الفصل الثاني
بينما كانت "صفاء" وابنها "رامي" يغرقان في غرفتهما في التخطيط لمكيدة مظلمة ضد حسن وابنته، كانت أجنحة الأقدار تحملنا إلى عالم آخر تماماً.
مكان لم تطأه أطراف حكايتنا من قبل؛ حيث الفخامة المطلقة والهدوء الذي يكسو أرجاء أحد أرقى قصور القاهرة.
تحيط بهذا القصر الشامخ مساحات شاسعة من الحدائق الخضراء والأشجار المورقة والورود الزاهية التي تفوح بعطرها الساحر.
في ذلك الجو الهادئ، كانت تجلس الفتاة الفاتنة "سجى" تعبث بهاتفها بملل رقيق غير معنية بشيء سوى تمرير الوقت.
أقبل والدها "زاهر" بخطوات وقورة وهدوء يملأ محياه، وبادرها بابتسامة دافئة :
— صباح الخير يا سجى.
لم تتردد الفتاة في ترك هاتفها والاندفاع نحو والدها، محتضنة إياه بشوق وحنو بالغ، وهي ترد بحماس:
— صباح السعادة والهنا يا بابا.. عامل إيه النهاردة؟
طمأنها الأب بابتسامة وهو يطبطب على كتفها:
— بخير ولله الحمد يا حبيبتي، مالك قاعدة لوحدك كده وشكلك سرحان؟
أجابت بدلال طفولي:
— أهو يا بابا بلعب في التليفون وبضيع وقت.. بقولك إيه يا بابا؟
التفت إليها زاهر باهتمام:
— أيوه يا حبيبتي، سامعك.
فسألته برغبة جارفة:
— هو أبيه ليث مش ناوي يرجع بقى؟ ده واحشني قوى ونفسي أطمن عليه ونفسي يرجع البيت.
تنهد الأب بعمق وبدت على وجهه مسحة من الحزن الدفين، وأكمل بصوت خافت:
— والله يا سجى يا بنتي مش عارف، أنا بحاول معاه بكل الطرق عشان أقنعه، بس من ساعة اللي حصل وهو قافل على نفسه ومش راضي يرجع.
عبست بوجه عابس وحزن :
— طب أنا عاوزة أسافر عنده بجد، هو واحشني قوي وعاوزة أشوفه.
رد بحنو:
— حاضر يا حبيبتي..
في تلك اللحظات الخاطفة، صدح رنين هاتف زاهر معلناً عن اتصال وارد.
وما إن مسك هاتفه ليرى اسم المتصل حتى تهلل وجهه بفرحة عارمة، ورد على الفور بسعادة:
— ألو! والله أنت ابن حلال وجيت على سيرتك!
جاءه صوت "ليث" من الطرف الآخر بنبرة رجولية هادئة واستغراب طفيف:
— خير يا بابا؟ في حاجة حصلت ولا إيه؟
فأجابه زاهر بابتسامة عريضة:
— لا أبداً، أصل الست سجى كانت لسه بتسأل عنك حالا وتتكلم عنك.
وما إن سمعت سجى الاسم حتى صرخت بصوت عالٍ ملؤه البهجة والحماس:
— ده أبيه ليث!
هز زاهر رأسه مبتسماً لعفويتها، وأعطاها الهاتف برفق .فردت بلهفة:
— ألو! إزيك يا أبيه عامل إيه؟ أنت وحشني قوي!
رد عليها ليث بحنان دافئ:
— حبيبتي يا سجى، وأنتِ كمان وحشتيني جداً.
تابعت بدلال:
— بجد أنا هموت وأشوفك.
وأجابها برفق:
— ألف سلامة عليكِ يا روح قلبي، حاضر هحاول أتصرف.. المهم أنتِ عاملة إيه؟
فردت بحزن مصطنع:
— أنا وحشة من غيرك قوي ونفسي أشوفك.
طمأنها ليث قائلاً:
— هحاول أتصرف ولو كده هخليكِ أنتِ تيجي عندي تغيري جو، بس خليها كمان كم فترة لأني مشغول جداً الفترة دي، عشان لما تيجي أفضى لك تماماً.
— ماشي يا أبيه، طب خد بابا بقى كلم معاك.
أعطت الهاتف لوالدها وهي تخبره:
— خد يا بابا، أنا طالعة أوضتي.
— ماشي يا حبيبتي روحي.
عاد زاهر ليكمل مكالمته مع ابنه بنبرة ودودة:
— ألو، أيوه يا ليث يا حبيبي عامل إيه؟
— الحمد لله يا بابا كله بخير، طمني عنك وعن سجى.
تنهد زاهر بألم وإرهاق وتابع بألم:
— كل حاجة هنا ناقصها وجودك يا حبيبي، إيه برضه مش ناوي ترجع وتريح قلبي؟ ارجع بقى يا ليث.
أجابه ليث بجمود:
— إن شاء الله ربنا يسهل يا بابا.
عاتبه زاهر بإصرار:
— نفس الرد بتاع كل مرة يا حبيبي، أنا خلاص كبرت ومحتاج أطمن عليك وعلى أختك قبل ما أموت.
— بعد الشر عليك يا حبيبي إيه لازمة الكلام ده بس؟
رد زاهر بحزم:
— مش هي دي الحقيقة؟ بص يا حبيبي، اللي حصل معاك مش نهاية الحياة، ربنا ليه حكمة في كل حاجة.
ضم ليث فمه واغمض عينه بالم وهو يتابع .
— ونعم بالله، حاضر هحاول.
— لازم يا ليث لأني خلاص تعبت وبقيت محتاجك جنبي.
تملص ليث محاولا إنهاء هذا الحديث القاسي:
— تمام يا بابا أنا هقفل دلوقتي علشان عندي اجتماع مهم.
ودعه زاهر بحرارة:
— تمام يا حبيبي ربنا معاك.
أغلقا الخط.
بعد أن أغلق ليث مع والده، أرجع رأسه للخلف مستنداً على كرسيه الفاخر، محوطاً بمشاعر العجز والحنين.
في تلك اللحظات، دخل عليه صديق عمره وذراعه اليمين "خالد النويري".
خالد بمرحه المعتاد:
— Hello man!
وفجأة لاحظ شرود ليث ووجوه الحزين، فسأله بقلق:
- مالك؟ أنت كلمت عم زاهر؟
أجابه ليث بألم وهو يرجع ظهره الى الخلف ويمسح وجهه بيده:
— آه، لسه قافل معاه حالاً.
بدء القلق ينهش قلب خالد ولكن ظل هادئا.و تابع بترقب:
— في حاجة جديدة؟
ضم ليث فمه ببرود ورفع حاجبيه:
— لا، كالعادة بيطلب مني أرجع.
فسأله خالد بتوتر:
— طب أمال مالك؟ طيب سجى كويسة؟
— أيوه.
تنفس خالد بارتياح:
— طيب يا عم الحمد لله، أمال مالك في إيه؟
تنهد ليث بحزن جارف وتابع بألم واضح:
— نبرة صوت بابا وجعتني قوي، ده غير إنهم بجد وحشوني وبلدي وحشتني، حاسس بوجع شديد ومش عارف أتصرف إزاي.
حسم خالد أمره بجدية:
—خلاص يبقى نرجع.
رد ليث بيأس وهو يتنهد وينظر من زجاج الشباك الموجود في مكتبه وهو يحاول تجاهل الماضى:
— مش قادر.
فاقترب منه خالد ونظر فى عين ليث وتابع بحزم:
— بص يا صاحبي، لازم تواجه، أنت طول عمرك بتحب تقف في وش الريح.. مش عارف ليه المرة دي حبيت الهروب وأنا ساعدتك لما جيت معاك.
ثم تنهد بحنين وجع :
— بس إحنا خلاص لازم نرجع، مش هنفضل عمرنا كله هربانين، ثم إن مصر وأهلها وحشوني جداً.
— مش قادر أتخطى اللي حصل.
أرد خالد تهدئه الحوار والتخفيف عن صديق عمره فتابع بحسم وقوه:
— ده اعتقاد منك مش أكتر، اللي حصل معاك كان لازم يكون نقطة قوة ليك مش نقطة هروب وضياع.ثم تابع بضحك:
— وبعدين أنا متأكد إنك بتخدع نفسك مش أكتر.
تعجب ليث جملته ورد باستغراب وهو يضيق مابين عينيه:
— إزاي يعني؟
ولكن تهرب خالد بسرعة:
— لا ما تاخدش في بالك، أنا شكلي كده بدأت أخرف من كتر الحنين لبلده
— أنا قلت لك مليون مرة ارجع بلاش تجبر نفسك على الوجود معايا.
— وأنا هرد عليك للمرة المليون برده إني مش هسيبك يا صاحبي.
ثم اقترب منه بشده وهو يقلب نبرته مازحاً ويحاول تقليد فتاه:
— عايز تبعد عني يا خاين بعد ما أخدت غرضك مني يا غدار!
ضحك ليث على مزاح صديقه المخفف عنه، وتابع مبتسماً:
— ماشي يا أخويا خلص بقى وروح شوف شغلك.
— مش قبل ما أطمن على الليلة بتاعة النهاردة، لأحسن والله امبارح الليلة اتضربت والبنت اللي كانت جاية تقعد معايا تحس إنها جاية تعقد أمي مش أكتر!
ضحك ليث بصوته الخشن :
—و هو أنت عاتق؟
ضم خالد فمه بسخريه وهو يتابع:
— يا سلام أمال أقول إيه على حضرتك؟ بس تقول إيه بقى افترى، ده أنت قربت تخلي بنات البلد كلهم يعتزلوا المهنة بسببك!
ثم اقترب منه قليلاً بخبث:
— هو أنت بتعمل معاهم إيه عشان يطلعوا قرفانين من نفسهم كده ها؟
اقترب منه ليث بشده ونظر له بنظره حقيره وتابع بصوت أجش:
— تحب أعرفك عملي؟
ابتعد عنه خالد بسرعة وهو يخرج مرتعباً:
— يا ساتر يا رب لا يا أخويا الله الغني، مش عاوز أعرف حاجة أنا رايح مكتبي.
ابتسم ليث بسخريه:
— أنا شايف كده برده.. بقولك إيه، راجع الملف اللي معاك كويس، أنا عاوز أخلص من المناقصه دى
— أوكي.
توجه خالد إلى مكتبه، أما ليث فوضع رأسه بين يديه يحدث نفسه:
— وبعدين معاك يا ليث إيه آخرة عندك ده؟ بتحاول تعمل إيه بقرارك إنك تسيب البلد وتفضل هربان؟
دعونا نترك ليث لشؤونه ونعود إلى "يقين".
كانت الأيام تمر عليها بثقل الجبال وهي تعاني من بطش زوجة أبيها وعذاب أولادها، وخصوصاً رامي المنحط الذي لا يترك فرصة إلا ويزيد عذابها.
في أحد الأيام، وبينما كانت تعمل بجد على تحضير الطعام، جاء والدها من العمل مبكراً على غير العادة.
و صدم حسن عندما وجدها تعد الطعام بكل احترافية ومهارة، فهو الذي لطالما اعتقد -بناءً على تضليل صفاء- أنها جاهلة بأمور المنزل ولا تفقه شيئاً سوى البكاء في غرفتها.
وقف مصدوماً،وزادت صدمته حين سمعها تحدث نفسها متنهدة:
— ياه الحمد لله أنا كده خلصت كل حاجه قبل ما خالة صفاء تيجي.. خلصت كل التنظيف وكمان الغسيل والأكل، ويا ريتها في الآخر بتسكت! دي بتيجي تبهدلني وكلامها بقى زي السم.
ثم رفعت يدها تدعو ربها والدموع تتلالاء في عينيها:
— يا رب أنا ماليش غيرك انصفني أنا وبابا من الست دي وأولادها.. يا رب أنا حاسة إن خروجها كل يوم في نفس الميعاد ورجوعها قبل بابا ما يرجع ورغبتها في عدم معرفة بابا بالموضوع فيه حاجة وحشة.
— أنا مش فارق معايا بس أهم حاجه تكون الحاجة دي بعيد عن بابا.. والله يا رب أنا لولا خوفي على بابا من الست دي وعيالها كنت قلت لبابا من زمان على كل اللي بتعمله معايا، بس أنا خايفة ومش عارفة حقدها ده ممكن يوديني أنا وبابا لفين.. فعلشان كده هخلي بابا بعيد وأنت يا رب الحارس والمعين.
كان حسن يقف مصعوقاً يستمع لكل حرف، فخرج مسرعاً دون أن تشعر به ابنته، وانتظر يراقب مجيء تلك الأفعى.
وبالفعل رآها تأتي برفقة ابنتها قبل موعده المعتاد.
صعد حسن خلفهما وتسلل بخفية ليسمع كلمات صفاء السامة وهي تجبر يقين على العمل كخادمة.
فوجد صفاء تجلس وهى تضع قدم على الأخرى بإعتلاء أمام ابنته التى تقف مزلوله منكسه الرأس .وابنتها تتابع الأمر وهى تنظر ليقين بإبتسامه ساخره وتقوم بمضغ اللبانه بطريقه مستفزه .وتلعب فى شعرها بتسليه
— يلا يا أختي ادخلي رتبي الأوضة مكان الهدوم اللي لسه خالعينها دي قبل ما المحروس أبوكي يرجع.
هزت يقين رأسها بألم دون كلمه فهى لا تريد الدخول مع تلك المرآءه وابنتها في جدال لا نهايه له سوى إهانتها هى فصمتت ودخلت تنفذ ماطلب منها .
تنهدت مها وهى تنظر ليقين الذاهبه بحقد وكره دفين.
— عارفة يا ماما بحس بحاجة جميلة قوي لما بذل الست زفتة دي.. عارفة ساعات ببقى عاوزة أحرق وشها بمية نار!
فضحكت صفاء بشر.
— كان نفسي بس الواد رامي قال لي إنه عايز يدخلها شغلنا وأهو نستفيد منها.
اعتدلت مها في جلستها وهى تنظر لامها بتركيز وهى تتابع:
— صحيح يا ماما يعني ممكن نخليها معانا في الشغل؟
تنهدت صفاء وهى تكمل بأمل في إتمام الامر:
— بس قولي يا رب.
ابتسمت مها ابتسامه شيطانيه ولكن سرعان ما تلاشت ابتسامتها وهى تسأل أمها:
— طب وهي هتوافق؟ ولا أبوها صاحب الشرف والفضيلة هيوافق إن بنته تعمل كده أو يسكت على خروجها وإنها ممكن تبات بره؟ ده قارفني أنا وأنا مش بنته.
— لا أبوها ده بقى هنخلص منه علشان نفضى للست يقين، لأنها برده هتطلع عينينا لحد ما نخليها تخلع ثوب الفضيلة اللي هي لابساه.
— طيب وهي هترضى؟
— مش بمزاجها.
تعجبت مها من رد أمها وزاد فضولها فعادت تسأل:
— إزاي يعني؟
ابتسمت صفاء بسخريه وهى تتابع :
— مش وقته دلوقتي، كل اللي يهمنا دلوقتي إننا لازم نتصرف في موضوع أبوها ده ونخلص منه في أسرع وقت.
ابتسمت مها بشر ولكن سرعان مابدء القلق يظهر على وجهها:
— أيوه وهنخلص منه إزاي؟ دي مسؤولية وفي حكومة وسين وجيم!
— لا هنخلص منه من غير أي مسؤولية وهتتكتب قضاء وقدر.
ابتسمت مها بلا مبالاة:
— مش مهم، أنا أهم حاجه عندي إن الست يقين هتيجي تحت إيدي وساعتها أنا ناوية أشربها العذاب ألوا
— ماشي يا أختي.بس لحد ما الوقت ده يجى عاوزكى تحاول تسيطرى على حقدك اتجاه البت إنتى بتبقى عاوزة تحرقيها بنظراتك. ولولا إنى بحاول اشتت انتباه الراجل عنك كان عرف وأتاكد إنك بتكرهيها.
كان حسن مستمعاً لكل ذلك حتى كاد يفقد وعيه، فتسلل بهدوء وصعد إلى السطح ليجلس مصدوماً يحدث نفسه:
— في إيه يا حسن؟ إيه اللي بيحصل؟ مين الناس دول؟ أنت جبت شياطين وخليتهم يعيشوا معاك ومع بنتك؟ رميت نفسك ورميت بنتك في وسط النار!
ثم تساءل برعب.واضح في قلبه وظاهر على وجهه:
— بس يا ترى شغل إيه اللي بيشتغلوا فيه وعاوزين بنتك؟ دول هيقتلوك يا حسن وما حدش هيعرف حاجة.. بس مش مهم، المهم دلوقتي إنك تنقذ بنتك من إيد الشياطين دول.
وواصل لوم نفسه والدموع بدءت تتلألأ في عينيه :
— أنا دلوقتي بس عرفت ليه بنتي دمعتها مش بتنشف.. كل الحزن والخوف اللي بنتك فيه ده بسببك يا حسن وأنت تستاهل اللي بيحصل لك واللي لسه هيحصل فيك!
رفع بصره للسماء مناجياً:
— أنا لازم أفكر في حل ضروري ولازم أحمي بنتك.. بس إزاي يا رب؟ ألهمني الصبر والحل من عندك يا رب أنا ماليش غيرك.. ظل يناجي ربه طويلاً.
أما يقين فأنهت أعمالها، وخرجت عند صفاء ومها ووجدتهم يتحدثون بصوت خافت فتابعت بصوت هادئ:
— أنا خلصت كل حاجه يا مرات أبويا، هدخل عشان أصلي العصر.
نظرت لها صفاء نظره استخفاف.و ردت صفاء بسخرية:
— تصلي؟ روحي يا أختي ولعي على الأكل عشان يسخن عشان أول ما المحروس أبوكي يجي نحط الطفح على طول.
نظرت يقين لها بحزن ولكنها أردت الصمت كعادتها وردت بهدوء :
— حاضر.و دخلت المطبخ تفعل ما أُمرت به.
وبينما كانت تسخن الطعام وتدعو ربها، دخلت مها عليها ونظرت لها بحقد شديد.
ثم ملأت مغرفة بالشوربة المغلية وسكبتها بوحشية على يد يقين، فانتفضت تصرخ بألم:
— ليه كده؟ حرام عليكي! وبدءت الدموع تأخذ مجراها على خدها وهى تمسك يدها المحترفه بألم
اقتربت مها بحقد.وهى تمسك يدها بكره:
— حرام؟ طيب قولي كلمة كمان وهامسك الحلة كلها وهكبها على وشك!
في تلك اللحظة دخلت صفاء بلهفة مصطنعة:
— في إيه؟
وجدت يقين تبكي ومها تقف ببرود، فسألت صفاء:
— مالها دي؟ إيه اللي حصل؟
قالت مها ببرود وهى تقف بدلادل وهى تقدم أظافرها بفمها بإستمتاع :
— مفيش، أصلي حبيت ألعب معاها.
نفخت صفاء بملل تنهدت وهى تنظر ليقين:
— ادخلي يا أختي حطي حاجة على إيدك قبل ما أبوكي يجي ويعملها شغلانة.
دخلت يقين غرفتها تبكي بألم وتضع مرهم الحروق وكانت الدموع قد حفرت مجراها على خدها من كثرت البكاء وكانت تغلق عينها بألم فالوجع لا يحتمل .
في الخارج، عاتبت صفاء ابنتها:
— وبعدين معاكي يا مها ؟ وفري حقدك عليها ده لما نخلص من أبوها، أنا مش عاوزة مشاكل.. وبعدين مش عاوزة حاجة تشوه البنت، إحنا عاوزينها سليمة علشان نقدر نستفيد منها كويس.
ردت مها بملل وهى تجلس بسخريه و إعتلاء:
— طيب حاضر.
قرر حسن النزول والدخول كالعادة لئلا يشك أحد، وتصرف بحكمة بالغة.
وعندما علمت صفاء بحضوره استقبلته كالعاده وهى ترتدى قناع المحبه والتقدير:
— حمد لله على السلامة يا أخويا.
رد حسن وهو يجلس بألم:
— الله يسلمك، أمال فين يقين؟
جلست صفاء بجواره بتودد مصطنع:
— هتكون فين يعني؟ في الأوضة.
خرجت مها من المطبخ وهى تبتسم بتودد مصطنع:
— حمد لله على السلامة يا عمي.
حاول حسن الابتسامه.ورد بجفاء شديد.ولكن لم تلاحظه صفاء ولا ابنتها:
— الله يسلمك يا بنتي.
تابعت مها وهى تنظر لامها وهى تدعى الانشغال والقيام بأعمال المنزل بدلا من أمها :
— أنا خلصت الأكل يا ماما
ابتسمت صفاء وهى ترد اغرفي.. ثم نظرت إلى حسن قوم يا أخويا غير هدومك ويلا وأنا هدخل أنادي يقين.
هز حسن رأسه ودخل غرفته وهو غير مصدق لكل ما يجري، مدركاً أنه وجب عليه إيجاد حل فوري.
دخلت صفاء لغرفة يقين ووجدتها نائمة على سجادة الصلاة، فدفعتها بقدمها بعنف و قسوة:
ط — أنتِ يا بنت!
انتفضت يقين مفزوعة وهى تعادل في جلستها وتمسك يدها بالم :
— إيه في إيه؟
ابتسمت صفاء بسخرية واستخفاف:
— قومي يا أختي المحروس أبوكي جه وبيسأل عليكي.. وحذار تقولي إن مها هي اللي عملت فيكي كده، لحسن الله في سماه أنتِ عارفة أنا ممكن أعمل إيه!
هزت يقين رأسها وخرجت صفاء.
نزلت دموع يقين حزنا على حالها وحال والدها ولكنها سرعان ما مسحت يقين دموعها وخرجت لتجد والدها جالساً على مائدة الطعام.
ما إن رآها حتى وقف وضمها بحنان وحزن.وهو يرى أثار الدموع فى عينها :
— مالك يا روح بابا؟
ازدادت يقين فى بكاءًها وهو يطبطب عليها بحنان:
— مالك بس؟
ابتعدت يقين عن حضن والدها وهى تمسح دموعها وهى ترد بهدوء :
— مفيش، أصل افتكرت ماما الله يرحمها.
ضمها مرة أخرى مغمضاً عينيه ألماً لكونه يعلم أنها تكذب.
نظرت لهم وهى تعوج جانب فمها وتابعت ببرود:
— ربنا يرحمها يا حبيبتي.
ابتعد حسن عن ابنته وهو يحاول أن يبدو طبيعيا حتى لا تشك صفاء فى أمره:
— ربنا يرحمها.
يقين وهى تمسح دموعها:
— يا رب.
وعندما حاول حسن إمساك يدها، سحبتها بألم وهي تبكي:
— آه حاسب يا بابا!
نظر حسن ليدها لينصدم بوجود حرق كبير فظيع، فنظر بغضب باتجاه صفاء:
— إيه ده؟ من إيه ده؟ إيه اللي حصل؟ مين عمل فيها كده؟
سارعت صفاء بشهقة مصطنعة وهى تضع يدها على صدرها بصدمه مصطنعه:
— ما حدش يا أخويا.. دي بنتك حبت تقف مع مها وهي بتعمل الأكل وكانت بتقلب الأكل فكبت الشوربة على إيديها وهي بتقلبها.. أعمل إيه؟ قلت لها ما تدخليش المطبخ تاني.
نظر لها حسن متأكداً أن أحدهم فعلها، لكن يقين أكدت كلام صفاء، فأغمض عينيه مقهوراً معاهداً نفسه بالصبر ريثما يحمي ابنته.
اقترب حسن بحنان من ابنته ومسح على كتفها وقبل رأسها بحنان:
— مش تخلي بالك يا روح بابا كده حرقتي نفسك؟
ضغطت يقين على شفتيها بألم:
— معلش يا بابا الحمد لله.
اقتربت صفاء باهتمام كاذب ووضعت يدها على كتف يقين :
— المرهم اللي حطيته ليكي على الحرق برد شوية ولا لسه؟
تنهدت بالم وهى تغمض عينها:
— الحمد لله.
— طب الحمد لله، أنا هدخل بقى أغرف الأكل.
هز حسن رأسه ولم يعقب، ودخلت صفاء وابنتها تضحكان بسخرية في المطبخ.
مها بشماتة وابتسامه سخريه:
— بحس بفخر كده وأنا بنسب مجهود المحروقة دي ليا وليكي وهي ولا حتى بتحاول تعترض!
اعتدلت صفاء وهى ترفع جانب حاجبيها وتقف بإعتلاء:
— ما تقدرش تعمل حاجة، أنا مهدداها إنها لو عرفت أبوها حاجة هيجيله ذبحة صدرية ويموت زي أمها.. ومش هيقدر يعمل حاجة لأني مفهماها إني بدي له علاج يعمل كده، ولو اتكلمت هخليه ياخد العلاج ده، ولو لأ مش هياخده.
ابتسمت مها بسخريه:
— وهي صدقت العبط ده؟
— غبية بقى تعملي إيه؟ مش مشغلة مخها مدياه أجازة دايماً!
ضحكتا بصوت منخفض.
أما حسن اقترب من ابنته بحنان وهو يمسح على ضهرها بحنان أبوى بالغ:
— حاسة إنك أحسن ولا أوديك المستشفى؟
أجابت وهى تنظر لولدها بإبتسامه حزينه :
— لا يا بابا أنا الحمد لله كويسة، اطمن.
هز رأسه، ودخلت المرأة ومعها الطعام، والتزم حسن الصمت وتناول القليل
يقين وهى تقوم وتنوى المغادره
— أنا شبعت الحمد لله، هدخل أعمل شاي؟
قاطعتها صفاء بسرعة وهى تدعى الحنان الخوف الزائف:
— لا خليكي، مها هتعمله عشان إيدك.
ابتسم حسن بسخرية داخل نفسه: "كم هم قادرين على تزوير الحقائق!".
نظر لابنته.وهو ينظر لها بحسره على حالها
— أنتِ مش كلتي يا بنتي؟
— شبعت يا بابا الحمد لله.. هنام شوية وهبقى أحسن.
فرد بقهر على حالها .
— ماشي يا بنتي.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب.
أما ليث فكان غارقاً في العمل ليله ونهاره هرباً من أفكاره.
في يوم، دخل عليه سكرتيره الأجنبي ليقدم له الأوراق والمستندات لمراجعتها وإمضائها.
قدم السكرتير التحيه بإحترام :
صباح الخير يا سيدى
رد ليث بوقار وهيبه طاغيه :
صباح الخير ماذا تريد؟
السكرتير. وهو يتقدم منه ويعرض بعض الأوراق:
هناك بعض الأوراق تحتاج الإمضاء منك ياسيدى
رد ليث وهو يمد يده بعمليه:
حسنا أعطنى
قام ليث بما طُلب منه بدقة، وبعدما إنتهى. سأل:
— أين السيد خالد؟
أجابه السكرتير بأنه لم يأتِ بعد.
أمره ليث بإخباره فور حضوره بالدخول إليه، ثم أبعد الأوراق وأرجع ظهره للخلف يحدث نفسه بمرارة:
— وبعدين معاك يا ليث؟ هتفضل كده كتير؟ هعمل إيه يعني؟ أنا لازم أرجع بلدي، كل ده علشان واحدة حقيرة؟
وبدأ يسترجع شريط ما حدث معه وكان سبباً في تركه لمصر خمس سنوات كاملة دون عودة...
يا ترى ما الذي جرى معه في الماضي؟