LOGIN
"أنا مستحيل أتجوز!"
ارتفع صوت ريان داخل المكتب حتى ارتجت الجدران، ثم دفع الملف الموضوع أمامه بعنف فانزلق فوق المكتب الخشبي واستقر عند يد المحامي.
رفع المحامي نظارته بهدوء وقال: "اهدى يا أستاذ ريان... دي كانت وصية الحاجة سلوى."
قبض ريان على حافة المكتب حتى برزت عروق يده، وقال من بين أسنانه: "أنا قولتلك مفيش جواز... لا دلوقتي ولا بعدين."
في تلك اللحظة، انفتح باب المكتب دون استئذان.
دخلت امرأة مسنة تتكئ على عصاها، لكن هيبتها كانت تكفي لإسكات أي شخص.
ابتسمت ابتسامة خافتة وهي تقول: "يعني هترفض آخر طلب لجدتك؟"
تجمد ريان مكانه.
"تيتا... المفروض تكوني في المستشفى."
ابتسمت بحنان وهي تجلس ببطء على المقعد المقابل له.
"هربت."
تنهد المحامي باستسلام، بينما مرر ريان يده بين شعره بانزعاج.
"إنتِ تعبانة، ليه عملتي كده؟"
أجابته وهي تنظر إليه بعينين امتلأتا بالرجاء: "علشان أعرف آخد منك وعد قبل ما أموت."
قطب جبينه بسرعة.
"متقوليش الكلام ده."
ابتسمت بصعوبة.
"كلنا هنموت يا ريان... الفرق إن في ناس بتلحق تعمل اللي نفسها فيه قبلها."
ساد الصمت.
خفضت رأسها للحظات ثم قالت بهدوء: "نفسي أشوفك متجوز."
أغمض عينيه بقوة.
هذا الحديث يتكرر منذ سنوات.
وكل مرة يرفض.
لكن هذه المرة مختلفة...
ملامح جدته الشاحبة، أنبوب المحلول الذي ما زال معلقًا بيدها، وصوتها الضعيف... كل ذلك كان يضغط فوق صدره.
اقترب منها وجلس أمامها.
"ليه مصممة على الجواز؟"
ابتسمت بحزن.
"لأنك بقيت لوحدك."
"أنا كويس."
"لا."
قالتها بحزم مفاجئ.
"من ساعة وفاة والدك وإنت قفلت قلبك... شغلك بقى بيتك، والشركة بقت حياتك... ولما ترجع القصر محدش بيستناك."
صمت.
لم يجد ما يقوله.
أمسكت يده برفق.
"أنا مش خايفة عليك دلوقتي... أنا خايفة عليك بعد ما أمشي."
ابتلع ريقه بصعوبة.
"تيتا..."
قاطعته وهي تضغط على يده.
"اتجوز."
أبعد يده برفق ونهض.
"مش هينفع."
"ليه؟"
نظر بعيدًا.
"لأني مش هعرف أحب حد."
ابتسمت.
"أنا مطلبتش منك تحب."
التفت إليها.
"طلبت منك تدي لنفسك فرصة."
قبل أن يجيب، دوى رنين هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
"المستشفى."
فتح الخط بسرعة.
"أيوة."
جاءه صوت الطبيب.
"أستاذ ريان... إحنا محتاجين حضرتك تيجي حالًا."
قطب جبينه.
"فيه إيه؟"
"الحاجة سلوى تعبت فجأة بعد ما خرجت، وحالتها استقرت بصعوبة... لازم تيجي."
رفع رأسه بصدمة.
نظر إلى جدته.
ثم إلى الهاتف.
ثم عاد ينظر إليها.
كان الكرسي...
فارغًا.
تسارع نبضه.
التفت للمحامي.
"تيتا فين؟"
رمقه المحامي باستغراب.
"هي لسه خرجت من المكتب من دقيقة."
ركض ريان خارج المكتب.
في الجهة الأخرى من المدينة...
كانت ليلي تركض داخل ممرات المستشفى وهي تحمل ملفات المرضى.
"دكتورة سمر... أوضة 312 محتاجة حضرتك بسرعة."
أجابت وهي تلتقط أنفاسها: "جاية."
دخلت الغرفة بسرعة.
اقتربت من السيدة المريضة وابتسمت لها.
"إزيك النهارده يا طنط؟"
ابتسمت السيدة بتعب.
"الحمد لله يا بنتي."
عدلت ليلي الوسادة خلف ظهرها، ثم ناولتها كوب الماء.
"خدي الدوا الأول."
قالت المرأة بابتسامة: "ربنا يكرمك يا بنتي... إنتِ أحن من ولادي."
ابتسمت ليلي رغم الإرهاق.
"متقوليش كده."
رن هاتفها.
نظرت إلى الاسم...
يوسف.
تنهدت ثم خرجت إلى الممر.
"أيوة يا يوسف."
جاءها صوته مرتبكًا.
"ليلي... ماما وقعت تاني."
شحب وجهها.
"إيه؟"
"الدكتور قال لازم العملية بسرعة."
أغمضت عينيها.
"أنا جاية."
أنهت المكالمة وهي تشعر أن الأرض تميد تحت قدميها.
قبل أسبوع فقط أخبرهم الطبيب أن حالة والدتها لم تعد تحتمل التأجيل.
تكلفة العملية كانت أكبر بكثير مما تملك.
استدانت من الجميع.
باعت ذهبها.
باعت سيارة والدها القديمة.
حتى مدخراتها انتهت.
ولم يعد ينقصها سوى مبلغ واحد...
لكنه كان أكبر من قدرتها.
تنهدت وهي تمسح دمعة هاربة.
لا وقت للبكاء.
عادت لإكمال عملها.
بعد ساعات...
خرجت ليلي من المستشفى متعبة.
كانت تمشي ببطء وهي تنظر إلى كشف الحساب البنكي على هاتفها.
تنهدت.
"ربنا كريم."
فجأة...
توقفت سيارة سوداء فاخرة بجوارها.
نزل منها رجل يرتدي بدلة رسمية.
اقترب منها باحترام.
"آنسة ليلي؟"
نظرت إليه باستغراب.
"أيوة."
أخرج بطاقة تعريف.
"أنا المحامي الخاص بالأستاذ ريان."
عقدت حاجبيها.
"ريان مين؟"
ابتسم ابتسامة رسمية.
"شخص محتاج يقابلك."
"وأنا معرفوش."
"يعرفك."
ازدادت دهشتها.
"أكيد في غلط."
مد إليها بطاقة.
"العنوان موجود... لو سمحتي احضري بكرة الساعة عشرة."
أعادت البطاقة إليه.
"مش هينفع."
استدار ليغادر، ثم توقف وقال دون أن ينظر إليها:
"المقابل المادي هيكون خمسة ملايين جنيه."
تجمدت.
اتسعت عيناها بذهول.
هل سمعت الرقم صحيحًا؟
استدار إليها وقال بهدوء:
"وده مجرد مقابل موافقتك على المقابلة."
اختفى لون وجهها.
همست:
"...مقابلة بإيه؟"
نظر إليها للحظة طويلة، ثم قال الجملة التي جعلت قلبها يتوقف.
"الأستاذ ريان عايز يتجوزك."
...
يتبع...
استيقظت ليلي في ذلك الصباح على صوت ريان وهو يفتح الستائر، ففتحت عينيها بتثاقل ونظرت إليه.— الساعة كام؟— تسعة.أغلقت عينيها من جديد.— بدري أوي.ضحك ريان.— تسعة بدري؟— بالنسبة لي آه.جلس على طرف السرير وقال:— عندك حاجة النهارده؟فتحت عينًا واحدة.— لا.— كويس.— ليه؟— عشان أنا كمان فاضي.جلست وهي تنظر إليه بشك.— وإيه الخطة؟— مفيش خطة.— يعني؟— يعني هنقضي اليوم مع بعض من غير ما نخطط له.ابتسمت.— دي أول مرة تقول حاجة منطقية من الصبح.— شكرًا.— العفو.بعد الإفطار، لم يخبرها ريان إلى أين سيذهبان. اكتفى بأن قال لها:— البسي حاجة مريحة.— وهنروح فين؟— لما نوصل تعرفي.— أنا مش بحب المفاجآت.— عارف.— أمال بتعملها ليه؟— عشان أشوف رد فعلك.نظرت إليه بضيق مصطنع.— أنت بتستمتع باستفزازي.— جدًا.ركبا السيارة، وبعد نحو نصف ساعة توقفت أمام مكان هادئ يطل على النهر، تنتشر فيه مساحات خضراء ومقاعد خشبية وأكشاك صغيرة.نظرت ليلي حولها بدهشة.— إحنا هنا ليه؟— مش قلت لك يوم لنا وحدنا؟ابتسمت.— يعني خططت فعلًا؟— قلت لك مفيش خطة.— واضح إن عندك تعريف مختلف لكلمة «مفيش خطة».ضحك.— المهم، عاجب
لم تكن ليلي تتوقع أن تبدأ المشكلة من شيء صغير إلى هذا الحد.كل ما حدث أنها عادت إلى المنزل في المساء، وضعت حقيبتها على الأريكة، ثم توجهت إلى غرفة النوم لتبدل ملابسها. وبعد دقائق خرجت وهي ترتدي ملابس منزلية مريحة، لكنها فوجئت بأن ريان لم يكن في غرفة المعيشة كعادته.نادته وهي تتجه نحو المطبخ:— ريان؟لم يجب.رفعت صوتها قليلًا:— ريان، أنت فين؟جاءها صوته من الشرفة:— هنا.خرجت إليه، فوجدته واقفًا أمام السور، يتحدث في الهاتف. ما إن لمحها حتى أنهى المكالمة.ابتسمت وقالت:— خلصت؟— أيوه.— كنت بتكلم مين؟تردد لثانية.— حد من الشغل.رفعت حاجبها.— حد؟— أيوه.— مش هتقول مين؟نظر إليها مبتسمًا.— ليه التحقيق؟— مفيش تحقيق. بس بسأل.— خلاص، زميلة.توقفت ليلي.— زميلة؟— آه.— اسمها إيه؟ابتسم ريان عندما لاحظ التغير في نبرة صوتها.— إيه ده؟— إيه؟— أنتِ غيرانة؟عقدت ذراعيها.— أنا؟ لا طبعًا.— نفس جملتي بالضبط.— إيه دخل جملتك؟— لما سألتك عن سارة وقلتيلي «مش غيرة».— وأنا فعلًا مش غيرانة.اقترب منها خطوة.— طيب ليه عايزة تعرفي اسمها؟— عادي.— عادي؟— أيوه.ظل ينظر إليها وهو يخفي ابتسامته.—
في صباح اليوم التالي، كانت ليلي تقف أمام المرآة وهي تحاول إغلاق سوارها بصعوبة، بينما كان ريان يراقبها من خلفها منذ عدة دقائق دون أن تتنبه إليه. كانت ترتدي ملابس بسيطة استعدادًا للخروج، وشعرها مرفوع بطريقة عشوائية جعلت بعض خصلاته تسقط حول وجهها.قال ريان أخيرًا وهو يستند إلى إطار الباب:— لو فضلتِ تحاولي بالطريقة دي، السوار هيكرهك.التفتت إليه بسرعة وقالت:— وأنا مالي؟ هو اللي مش راضي يتقفل.اقترب منها ومد يده.— هاتي.ناولته السوار وهي تتمتم:— اتفضل يا أستاذ ريان، وريني مهاراتك العظيمة.أمسك معصمها برفق، وأغلق السوار بسهولة.رفعت حاجبها بدهشة مصطنعة.— إزاي عملتها؟ابتسم.— لأن عندي مهارات عظيمة فعلًا.ضحكت وهي تسحب يدها.— لا، أنت محظوظ بس.— طبعًا. كل حاجة بعملها في حياتي حظ.— بالضبط.نظر إليها لحظة قبل أن يقول:— خلصتِ؟— أيوه.— يبقى يلا.توقفت ليلي وهي تنظر إليه باستغراب.— رايحين فين؟— عندك مشوار، مش كده؟— عندي.— وأنا هوصلك.عقدت ذراعيها أمام صدرها.— مش محتاجة توصيلة.— عارف.— أمال؟— عايز أوصلك.نظرت إليه للحظات، ثم قالت بنبرة ساخرة:— هو أنت بدأت تتحكم فيا؟اختفت ابتسام
— ريان!جاء صوته من غرفة المعيشة:— نعم؟— تعالى هنا حالًا!خرج ريان من المطبخ وهو يمسح يديه بالمنشفة.— في إيه؟أشارت ليلي إلى الهاتف في يدها.— شوف.اقترب منها.— إيه ده؟— الرسالة اللي بعتها لي.قرأها، ثم رفع عينيه إليها.— وإيه المشكلة؟— إنت كتبت "أنا عارفك أكتر من نفسك".— آه.— مين سمح لك تقول كده؟ابتسم.— عادي.— عادي إزاي؟— عشان فعلًا عارفك.ضحكت بسخرية.— طيب؟— طيب إيه؟— اختبار.— اختبار إيه؟— أشوف إذا كنت فعلًا عارفني ولا بتتكلم وخلاص.جلس ريان أمامها.— موافق.— من غير غش.— طبعًا.— أول سؤال.— اتفضلي.— إيه أكتر حاجة بتضايقني؟أجاب فورًا:— إن حد يقلل منك أو يحسسك إن رأيك مش مهم.سكتت ليلي.— صح.— السؤال التاني.— إيه أكتر حاجة بتحبها فيا؟تأملها.— إنك قوية من غير ما تحاولي تثبتي إنك قوية.اختفت ابتسامتها قليلًا.— دي إجابة حلوة.— عارف.— متغرورش.— حاضر.— تالت سؤال.— إيه؟— إيه أكتر حاجة بتخوفني؟فكر ريان هذه المرة.— إنك تخذلي شخص وثق فيك.نظرت إليه بدهشة.— إنت عرفت ده إزاي؟— من كلامك.— أنا قلت لك كده؟— مش بشكل مباشر.ابتسمت.— طيب، نقطة ليك.— أنا متقدم.
— أنا تعبانة.قالتها ليلي فور أن دخلت المنزل، ثم خلعت حذاءها وتركت حقيبتها على المقعد.نظر إليها ريان من غرفة المعيشة.— يومك كان صعب؟— طويل.— طب روحي ارتاحي.— مش عايزة.— أمال عايزة إيه؟جلست على الأريكة ورفعت قدميها أمامها.— مش عارفة.اقترب منها ريان.— دي إجابة؟— آه.— طيب أنا عندي اقتراح.— إيه؟— ناكل.— مش عايزة.— نطلب حاجة؟— مش عايزة.— نتفرج على فيلم؟— مش عايزة.— نخرج؟— مستحيل.— أنام؟ابتسمت.— دي أحسن فكرة.— يعني أسيبك؟— لا.— طب أعمل إيه؟نظرت إليه لحظات ثم قالت:— اقعد.جلس بجوارها.— كده؟— آه.— وبعدين؟— ولا حاجة.نظر إليها باستغراب.— إنتِ عايزاني أقعد بس؟— أيوه.— من غير كلام؟— ممكن.— من غير تلفزيون؟— آه.— من غير موبايل؟— آه.وضع ريان هاتفه على الطاولة.— خلاص.بعد دقيقة واحدة فقط قال:— زهقت.التفتت إليه وهي تضحك.— إنت مستحيل.— ما أنا مش متعود أقعد من غير ما أعمل حاجة.— اتعود.— طيب نتكلم.— عن إيه؟— أي حاجة.فكرت قليلًا.— لما كنت صغير، كنت بتحب إيه؟رفع ريان حاجبه.— سؤال مفاجئ.— جاوب.— كنت بحب العربيات.— متوقعة.— والكرة.— دي كمان متوقعة.
— ليلي، إنتِ بتعملي إيه؟رفعت ليلي رأسها من فوق الهاتف.— ولا حاجة.— بقالك عشر دقايق بتكتبي.— عادي.جلس ريان أمامها.— بتكلمي مين؟رفعت حاجبها.— هو استجواب؟— بسأل.— واحدة أعرفها.— مين؟— مش هقول.سكت ريان للحظة.— ليه؟ابتسمت ليلي.— عشان أشوف رد فعلك.— يعني بتلعبي بيا؟— شوية.— طيب.نهض ريان.— أنا خارج.رفعت عينيها بسرعة.— خارج فين؟— مش هقول.— ريان!ضحك.— عرفتِ بقى.— دي حركة سخيفة.— بس نفعت.وضعت هاتفها جانبًا.— كنت بكلم سارة.توقف.— سارة؟— آه.— صاحبتك القديمة؟— أيوه.— وبتتكلموا عن إيه؟— حاجات بنات.— تمام.عاد وجلس.نظرت إليه ليلي بخبث.— شكلك اتضايقت.— لأ.— أكيد؟— آه.— كنت غيران؟— من سارة؟— أيوه.ضحك.— ليلي، أنا عارف سارة.— يعني مش غيران؟— لا.— خيبة أمل.— ليه؟— كنت عايزة أشوفك بتغير.— وأنا ممكن أغير من مين بالضبط؟— أي حد.— مش هتلاقي.— متأكد؟— جدًا.— حتى لو كلمت شخصًا تاني؟— لو شخص محترم، لأ.— ولو مش محترم؟— هعرفه إنك مش متاحة.ابتسمت.— إزاي؟— بطريقة تخليه يفهم.— غامض.— مش محتاج أشرح.— طب ماشي.أخذت هاتفها، ثم قالت:— بالمناسبة، سارة ق







