LOGINمرت أربعة أيام كاملة و الوقت في ردهات "مشفى الراشد"
يبدو متوقفاً، قبل أن تبدأ الروح بالتدفق مجدداً في ذلك الجسد النحيل الساكن. في صباح اليوم الخامس، و مع تسلل أولى خيوط الفجر الضعيفة عبر ستائر الغرفة السميكة، تحركت أصابع الفتاة ببطء شديد فوق الملاءة البيضاء الباردة. شعرت بثقل غريب يكبّل أطرافها، ثم ارتجفت أهدابها الكثيفة و الثقيلة عدة مرات، قبل أن تفتح عينيها بصعوبة بالغة، و كأن جفونها تقاوم ضياء العالم الخارجي. كان السقف الأبيض الناصع هو أول ما رأته و عيناها تحاولان التركيز. غامت الرؤية ثم اتضحت ببطء. استنشقت الهواء، فهاجمت رئتيها رائحة المعقمات الطبية النفاذة. و مع تيقظ حواسها، تسلل إلى مسامعها صوت رتيب و منتظم... بيب... بيب... بيب...، كان ذلك صوت جهاز مراقبة نبضات القلب المستقر بجوار فراشها. رمشت عدة مرات، و هي تحرك رأسها بحذر محاولة استيعاب ما حولها. تلفتت يميناً و يساراً بضياع .أين هي؟ و ما هذا المكان؟ و ما الذي حدث لها لتقبع هنا؟ قبل أن تتمكن من الغوص في التفكير أكثر، كسر سكون الغرفة صوت قفل الباب المعدني و هو ينفتح ببطء. دخل في الممر الداخلي طبيبان يرتديان المآزر البيضاء، و خلفهما ممرضة تحمل بعض الأدوية و المحاليل. لاحظ كبير الأطباء استيقاظها و حركة عينيها الشاردة، فارتسمت على وجهه في الحال ابتسامة مهنية هادئة تبعث على الطمأنينة، و اقترب من سريرها قائلاً: "... لقد استيقظتِ أخيراً بعد طول انتظار." انتقلت عيناها الواسعتان بين وجوههم بارتباك واضح و توجس، و نطقت بأولى كلماتها بصوت مبحوح، جاف، و خارج من حنجرة متعطشة: "أين أنا؟"أجابه الطبيب بنبرة هادئة و هو يتفقد المحلول المعلق فوق رأسها: "أنتِ في المستشفى، في مكان آمن تماماً، فلا تقلقي." تسارعت أنفاسها فجأة، و شعرت بوخزة قلق في صدرها:"المستشفى؟ لماذا؟ ما الذي أتى بي إلى هنا؟" تبادل الأطباء النظرات السريعة و المليئة بالحذر فيما بينهم، قبل أن يتقدم أحدهم خطوة إضافية و يقول بنبرة هادئة محاولاً امتصاص توترها: "لقد تعرضتِ لإصابة خطيرة في الرأس، بالإضافة إلى بعض الجروح و الكدمات الأخرى في جسدكِ. تم نقلكِ إلى هنا على وجه السرعة قبل أربعة أيام لتلقي العلاج العاجل، و الآن مؤشراتكِ الحيوية أصبحت ممتازة." ازدادت حيرتها، و شعرت بضغوط تتزايد داخل عقلها كأعاصير صامتة: "إصابة؟ كيف أصبت؟ و من فعل بي هذا؟" هز الطبيب رأسه ببطء و أسف، ممسكاً بملفها الطبي المعل ق في نهاية السرير: "في الواقع... هذا ما نأمل أن تخبرينا به أنتِ يا فتاة." اقترب قليلاً، و فتح الملف و وجه نظره نحوها بجدية و اهتمام:"لقد وصلتي هنا دون أي أوراق ثبوتية أو هوية شخصية. و الآن، لكي نتمكن من تسجيل بياناتكِ و إبلاغ ذويكِ... ما اسمكِ الكامل؟" حدقت فيه الفتاة بعينين متسعتين. مرت ثانية...ثم ثانيتان...ثم ثلاث ثوانٍ... و السكون يبتلع الغرفة.شحب وجهها فجأة حتى أصبح بلون الملاءات التي تغطيها. شعرت و كأن الأرض تميد بها، و هتفت بنبرة مهتزة: "اسمي؟"أجابها الطبيب برفق: "نعم، اسمكِ و اسم عائلتكِ." فتحت فمها لتتحدث، ثم أغلقته فجأة. حاولت مرة أخرى، و اعتصرت خلايا مخها بعنف، لكن الكلمات لم تخرج، و الأحرف تلاشت قبل أن تولد. شعرت برعب حقيقي يجتاح كيانها؛ فكلما حاولت الالتفات إلى ورائها لتتذكر شيئاً، اصطدم عقلها بجدار أسود، فارغ و مصمت، كأن حياتها بدأت قبل دقيقتين فقط! "أنا..." ارتجف صوتها، و تلاحقت أنفاسها المذعورة و هي ترفع يدها النحيلة لتضعها فوق رأسها المضمّد بقوة، كأنها تحاول منع أفكارها من التشتت: "أنا... لا أعلم!"تجمد الطبيب في مكانه، و انعقد حاجباه بذهول و نظر إلى زميله: "ماذا تعنين بلا تعلمين؟" اتسعت عيناها بالرعب، و بدأت تضرب الغطاء بيديها في حركة عشوائية هستيرية: "لا أعرف! أقسم لك أنني لا أعرف اسمي! لا أذكر شيئاً!" بدأت دقات جهاز القلب ترتفع و تتسارع جنوناً تعبيراً عن حالتها النفسية المنهارة:" لا أعرف من أنا! من أكون بحق الجحيم؟! ماذا حدث لي؟! لماذا أنا هنا؟! من أحضرني إلى هذا المكان؟! وأين عائلتي؟ أين أمي؟ أين منزلي؟!"كلما حاولت تجاهله، عاد فضولها أقوى. وفي النهاية، لم تستطع مقاومة رغبتها في معرفة الحقيقة. نهضت من مكانها، أخذت حقيبتها ، ثم غادرت متجهة إلى مطعم الياقوت. عندما وصلت ، دخلت المطعم بهدوء ، ثم أخذت تبحث بعينيها حتى وجدته جالساً في إحدى الزوايا ، كما أخبرها. تقدمت نحوه وجلست أمامه، ثم قالت مباشرة: — لن أستطيع البقاء هنا طويلاً يا طارق. أخبرني ما الذي أردتني أن أراه. نظر إليها للحظات، ثم ألقى نظرة حول المكان قبل أن يسأل: — هل أتيتِ إلى هذا المكان من قبل ؟ رفعت آسيا حاجبها باستغراب. — لا، لم آتِ إلى هنا من قبل. ارتسمت على وجه طارق ابتسامة ساخرة. — غريب. نظرت إليه باستفهام: — ما الغريب؟ أجاب وهو يشير بنظره إلى المكان: — هذا المطعم واحد من ممتلكات زوجكِ يعقوب. اتسعت عينا آسيا بدهشة حقيقية. للحظة، عادت إلى ذاكرتها صورة قديمة؛ كانت قد ذكرت ليعقوب ذات مرة أنها ترغب في تناول العشاء في مطعم الياقوت ، لكنه رفض فوراً وبحدة ، وأخبرها أن المكان سيئ ولا يستحق الزيارة. قالت بارتباك: — لم أكن أعرف أنه يملكه. يعقوب يملك الكثير من الأماكن ثم نظرت إلى ط
بعد رحيل يعقوب ببضع ساعات ، كانت آسيا تجلس بمفردها في هدوء ثقيل ، تحاول أن تستوعب كل ما حدث خلال الأيام الماضية. كان عقلها مزدحماً بالكثير من الأفكار، إلا أنها لم تكن ترغب في مطاردة أي منها حتى النهاية. شعرت أنها بحاجة إلى بعض الهدوء، وإلى أن تضع مسافة بينها وبين كل ما يتعلق بالماضي. وفجأة، اهتز هاتفها فوق الطاولة معلناً عن اتصال وارد. مدت يدها نحوه بلا اهتمام في البداية ، لكن ما إن وقعت عيناها على الاسم الظاهر على الشاشة حتى توقفت للحظات. **طارق بدر.** ظلت تحدق في الاسم لثوانٍ، وكأنها تتساءل إن كان عليها الرد أم ترك الاتصال يمر . كان ظهور طارق الآن يعني عودة امور كانت تحاول بكل طاقتها أن تغلق بابها. تنفست ببطء ، ثم ضغطت زر الإجابة. جاءها صوته : — آسيا... كيف حالكِ ؟ أردت أن أطمئن عليكِ. أجابت ببرود واضح، متعمدة أن تجعل نبرتها رسمية: — أنا بخير ، شكراً لك يا طارق. ساد صمت قصير، ثم قال : — لم أسمع منكِ منذ فترة. إلى أين وصلت الأمور في البحث الذي كنا نقوم به ، ؟ خفضت آسيا عينيها إلى الأرض ، وسرعان ما بدأت الأفكار تدور في رأسها . كانت تعرف أن هذا السؤ
" الصباح التالي ل ليله الشرفة" تسللت خيوط الشمس الذهبية الأولى عبر ستائر الغرفة الشفيفة الفاخرة ، لترسم خطوطاً ممتدة من الضوء الدافئ والسكينة فوق الفراش الوثير. فتح يعقوب عينيه ببطء شديد ، وتخلص من بقايا النوم والثقل في جسده المتعب ، ليلتفت تلقائياً نحو الجانب الآخر من السرير كما اعتاد أن يفعل كل صباح.كانت آسيا ما زالت مستغرقة في نوم عميق . شعرها الأسود الثائر كان مبعثراً بغزارة على الوسادة البيضاء الناصعة كشلال داكن من الحرير الخالص، وملامحها الهادئة كانت خالية تماماً من مساحيق التجميل، تبدو في قمة نقائها الطبيعي .استند يعقوب على كوعه بخفة ، وأخذ يتأمل تفاصيل وجهها بصمت يفيض بالمشاعر . فكر انني ذلك الرجل القاسي الذي لم يعرف الأمان أو طعم الراحة يوماً في حياته ، والذي يبيت ليله دائماً وعقله يصارع الشكوك ، والخطط، والعداوات ، والذكريات المظلمة،، كيف اشعر فجأة بأن الوقت قد توقف تماماً و انا معها كيف استطاعت ان تنسيني هذا العذاب و تخلق لي ذكريات دافئة و بعد تلك الاعترافات العاصفةِ التي قالتها خديجة . امتدت يده الكبيرة ببطء شديد وحذر ، كأنه
ساد الصمت داخل القاعة لثوانٍ طويلة، حتى بدا وكأن الجميع فقد القدرة على الكلام. كانت كلمات خديجة لا تزال معلقة في الهواء ، ثقيلة وقاسية، بينما ظلت سمية واقفة أمامها دون أن تحيد عينيها عنها. لم تكن الصدمة التي ارتسمت على وجه سمية مجرد دهشة مما سمعته، بل كانت أشبه بإعادة ترتيب كاملة لكل المشاعر التي حملتها طوال سنوات طويلة. لقد عاشت عمرها وهي تحمل في قلبها غضباً لا يهدأ تجاه آل التهامي ، وكانت ترى فيهم أصل المأساة التي حطمت حياتها وحياة ابنها. لكن الحقيقة التي سمعتها الآن جعلت الصورة مختلفة تماماً. تأملت سمية وجه خديجة طويلاً، وكأنها تحاول أن ترى خلف ملامح المرأة التي أمامها كل السنوات التي مرت بها، وكل الألم الذي تحملته وحدها. قالت سمية بصوت خافت، وقد تخلت نبرتها عن حدتها : — إذن... أنتِ من فعلتِ ذلك بنوح؟ رفعت خديجة عينيها إليها بثبات، ولم تحاول إنكار شيء. — نعم يا سمية... أنا من فعلت. ساد صمت قصير من جديد. اقتربت سمية خطوة أخرى، وظلت تحدق فيها لم تعد تراها مجرد واحدة من آل التهامي، كانت ترى أماً فقدت ابنها، كما فقدت هي الرجل الذي أحبته.
ساد الصمت داخل ردهة القصر الكبير بعد كلمات خديجة، كان الجميع يحتاج إلى لحظات ليستوعب الحقيقة التي خرجت أخيراً من بين جدران الماضي. ظل يعقوب جالساً في مكانه دون أن يتحرك، وعيناه معلقتان بخديجة. لم يكن قادراً على استيعاب أن المرأة التي تنتمي إلى العائلة التي حملها طوال حياته مسؤولية موت والده، تقف أمامه الآن وتخبره بأنها جدته. رفع يده إلى جبينه، ومسح عليه ببطء، ثم قال بصوت متعب: — أنا لا أصدق .. كيف يمكن أن تكوني جدتي ، انت من آل التهامي؟ نظرت إليه خديجة بألم واضح، وقالت : — حياتي لم تكن بسيطة كما تتخيل يا يعقوب. اتسعت عينا يعقوب أكثر، والتفت فوراً نحو معتز. —و أنت يا جدي كيف استطعت إخفاء الامر ؟ أطرق معتز رأسه قليلاً، ثم أجاب بصوت ثقيل: — لا تحكم علينا يا يعقوب و لكن الظروف من فرضت ذلك . هز يعقوب رأسه بعدم تصديق، وقال بمرارة: — لا استطيع ان استوعب ان حياتي كلها مبنيه على اكاذيب رفعت خديجة عينيها إليه، وقالت: — لأن الحقيقة كانت مرتبطة بعائلة التهامي كلها، وبنوح تحديداً. كنت أعلم أن ظهوري من جديد قد يشعل حرباً . عاد إلى يعقوب السؤال الذي كان يؤلمه منذ سم
شقّ سكون القصر الكبير لآل الراشد صوت البوابات الحديدية وهي تنفتح ببطء، كأن المكان كله يستيقظ فجأة من نوم طويل. دخلت سيارة يعقوب الفارهة، وتوقفت أمام المدخل الرئيسي. نزل يعقوب، عدّل سترته ، ونظر حوله كمن يتوقع أن يجد شيئاً غير عادي في هذه الساعة المتأخرة .في اللحظة نفسها تقريباً، وصلت سيارة سمية. كانت عائدة من الخارج بعد اتصال معتز الذي قال لها بصوت حازم : «ارجعي فوراً، الي المنزل هناك امر هام ». ملامحها كانت متوترة، عيناها تضيقان من الترقب ، ويدُها ترتجف قليلاً وهي تمسك بمقبض الباب . لم تكن تعرف لماذا الاستدعاء المفاجئ ، لكنها شعرت أن شيئاً ثقيلاً ينتظرها داخل القصر. خطت سمية داخل الردهة الكبرى، خطواتها متوترة . عبرت عتبة صالة الاستقبال الرئيسية... وفجأة تجمدت. رأت خديجة التهامي جالسة هناك، هادئة كأنها تمتلك المكان. كأن صاعقة نزلت علي سميه تحولت ملامحها في ثانية واحدة إلى رعب وصدمة ، ثم إلى غضب جنوني اشتعل في عينيها. صرخت بصوت عالٍ : — ما الذي تفعله هذه المرأة اللعينة هنا في بيتنا ؟! كيف تجرؤ كبيرة آل التهامي على تدنيس قصر آل الراشد؟ انتفض ي







