LOGIN**الفصل الثالث**
الصبح كان تقيل عليا أوي. صحيت على الكنبة وأنا محطمش. ضهري واجعني، وراسي تقيل كأن حد ضربه. نور الشمس داخل من الستارة، وصوت عربيات الشارع بيرجعني للواقع بالكد. قمت ببطء. الأوضة لسه هادية. باب أوضة النوم مقفول. عمي ونورة لسه نايمين، أو على الأقل بيتصنّعوا النوم. دخلت الحمام، غسلت وشي بمية ساقعة، وبصيت في المراية. وشي أحمر، وعينيّ منفوخين، وشايف في ملامحي حاجة غريبة… حاجة مش أنا. طلعت من الحمام لقيت نورة واقفة في المطبخ. لابسة روب أسود طويل، وشعرها مربوط في كعكة بسيطة. بتعمل قهوة، وظهرها ليّا. لما حست بيا، التفتت. ابتسمت ابتسامة هادية كأن الليلة اللي فاتت ما حصلتش. «صباح الخير يا ساري. نمت كويس؟» صوتها عادي. دافئ. كأنها مامتي بجد. هزيت راسي. قلت بصوت مبحوح: «صباح الخير… نعم، كويس.» كذبة واضحة. هي عرفت، بس ما علقتش. صبّت القهوة في فنجانين، ومدّت ليّ واحد. صوابعها لمست صوابعي ثانية زيادة عن اللزوم وأنا باخد الفنجان. «عمي لسه نايم» قالت وهي بتقلب السكر في فنجانها. «الدوا بتاعه بيخليه ينام تقيل. ه يصحى بعد ساعة كمان.» سكتّ. هي قربت مني، واتكأت على الرخامة جنبي. ريحتهها الصبح كانت أخف، بس لسه موجودة. همست من غير ما تبص في عيني: «فكرت في اللي قلته لك امبارح؟» القهوة اتحرقت في بقي. حطيت الفنجان وحسيت إيدي بترعش تاني. «نورة… أنا مش قادر. ده أكبر مني. لو حصل وعرف عمي…» هي قطعت كلامي بهدوء: «مش هيحصل. أنا ضامنة. وإنت لو وافقت، أنا هرتب كل حاجة. مش هخليك تندم.» بعدين رفعت عنيها ليا أخيرًا. النظرة دي تاني… النظرة الجعانة الهادية. «أنا مش مستعجلاك» قالت. «خد وقتك. بس كل يوم بيمر وأنا بحس إن عمري بيضيع. وإنتي عارف إني مش من النوع اللي بيطلب بسهولة.» الكلام اتقسم عليا. حاسة بالذنب، وحاسة بالرغبة في نفس الوقت. وأنا واقف بينها وبين الحيط، مش عارف أروح فين. فجأة سمعنا صوت حركة من الأوضة. عمي بيصحى. نورة ابتسمت ابتسامة سريعة، وبعدت عني خطوتين، ورفعت صوتها كأنها بتتكلم عادي: «القهوة جاهزة يا ساري. عايز بيض؟» دخلت عمي خالد بعد شوية. وشه متعوب، وعينه حمرا. بص ليّا وابتسم ابتسامة تعبانة. «صباح الخير يا ساري. باتت هنا؟ أصل نورة قالت لي إنك كنت تعبان امبارح.» هزيت راسي. قلت وأنا مش قادر أبص في وشه: «أيوه يا عمي… راسي كان واجعني.» نورة كانت واقفة وراه، وبصّت ليّا فوق كتفه. ابتسامة صغيرة خفيفة على شفايفها، كأنها بتقول: «شايف؟ كل حاجة تحت السيطرة.» عمري ما حسيت إني صغير وضعيف زي اللحظة دي. بعد الفطار، عمي نزل يشتري جرايد زي عادته. فضلنا أنا ونورة لوحدنا في الشقة. هي قفلت الباب وراه، ورجعت للمطبخ. وأنا لسه قاعد على الكرسي، مش قادر أقوم. جأت جنبي، وقعدت على الكرسي المقابل، ومدّت إيدها فوق الترابيزة لمست إيدي. «ساري» قالت بصوت واطي. «أنا عارفة إنك طيب أوي. وعارفة إن اللي بطلبه منك صعب. بس أنا مش لاقية حل تاني. الدكتور قال إن فرصة عمي شبه معدومة. وأنا مش قادرة أستنى أكتر.» شالت إيدها، وبعدين قالت جملة خلتني أتجمد: «لو وافقت… أنا هخليك تحس إنك راجل. مش هخليك تحس إنك بتغتصب أو بتعمل حاجة وحشة. هخليك تحس إنك بتعمل حاجة حلوة… ليا وللبطن اللي نفسي أملأها.» سكتت، وبصّت في عيني طويل. «فكر كويس. وأنا مستنياك.» قامت ومشت ناحية الأوضة، وسبتني قاعد مكاني، والقهوة بردت قدامي، ودماغي بيغلي. ولأول مرة من امبارح بالليل… حسيت إن كلمة «لأ» بقت أصعب بكتير مما كنت متخيل.**الفصل العشرون**بعد مقابلة ريم رجعت البيت وأنا حاسس إن في طبقة جديدة من الخوف اتبنت جوايا.الست دي ما اتهمتنيش صراحة، بس حطتني في زاوية. كل كلمة قالتها كانت محسوبة: تحذير مغلف بنصيحة، وتهديد مغلف بحرص على نورة والولد. والأخطر إنها بقت عارفة إني مستعد أقابلها وأرد. ده في دماغها معناه إن في حاجة فعلًا تستاهل الرد.نورة كلمتني في نفس الليلة. صوتها كان هادي ومتعوب.«خالد وافق على السفر» قالت. «هنروح عند أهلي أسبوعين. قلت له إني محتاجة أرتاح وأهلي يساعدوني في الشهور الأولى. هو فرحان إني هرتاح.»الجملة كانت منطقية، وبغيضة في نفس الوقت. هترتاح من ريم… وهتبعد عني وأنا محتاج أكون قريب.«كويس» قلت وأنا بحاول أخلي صوتي عادي. «السفر هيبعد عنك الضغط.»نورة سكتت شوية. بعدين قالت بصوت أهدى:«هبعد عنك كمان. وأنا مش عارفة هقدر أستحمل البعد وأنا حاملة منك إزاي. كل يوم بحس بالولد أكتر، وكل يوم بحس إنك جزء منه.»ما قدرت أرد بحاجة تريحها. لأن الحقيقة إنّي كمان مش عارف.اتفقنا إن التواصل يفضل على الرسايل والمكالمات بس طول فترة السفر. وإن أي كلام عن ريم يتقفل تمامًا عشان ما نفتحش جرح.تاني يوم نورة سافرت.
**الفصل التاسع عشر**مسحت رسالة ريم، بس الكلام فضل محفور في دماغي.«ساري أنا مش هأذي نورة. بس لو في سر كبير، الأحسن يتقفل بهدوء قبل ما حد تاني يشمه. أنا مستنية ردك.»الجملة دي كانت أخطر من أي اتهام مباشر. لأنها بتحاول تبان ناصحة، وفي نفس الوقت بتحطني تحت ضغط إن أي سكوت مني هيتحسب اعتراف.نورة كلمتني بعد ساعة. صوتها كان هادي زيادة عن اللزوم، النوع ده من الهدوء اللي بيجي بعد خوف كبير.«سارة قالت لي إن ريم بقت بتكلم ناس تانيين» قالت. «مش بالاسم الصريح، بس بتلمح. بتقول إن في حمل حصل بطريقة غريبة، وإن في شاب قريب من العيلة فجأة. أنا بطني بقت توجعني من القلق.»حسيت إن في حاجة بتضغط على صدري من جوا.«الدكتور شافك؟» سألت.«شفتته امبارح. قال لي الضغط مش كويس، وإن لازم أهدّي أو هيتأثر الحمل. وأنا مش قادرة أهدّي يا ساري. كل ما الموبايل يرن أحس إن ريم ورا الخبر.»قررت أعمل حاجة كنت مؤجلها من أيام.«أنا هقابل ريم» قلت فجأة.نورة سكتت ثانيتين كاملين. بعدين صوتها طلع حاد:«مجنون؟ هتقابلها ليه؟»«عشان أقف قدامها وأقفل الموضوع. لو فضلت ساكت هتفضل تلف. لو واجهتها بهدوء، ممكن توقف.»نورة رفضت في الأول.
**الفصل الثامن عشر**رسالة ريم فضلت مفتوحة في دماغي طول الليل زي جرح مش عايز يقفل.صحيت وأنا لسه شايف الكلمات قدام عيني: «ساري؟ أنا ريم. صاحبة نورة. عايزة أكلمكم في حاجة مهمة. لو تقدر نلتقي بعيد عن البيت.»ما ردّيتش. زي ما نورة طلبت. بس الرسالة فضلت موجودة، وكل ما الموبايل ينور أحس إن قلبي بينط حتى لو الإشعار من حد تاني.نورة كلمتني الصبح وصوتها كان مبحوح أكتر من أي يوم فات.«سارة سهرت معايا على التليفون» قالت. «بتقول إن ريم مش هتسكت. وإنها لو ما لقتش رد منك ممكن تبدأ تسأل في العيلة أو عند أصحاب خالد. أنا رعبت يا ساري.»قعدت على طرف السرير وأنا بمسح وشي.«أنا هبعد تمامًا فترة» قلت. «هوقف الزيارات. وهخلي علاقتي بكم شكلية بس. عشان نبرد الموضوع.»نورة سكتت طويل. بعدين صوتها طلع مكسور:«هبعد عنك وأنا حاملة منك؟ هفضل لوحدي مع الخوف ومع خالد اللي بيفرح كل يوم أكتر؟»«مش هبعد عنك بالمعنى ده» حاولت أطمنها. «هفضل أكلمك. بس مش هتيجي الشقة كتير. عشان ريم.»نورة تنهدت تنهيدة طويلة. «طب وأنا محتاجة وجودك. الولد بيخليني ضعيفة ومحتاجة أحس إنك قريب.»المكالمة خلصت وأنا حاسس إن في حاجة اتشالت من صدري
**الفصل السابع عشر**الصباح التاني بعد زيارة ريم كان زي يوم محاكمة صامتة.صحيت وأنا لسه حاسس بطعم الخوف في بقي. رسالة نورة اللي بعتها بالليل كانت لسه مفتوحة على شاشة الموبايل: «ريم بعتت لي رسالة بعد ما طلعت. بتقول “ساري واضح إنه مهم عندك أوي. خدي بالك من نفسك”. أنا خايفة.»قريت الرسالة تاني وعاشر مرة. كل كلمة فيها كانت بتضيف طبقة جديدة من القلق. ريم مش بس فضولية… بقت بتبعت إشارات. والإشارات دي أخطر من الأسئلة المباشرة، لأنها بتخلي الطرف التاني يعيش في حالة ترقب مستمرة.قمت من السرير تقيل. غسلت وشي بمية ساقعة، وبصيت في المراية. الوش اللي باصص ليّا ما كانش وش الشاب اللي كنت بأعرفه من شهور. العيون غائرة شوية، وفيها صفرة خفيفة من قلة النوم، والخطوط حول الفم بقت أوضح. كأن السر بدأ يرسم نفسه على ملامحي.نورة كلمتني وأنا لسه في الحمام.«صباح الخير» صوتها كان مبحوح من الغثيان. «خالد نزل بدري. أنا مش قادرة أقوم من السرير النهاردة. الغثيان شديد.»«محتاجة حاجة؟» سألت وأنا بحاول أخلي صوتي عادي.«محتاجة أشوفك» قالت بصراحة. «مش عشان أي حاجة تانية… عشان أخاف لوحدي. رسالة ريم لسه قدامي. وكل ما أقراها
**الفصل السادس عشر**الصباح اللي بعد عشا ريم وسارة كان تقيل عليا أكتر من المعتاد.صحيت وأنا حاسس إن في ضباب جوا راسي. صورتين كانوا بيتلاحقوا ورا بعض: عيون ريم وهي بتتحرك بيني وبين نورة طول الليلة، وصوت سارة وهي بتهمس لنورة في المطبخ «خدي بالك». الدائرة اتوسعت بجد، والخوف بقى له طعم مختلف.نورة بعتت لي رسالة بدري:«خالد راح الشغل. أنا قاعدة لوحدي. الغثيان النهاردة أقوى. لو تقدر تعدي شوية… محتاجة أشوفك.»قريت الرسالة وأنا لسه في السرير. جزء مني كان عايز يروح على طول، وجزء تاني كان بيقول لي إن كل زيارة بقت أخطر بعد ما ريم دخلت الصورة. بس في الآخر لبست ونزلت.وصلت الشقة. نورة فتحت لي وهي لابسة روب واسع، ووشها شاحب شوية. أول ما قفلت الباب، حطت راسها على صدري من غير كلام. فضلت كده دقيقة كاملة وأنا حاسس بجسمها بيرتعش خفيف.«خايفة» همست في قميصي. «ريم كلمت سارة امبارح بالليل. سارة قالت لي إن ريم بتسأل عنها وعنك. بتقول “الولد ده ساري قريب منه أوي ليه؟”. سارة هدّتها، بس الفضول موجود.»رفعت راسها وبصّت في عيني. عينيها كانت تعبانة وفيها قلق حقيقي.«لو ريم حست أكتر… هتعمل إيه؟» سألت وأنا بحاول أخل
**الفصل الخامس عشر**الأيام اللي بعد زيارة سارة كانت زي الضباب.كل حاجة بقت أبطأ وأثقل. السر ما بقاش بيني وبين نورة بس… بقى في طرف تالت عارفة إن في حاجة غلط، حتى لو مش عارفة التفاصيل الكاملة. الإحساس ده كان بيزود الوزن على صدري كل يوم.بقيت أفكر في سارة أكتر مما توقعت. الست الهادية اللي بصّت في عيني وقالت «خليك حواليها». كانت بتفهم من غير ما تسأل، ودي كانت أخطر حاجة. الناس اللي بتفهم بالعين أخطر من اللي بيسألوا باللسان.نورة كانت بتحكي لي كل يوم عن حالتها. الغثيان بقى أقوى، وصدرها بقى حساس زيادة، وبقت تنام أكتر. كل تفصيلة كانت بتخلي الولد حقيقي أكتر جوا دماغي. بقيت أتخيله صغير، بعيونه أو بعينها، وأحس بإحساس غريب بالامتلاك السري… وبعدين الذنب يجي يضربني في نفس اللحظة.يوم من الأيام اتصلت بيّا العصر وصوتها كان مختلف.«ساري… سارة كلمتني. قالت عايزة تتعشى عندي تاني، وإن في صاحبتها ريم ممكن تجي معاها. ريم ست جريئة شوية، وبتحب الفضول. أنا مترددة.»اسم ريم وقع عليا زي حجر. الصديقة التانية اللي كانت في الخطة. الجريئة. اللي ممكن تسأل أكتر مما يلزم.قلت لها وأنا بحاول أخلي صوتي ثابت:«لو مش مست







