الفصل الخامس
مع إشراقة شمس يوم جديد يحمل في أطيابه مزيداً من التوتر والترقب، استيقظ الأب المكلوم "حسن" مبكراً عن المعتاد.
وقف يتوضأ ويصلي خاشعاً، ثم خرج متوجهاً إلى عمله وهو يستودع ابنته الوحيدة البريئة في حمى الله ورعايته؛ فهو يعلم أن لا سند لها ولا مجير سوى رب العالمين.
قصد مقر عمله كعادته اليومية الثابتة منذ عشرين عاماً مضت.
وما إن وصل حتى غرق في حالة من التوهان والشرود العميق؛ فكل ما كان يسيطر على عقله المضطرب هو إيجاد مخرج حاسم وطوق نجاة ينقذ به ابنته الكريمة من براثن تلك المرأة الحاقدة وأولادها.
أما في قصر "زاهر"، فقد استيقظ الآخر بنشاط وحيوية، وخطا خارج غرفته منادياً على الخادمة بصوت جهوري مسموع:
— سعدية.. يا سعدية!
لبت الخادمة النداء مهرولة:
— تحت أمرك يا زاهر بيه.
طلب منها أن تعد الفطور، وأن تصعد لإيقاظ ابنته "سجى" لتنزل وتتناول طعامها معه.
مؤكداً عليها أنه لن يذهب إلى الشركة اليوم وأنه بحاجة إلى جو من الهدوء التام بعيداً عن صخب العمل.
طلبت منه الخادمة فنجان قهوته، فأمرها بأن ترفعه له وللضيوف إلى حديقة القصر الفسيحة؛ حيث الجو العليل المنعش.
وفي تلك اللحظات، وبينما كان زاهر يتجول في محيط القصر، وقع بصره على "حسن" وهو غارق في أفكاره السوداوية وهواجسه العميقة.
نادى عليه زاهر مراراً، لكن حسن كان في عالم آخر غارقاً في السرحان فلم يسمعه.
حينئذٍ، أمر زاهر إحدى الخادمات بتحضير فنجان قهوة إضافي لحسن، وتوجه نحوه بخطوات ودودة؛ فهو لم يره يوماً مجرد سائق يعمل لديه، بل عده صديقاً وفياً وأخاً عزيزاً.
وضع زاهر يده الدافئة بحنان على كتف حسن، فتنبه الأخير مفزوعاً وابتلع غصته.
نظر له حسن بدهشة واحترام:
— زاهر بيه! حضرتك جاي بنفسك هنا؟ كنت بعت لي أي حد من الخدم ينادي عليا وأنا أجيلك فوراً.
سأله زاهر بقلق حقيقي:
— مالك يا حسن؟ أنا نادتك كتير بس أنت كنت سرحان ومش بترد خالص كأنك مش معايا.
في تلك اللحظة حضرت الخادمة بصينية القهوة، فأشار زاهر لحسن:
— تعالى معايا يا حسن.
— على فين يا باشا
— هنقعد هناك في الجنينة نشرب قهوة سوا بعيد عن الدوشه
— العفو يا باشا، ما يصحش.
— وبعدين معاك يا حسن؟ أنا قلت لك مية مرة أنت بالنسبة لي فرد من العيلة، بلاش الحساسية الزيادة دي.
امتثل حسن لأمره المباشر وذهب معه وجلس، وبدءا يتناولان القهوة في ركن هادئ.
— قول لي يا حسن.. أول مرة في حياتي أشوف الخوف والحيرة بالشكل ده في عيونك، أول مرة أحس إنك شايل هم كبير وظهرك منكسر، احكي لي.. يمكن أقدر أساعدك بشيء.
سكت حسن لفترة طويلة وهو يطيل النظر لوجه زاهر، مستحضراً كم يحبه هذا الرجل وكم يقدره بصدق.
— أنت محتاج فلوس يا حسن؟ اتكلم، الدنيا ضايقة بيك؟
— لا يا باشا، الحمد لله مستورة وخير ربنا كتير.
— أمال إيه الحكاية؟ مالك يا راجل؟
— أنا هقول لك كل حاجة.. ويمكن تقدر تدبرني وتساعدني إني ألاقي حل ومخرج للمصيبة دي، بس يا ريت يكون ده بعد ساعات العمل ونكون في مكان بعيد وهادي لوحدنا خالص بعيد عن القصر والناس
— أنا أصلاً النهاردة مش رايح الشركة ولا عندي أي مشاوير.. تمام، افطر بس معايا، وبعدها نركب العربية ونروح أي مكان هادي ونقعد نتكلم براحتنا خالص.
— تمام يا باشا.
وفي تلك اللحظة بالتحديد، خرجت "سجى" مهرولة بسعادة واقتربت من والدها وارتمت في حضنه بحب. بابتسامة مشرقة:
— صباح الخير يا بابا.
— صباح النور والفل يا حبيبة بابا، تعالي عشان الفطور مستنينا
— أوكي يا بابا
ثم التفت إلى حسن الجالس ومازال شاردا:
— تعالى افطر معانا يا حسن.
— بالهناء والشفاء لحضرتك ولست سجى، أنا سبقك وكليت.. هروح دلوقتي أظبط العربية وأجهزها عشان مشوار الست سجى.
— لا يا حسن، سجى خلي نعمان هو اللي يوصلها النهاردة، خليك أنت قاعد معايا عشان هنخرج بعدها سوا، وهي ممكن تتأخر بره في مشاويرها.
— تحت أمرك يا باشا.
وبالفعل، ذهب حسن ونفذ ما طلب منه بدقة، وجلس زاهر يتناول الفطور مع ابنته التي غادرت القصر بعد قليل برفقة السائق الآخر.
عقب مغادرتها، استقل زاهر السيارة برفقة حسن، وانطلقا معاً حتى وصلا إلى مكان بعيد، نائي وهادئ تماماً يخلو من ضجيج البشر.
— ها يا سيدي.. أدينا جينا مكان هادي وبعيد زي ما طلبت، قل لي بقى.. مالك؟ في إيه؟ إيه اللي مضايقك ومخليك شايل الهم الجبّار ده كله على كتافك؟
تنهد حسن بأسى عميق وبدأ يسرد على مسامع زاهر تفاصيل القصة كاملة بكل ما فيها من سموم ومخططات.
كان زاهر يستمع وعيناه تكادان تخرجان صدمة وذهولاً من هول ما يسمع.
— تقتلك؟! إزاي الكلام ده حصل؟! دي شياطين مش بشر! إحنا لازم نبلغ البوليس حالاً ونحبسها هي وعيالها الأوساخ دول ورا الشمس!
نظر حسن الى الاسفل منكس الرأس حزين:
— هقول إيه للبوليس يا باشا؟ ما فيش أي دليل مادي أو إثبات قانوني أقدر أقدمه على الكلام ده كله!
— بسيطة جداً.. نجيب دليل! أروح أنا بنفسي أجيب لك إذن تسجيل رسمي، ونسجل لها كل كلامها الأسود ده، وساعتها هيبقى دليل قاطع وقوي جداً قدام القانون.
— يا ريتها بتقول الكلام ده قدامي.. دي كل المصايب دي بتدور من ورايا ومن ظهر ظهري! ولو ما كنتش روحت يومها الشقة بدري صدفة، ما كنتش عرفت حرف واحد وكنت فضلت عايش في طوع أعمى.
— وبنتي بتعاني العذاب لوحدها ست سنين كاملة وأنا ولا هنا! وبرجّع حزنها وضعفها المستمر لفراق أمها، مع إني عارف إن بنتي مؤمنة وقوية، بس أعمل إيه.. جهلي بيها وغبائي وتصديقي الأعمى لمراتي خلاني أسيب بنتي تتعرض للعذاب ده كله
— قل لي يا زاهر بيه.. أعمل إيه دلوقتي وأحمي بنتي إزاي؟ أنا ماليش غيرها، ومعدتش بخاف على نفسي من الموت، خوفي كله عليها وحدها.
— من كل اللي حكيته ده، الست دي وعيالها أكيد بيشتغلوا في حاجة غير مشروعة وبلاوي سودا، وراهم سر خطير ومظلم.. إحنا لازم نبلغ الجهات المختصة فوراً يا حسن.. اسمع مني، وبنتك دي في رقبتي، لو حصل لك حاجة وبقيت في عمر طويل أو قصير، بنتك زي سجى بالضبط وهحميها بروحي.
— مش هتعرف تاخد منهم لا حق ولا باطل بالطريقة العادية، دول مش بشر، دول أفاعي وشياطين!
— سيبها على ربنا وقوم معايا حالاً.
— على فين يا باشا؟
— هنبلغ البوليس طبعاً، مافيش كلام تاني
— بس..
— مفيش بس خالص.. اسمع مني، أنا هاخدك دلوقتي حالا ونروح لظابط صديق لي، هتحكي له كل تفاصيل الحوار وهو هيتصرف ويعرفنا هنعمل إيه.
— تمام يا باشا، اللي تشوفه.
وفعلاً، تحرك زاهر بصحبة حسن إلى مديرية الأمن، وقابلا ضابطاً محنكاً يدعى "مدحت".
جلس حسن وأمامه الضابط مدحت، وبدأ يروي له الحكاية من ألف إلى الياء بدموع مقهورة، وبدأ مدحت في تدوين البيانات وأخذ أقواله باهتمام بالغ.
— أنا هجيب لك إذن نيابة رسمي للتسجيل، ونبدأ نزرع أجهزة عشان نسجل أي كلمة تدينهم وتحصل جوه البيت.. بس يعني، أنا قلقان على خصوصية أهل البيت، مش عاوزين حد من أفراد البيت الأبرياء ينجرح أو يتكشف.
— أرجوك بلاش كاميرات تصوير مرئية.. بنتي ملتزمة جداً ومتحجبة، وبتكون على راحتها أوقات كتير جوه بيتها لوحدها، وأنا لا يمكن أقبل إن خصوصيتها تنتهك.
— تمام جداً.. إحنا هنكتفي بتسجيلات صوتية فقط.. بس السؤال هنا، هنزرع الأجهزة إزاي جوه الشقة من غير ما نلفت الانتباه؟ لازم نتأكد إن مافيش أي حد موجود جوه الشقة وقت التركيب
— إزاي بس؟ بنتي يقين مقضية طول وقتها في البيت ومش بتخرج أبداً إلا نادر.
أجاب زاهر وهو ينظر له:
— حاول يا حسن تخرجها من البيت في اليوم ده بأي حجة قوية، وهم أصلاً كده كده بيخرجوا طول النهار، وأنت بتبقى في شغلك
— خلاص.. أنا بكره أخدها أوديها تزور مقابر والدتها بحجة الدعاء لها، وكمان أستغل الفرصة وأعدي بيها على الدكتور عشان نغير على جرح إيديها اللي حرقهولها.
تعجب مدحت .وسأل :
— مالها إيديها؟
— واحدة من الملاعين دول حرقت إيديها بالشوربة المغلية عن عمد وقسوة!
— يا نهار أبيض! كمان تعذيب جسدي وحرق؟! إيه يا راجل، وأنت فين من كل ده من زمان؟
— كنت مغفل ونايم على وداني، للأسف.
رد زاهر وهو يضع يده على كتف حسن يدعمه:
— احمد ربنا يا حسن ألف مرة إنه كشفهم لك في الوقت المناسب قبل ما يقتلوا بنتك بجد.
وأرد الضابط مدحت أن يبث الامان له:
— أنا عاوزك تطمن خالص يا عم حسن، إن شاء الله هنقدر نسيطر على الموقف وبأسرع وقت ممكن، بس لازم نحط خطة أمنية محكمة وسريعة.
قام مدحت باستدعاء عدد من الضباط الصغار الماهرين للتشاور، وعرض عليهم القضية بدقة، وبدؤوا في وضع الخطط الخفية.
وحين انتهوا، غادر زاهر وحسن مديرية الأمن واستقلا السيارة مجدداً في طريق العودة.
— اقف هنا على جنب شوية يا حسن.
أوقف حسن السيارة وهو لا يزال يرتجف خوفاً وهلعاً.
— مالك يا راجل بس خايف وقلقان كده؟ اطمن، الموضوع بقى خلاص تحت السيطرة والأمن اتدخل.
— ربنا يسترها، قلبي مش مطمن.
— إن شاء الله خير وهيسترها من عنده، بس روق أنت كده واهتم بصحتك، لازم تحافظ على نفسك وتكون قوي عشان خاطر بنتك ومستقبلها.
— أنا مش خايف على نفسي أبداً من الموت، خوفي كله على يقين وحدها.. أنا اكتشفت الموضوع ده متأخر وهما مترتبين كويس، ومش بعيد تكون الست دي بدأت تنفذ كلامها وتحط لي السم في الأكل زي ما قالت، ويبدأ مفعوله يسري في جسمي بجد.
— لا إن شاء الله ما حصلش، وبعدين أكيد هي ما لحقتش تعمل خطتها لسه، وأنت يا سيدي من هنا ورايح حاول ما تاخدش أي أكل من إيد الست دي نهائي.. خلي يقين هي اللي تتولى الموضوع ده، يعني قول لها: يا يقين اعملي لي شاي، يا يقين هاتي لي ميه، وأنت بتقول إن بنتك هي اللي بتطبخ البيت كله أصلاً.
— آه.. أنا اكتشفت متأخر إن يقين هي اللي بتقوم بكل شغل الشقة مش الطبخ وبس.
— حلو قوي.. أنت بقى قلل تماماً أي لقمة تاخدها من إيد الست صفاء دي لحد ما نخلص ونيبس راسهم.
— تمام، ربنا يسترها بجد.
— وعشان تبقى مطمن على بنتك بالكامل ومتبقاش قاعد على نار، في فكرة لمعت في دماغي هقول لك عليها دلوقتي نعملها مؤقتاً لحد ما الأزمة دي تخلص خالص وبعدها نشوف هنعمل إيه.
— فكرة إيه دي يا باشا؟
— هقول لك يا سيدي..
نتركهم قليلاً وننتقل إلى "يقين" التي استيقظت منذ أذان الفجر، فصلت فرضها وقرأت وردها اليومي بثبات.
ثم شمرت عن ساعديها وبدأت في تنظيف المنزل وترتيبه بدقة، بل وأعدت طعام الإفطار لصفاء وأولادها قبل أن يغادر والدها إلى عمله.
وبينما هي منشغلة، فجأة صرخت صفاء بصوتها القبيح العالي:
— أنتِ يا زفتة يا اللي اسمها يقين!
ردت يقين بسرعة وهلع وخرجت بسرعه :
— نعم.. نعم يا مرات أبويا، سامعة حضرتك.
د
— أنعم الله عليكِ يا أختي وعلى عمايلك.. أوعي تكوني مفكرة إنك هتهربي من شغل البيت النهاردة! أمال مين اللي هينضف الشقة دي كلها ويطبخ الغداء؟
وفي تلك الأثناء، حضرت تلك الحرباء الصغيرة "مها" من خلفها متدخلة بغل:
— وتغسل الغسيل كمان يا ماما.. أنا عندي هدوم كتير قوي وعاوزاها تخلص.
— لا بلاش غسيل النهاردة يا مها.. إيديها لسه ملتهبة ومحروقة وأبوها مش مبطل زن ووجع دماغ، وأنا مش ناقصة نكد.
صاحت مها بحقد أسود وهى تنظر إلى يقين بشر وإعتلاء:
— مالها إيديها يعني؟ ما هي زي القردة أهي سليمة وبتتحرك! أنا عاوزة الغسيل بتاعي كله يتغسل النهاردة قبل بكرة، وأنا عاوزاه جاهز ومكوي كمان وجاهز
— حاضر.
— اخلصى يا أختي هو أنتى لسه هتتمسكنى .. غوري بقى من وشي دلوقتي واعملي لي كوباية قهوة مظبوطة عشان أصحصح وأفوق.واعملى واحده لماما
— حاضر.
وتحركت المسكينة لتفعل ما طلب منها وهي تكبح دمعتها.
أما "ليث"، فقد بدأ يرتب خطوات سفره الأخيرة وينهي التزامات شركته بالكامل.
واستعان بأكفأ العناصر وأوثقهم ممن يثق بهم عميق الثقة، وبدأ يدربه تدريجياً على كيفية تولي إدارة شؤون الشركة باحترافية تامة طوال فترة غيابه.
وفي يوم من الأيام، بينما كان جالساً على مكتبه الفخم يوقع بعض العقود، دخل عليه خالد بمرحه المعتاد:
— هاي بوص.
رفع ليث عينيه.ينظر باهتمام :
— هاي يا أخويا.. كنت فين ؟
— كنت بظبط أموري وأخلص ورق السفر.. إلا قول لي يا ليث، هنعملها إمتى بجد؟ الحمد لله سيستم الشغل بقى حديد وزي الفل، وخصوصاً بعد ما طبقنا نظام الحضور إلكترونياً، والباشا اللي هيمسك الإدارة نيابة عنك كفاءة ونقدر نسافر وإحنا حاطين في بطننا بطيخة صيفي.
— هانت خلاص.. قدامنا أسبوعين بالظبط ونسافر، بس أرجوك وبأكد عليك تاني، بلاش مخلوق يعرف، خليها مفاجأة تضرب في الكل.
— ماشي يا عم، ولا يهمك.. أسيبك أنا بقى وأروح أخلص اللي ورايا.
ونعود إلى حسن الذي ذهب بالفعل وأخذ يقين من منزلها في غيبة صفاء.
وعندما وصل كانت لوحدها تماماً وقد أنهت كافة أعمالها الشاقة وتأهبت للجلوس قليلاً لتلتقط أنفاسها.
— آه يا رب.. تقويني وتعيني، أنا خلاص مبقتش قادرة استحمل أكتر من كده، حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا صفاء أنتِ وبنتك وابنك المعتوه!
وفجأة، انفتح الباب ودخل أبوها الذي كان يرتدي قناع الهدوء الطبيعي حتى لا تلاحظ ابنته شيئاً يريبها.
هتف حسن بابتسامة مصطنعة:
— السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. إزيك يا يقين يا حبيبتي؟
فزعت يقين لرؤية أبيها في هذا الوقت غير المعتاد، وردت بدهشة:
— وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. بابا! أنت جيت في الوقت ده ليه؟ في حاجة؟
اندفعت نحوه واحتضنته بحنان وخوف من أن يكون قد اكتشف شيئاً من شرور صفاء.
سألها حسن محاولاً إخفاء ارتباكه:
— أمال فين خالتك صفاء يا يقين؟
— ها.. مش عارفة يا بابا، هي قالت إنها رايحة مشوار صغير بره البيت وراجعة علطول.
حاول أن يبدو طبيعياً تماماً:
— طيب.. طمنيني، أنتِ عاملة إيه في إيدك دلوقتي؟
ومد يده ليمسك كفها، فصدم حين لمس التورم والالتهاب الذي زاد سوءاً بشكل ملحوظ.
حسن بوجع يمزق قلبه:
— ليه كده بس يا بنتي؟ دي إيدك متبهدلة وخالصة خالص!
يقين ببساطة لتخفف عنه:
— معلش يا حبيبي.. حوادث مطابخ عادية، هتخف لوحدها.
قال حسن بحزم لا يقبل النقاش:
— لازم نروح لدكتور شاطر يطمن عليها حالاً.
— يا بابا يا حبيبي مش مستاهلة، هي أكيد هتعمل لوحدها وتخف.
— إزاي بس يا بنتي؟ دي لو كانت هتخف كانت خفت من زمان، يلا بسرعة ادخلي البسي عبايتك عشان هنروح للدكتور، وبعدها هاخدك ونروح نزور مقابر والدتك زي ما كنتِ تتمني.
تهلل وجه يقين بفرحة عارمة ودموع السعادة:
— بجد يا بابا؟! هروح أزور ماما النهاردة؟
— آه يا حبيبتي، بس يلا بسرعة من غير تأخير.
دخلت يقين غرفتها مهرولة بسعادة، وارتدت ثياباً رقيقة محتشمة ونظيفة ثم خرجت له.
أخذها حسن ونزلا معاً، وأثناء طريقهما للمستشفى التفت إليها وقال:
— بقول لك إيه يا يقين يا حبيبتي..
— نعم يا بابا.
— لما نروح ونرجع، لو خالتك صفاء سألتك أبوكي جه خدك امتى، قولي لها لا ما جاش ولا حاجة.
سألت يقين باستغراب:
— ليه كده يا بابا؟ هو في حاجة؟
— علشان ما تزعلش ولا تاخد على خاطرها إني عرفت أنها خرجت من غير ما تستأذن مني، وهي هتبقى تقولي لوحدها لما ترجع.
قالت يقين بحزن وأسى لحال أبيها وطيبته:
— حاضر يا بابا، اللي تشوفه.
أخذها حسن وذهب بها إلى طبيب متخصص قام بتطهير الحرق ومعالجته وصرف لها دواء طبياً لشفائه تماماً.
وفي هذه الأثناء، كان الضابط مدحت قد أرسل فريقاً محترفاً من الأمن لزرع أجهزة التسجيل الخفية في منزل حسن، مستغلين ترك باب الشقة موارباً عمداً من قِبل حسن، فتمت المهمة بنجاح واحتراف شديدين دون أن يتركوا أثراً.
غادر الضابط الشقة وعاد لمكتبه، وأجرى مدحت اتصالاً سريعاً بزاهر ليؤكد له إتمام المهمة على خير، وبدوره أرسل زاهر رسالة نصية مطمئنة لحسن.
بعد انتهاء الزيارة عند الطبيب، اصطحب حسن ابنته إلى المقابر لزيارة والدتها وقراءة الفاتحة لها.
وبعدها تحركا عائدين للمنزل، لكن حسن توقف بالسيارة تحت العمارة ولم يرغب في الصعود خوفاً من أن تكون صفاء قد عادت وتشعر بأي حركة مريبة.
سألت يقين باستغراب وهى تنظر له :
— إيه يا بابا؟ مش هتطلع معايا الشقة؟
رد حسن باختلاق الأعذار:
— لا يا حبيبتي، أنا ورايا شغل مهم وطارئ لازم ألحقه وما أتاخرش عنه، أنا بس استأذنت إذن سريع عشان أوديك للدكتور ونزور ماما، ولازم أنزل أرجع لشغلي.. وإن شاء الله هرجع في ميعادي الطبيعي بالليل.
— تمام يا بابا، ربنا معاك ويقويك.
صعدت يقين إلى الشقة وهي تلفها رهبة عارمة لئلا تجد صفاء أو أحد ابنائها بانتظارها، ولكنها تنفست الصعداء حين تأكدت أن تلك الحرباء لم ترجع بعد.
— الحمد لله أنها لسه ما رجعتش.. أنا أصلاً مصدقت، هدخل بسرعة أغير هدومي وأسخن الأكل قبل ما تطل في وشي.
وبالفعل، أنجزت ما كانت تفطنت له، وبعد نصف ساعة حضرت المدعوة صفاء، وما إن دخلت حتى وجدت يقين تقف في المطبخ تحضر بقايا الطعام.
قالت صفاء بحدة هجومية:
— بتعملي إيه هنا؟
صرخت يقين فزعة وهى تضع يدها على قلبها :
— بسم الله الرحمن الرحيم!
اقتربت منها صفاء بنرفزة واشمئزاز:
— إيه يا أختي؟ شفتي عفريت قدامك ولا إيه؟
— لا والله يا مرات أبويا مش قصدي.. أنا بس اتخضيت فجأة.
قالت صفاء وهي تلوي فمها بتهكم:
— سلامتك من الخضة يا هانم.. أنا هدخل أغير هدومي دي قبل ما المحروس أبوكي يجي وينكد علينا، أه.. صحيح، إيدك المحروقة دي عاملة إيه؟
ولفت انتباهها الشاش الطبي الملتف حول كفها، فاقتربت منها بسرعة وشدت يدها وقبضت عليها بقسوة وقالت:
— إيه ده يا بت؟ مين اللي عمل في إيدك كده؟ ومين اللي جه البيت هنا في غيابي؟ انطقي قولتي إيه عني وأنا مش موجودة؟
انكمشت يقين بألم وبكت:
— والله العظيم ما قلت حاجة عن حضرتك لأي حد.. ومحدش أصلاً جه هنا!
هتفت صفاء بعصبية:
— أمال إيه الحكاية؟! أنتِ اللي عملتي في إيدك كده متعمدة عشان تلعبي دور الضحية؟ انطقي بالعدل!
قالت يقين بدموع تبلل وجهها:
— طب معلش يا خالتو، سيبي إيدي بالله عليكي وأنا هحكي لحضرتك كل حاجة بالتدريج بس أرجوكي سيبي دراعي علشان وجعاني قوي وتعبانة.
تركت صفاء يدها بخشونة وقالت:
— اتفضلي انطقي سامعاكِ.
— بابا هو اللي جه خدني ووداني للدكتور عشان يغير لي على الحرق، وكمان أخدني زورنا ماما بالمقابر.
اصفر وجه صفاء بخوف مباغت:
— وها.. قولتي إيه لأبوكي عني وأنا غايبة؟
— ما قلتش حاجة وحشة خالص.. بابا رن عليا وقالى اجهزي وانزلي وهو استنى تحت في الشارع، وهو كان فاكراك هنا وانا استأذنت منك ، ولما رجعنا برده بابا ما طلعش عشان عنده شغل ضروري.. وما كانش يعرف أصلاً أن حضرتك مش موجودة بالبيت، وبس كده والله.
تنفست صفاء الصعداء وقالت بغيظ مكتوم:
— طيب يا أختي.. عقبال ما تبقي تزوريه هو وأمك مع بعض في قبر واحد ونرتاح.
تحدثت بصوت هامس منخفض جداً فلم تكد تسمعه يقين.
أما حسن، فلم يذهب لعمله الحقيقي كما أخبر يقين، بل توجه مباشرة إلى مديرية الأمن ليتأكد من إنجاز المهمة وزرع أجهزة التسجيل بنجاح.
وحين وصل، سأل العسكري الواقف على الباب عن الضابط مدحت.
رد العسكري باحترام:
— أنت مين يا حج؟
— أنا حسن المحمدي.
— آه.. الباشا نبه عليّ تدخله علطول، اتفضل يا عم حسن.
دخل حسن وألقى التحية على الحاضرين؛ حيث كان الضابط مدحت ومعه ضابط آخر شاب يبدو عليه طابع الصرامة والمهارة الفائقة يدعى "فهد"، فضلاً عن وجود "زاهر" هناك.
— طمني يا باشا.. كل شيء تمام والحمد لله؟
أجاب مدحت باطمئنان:
— كل حاجة تمام وبأفضل شكل يا عم حسن، اطمن، البيت بقى تحت السيطرة والأجهزة اتوزعت بدقة.
— يا رب.. ربنا يسترها على بنتي.
تحدث زاهر وهو ينظر له بثقه:
— اطمن يا حسن، إن شاء الله نسبق الناس دي ونكشفهم قبل ما يإذوها.
أيد كلامه الضابط الشاب "فهد" بثقة واضحة:
— اطمن يا عم حسن، بنتك هتبقى في أمان تام وحضرتك كمان، بس أنا عندي اقتراح بسيط لو سمحت لي يا مدحت باشا.
— اتفضل يا فهد، سامعك.
— تسجيلات الصوت دي ممتازة، بس لوحدها مش هتكون كفاية وما بتوضحش كل التفاصيل، اقترح لو فيه تصوير فيديو كمان عشان الصورة تبقى واضحة وتجيب الأفعال بالصوت والصورة.
وافقه مدحت الرائ ورد مؤيدا:
— بصراحة، كلامك صح يا فهد، الفيديو هيدعم موقفنا قانونياً بشكل كبير
— أنا بس خايف على بنتي وخصوصيتها، هي ملتزمة جداً وجوه بيتها بتكون على راحتها أوقات كتير، وأنا ما أحبش أبداً أجرح خصوصيتها أو نكشفها، عشان كده مش حابب تصوير مرئي.
اقترح فهد بذكاء:
— ممكن حضرتك تحاول تتكلم مع الآنسة بنتك بطريقة غير مباشرة وتخليها تاخد بالها من الحتة دي وتلتزم بحجابها كاملاً حتي لو مافيش حد غريب بالبيت.
— لا.. يقين بنتي تلقائية وبريئة، وممكن لو طلبت منها كده بصيغة غريبة تلفت نظرها وتخاف وتقلق من غير داعي.
تدخل مدحت بحل بديل:
— خلاص.. ممكن تقول لها إنك خايف عليها وعلى أمنها الشخصي من ابن الست اللي هناك ده والناس دي، وإنك حابب تكون دايماً بحجابها الكامل حتى لو البيت فاضي، وبكده نقدر نأمنها تماماً من غير ما تفهم السبب الحقيقي.
أيد زاهر الاقتراح:
— حاول معها يا حسن بالذوق وبطريقة غير مباشرة.
— حاضر، هحاول معاها، ربنا يسترها.
رد الجميع بدعاء صادق:
— يا رب.
وبالفعل، بدأ الأمن في تشغيل عينات التسجيلات الصوتية التي التقطت الحوار الذي دار بين يقين وصفاء للتو.
انفطر قلب حسن وتألم بعمق على حال ابنته وضعفها الذي كان هو السبب الرئيسي فيه.
وبعد ذلك، عزم حسن على تنفيذ خطة تنبيه يقين بشأن الالتزام بالحجاب داخل الشقة بطريقة هادئة.
وفعلاً، عندما التقى بابنته ذات يوم، فتح معها أطراف الحديث بحذر:
— بقول لك إيه يا يقين يا حبيبتي.
— نعم يا بابا، سامعاك.
— أنا ملاحظ دايماً يا بنتي أنك بحجابك الكامل وسترة نفسك طول الوقت جوه البيت، ممكن أعرف السبب الحكيم وراء كده؟
— يا بابا، حضرتك ناسي أن فيه راجل غريب "رامي" بيتردد على البيت وممكن يدخل في أي وقت من غير استئذان؟ فمستحيل أخرج بره أوضتي من غير حجابي مهما كان الوقت متأخر أو بدري.
— ولا حتى الصبح بدري يعني ومافيش حد من العيلة دي صاحي أو موجود؟
— ولا حتى الصبح يا بابا.. ما هو ممكن يكون موجود في أي لحظة.
— يعني ممكن يا بنتي تخففي شوية وتحطي الطرحة على كتافك بس، ولما تعرفي إنه هنا تبقي تلبسيها كويس؟
— لا يا بابا، الاحتياط واجب وده دين وعرض ومافيش فيه تخمينات ولا تهاون، أنا من ساعة ما الناس دي دخلت بيتنا وأنا مافيش شبر في الشقة دي شافني بشعري أو ببيجامة غير جوه أوضتي المغلقة وبس، والحمد لله أن فيه حمام خاص جوه الأوضة عشان أخد راحتي التامة من غير قلق.
حزن حسن في قرارة نفسه لتقييد حرية ابنته المسكينة داخل بيتها، ولكنه كبر فيها عقلها الراجح وحرصها الشديد على حماية نفسها وعرضها بكل قوة.
— ماشي يا حبيبي.. ربنا يكملك بعقلك الراجح ويحميك من كل شر، استمري على كده، أنا عاوزك دايماً مصونة وعزيزة، وإن شاء الله ربنا كبير وهينصرنا.
ابتسمت يقين وقبلت رأس أبيها بحب قائلة:
— حاضر يا بابا، ربنا يبارك في عمرك ويخليك لينا يا رب.. أنا هقوم دلوقتي أعمل لنفسي كوباية نسكافيه، أعمل لك معايا؟
— لا يا حبيبتي، تسلم إيدك، أنا حاسس بتعب وعاوز أنام على طول
— ماشي يا حبيبي، تصبح على خير، عن إذنك أدخل أوضتي.
— اتفضلي يا حبيبتي.
طبعاً، كان هذا الحوار بأسره يُبث مباشرة وبوضوح تام عبر أجهزة التنصت لأذن الضابط فهد ومدحت في غرفة العمليات.
كان فهد يتابع الحديث بإعجاب شديد:
— بنت ممتازة وعاقلة فعلاً.. يا ريت كل بنات الجيل زيك يا يقين، كل بنت تحاول تحمي نفسها وعرضها ولو بأبسط الطرق.
أومأ مدحت مبتسماً:
— فعلاً، بنت متربية وعاقله بجد ونادر جداً لما تلاقي النوعية دي من البنات الأيام دي.
— بس انا عندى سؤال يا فندم.. الراجل حسن ده محترم وملتزم وبنته على قدر رائع من الأخلاق والتميز، إيه بقى اللي رماه في سكة ست شريرة زي صفاء دي؟ إيه اللي يخلي راجل محترم يتجوز واحدة زيها ويرمي نفسه وبنته في الجحيم ده؟
أجاب مدحت بحكمة بالغة:
— يا فهد.. الحياة مدرسة واختبارات ومراحل قاسية، وأكيد ربنا له حكمة بالغة في الابتلاء ده، كله مقدر ومترتب، وأكيد المرحلة الصعبة دي هتكون سبب خير ونهاية سعيدة ليه ولابنته.
— فعلاً يا فندم.. تمام كده، خلينا نجهز أجهزة المراقبة الدقيقة والفيديوهات المرئية في أسرع وقت، ونظبط ورديات المراقبة السرية حوالين البيت والست دي وعيالها عشان ما يهربوش مننا.
— توكل على الله يا ابني، ربنا معاك.
قال فهد وهو يؤدي التحية العسكرية بحدة:
— تحت أمرك يا فندم، عن إذنك.
— اتفضل.
خرج فهد من مكتب مدحت عائداً لمكتبه الخاص، وكان لا يزال مشدوداً ومنبهراً بشخصية يقين وثباتها الفكري.
قال فهد لنفسه بابتسامة إعجاب خفية:
— فعلاً.. بنت مثيرة للإعجاب وقوية بحجابها وعقلها.
وفي تلك اللحظة بالذات، دلف إلى مكتبه زميله اللدود "سيف" بمكره المعتاد.
— الله الله! هي مين دي بقى يا فهد اللي واخدة عقلك ومسيطرة على كل تفكيرك كده وخليتك تبتسم لوحدك؟ لا.. ده أنا لازم أعرف مين ست الحسن والجمال دي اللي قدرت تخطف تفكير واحد زيك! يلا اعترف.
اعتدل فهد في جلسته وهو يرد بعمليه
— حيلك حيلك يا أخي.. أنت دخلت هنا امتى وإزاي من غير إذن؟
— إزاي؟! دخلت من الباب الطبيعي، خبطت ودخلت، وأنت من عشر دقايق كنت في عالم تاني مع ست الحسن اللي لازم أعرف اسمها وإيه قصتها ومنين عرفته
— يا ابني اتق الله واسكت.. دي بنت صاحب القضية ا الجديدة، وتفكيري فيها كان مجرد إعجاب برزانة عقلها والتزامها الديني وأخلاقها العاليه، ودلوقتي ا
تسمع التسجيلات وتعرف السبب بنفسك.. أما بقى شكلها، فأنا أصلاً عمري ما شفتها ولا أعرف شكلها إيه، ودلوقتي اسمعني.. تفضل وخد الورقة دي فيها كل التعليمات الصارمة.
أعطى فهد الملف لسيف وقال بجدية:
— التعليمات دي عاوزها جاهزة ومنفذة عندي خلال 24 ساعة بالضبط، ويكون الشغل ده تحت إشرافك المباشر عشان نبدأ نركب الكاميرات المخفية في الشقة بأسرع وقت ممكن، لأننا محتاجين نمسك أول خيوط حقيقية في القضية دي.. وشكلها كده مش هتكون مجرد قضية نصب عادية ولا قضية قتل تقليدية، دي شكلها قضية من العيار الثقيل، وربنا يسترها في النهاية.
— اطمن يا باشا، كل شيء هيكون جاهز في المعاد.
— أنا عايزك تسرع التنفيذ؛ لأن حياة الراجل البسيط ده وبنته البريئة في خطر حقيقي وكل دقيقة بتمر عليهم بتبلغهم خطورة أكبر.
— حاضر، عن إذنك يا فندم.
أدى التحية العسكرية وانصرف لينفذ التعليمات بحذافيرها.
وبالفعل، تم التنسيق بين حسن والأمن، حيث أخبر حسن زوجته صفاء بأنه سيأخذ يقين في أي وقت ليغير لها على جرح يدها عند الطبيب.
— ها.. إمتى يعني يا أخويا الكلام ده؟
— والله مافيش ميعاد محدد، ممكن بكره، بعده، في أي وقت.. أنا لما أكون نازل هرن عليها عشان تنزل لي وناخد بعض ونروح للدكتور، لأني باخد إذن قصير من الشغل ومش هعرف أطلع فوق وأقول لك وبعدين أنزل تاني، أنا بقولك عشان تبقي في الصورة وتخليها تنزل على طول من غير إزعاج.
— حاضر يا أخويا، ماشي.
وطبعاً، حذرت صفاء يقين بتهديد صارم بأنه لو رن عليها وهي غير موجودة بالشقة، فعليها أن تبلغه بأنها بالداخل ولا تسمح له بالدخول لأي سبب كان، ووافقت يقين مرغمة لتجنب المشاكل.
وفي اليوم المنشود، أخذ حسن يقين للمستشفى بحجة تغيير الجرح.
استغل الأمن هذه الثغرة ودخل ضابط آخر بسرية تامة ليزرع الكاميرات المخفية في منزل حسن بطريقة بالغة الإتقان لا يمكن كشفها، وتم التأكد من أن الأمور أصبحت بالكامل تحت السيطرة.
مرت أيام طويلة وليالٍ هادئة نسبياً دون أي أحداث جديدة تذكر.
ولكن في أحد الأيام، كان حسن يقف كالعادة في الشارع أمام منزل "زاهر" ينتظر خروجه ليذهبا معاً إلى الشركة كالمعتاد.
لكن حسن كان يبدو بمزاج سيء للغاية وغارقاً في همومه وحزنه العميق؛ فقد استبد به الحزن منذ أن انكشفت له تلك الحقائق المرعبة.
وما إن خرج زاهر ولاحظ وجهه العابس وحزنه المدفون حتى اقترب منه بخطوات قلقة.
— السلام عليكم يا حسن.
انتبه حسن لصوت رئيسه بصوت واهن:
— وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا باشا.
وضع زاهر يده بحنو على كتفه :
— تعالى يا حسن، ادخل معايا.
— خير يا زاهر بيه؟
— تعالى ندخل المكتب هنا سوا.
وبالفعل، دخلا إلى مكتب زاهر الموجود بالملحق الخاص بالقصر.
— مالك يا حسن؟ شكلك مش عاجبني خالص.. فيه حاجة جديدة حصلت من الناس دي؟
رد حسن بمرارة وأسى:
— لا يا باشا، مافيش حاجة جديدة لسه.. أنا بس حاسس في جوايا إحساس غريب وقبضة، خايف ليكون خلاص دوري جه وهيموتوني، وخايف أكتر ع اللي هيحصل لبنتي بعدي.
طمأنه زاهر بابتسامة هادئة:
— ما تقولش كده يا راجل.. إيه الكلام السلبي ده؟ مافيش أي حركة غريبة قاموا بيها لحد دلوقتي، وأكيد هما لسه ما قرروش يستخدموا السم النهائي.. اذكر الله، لسه في العمر بقية يا راجل يا مؤمن
— أنا مش خايف من الموت، أنا عارف إن العمر واحد والرب واحد، وكلنا مصيرنا نموت عاجلاً غير آجل.. أنا راجل مؤمن بالله والحمد لله ومستحيل أخاف من الموت في يوم.
— ونعم بالله.. أمال خايف من إيه وقبضة قلبك دي إيه سببها؟
قال حسن بدموع حقيقية وخوف أبوي لا يوصف:
— خوفي الأبدي الوحيد هو على يقين مش على نفسي أبداً.. لو حصل وموت فجأة، أنا مرعوب عليها ومش عارف ممكن يفعلوا فيها إيه الشياطين دول.. عقولهم شيطانية لدرجة مستحيل عقل بشري يتخيلها.
صفق زاهر كفاً بكف بدهشة:
— يا الله! هي عقولهم دي تركبت إزاي؟ الواحد كل مرة بيفقد النطق من كتر حقارة وشر الست دي وعيالها.
سكت زاهر قليلاً يفكر بعمق، ثم أردف بجدية حاسمة:
— الست دي مش هينفع معاها الطيبة، دي لازم تتعامل بدماغها وبطريقة أوسع، ما ينفعش أبداً نتساهل معاها لأن شرها مستحيل يتوقعه عقل:
— عارف يا باشا.. بس إزاي؟ أنا مكتوب عليّ العجز.
سكت زاهر لفترة طويلة، وفجأة تهلل وجهه:
— لقيتها!
سأله حسن بلهفه :
— لقيت إيه يا باشا؟
قال زاهر بحماس وثقة:
— الفكرة العبقرية اللي من خلالها نقدر نحمي يقين للأبد مهما عملت الست دي ومخططاتها.. إحنا لازم نسبقهم بخطوة واحدة على الأقل.
— إزاي ده فهمني؟
قال زاهر بعيون تلمع بالذكاء:
— هقول لك يا سيدي..
(انتهى الفصل الخامس)