديره ضروري لتمويل مرحلة جديدة من مشروع الميناء.كنتُ أراقب كل هذا بصمت، أحاول أن أقنع نفسي بأن ما أشعر به مجرد قلق مهني، لكن قلبي كان يعرف الحقيقة أفضل مني: كنتُ أغار، غيرة حقيقية خالصة لا علاقة لها بالعقد أو بالمصلحة.في مساء أحد الأيام، دخلتُ مكتب آدم لأسلمه بعض الأوراق الموقعة، فوجدتُ رنا تجلس أمامه، تضحك على شيء قاله، ويدها تلمس ذراعه بثقة زائدة. توقفتُ عند الباب لحظة، فشعر آدم بحضوري وسحب ذراعه بسرعة كطفل ضُبط متلبسًا، لكن الأذى كان قد وقع بالفعل في قلبي.— ليلى، — قال بصوت متوتر، — كنا فقط نناقش تفاصيل التمويل.— لا داعي للتفسير، — قلتُ بهدوء بارد وضعتُ الأوراق على المكتب. — هذا عملك، لا شأن لي به.خرجتُ من المكتب
الفصل الثاني والعشرون: المرأة الثالثةلم يمض أسبوع حتى وصلت دعوة أنيقة إلى القصر، من نوع لم أتوقعه: حفل استقبال يقيمه بنك «الشرق للاستثمار» لتكريم كبار عملائه، وعلى رأس المدعوين اسم لم أسمعه من قبل: السيدة «رنا الخوري»، الشريكة الجديدة للبنك، والتي وُصفت في بطاقة الدعوة بأنها «صديقة قديمة للسيد آدم الراوي».حين رأى آدم بطاقة الدعوة على الطاولة، توقف للحظة، وظهر على وجهه تعبير لم أفهمه، مزيج من المفاجأة وشيء آخر أعمق.— من هي رنا الخوري؟ — سألتُ بفضول لم أخفه.— كنا... معًا، قبل سنوات. في إنجلترا، أثناء الجامعة. — قال بحذر، وكأنه يقيس كل كلمة. — انفصلنا حين عدتُ لأتولى الشركة بعد وفاة أبي. لم أرها منذ ذلك الحين.شعرتُ بشيء يشبه الغيرة يتسلل إلى صدري، غيرة لم أكن أتوقع أن أشعر بها تجاه ماضٍ لا علاقة لي به. لكنني تذكرتُ نفسي بسرعة: أنا زوجة على الورق، لا يحق لي أن أغار.وقفتُ أمام مرآتي قبل الحفل بساعة، أرتدي الفستان الفضي وأحاول أن أقنع نفسي بأن ما أشعر به مجرد قلق عابر، لكن يدي كانتا ترتجفان وأنا أثبّت أقراطي، وأدركتُ أن قلبي بدأ يتصرف بطريقة لم أعد أسيطر عليها، رغم كل التحذيرات التي و
الفصل الحادي والعشرون: هدنة هشّةبعد ليلة الشرفة، بدا القصر وكأنه يتنفس بإيقاع مختلف. صار آدم يأتي إلى الإفطار كل صباح بدل أن يكتفي بفنجان قهوة يحمله إلى مكتبه، وصرنا نتناقش في الأخبار والكتب كزوجين حقيقيين، لا كشريكين في صفقة. حتى زينب لاحظت التغيير، وبدأت تعاملني بلطف أعمق من مجرد الواجب.لكن الهدنة، كما تعلمتُ في هذا البيت، لا تدوم طويلًا دون أن يخترقها ظل من الماضي.كنتُ أستمتع بتلك الأيام الهادئة رغم معرفتي أنها مؤقتة، كمن يجلس في عين العاصفة يستجمع قواه قبل أن تعصف به الرياح من جديد. كنتُ أتعلم أن أستمتع باللحظة دون أن أسأل نفسي إلى متى ستدوم، وهو درس لم أكن أجيده من قبل، فحياتي علّمتني دائمًا أن أترقب الضربة القادمة أكثر مما أستمتع بلحظة السكينة.في أحد الأيام، طلبت مني الجدة نورة مرافقتها إلى السوق القديم لشراء بعض التوابل النادرة التي لا تجدها إلا هناك، عادة سنوية تحرص عليها رغم تقدمها في السن. أثناء تجوّلنا بين الأزقة الضيقة المزدحمة بالباعة وروائح البهارات، توقفتُ فجأة أمام محل صغير لبيع الأقمشة، إذ لمحتُ امرأة تفحص قطعة حرير أزرق، وكان وجهها يشبه وجهًا أعرفه جيدًا.كانت سو