تسجيل الدخولأدريان بلايكودأغلقت الباب خلفي بهدوء ثم ألقيت بنفسي على الأريكة. كنتُ منهكاً، لكن الإرهاق لم يكن جسدياً هذه المرة.أخرجت هاتفي بسرعة، وأصابعي تعرف الرقم عن ظهر قلب قبل أن تفكر فيه عقلي.ردت آريا من المكالمة الأولى. طبعاً، هي دائماً تنتظر."أدريان؟" صوتها حاد ونافذ. "أخبرني أنك وصلت واستطعت إيجادها."نظرت إلى السقف الأبيض، إلى ذلك البياض الناصع الذي يشبه الفراغ الذي أشعر به أحياناً. "وصلت. أنا هنا. رأيتها للتو."سألت بذلك الفضول البارد الذي تعرفه عنها كل من يعرفها. "أحذر أدريان.. إلينور ذكية وقد تكتشف أمرك.. ""تبدو..." توقفت، أبحث عن الكلمة التي لا تجرح كبريائي ولا تخون ما رأيته حقاً. "...بريئة. طيبة جداً. صادمة في بساطتها. كأنها قطعة من الكريستال لا تريد أن تكسرها."ضحكت آريا وسألت: "هل هذا يعني أنك تخففت تجاهها؟""لا." كانت كلمتي سريعة، حاسمة، ربما أكثر مما ينبغي. "لكني لا أفهم لماذا تكرهينها بهذه الدرجة. الفتاة تبدو هادئة، خجولة، لا تحمل معها سوى حقائبها وأحلامها."تغيرت نبرتها فجأة، وأصبحت جليدية لدرجة شعرت بها عبر الهاتف كصقيع يزحف على جلدي. "أنت لا تعرف ما فعلته. لا تعرف كيف
إلينور فانستوقفت السيارة أمام عمارة جميلة وأنيقة، ذات واجهة حجرية تتسلقها زهور ياسمين برية، وأبواب خشبية منحوتة بدقة تضفي عليها طابعاً كلاسيكياً دافئاً. نظرت إليها من نافذة السيارة، وشعرت بشيء يشبه الاطمئنان يتسلل إلى قلبي المتعب. دفعت ثمن الرحلة إلى السائق، ونزلت من السيارة ببطء، أمسكت بحقيبتي الصغيرة بقوة، وكأنها آخر ما تبقى لي من حياة قديمة. وقفت هناك للحظات، أنظر إلى العمارة، إلى الشرفة الصغيرة في الطابق الثالث التي ستكون منزلي الجديد، إلى الغيوم البيضاء التي تتهادى في السماء الزرقاء، وحاولت أن أتنفس بعمق."هنا سنبدأ، يا صغيري،" همست لبطني، ورسمت على شفتيّ ابتسامة خفيفة. "بيت جديد، حياة جديدة."توجهت إلى صندوق السيارة لأخرج حقائبي الثقيلة. كنت أتلمس طريقي، أحاول جر حقيبة ضخمة لا تكاد يدان تحملانها، وحقيبة أخرى أصغر على كتفي، بينما كنت أتجه نحو المدخل متعثرة بخطواتي غير المتزنة.وفي لحظة غفلتي، أثناء التفافتي لأسحب الحقيبة الثقيلة خلفي، اصطدمت بشيء صلب. لا، بشخص. نعم، شخص واقف خلفي تماماً، ولم تكن عيناي تنتبهان."آه!" صرخت مذعورة، وفقدت توازني فجأة. شعرت بنفسي أميل إلى الخلف، وال
إلينورالسيارة تهتز برفق مع حركة الطريق، ونظرت من النافذة إلى المشاهد التي تتغير خلف الزجاج. مدنٌ تمر، قرى تختفي، أشخاص لا أعرفهم ولا يعرفونني. كل شيء يتحرك بسرعة، وكأن العالم كله يحاول الهروب معي. لكنني لم أستطع الهروب من نفسي.وضعت يدي على بطني. هناك، تحت راحتي، حياة صغيرة لا تعلم بعد أنها كانت سبباً في هدم قلعة كنت قد بنيتها حول قلبي. كنت قد قررت سابقاً ألا اخبر جوليان بوجودك، يا صغيري. قررت أن أحمل سرّي وحدي، أن أحميك من تعقيداته، أن أعيش حياتي الجديدة كأم وحيدة تربي طفلها بعيداً عن كل ذلك الضجيج.لكنني تراجعت في النهاية.لم أستطع أن أمنعه من المعرفة. لم أستطع أن أسرق منه حقه في أن يعلم أن هناك قطعة منه تنمو بداخلي. ما كان بيننا كان حياة، حياة حقيقية، مليئة بالدفء والحب واللحظات التي لا تنسى. وبسبب تلك الحياة، خُلق بداخلي جنين يكون قطعة منا، مني ومنه. مزيج من روحين لم تكتمل إحداهما دون الأخرى.أغمضت عينيّ بألم.. بكيت طويلاً وأنا أكتب تلك الكلمات، بكيت وأنا أطويها بين ثنايا الرسالة، بكيت وأنا أتركها على وسادته وأنا أعرف أنها ستكسر قلبه بقدر ما كسرت قلبي.لكن ماذا كان بإمكاني فعله؟
جوليانكانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة ليلاً حين عدت إلى القصر. لم يكن ثمّة من ينتظرني، كما جرت العادة في الأشهر الأخيرة، سوى صوت خطواتي التي تتردد على الرخام. خلعت معطفي وألقيت به على الكرسي القريب، ثم مددت يديّ لأفك ربطة عنقي التي كانت تخنقني منذ ساعات.لكنني توقفت فجأة.شيء ما في الهواء كان مختلفاً. رائحة خفيفة.. زهرية، ناعمة. رائحتها. رائحة إلينور. لكنها كانت هنا، في القصر، مع أنني أعرف أنها في منزل جدتها. أدارت جدتها هاتفها طوال اليوم، ولم ترد على رسائلي.هرعت إلى غرفة المعيشة، ثم إلى المطبخ، ثم إلى الطابق العلوي. لا أحد. لكن الرائحة كانت أقوى هناك، في غرفتها. فتحت الباب ببطء، وقلبي يدق بسرعة غريبة، وكأنه يعرف شيئاً لا أعرفه أنا.كانت غرفتها مرتبة كما تركتها لكن على الوسادة، كان هناك شيء أبيض يلفت النظر. اقتربت منه وأنا أتجمد خطوة بخطوة، وكأن قدماي ترفضان حملي إلى هناك. التقطت الورقة، وخطوطها المألوفة جعلت قلبي يتوقف للحظة.كان خطها، ناعماً ودقيقاً، لكن الحروف كانت مهتزة قليلاً، وكأنها كتبته وهي تبكي."جوليان،أكتب إليك هذه الكلمات وأنا لا أعرف من أين أبدأ. لكني سأبدأ بالنهاية،
إلينوراستيقظت هذا الصباح على شيء مختلف. لم يكن ألماً، ولا غثياناً واضحاً، بل كان ذلك الشعور الغريب الذي يسكن أعماقك ويخبرك أن شيئاً ما تغير. جلست على حافة السرير، وشعرت بدوخة خفيفة تعصف برأسي، فوضعت كفي على جبهتي محاولة تثبيت العالم من حولي.ثم تذكرت.الدورة الشهرية. كم مضى عليها؟ حاولت العد في ذهني، وكل رقم كان يزيد من نبض قلبي. ثلاثة أسابيع. لا، أربعة. يا إلهي، أربعة أسابيع كاملة.نهضت ببطء، وكأن جسدي أصبح فجأة أثقل مما كان عليه. وقفت أمام المرآة في غرفتي، ونظرت إلى وجهي الشاحب، إلى عينيّ اللتين تحملان هالات سوداء من ليالٍ قضيتها مستيقظة أفكر. في جوليان، في كل شيء."لا يمكن،" همست لنفسي، وراحتي تلامس بطني برفق. "هذا مستحيل.."ارتجفت وأنا أفتح درج الحمام. كان الاختبار هناك، في الخلف، مخبأً خلف علبة مسكنات الرأس. اشتريته أمس بعد كلام جدتي. أمسكت بالعلبة الصغيرة، وأصابعي ترتجف وكأنني امسك بحياتي كلها. قرأت التعليمات مرتين، ثلاث مرات، وكأن عقلي يرفض استيعاب الكلمات. ثم نفذت الخطوات ببطء شديد، وكأن كل حركة يمكن أن تغير النتيجة.وبعد دقائق، جلست على حافة حوض الاستحمام، وعيناي مثبتتان عل
آرياترددت أصابعي فوق شاشة الهاتف للحظة، وكأنها تترجم ارتباك قلبي. كنت أنظر إلى الرقم المجهول الذي حصلت عليه بصعوبة بالغة، ذلك الرقم الذي كان يمثل لي بوابة الخلاص أو ربما بوابة الجحيم. تنهدت بعمق، شعرت بضيق في صدري، ثم ضغطت على زر الاتصال."ألو؟"صوته جاء هادئاً، عميقاً، وكأنه كان ينتظر مكالمتي منذ زمن. شعرت للحظة برغبة في إنهاء المكالمة، في التراجع، في نسيان كل شيء والعودة إلى حياتي البائسة التي كنت أعيشها قبل أن أعرف حقيقة إلينور وجوليان. لكن صورة عينيهما وهما يتبادلان النظرات ذلك المساء، صورة إلينور وهي تضحك بين ذراعيه في شهر عسلهم المزعوم.. كل ذلك دفعني للمضي قدماً."أنا... ترددت كثيراً قبل الاتصال بك"، قلت أخيراً، وصوتي كان يرتجف قليلاً على الرغم من محاولتي تثبيته. "كنت أخشى أن أكون مخطئة، أن أكون مجرد امرأة محطمة تحاول إلقاء اللوم على الآخرين بسبب فشلها. لكن... ولكنني قررت في النهاية أن أتعاون معك."ساد الصمت للحظة، ثم سمعت تنهيدة خفيفة من الطرف الآخر. "أنا سعيد بأنك اتخذت هذا القرار، آريا. صدقيني، هذا القرار ليس لمصلحتي أنا فقط، إنه لمصلحتك أيضاً. أنتِ قررتِ الصالح لحياتك، حتى
إلينور فانس الرَّجُلُ الَّذِي يَقِفُ أَمامَهُم لَيسَ شَخصًا يُمْكِنُهُم النَّجاةُ مِنهُ. ما إن خَطا للأمامِ حَتى تَراجَعوا بِسُرعَةٍ، ارتَطَمَت أجسادُهُم بِبَعضِها كَفِئرانٍ مَذعُورَةٍ حُوصِرَت فِي زاويَةٍ مُظلِمَةٍ بِلا مَهرَبٍ. أطبَقَ إحدَهُم فَمَهُ بِكَتمَةٍ مَذعورَةٍ، وارتجَفَ الآخَرُ فِي مَ
إلينور فانس ظلّت عيناي تجول الطريق بشرود، قبل أن يقطع تمعني الصامت صوت الإشعارات يوضح وصول رسالةٍ ما لهاتفي.أخرجته من الحقيبة وطالعته باستغراب لوهلة، قبلما أتحرى هوية المرسل. جحظت عيناي بصدمة عندما رأيت أن المرسل هو والدي، كان آخر من توقعت أن يُراسلني! فتحت المحادثة باضطراب سعيت لإخفائه، ونظرت لم
إلينور فانس استيقظت مساءً بعد عدة ساعاتٍ، ولحسن حظي فلم تفوتني الحفلة بعد؛ فكان موعد الحفل التاسعة مساءً، فيما كانت الساعة لا تزال السابعة والنصف، لذا لا يزال أمامي ساعة ونصف.كنت أتمنى لو أستطيع رفض دعوة ذهابي، كحالها مع باقي الدعوات المرفوضة المتراكمة لديّ، ولكن وحسب علمي فهذا الحفل هو الأكبر وا
إلينور فانس انحنيتُ بجسدي، ألمس ببرودة أطراف أصابعي زجاجات الخمر المتناثرة التي ملأت المكان برائحة العفن متناثرة جوار جسد والدي المتهاوي أرضاً، مخموراً كما اعتدتُ عليه منذ خُلِقتُ.تنهدتُ بيأسٍ استعمر ثناياي من تكرار ذات المشهد طوال أعوامٍ طويلة؛ يأتي مخموراً فجراً بعد السهر في إحدى حانات الإيست إ







