LOGIN**الفصل الرابع**
قعدت مكاني على الكرسي أكتر من نص ساعة بعد ما نورة دخلت الأوضة. القهوة بردت خالص. الشقة هادية زيادة عن اللزوم. صوت العربيات برا بعيد، وصوت التلاجة وهي بتشتغل هو الوحيد اللي بيكسر الصمت. كل حاجة جوايا متقلبة. صورة نورة وهي واقفة قدامي امبارح بالليل بالقميص الأسود القصير بتلف في دماغي من غير ما أقدر أوقفها. صوتها وهي بتقول «تقدر ترفضني؟» لسه واقف في ودني. وريحة عطرها لسه عالقة في مناخيري كأنها ما راحتش. قمت آخر لحظة ومشيت ناحية البلكونة. فتحت الباب وخرجت. الهوا الصبح كان ساقع شوية، بس ما بردش اللي جوايا. وقفت أبص على الشارع من فوق. الناس ماشية، العربيات بتزمر، الحياة شغالة عادي. وأنا حاسس إني اتشلت من الدنيا دي وبقيت في حتة تانية خالص. رجعت لجوا لقيت نورة طالعة من الأوضة. لابسة فستان بيت بسيط لونه بيج، وشعرها محلول على كتفها تاني. وشيها هادي، كأن الليلة اللي فاتت والصبح ده ما حصلوش. بصّت ليّا وقالت بهدوء: «عايز حاجة؟ أعمل لك فطار تاني؟» هزيت راسي. «لأ… شكرًا. أنا هقوم أنازل.» هي اتكأت على باب المطبخ وبصّت فيّا نظرة طويلة. النظرة دي فيها حاجة جديدة النهاردة… مش بس الرغبة، فيه كمان شوية حزن وصبر. «ساري» قالت. «أنا مش هفضل أكرر الكلام. إنت حر. لو مش قادر، خلاص. مش هزعل منك. بس لو في يوم حسّيت إنك عايز… الباب مفتوح، وإنت عارف.» بعدين ابتسمت ابتسامة خفيفة ودخلت المطبخ تاني. أنا مسكت مفاتيحي وجاكيتتي وخرجت من الشقة بسرعة قبل ما أغير رأيي. نزلت السلم وأنا مش حاسس برجلي. في الشارع الهواء ضرب وشي، وحسيت إني رجعت للواقع شوية. ركبت أوبر ورجعت البيت. أمي فتحت لي الباب. «فينك من امبارح يا ساري؟ كنت قلقانة.» «نمت عند عمي» قلت وأنا بخلع الجزمة. «راسي كان واجعني.» أمي بصّت ليّا نظرة الأم اللي بتعرف إن ابنها بيخبي حاجة، بس ما سألتش. دخلت المطبخ تكمل أكل. أنا دخلت أوضتي وقفلت الباب. رميت نفسي على السرير، وحطيت إيدي على عيني. كل حاجة رجعت تاني. صورة نورة وهي بتقرب مني. إحساس صوابعها على رقبتي. الهمسة اللي جنبي ودني. والطلب المستحيل اللي طلبته. فضلت مقلوب على السرير لحد الظهر. حاولت أنام، ما عرفتش. حاولت أفتح الموبايل وأتسلى، ما نفعش. كل فيديو وكل صورة بتمر قدامي بترجعني لنفس النقطة. آخر النهار رنّ تليفوني. نورة. قلبي نط. بصيت على الشاشة كام ثانية قبل ما أرد. «ألو…» صوتها هادي من الناحية التانية: «ساري؟ إنت وصلت كويس؟» «أيوه… وصلت.» سكتت ثانية، بعدين قالت: «أنا اتصلت عشان أطمن بس. عمي نزل يشوف دكتور تاني النهارده. أنا قاعدة لوحدي.» الجملة الأخيرة وقفت في الهوا بينا. أنا سكتّ. هي كملت بصوت أهدى: «مش بطلب منك حاجة. بس لو حبيت تعدي… الشقة فاضية. وأنا مش هقول لأ.» قفلت السكة بعد ما قالت «مع السلامة» بهدوء. فضلت ماسك الموبايل وأنا بص في الشاشة. رقمها لسه ظاهر. صوابعي كانت بتترعش فوق زرار الاتصال. قمت من على السرير ومشيت جوا الأوضة ذهاب وإياب زي المجنون. مرة بقول لنفسي «هروح»، ومرة بقول «إنت بتجنن؟ دي مرات عمك». الساعة بقت ستة المغرب. لبست بنطلون جينز وقميص قصير أسود بسيط، وحطيت كولونيا، ونزلت. ما قولتش لأمي رايح فين. بس خرجت. في الأسانسير كنت بحس إن قلبي طالع من بقي. كل دور بينزل كان بيزود التوتر. لما وصلت للشقة، وقفت قدام الباب أكتر من دقيقة مش قادر أدوس الجرس. آخر لحظة دورت المفتاح الاحتياطي اللي نورة كانت دايمًا سايباه تحت السجادة الصغيرة. الباب اتفتح بهدوء. الشقة كانت نورها واطي. نورة كانت قاعدة على الكنبة في الصالة، لابسة نفس القميص الحرير الأسود القصير اللي كان عليها امبارح بالليل. شعرها محلول، ورجليها مطوية تحتها. لما شافتني، ما اتفاجأتش. ابتسمت ابتسامة صغيرة هادية، كأنها كانت مستنياني. قالت بصوت واطي: «عرفت الطريق.» قفلت الباب ورايا. رجلي ما كانتش شايلاني كويس. هي قامت من على الكنبة ومشيت ناحيتي ببطء. وقفت قدامي على بعد خطوة واحدة بس. رفعت إيدها ولمست زرا قميصي، وبعدين بصّت في عيني وقالت: «إنت جيت… يبقى إنت قررت.» ما ردّتش. كانت كلمة واحدة كفيلة تهزمني. هي قربت أكتر، وحطت راسها على صدري، وسمعت دقات قلبي العالية. همست وأنا حاسس بنفسها على قميصي: « وافق بس انت … وأنا هرتب الباقي.» وإيديّا… إيديّا اترفعت لوحدها وراحت على ضهرها.**الفصل الثالث والسبعون**الصباح التاني كان أخف من اللي قبله. الشمس دخلت من الشباك بدري، وساري صحى على صوت لما وهي بتحرك في المطبخ. قعد على السرير شوية يسمع الحركة قبل ما ينزل.نزل لقاها بتعمل بيض وبتحمص عيش.ساري: صباح الخير. صاحية من بدري؟لما: من ساعة. نومي خلص بدري وحبّيت أتحرك.ساري: أنا كمان نمت كويس. أول مرة من أيام ما أحلمش بأي حاجة متقطعة.لما: كويس. القهوة جاهزة لو حابب.ساري صب لنفسه وجلس على الترابيزة. لما حطت الطبق قدامه وقعدت.لما: بتفكر في إيه وأنتَ ساكت كده؟ساري: بفكر إن الأيام بقت تمشي من غير ما أحس إن في حاجة مستنية تقع. الإحساس ده جديد عليا.لما: جديد عليا أنا كمان. زمان كنت بستنى الغلطة حتى وأحنا قاعدين بهدوء. دلوقتي بقيت أقدر أقعد من غير ما أجهّز رد على حاجة لسه ما حصلتش.ساري: وده بيفرق في جسمكِ؟لما: بيفرق. كتافي بقت أهدى. وبقيت أنام من غير ما أصحى أعد السيناريوهات.ساري: وأنا بقيت أقدر أكتب في المفكرة من غير ما أحس إنّي بحاسب نفسي بقسوة. بقيت أكتب عشان أفهم مش عشان أعاقب.لما: الفهم أهم من العقاب. العقاب كان بيخلينا ندور في نفس الدايرة.ساري: صح. الدايرة دي تع
**الفصل الثاني والسبعون**الصباح كان تقيل شوية. السحاب غطى الشمس والهوا داخل من الشباك بارد. ساري فتح عينه لقى لما قاعدة على طرف السرير لابسة الروبة وبتمشط شعرها بهدوء.ساري: صاحية من بدري؟لما: من ساعة. ما قدرت أنام تاني. كنت ببص من الشباك على السحاب.ساري: في حاجة مضايقاكِ؟لما: لأ. مجرد صباح تقيل. أحيانًا الصباح بيجي تقيل من غير سبب واضح.ساري قعد. فرك وشه بإيده.ساري: أنا كمان حسّيت إن النوم كان متقطع. كنت بحلم إني ماشي في شارع طويل ومش عارف أوصل فين.لما: الشارع الطويل ده بيبان كتير في أحلامكِ؟ساري: أحيانًا. بس المرة دي ما كانش فيه خوف. كان فيه تعب بس.لما حطت المشط على الترابيزة الصغيرة.لما: هعمل قهوة. تحب تنزل ولا تفضل هنا؟ساري: هنزل. أحب أقعد معاكِ الصبح شوية قبل ما اليوم يبدأ.نزلوا. المطبخ كان هادي. لما عملت القهوة وساري جهّز توست وجبنة. قعدوا قدام بعض.لما: النهاردة عندك مركز؟ساري: أيوه. من العشرة للتلاتة. بعدين عندي مذاكرة لامتحان آخر السنة. وإنتِ؟لما: شغلي متقطع النهاردة. ممكن أرجع بدري أو أتأخر. مش متأكدة.ساري: ابعتي لي لما تعرفِي. وأنا هبعت لكِ لما أوصل ولما أخرج.
**الفصل واحد السبعون**الصباح كان فيه نور خفيف داخل من الستارة. ساري فتح عينه لقى لما لسه نايمة ووشها ناحية الحيطة. فضل ساكت عشان ما يقطعش نومها. بعد شوية حسيت بحركتها وهي بتلف.لما: صاحي؟ساري: من شوية. إنتِ نمتِ كويس؟لما: نمت. أول مرة من أيام ما صحّيتش في النص. وإنتَ؟ساري: نمت هادي. حسّيت إن الليل عدّى من غير ما أعدّ فيه الأفكار.لما قعدت على السرير وسحبت الشعر ورا ودنها.لما: بتفكر تروح المركز بدري ولا في معادك العادي؟ساري: المعاد العادي. النهاردة الحالات قليلة حسب الجدول. وإنتِ؟لما: عندي شغلة في الصبح وبعدين فاضي. ممكن أرجع الضهر.ساري: لو رجعتِ بدري قولي. نقدر نعمل غدا بسيط مع بعض.لما: هشوف. مش كل رجوع بدري معناه إن في خطة.ساري: مش بخطة. بحب أعلمكِ إنّي موجود لو حبيتي.لما نزلت من السرير ومشيت للحمام من غير ما ترد. بعد ربع ساعة طلعت لابسة هدوم بيت وراحت على المطبخ. ساري تبعها.ساري: أساعد في القهوة؟لما: اعمل أنتَ. أنا هحضر توست.قعدوا على الترابيزة. القهوة والتوست بينهم. السكوت كان مريح أكتر من أي سكوت قديم.لما: بقيت تكتب في المفكرة كل يوم بانتظام؟ساري: كل يوم. حتى لو ال
الصباح كان هادي والشقة لسه فيها ريحة القهوة من امبارح. ساري كان لابس تيشيرت خفيف وقاعد على طرف السرير لما لما فتحت عينيها.لما: صاحي من بدري تاني؟ساري: من ساعة. ما حبيتش أتحرك عشان أنامك يفضل متواصل.لما: نومي كان متقطع برضه. بس أحسن من الأسبوع اللي فات.ساري: في حاجة معينة صحّتكِ؟لما: لأ. مجرد أفكار بتيجي وتعدّي. بقيت أقدر أخليها تعدّي من غير ما أقعد أحاسب فيها نفسي طول الليل.ساري: ده كويس. أنا كمان بقيت أعمل كده مع الأفكار اللي بتطلع فجأة.لما قعدت وسحبت الشرشف عليها.لما: بتفكر في الجلسة الجاية مع الدكتور؟ساري: بفكر. بقيت أحضّر في دماغي الحاجات اللي عايز أقولها من غير ما ألخبط أو أختصر زيادة.لما: متحضّرش زيادة. روح وقول اللي طالع في اللحظة. التحضير الكتير بيخلي الكلام مفتعل.ساري: صح. هحاول أفضّل طبيعي.لما نزلت من السرير ومشيت ناحية الحمام. من الباب قالت:لما: عملت قهوة ولا لسه؟ساري: لسه. هعمل دلوقتي.بعد ربع ساعة كانوا قاعدين على الترابيزة. القهوة سخنة والصمت مش تقيل زي الأول.لما: النهاردة شغلك لحد كام؟ساري: لحد التلاتة. المركز الجديد بيقفل بدري يوم الثلاثاء. وإنتِ؟لما:
الصباح كان هادي والشقة لسه فيها ريحة القهوة من امبارح. ساري كان لابس تيشيرت خفيف وقاعد على طرف السرير لما لما فتحت عينيها.لما: صاحي من بدري تاني؟ساري: من ساعة. ما حبيتش أتحرك عشان أنامك يفضل متواصل.لما: نومي كان متقطع برضه. بس أحسن من الأسبوع اللي فات.ساري: في حاجة معينة صحّتكِ؟لما: لأ. مجرد أفكار بتيجي وتعدّي. بقيت أقدر أخليها تعدّي من غير ما أقعد أحاسب فيها نفسي طول الليل.ساري: ده كويس. أنا كمان بقيت أعمل كده مع الأفكار اللي بتطلع فجأة.لما قعدت وسحبت الشرشف عليها.لما: بتفكر في الجلسة الجاية مع الدكتور؟ساري: بفكر. بقيت أحضّر في دماغي الحاجات اللي عايز أقولها من غير ما ألخبط أو أختصر زيادة.لما: متحضّرش زيادة. روح وقول اللي طالع في اللحظة. التحضير الكتير بيخلي الكلام مفتعل.ساري: صح. هحاول أفضّل طبيعي.لما نزلت من السرير ومشيت ناحية الحمام. من الباب قالت:لما: عملت قهوة ولا لسه؟ساري: لسه. هعمل دلوقتي.بعد ربع ساعة كانوا قاعدين على الترابيزة. القهوة سخنة والصمت مش تقيل زي الأول.لما: النهاردة شغلك لحد كام؟ساري: لحد التلاتة. المركز الجديد بيقفل بدري يوم الثلاثاء. وإنتِ؟لما:
**الفصل التاسع والستون** (محادثات باللهجة المصرية)اليوم الرابع بعد أول جلسة علاج نفسي.ساري كان لسه بيكتب في المفكرة الصغيرة اللي الدكتور طلب منه يكتب فيها كل يوم. قعد على الترابيزة الصبح بدري قبل ما لما تصحى. كتب:«النهاردة الصبح حسّيت بضيق خفيف لما افتكرت إن في احتمال لما تقرر تمشي فجأة. قدرت أسمي الضيق من غير ما أحوله لتصرف. فضلت قاعد واعدّ لحد ما الفكرة عدّت.»قفل المفكرة لما سمع صوتها وهي نازلة.لما: بتكتب من بدري؟ساري: أيوه. الدكتور طلب أكتب كل يوم موقف ضغط أو موقف قدرت فيه أختار الصدق. بحاول ألتزم.لما: كويس إنك بتلتزم حتى في الحاجة البسيطة دي.ساري: البسيطة دي بقت مهمة. بتخليني أشوف نمطي قبل ما يكبر.لما عملت قهوة وقعدت قدامه.لما: نمت كويس؟ساري: نمت. وإنتِ؟لما: نمت. بس صحيت مرة واحدة حوالين التلاتة. قعدت أبص في السقف شوية بعدين رجعت أنام.ساري: في حاجة شغلاكِ؟لما: نفس الحاجة اللي دايمًا بتشتغل. بس المرة دي قدرت أرجع أنام من غير ما أفتح الموبايل أو أفكر في سيناريوهات.ساري: ده تحسن من ناحيتكِ كمان.لما: تحسن صغير. زي تحسنكِ إنتَ.ساري ابتسم ابتسامة خفيفة. لما ما ابتسمتش







