LOGINكانت تنظر إلى «حاتم» فحسب، مستمعةً إلى حديثه باهتمام، دون أن يعني لها الاسم شيئًا.
لم تكن قد سمعت به من قبل.
مالت «نوران» نحوها قليلًا، وهمست:
_"أحقًا لا تعرفين من يكون؟"
نظرت إليها «فيروز» باستغراب.
_"لا، لم أسمع بهذا الاسم من قبل."
اتسعت عينا «نوران» بدهشة، لكنها لم تجد فرصة للحديث أكثر، فقد استأنف «حاتم» كلامه.
_"أريد من الجميع أن يدرك أن هذه الزيارة مهمة جدًا للفندق، ولذلك لن أسمح بأي تقصير."
ثم التفت إلى موظفي الاستقبال.
_"قسم الاستقبال، ستكونون أول من يتعامل معه. أريد التأكد من أن جميع بيانات الحجز جاهزة، وأن إجراءات تسجيل الدخول لن تستغرق وقتًا طويلًا. سيكون هناك عدد من مرافقيه، لذلك أريد منكم تجهيز كل ما يلزم قبل وصولهم."
أومأ موظفو الاستقبال.
_"وأريد التعامل معهم بمنتهى الهدوء والاحترام. لا أسئلة شخصية، ولا أحاديث جانبية، ولا أحد يتصرف بتلقائية زائدة. أنتم تمثلون الفندق منذ اللحظة الأولى."
ثم انتقل بنظره إلى قسم الأمن.
_"الأمن، أريد مراجعة مداخل الفندق ومخارجه بالكامل. تأكدوا من أن الطريق المؤدي إلى الجناح خالٍ من أي ازدحام. وأريد مراقبة الطوابق التي سيقيمون بها، ولكن دون أن يشعر الضيوف بالمراقبة."
توقف لحظة، ثم أضاف بصرامة:
_"ولا أريد تجمعًا من العاملين عند المدخل لمجرد مشاهدتهم. كل شخص يلتزم بموقعه."
تحركت عيناه إلى موظفي المطعم.
_"أما المطعم، فأريد تجهيز المائدة الخاصة بهم قبل موعد العشاء بوقت كافٍ. راجعوا الأطباق المطلوبة، وتأكدوا من أن المطبخ مستعد لأي طلب إضافي."
ثم نظر إلى أحد المسؤولين هناك.
_"وأريد أن تتولى الإدارة متابعة الأمر بنفسها. لا أريد أن تصلني أي شكوى من المطعم."
انتقل بعد ذلك إلى قسم الصيانة.
_"الصيانة، أريد فحص المصاعد وأجهزة التكييف والمياه والكهرباء في الطابق الذي سيقيم فيه الضيف. افحصوا كل شيء، حتى الأمور التي تبدو بسيطة. لا أريد أن نكتشف وجود عطل بعد وصوله."
ثم استدار نحو أحد المشرفين.
_"وأريد تقريرًا بذلك قبل وصولهم."
تقدم قليلًا، ثم استقرت عيناه أخيرًا على مجموعة العاملات الخاصة بخدمة الغرف.
توقفت «فيروز» عن تحريك أصابعها، ورفعت رأسها نحوه.
قال «حاتم»:
_"أما خدمة الغرف، فأنتم أهم قسم بالنسبة إلى الجناح."
تبادلت العاملات النظرات.
تابع:
_"الجناح الذي سيقيم فيه السيد «المرشدي» يجب أن يكون جاهزًا تمامًا قبل وصوله. أريد تنظيف الغرف من البداية إلى النهاية، وليس مجرد ترتيب سريع."
ثم أخذ يعدد التعليمات واحدةً تلو الأخرى:
_"تُغيّر أغطية الأسرّة بالكامل، وتُراجع الوسائد والمفارش، وتُلمّع الأسطح والزجاج، وتُنظف الحمامات تنظيفًا دقيقًا. المناشف يجب أن تكون جديدة ومرتبة، وأدوات العناية الشخصية كاملة."
ثم أضاف:
_"راجعوا الخزائن والأدراج، وتأكدوا من عدم ترك أي شيء من أدوات التنظيف داخل الغرفة. افحصوا الأرضيات، الستائر، النوافذ، وكل زاوية في الجناح."
كانت «فيروز» تستمع إليه وتحفظ التعليمات في ذهنها.
فهي تعرف جيدًا أن عملها لا يحتمل الإهمال.
تنظيف الغرفة بالنسبة إليها لم يكن مجرد تمرير قطعة قماش وترتيب سرير، بل كانت هناك تفاصيل كثيرة لا بد من الانتباه إليها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بجناح خاص.
تابع «حاتم»:
_"بعد الانتهاء، ستتولى المشرفة المراجعة الأولى، ثم تعودان أنتِ و«نوران» لمراجعته مرة أخرى."
رفع يده مشيرًا إليهما.
_"أريد منكما التأكد من كل شيء قبل أن تُسلما الجناح. إذا وجدتما أي نقص، يُعالج فورًا."
أومأت «فيروز» قائلة:
_"حسنًا."
نظر إليها «حاتم» لحظة، ثم قال:
_"ولا أريد أن يقترب أحد من الجناح بعد الانتهاء إلا بتكليف واضح. عندما يصل الضيف، تنتهي مهمتكن هناك."
_"مفهوم."
عاد «حاتم» إلى مكانه، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول:
_"أمامكم ساعتان فقط. لا أريد أعذارًا، ولا أريد سماع كلمة لم ننتبه."
انتهى الاجتماع بعدها، وبدأ الجميع في الانصراف مسرعين نحو أقسامهم.
خرجت «فيروز» مع «نوران»، واتجهتا إلى غرفة المستلزمات الخاصة بخدمة الغرف.
كانت الممرات قد تغيرت بالفعل.
عمال الصيانة يتحركون بين الطوابق، وموظفو الاستقبال يتابعون هواتفهم، والعاملون في المطعم ينقلون بعض التجهيزات، بينما راحت العاملات من خدمة الغرف يتنقلن بين الغرف بعرباتهن.
قالت «نوران» وهي تسير بجوارها:
_"يبدو أن الفندق كله سيقلب رأسًا على عقب بسبب هذا الرجل."
ابتسمت «فيروز» وهي ترفع بعض المناشف النظيفة وتضعها في العربة.
_"ربما لأنه مهم بالنسبة إليهم."
_"وأنتِ لا يهمكِ أن تعرفي من يكون؟"
رفعت «فيروز» عينيها إليها.
_"ما حاجتي إلى معرفة رجل سأقوم بتنظيف غرفته ثم لن أراه مرة أخرى؟"
ضحكت «نوران».
_"من يدري؟ ربما ترينه."
هزت «فيروز» رأسها وهي تعود إلى عملها.
_"لا أظن ذلك."
لم تكن تعلم أن ذلك الرجل الذي لم تسمع باسمه قط...
لن يكون مجرد ضيفٍ عابر يدخل الفندق ثم يغادره.
وأنها، بعد وقتٍ طويل، ستتذكر هذا اليوم تحديدًا...
دفعها «جاسر» بعيدًا عنه بخفة، وكأنه انتبه فجأة إلى ما يحدث، ثم تراجع خطوة إلى الخلف.أما «فيروز» فظلت في مكانها للحظات، عاجزة عن استيعاب ما حدث، وأنفاسها مضطربة وعيناها معلقتان به في ذهول.كان جاسر ينظر إليها بصمت.وللمرة الأولى منذ أن دخل الجناح، سمح لنفسه بأن يتأملها جيدًا.منذ اللحظة الأولى التي رآها فيها بالأمس، كانت هناك تفاصيل صغيرة فيها استوقفت انتباهه رغمًا عنه؛ شعرها الناري الطويل، ملامحها الهادئة، وطريقة نظراتها التي لم تحمل ذلك التملق المعتاد الذي اعتاد رؤيته من الآخرين حين يعرفون هويته.لكنها اليوم كانت أمامه عن قرب.بدت مختلفة تمامًا عما تخيله.تلك الخصلات الصهباء التي كانت بالأمس مقيدة أثناء عملها، انسدلت الآن حول وجهها وكتفيها بعشوائية، وبعضها التصق ببشرتها من أثر الماء والمنظف. وملامحها التي كان يراها عابرة من بعيد بدت أكثر وضوحًا الآن؛ عينان واسعتان، وملامح بريئة، وارتباك صادق لم يستطع أن يخطئه.ظل ينظر إليها لثوانٍ أطول مما ينبغي.ولم يعرف لماذا شعر بذلك الانجذاب المفاجئ نحوها.ربما لأنها لم تحاول أن تستغل معرفتها به.وربما لأنها الوحيدة منذ فترة طويلة التي وقفت أمام
سريعًا ما هيأت «فيروز» نفسها لاستقبال خبر طردها من الفندق، فبمجرد أن أخبرتها زميلتها بأن السيد «حاتم» يطلب رؤيتها فورًا، هبط قلبها إلى قدميها.بالتأكيد اشتكى «جاسر المرشدي» منها.منذ اللحظة التي اصطدمت به في الممر، كانت تعرف جيدًا من يكون؛ فقد سمعت اسمه بالأمس، ورأته اليوم أمامها، ولم تحتج سوى لحظات لتدرك أن الرجل الذي كادت تسقط بين ذراعيه هو الضيف الذي أقام الفندق بأكمله استعدادًا لاستقباله.والآن... ها هي ذاهبة إلى مكتب المدير.طرقت الباب، ثم دخلت بعدما سمعت صوته يسمح لها.— «تعالي يا فيروز، اجلسي.»اقتربت وجلست أمامه بتوتر، تحاول ألا يظهر الاضطراب على وجهها.نظر إليها «حاتم» للحظات، ثم سأل:— «هل سبق وصعدتِ إلى جناح السيد جاسر بعد حضوره؟»ارتبكت أكثر، وتلعثمت:— «نعم... أقصد، لا... ولكن لماذا؟»قال بهدوء:— «لقد غادر الفندق.»اتسعت عيناها، وقبل أن تتمكن من الرد تابع:— «سيعود مساءً، وقد طلبكِ بالاسم لتنظيف جناحه لحين عودته.»تجمدت فيروز مكانها.— «طلبني... أنا؟»— «نعم. لذلك أريدكِ أن تتولي الجناح بنفسك، وأن تتأكدي من أن كل شيء على ما يرام قبل عودته.»ظلت تحدق به لثوانٍ، غير قادرة
ما إن اختفت «نوران» عن ناظريها حتى وقفت «فيروز» للحظات في منتصف الممر، تحاول أن تستجمع أفكارها.أين يمكن لطفلة صغيرة أن تذهب داخل فندق بهذا الحجم؟التفتت يمينًا ويسارًا، ثم بدأت تبحث في الطابق الثاني أولًا. ألقت نظرة داخل الغرف التي كانت أبوابها مفتوحة، وتفقدت الممرات والزوايا القريبة، ثم اتجهت إلى غرفة الاستراحة الصغيرة التي اعتادت العاملات الجلوس فيها.لا شيء.نادت بصوت خافت:— «ليلى؟»لم يجبها أحد.عقدت حاجبيها، ثم واصلت السير، وهي تحاول التفكير في الأماكن التي يمكن لطفلة في عمرها أن تنجذب إليها.ربما ذهبت إلى الحديقة.أو إلى المطعم.أو...توقفت فجأة.المصعد.اتجهت إليه بخطوات سريعة، وما إن وصلت حتى ضغطت الزر، ثم راحت تنتظر وصوله وهي تنظر إلى أضواء الأرقام التي تتغير ببطء.وحين فُتح الباب، دخلت بسرعة وضغطت زر الطابق الثالث.كانت تفكر في كل شيء إلا في أن المكان الذي تعمل فيه اليوم يستقبل أهم ضيوفه.كانت كل أفكارها منصبة على طفلة صغيرة، وعلى نوران التي قد تفقد عملها إن اكتشف السيد حاتم ما حدث.وصل المصعد إلى الطابق الثالث، وانفتح ببطء.خرجت فيروز مسرعة، ثم أخذت تنظر حولها.كان هذا ال
في اليوم التالي، دخلت «فيروز» إلى عملها مباشرةً، دون أن تمنح نفسها وقتًا طويلًا للراحة، وبدأت بالعناية بالطابق الثاني كعادتها.غرفة تلو الأخرى، كانت تنتقل بين الأجنحة والغرف، تحمل مستلزمات التنظيف، وترتب كل شيء بعناية قبل أن تغادر المكان إلى الغرفة التالية. ومع مرور الوقت، بدأ الإرهاق يتسلل إلى جسدها شيئًا فشيئًا، حتى شعرت وكأن التعب قد سرى في أوصالها وأثقل أطرافها.لم يكن العمل سهلًا على الإطلاق؛ فساعات الوقوف الطويلة، وحمل مستلزمات التنظيف، والانحناء لترتيب الغرف وتنظيفها، كلها كانت تستنزف طاقتها بصورة كبيرة. ومع ذلك، لم تكن تملك رفاهية الشكوى.فالراتب، رغم المشقة، كان سخيًا بالنسبة إليها، ويغطي قدرًا كبيرًا من احتياجاتها، كما أنها كانت تحرص على ادخار جزء منه مهما كان بسيطًا، لتتمكن من توفير نفقات دراستها دون أن تضطر إلى التخلي عنها.كان الوقت لا يزال مبكرًا، فموعد دوامها يبدأ مع الساعات الأولى من النهار، ولا ينتهي إلا في وقت متأخر منه. وبعد أن فرغت من إحدى المهام، عادت إلى الغرفة المخصصة لها ولزميلاتها، وضعت ما بيدها جانبًا، ثم مررت أصابعها بين خصلات شعرها النارية.كانت قد عقصته طو
بعد انتهاء الاجتماع مباشرة، اتجهت «فيروز» برفقة «نوران» إلى غرفة المستلزمات الخاصة بخدمة الغرف.كانت الغرفة مزدحمة بالعاملات، وكل واحدة منهن تتحرك بسرعة بين الرفوف والعربات، تجمع ما تحتاج إليه قبل أن تبدأ في تجهيز الغرف المخصصة للضيوف.سحبت «فيروز» عربة فارغة، وبدأت في ترتيب محتوياتها بعناية.وضعت مجموعة من المناشف النظيفة في الجزء السفلي، ثم رتبت أغطية الأسرّة المطوية فوقها، وبعدها وضعت عبوات الشامبو والصابون وأدوات العناية الشخصية في صندوق صغير مخصص لها.كانت «نوران» تقف إلى جوارها، تراجع القائمة التي أعطتها إياها المشرفة._"هل أخذتِ كل شيء؟"نظرت «فيروز» إلى العربة مرة أخرى._"المناشف، أغطية الأسرّة، أدوات العناية، مواد التنظيف..."توقفت لحظة، ثم التفتت إليها._"هل أحضرنا أكياس النفايات؟"صفعت «نوران» جبينها بخفة._"نسيتها."ابتسمت «فيروز»._"كنت أعلم ذلك."عادت «نوران» إلى الغرفة وأحضرتها، ثم وضعتها في العربة.وبعد أن تأكدتا من وجود كل شيء، دفعت «فيروز» العربة أمامها، واتجهتا نحو المصعد.كان الطريق إلى الطابق الثالث أكثر هدوءًا من بقية الفندق، وكأن الإدارة أرادت أن تجعل هذا الطابق
كانت تنظر إلى «حاتم» فحسب، مستمعةً إلى حديثه باهتمام، دون أن يعني لها الاسم شيئًا.لم تكن قد سمعت به من قبل.مالت «نوران» نحوها قليلًا، وهمست:_"أحقًا لا تعرفين من يكون؟"نظرت إليها «فيروز» باستغراب._"لا، لم أسمع بهذا الاسم من قبل."اتسعت عينا «نوران» بدهشة، لكنها لم تجد فرصة للحديث أكثر، فقد استأنف «حاتم» كلامه._"أريد من الجميع أن يدرك أن هذه الزيارة مهمة جدًا للفندق، ولذلك لن أسمح بأي تقصير."ثم التفت إلى موظفي الاستقبال._"قسم الاستقبال، ستكونون أول من يتعامل معه. أريد التأكد من أن جميع بيانات الحجز جاهزة، وأن إجراءات تسجيل الدخول لن تستغرق وقتًا طويلًا. سيكون هناك عدد من مرافقيه، لذلك أريد منكم تجهيز كل ما يلزم قبل وصولهم."أومأ موظفو الاستقبال._"وأريد التعامل معهم بمنتهى الهدوء والاحترام. لا أسئلة شخصية، ولا أحاديث جانبية، ولا أحد يتصرف بتلقائية زائدة. أنتم تمثلون الفندق منذ اللحظة الأولى."ثم انتقل بنظره إلى قسم الأمن._"الأمن، أريد مراجعة مداخل الفندق ومخارجه بالكامل. تأكدوا من أن الطريق المؤدي إلى الجناح خالٍ من أي ازدحام. وأريد مراقبة الطوابق التي سيقيمون بها، ولكن دون أن







