LOGINفي اليوم التالي، دخلت «فيروز» إلى عملها مباشرةً، دون أن تمنح نفسها وقتًا طويلًا للراحة، وبدأت بالعناية بالطابق الثاني كعادتها.
غرفة تلو الأخرى، كانت تنتقل بين الأجنحة والغرف، تحمل مستلزمات التنظيف، وترتب كل شيء بعناية قبل أن تغادر المكان إلى الغرفة التالية. ومع مرور الوقت، بدأ الإرهاق يتسلل إلى جسدها شيئًا فشيئًا، حتى شعرت وكأن التعب قد سرى في أوصالها وأثقل أطرافها.
لم يكن العمل سهلًا على الإطلاق؛ فساعات الوقوف الطويلة، وحمل مستلزمات التنظيف، والانحناء لترتيب الغرف وتنظيفها، كلها كانت تستنزف طاقتها بصورة كبيرة. ومع ذلك، لم تكن تملك رفاهية الشكوى.
فالراتب، رغم المشقة، كان سخيًا بالنسبة إليها، ويغطي قدرًا كبيرًا من احتياجاتها، كما أنها كانت تحرص على ادخار جزء منه مهما كان بسيطًا، لتتمكن من توفير نفقات دراستها دون أن تضطر إلى التخلي عنها.
كان الوقت لا يزال مبكرًا، فموعد دوامها يبدأ مع الساعات الأولى من النهار، ولا ينتهي إلا في وقت متأخر منه. وبعد أن فرغت من إحدى المهام، عادت إلى الغرفة المخصصة لها ولزميلاتها، وضعت ما بيدها جانبًا، ثم مررت أصابعها بين خصلات شعرها النارية.
كانت قد عقصته طوال فترة العمل حتى لا يعيق حركتها، لكنها الآن فكته، فانسكبت خصلاته الطويلة على امتداد ظهرها، تتدلى بحرية بعد أن ظلت حبيسة طوال الساعات الماضية.
التقطت أنفاسها ببطء، ثم تناولت كوبها الفارغ، وقد عقدت العزم على الحصول على قهوتها الصباحية في مكانها المفضل؛ تلك الجلسة الصغيرة المطلة على البحر، حيث كانت تجد دقائق قليلة من الهدوء قبل أن تعود إلى صخب العمل.
لكنها ما إن همّت بالخروج حتى فوجئت بـ«نوران» تعترض طريقها.
كانت الأخيرة تقترب منها بخطوات سريعة، تكاد تتعثر من شدة استعجالها، وأنفاسها متلاحقة، وملامح وجهها مشدودة بالتوتر والخوف.
حدقت بها فيروز باستغراب، ثم قالت وهي تضع كوبها جانبًا:
— «فيروز... أريد مساعدتكِ سريعًا.»
قطبت فيروز حاجبيها، ولاحظت اضطرابها الواضح، فقالت بهدوء محاولة تهدئتها:
— «ماذا حدث؟ اهدئي أولًا، والتقطي أنفاسكِ على مهل.»
وضعت نوران يدها على صدرها محاولة تنظيم أنفاسها، ثم قالت بصوت مرتجف:
— «ليلى... ابنتي. لم أجدها.»
اتسعت عينا فيروز بدهشة، بينما تابعت نوران سريعًا:
— «تركتها في الغرفة هنا، ثم صعدت لتنظيف أحد الأجنحة، وعندما عدت... لم أعثر عليها.»
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تنفجر فيروز بانفعال:
— «تبًا لكِ يا نوران! ولماذا أحضرتِها معكِ من الأساس؟ هل نسيتِ أمر الضيف؟! لو علم السيد حاتم بالأمر، فسيطردنا جميعًا!»
كانت نوران تعض أطراف أصابعها من شدة الخوف، وراحت تهز رأسها بعجز.
— «لا أعرف ماذا أفعل... والدتي غادرت المدينة لزيارة الطبيب، ولم يكن بوسعي أن أتركها في المنزل بمفردها. لم أجد حلًا سوى أن أحضرها معي... أرجوكِ، ساعديني.»
تنهدت فيروز بضيق، ثم أمسكت بذراعها لتجبرها على التوقف عن الارتجاف.
— «حسنًا، فقط اهدئي. سنبحث عنها، وبالتأكيد لن تكون قد ذهبت بعيدًا.»
لكن نوران هزت رأسها بسرعة، وكأنها تذكرت شيئًا أكثر إلحاحًا، وقالت:
— «السيد حاتم كلفني بتنظيف جناح آخر، وإذا لم أذهب إليه الآن فسوف يطردني.»
نظرت إليها فيروز بعدم تصديق.
— «وأنتِ تفكرين في الجناح الآن؟! ابنتكِ مفقودة يا نوران!»
— «أعلم... لكن ماذا أفعل؟ إن لم أذهب فسوف يطردني، وأنا لا أستطيع تحمل خسارة عملي أيضًا.»
ثم أمسكت بيد فيروز، وضغطت عليها برجاء، وأضافت بصوت خافت يملؤه الخوف:
— «أرجوكِ، ابحثي عنها أنتِ... فقط حتى أفرغ من الجناح وأعود إليكِ.»
ظلت فيروز تحدق بها للحظات، ثم زفرت بضيق، وقد أدركت أنها لن تستطيع تركها في هذه الحالة.
— «حسنًا، اذهبي إلى عملكِ، وسأتولى البحث عنها. لكن إن وجدتها، سأوبخكِ بنفسي لأنكِ وضعتِني في هذا الموقف.»
أومأت نوران سريعًا، ثم اندفعت نحو الممر، بينما بقيت فيروز مكانها للحظات، تنظر في الاتجاه الذي اختفت فيه، قبل أن تستدير وهي تتمتم بقلق:
— «حسنًا يا ليلى... أين اختبأتِ؟»
دفعها «جاسر» بعيدًا عنه بخفة، وكأنه انتبه فجأة إلى ما يحدث، ثم تراجع خطوة إلى الخلف.أما «فيروز» فظلت في مكانها للحظات، عاجزة عن استيعاب ما حدث، وأنفاسها مضطربة وعيناها معلقتان به في ذهول.كان جاسر ينظر إليها بصمت.وللمرة الأولى منذ أن دخل الجناح، سمح لنفسه بأن يتأملها جيدًا.منذ اللحظة الأولى التي رآها فيها بالأمس، كانت هناك تفاصيل صغيرة فيها استوقفت انتباهه رغمًا عنه؛ شعرها الناري الطويل، ملامحها الهادئة، وطريقة نظراتها التي لم تحمل ذلك التملق المعتاد الذي اعتاد رؤيته من الآخرين حين يعرفون هويته.لكنها اليوم كانت أمامه عن قرب.بدت مختلفة تمامًا عما تخيله.تلك الخصلات الصهباء التي كانت بالأمس مقيدة أثناء عملها، انسدلت الآن حول وجهها وكتفيها بعشوائية، وبعضها التصق ببشرتها من أثر الماء والمنظف. وملامحها التي كان يراها عابرة من بعيد بدت أكثر وضوحًا الآن؛ عينان واسعتان، وملامح بريئة، وارتباك صادق لم يستطع أن يخطئه.ظل ينظر إليها لثوانٍ أطول مما ينبغي.ولم يعرف لماذا شعر بذلك الانجذاب المفاجئ نحوها.ربما لأنها لم تحاول أن تستغل معرفتها به.وربما لأنها الوحيدة منذ فترة طويلة التي وقفت أمام
سريعًا ما هيأت «فيروز» نفسها لاستقبال خبر طردها من الفندق، فبمجرد أن أخبرتها زميلتها بأن السيد «حاتم» يطلب رؤيتها فورًا، هبط قلبها إلى قدميها.بالتأكيد اشتكى «جاسر المرشدي» منها.منذ اللحظة التي اصطدمت به في الممر، كانت تعرف جيدًا من يكون؛ فقد سمعت اسمه بالأمس، ورأته اليوم أمامها، ولم تحتج سوى لحظات لتدرك أن الرجل الذي كادت تسقط بين ذراعيه هو الضيف الذي أقام الفندق بأكمله استعدادًا لاستقباله.والآن... ها هي ذاهبة إلى مكتب المدير.طرقت الباب، ثم دخلت بعدما سمعت صوته يسمح لها.— «تعالي يا فيروز، اجلسي.»اقتربت وجلست أمامه بتوتر، تحاول ألا يظهر الاضطراب على وجهها.نظر إليها «حاتم» للحظات، ثم سأل:— «هل سبق وصعدتِ إلى جناح السيد جاسر بعد حضوره؟»ارتبكت أكثر، وتلعثمت:— «نعم... أقصد، لا... ولكن لماذا؟»قال بهدوء:— «لقد غادر الفندق.»اتسعت عيناها، وقبل أن تتمكن من الرد تابع:— «سيعود مساءً، وقد طلبكِ بالاسم لتنظيف جناحه لحين عودته.»تجمدت فيروز مكانها.— «طلبني... أنا؟»— «نعم. لذلك أريدكِ أن تتولي الجناح بنفسك، وأن تتأكدي من أن كل شيء على ما يرام قبل عودته.»ظلت تحدق به لثوانٍ، غير قادرة
ما إن اختفت «نوران» عن ناظريها حتى وقفت «فيروز» للحظات في منتصف الممر، تحاول أن تستجمع أفكارها.أين يمكن لطفلة صغيرة أن تذهب داخل فندق بهذا الحجم؟التفتت يمينًا ويسارًا، ثم بدأت تبحث في الطابق الثاني أولًا. ألقت نظرة داخل الغرف التي كانت أبوابها مفتوحة، وتفقدت الممرات والزوايا القريبة، ثم اتجهت إلى غرفة الاستراحة الصغيرة التي اعتادت العاملات الجلوس فيها.لا شيء.نادت بصوت خافت:— «ليلى؟»لم يجبها أحد.عقدت حاجبيها، ثم واصلت السير، وهي تحاول التفكير في الأماكن التي يمكن لطفلة في عمرها أن تنجذب إليها.ربما ذهبت إلى الحديقة.أو إلى المطعم.أو...توقفت فجأة.المصعد.اتجهت إليه بخطوات سريعة، وما إن وصلت حتى ضغطت الزر، ثم راحت تنتظر وصوله وهي تنظر إلى أضواء الأرقام التي تتغير ببطء.وحين فُتح الباب، دخلت بسرعة وضغطت زر الطابق الثالث.كانت تفكر في كل شيء إلا في أن المكان الذي تعمل فيه اليوم يستقبل أهم ضيوفه.كانت كل أفكارها منصبة على طفلة صغيرة، وعلى نوران التي قد تفقد عملها إن اكتشف السيد حاتم ما حدث.وصل المصعد إلى الطابق الثالث، وانفتح ببطء.خرجت فيروز مسرعة، ثم أخذت تنظر حولها.كان هذا ال
في اليوم التالي، دخلت «فيروز» إلى عملها مباشرةً، دون أن تمنح نفسها وقتًا طويلًا للراحة، وبدأت بالعناية بالطابق الثاني كعادتها.غرفة تلو الأخرى، كانت تنتقل بين الأجنحة والغرف، تحمل مستلزمات التنظيف، وترتب كل شيء بعناية قبل أن تغادر المكان إلى الغرفة التالية. ومع مرور الوقت، بدأ الإرهاق يتسلل إلى جسدها شيئًا فشيئًا، حتى شعرت وكأن التعب قد سرى في أوصالها وأثقل أطرافها.لم يكن العمل سهلًا على الإطلاق؛ فساعات الوقوف الطويلة، وحمل مستلزمات التنظيف، والانحناء لترتيب الغرف وتنظيفها، كلها كانت تستنزف طاقتها بصورة كبيرة. ومع ذلك، لم تكن تملك رفاهية الشكوى.فالراتب، رغم المشقة، كان سخيًا بالنسبة إليها، ويغطي قدرًا كبيرًا من احتياجاتها، كما أنها كانت تحرص على ادخار جزء منه مهما كان بسيطًا، لتتمكن من توفير نفقات دراستها دون أن تضطر إلى التخلي عنها.كان الوقت لا يزال مبكرًا، فموعد دوامها يبدأ مع الساعات الأولى من النهار، ولا ينتهي إلا في وقت متأخر منه. وبعد أن فرغت من إحدى المهام، عادت إلى الغرفة المخصصة لها ولزميلاتها، وضعت ما بيدها جانبًا، ثم مررت أصابعها بين خصلات شعرها النارية.كانت قد عقصته طو
بعد انتهاء الاجتماع مباشرة، اتجهت «فيروز» برفقة «نوران» إلى غرفة المستلزمات الخاصة بخدمة الغرف.كانت الغرفة مزدحمة بالعاملات، وكل واحدة منهن تتحرك بسرعة بين الرفوف والعربات، تجمع ما تحتاج إليه قبل أن تبدأ في تجهيز الغرف المخصصة للضيوف.سحبت «فيروز» عربة فارغة، وبدأت في ترتيب محتوياتها بعناية.وضعت مجموعة من المناشف النظيفة في الجزء السفلي، ثم رتبت أغطية الأسرّة المطوية فوقها، وبعدها وضعت عبوات الشامبو والصابون وأدوات العناية الشخصية في صندوق صغير مخصص لها.كانت «نوران» تقف إلى جوارها، تراجع القائمة التي أعطتها إياها المشرفة._"هل أخذتِ كل شيء؟"نظرت «فيروز» إلى العربة مرة أخرى._"المناشف، أغطية الأسرّة، أدوات العناية، مواد التنظيف..."توقفت لحظة، ثم التفتت إليها._"هل أحضرنا أكياس النفايات؟"صفعت «نوران» جبينها بخفة._"نسيتها."ابتسمت «فيروز»._"كنت أعلم ذلك."عادت «نوران» إلى الغرفة وأحضرتها، ثم وضعتها في العربة.وبعد أن تأكدتا من وجود كل شيء، دفعت «فيروز» العربة أمامها، واتجهتا نحو المصعد.كان الطريق إلى الطابق الثالث أكثر هدوءًا من بقية الفندق، وكأن الإدارة أرادت أن تجعل هذا الطابق
كانت تنظر إلى «حاتم» فحسب، مستمعةً إلى حديثه باهتمام، دون أن يعني لها الاسم شيئًا.لم تكن قد سمعت به من قبل.مالت «نوران» نحوها قليلًا، وهمست:_"أحقًا لا تعرفين من يكون؟"نظرت إليها «فيروز» باستغراب._"لا، لم أسمع بهذا الاسم من قبل."اتسعت عينا «نوران» بدهشة، لكنها لم تجد فرصة للحديث أكثر، فقد استأنف «حاتم» كلامه._"أريد من الجميع أن يدرك أن هذه الزيارة مهمة جدًا للفندق، ولذلك لن أسمح بأي تقصير."ثم التفت إلى موظفي الاستقبال._"قسم الاستقبال، ستكونون أول من يتعامل معه. أريد التأكد من أن جميع بيانات الحجز جاهزة، وأن إجراءات تسجيل الدخول لن تستغرق وقتًا طويلًا. سيكون هناك عدد من مرافقيه، لذلك أريد منكم تجهيز كل ما يلزم قبل وصولهم."أومأ موظفو الاستقبال._"وأريد التعامل معهم بمنتهى الهدوء والاحترام. لا أسئلة شخصية، ولا أحاديث جانبية، ولا أحد يتصرف بتلقائية زائدة. أنتم تمثلون الفندق منذ اللحظة الأولى."ثم انتقل بنظره إلى قسم الأمن._"الأمن، أريد مراجعة مداخل الفندق ومخارجه بالكامل. تأكدوا من أن الطريق المؤدي إلى الجناح خالٍ من أي ازدحام. وأريد مراقبة الطوابق التي سيقيمون بها، ولكن دون أن







