ログインالفصل السادس
بعد مرور فترة من الوقت قضاها "حسن" في الحديث العميق مع "زاهر"، بدأ شعور غريب بالاطمئنان يتسلل إلى قلبه المنهك، وكأن جبالاً من الهموم قد أزيحَت عن كاهله، وإن ظل القلق الإنساني المشروع يراوده. قال حسن بنبرة ملؤها التردد والخوف: — الكلام جميل جداً يا باشا، وحاجة فعلاً تريح القلب وتطمن، بس أنا هقنع يقين إزاي أصلاً؟ هي أكيد مش هتوافق بسهولة من غير ما تسأل وتعرف الأسباب. رد عليه زاهر بثقة بالغة وابتسامة هادئة: — أنت مش هتفصّل لها كل التفاصيل، قول لها أي موضوع عاوز تاخد رأيها فيه، والموضوع ده تكون متأكد مسبقاً إنها هتوافق عليه، أي حاجة يا حسن تضمن قبولها. فكر حسن لبرهة من الزمن، وهو يعتصر أفكاره، ثم قال بعزم: — ماشي يا باشا.. هروح أكلمها في الموضوع ده وأرجع لحضرتك على طول من غير تأخير. — تمام، خد العربية بتاعتي معاك عشان تيجي بسرعة، ونقدر نخلص الإجراءات دي النهاردة بالذات، مش مسموح أبداً نتأخر أو نضيع وقت أكتر من كده. — حاضر، حاضر يا باشا. انطلق حسن مسرعاً إلى منزله، وكانت تلك المرأة الشريرة "صفاء" في ذلك الوقت خارج البيت تقضي بعض مشاوربها المعهودة. دخل حسن بهدوء وتحدث إلى يقين التي انقبض قلبها فجأة لمجيء أبيها في غير موعده المعتاد؛ فقد استبد بها الخوف لئلا يسألها عن زوجته وغيابها، وهي التي سئمت الكذب والتستر، إذ لم تكن معتادة على إخفاء الحقيقة. لكن حسن لم يأتِ لذكر صفاء من الأساس. اقترب منها بحنان أبوي دافئ وقال: — تعالي يا يقين يا حبيبتي.. أنا عاوز آخد رأيك في موضوع مهم يخصنا. سألت يقين بقلق وخفقان في قلبها: — خير يا بابا؟ في حاجة حصلت؟ أجابها بابتسامة مطمئنة: — خير طبعاً يا روح بابا، ما تخافيش. وتحدث معها في أمر مصيري غاية في الأهمية، وما إن سمعته حتى تهلل وجهها بالفرحة الغامرة. قالت بسعادة عارمة: — طبعاً موافقة يا بابا! هو ده أصلاً محتاج أخذ رأيي فيه؟! أنا موافقة جداً وبكل قلبي، يا ريت كمان يكون في أسرع وقت ممكن، ده يعتبر حلم عمري! وبعد أن جلس معها وقتاً قصيراً يطمئن عليها، وقف مستعداً للذهاب، قائلاً بحزم واهتمام: — طيب يا حبيبتي، أنا لازم أمشي دلوقتي حالاً عشان عندي شغل ضروري لازم ألحقه، واوعي يا يقين تتكلمي في موضوعنا ده مع أي مخلوق مهما كان، ولا تقولي لحد خالص إني جيت هنا في التوقيت ده، ماشي يا بنتي؟ هزت يقين رأسها وهي تبتسم بسعادة وقالت: — حاضر يا حبيبي، اطمن خالص. ابتسم حسن، وتذكر هديّة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بحنو: — آه، لازم نكتم على الموضوع ده عشان يكمل على خير ويتم ستره.. النبي عليه الصلاة والسلام قال... أكملت يقين عنه بابتسامة: — عليه أفضل الصلاة والسلام. اكمل حسن مستشهداً: — قال صلى الله عليه وسلم: (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان).. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. ردت يقين بابتسامة هادئة: — عليه الصلاة والسلام، اطمن يا بابا، محدش هيعرف خالص. ذهب حسن عائداً إلى زاهر الذي كان يترقبه في قمة القلق والتوتر. وما إن رأت الخادمة "سعدية" عودته حتى ذهبت لتخبرها زاهر : — زاهر بيه، عم حسن جه وبره في انتظارك. — تمام، أنا طالع له حالا.. ولو حد سأل عليا، عرفيه إني مشغول في شغل مهم، حتى الآنسة سجى عرفيها إني مش فاضي دلوقتي. — حاضر يا باشا، تحت أمرك. خرج زاهر بخطوات سريعة إلى حسن الذي استقبله بلهفة: — ها يا حسن.. طمني، كل أمورنا تمام؟ ابتسم حسن براحة واضحة: — آه، الحمد لله يا باشا، كل شيء تم زي ما اتصرفنا. — طيب يلا بينا بقي سأله حسن باستغراب: — ليه وعلى فين يا باشا؟ — الموضوع ده لا يحتمل أي تأخير أبداً، لازم نروح النهاردة حالاً عند مدحت باشا عشان نخلص كل حاجة وينتهي الأمر على خير. هز حسن رأسه موافقاً وقد تملكه شعور بالفهم الكامل للموقف، وركب السيارة بجوار زاهر. قال حسن بخوف دفين: — يا رب يسترها معانا. — إن شاء الله خير. وفي تلك اللحظة بالذات، ظهرت "سجى" وهي تجري بمرح نحو والدها، فارتمت في حضنه فضمها إليه بحنان بالغ. قالت بفرحة طفولية: — هاي بابا! رد زاهر بابتسامة: — هاي يا حبيبة قلبي. ثم التفتت إلى حسن وابتسمت بلطف: — إزيك يا عم حسن؟ عامل إيه؟ ابتسم لها حسن بود: — إزيك يا بنتي؟ الحمد لله، أنتِ أخبارك إيه؟ — الحمد لله رب العالمين يا عمو، كله بخير. — يا رب دايماً. ثم نظرت لأبيها باستفهام: — إيه ده يا بابا، أنت خارج تاني ولا إيه؟ — آه يا حبيبتي، رايح شغل مهم جداً مع عمك حسن وممكن أتأخر شوية، اتغدي أنتِ لوحدك لحد ما أرجع بالليل — تمام يا بابا، باي — باي يا حبيبتي. ودخلت سجى إلى داخل القصر. نظر زاهر بجدية لحسن : — يلا بقى يا حسن، مش لازم نتأخر أكتر من كده. قال حسن: --- يلا توكلنا على الله. وتحركا معاً في حفظ الله ورعايته. أما سجى، فما إن دخلت حتى وجدت الخادمة سعدية تنظم أثاث المنزل وتنظفه بعناية. قالت سجى بلطف: — هاي دادا. استقبلتها سعدية بحب: — هاي يا حبيبتي، حمد لله على سلامتك يا غالية. — ميرسي يا دادا.. بالله عليكِ أنا موتت من الجوع، عاوزة أي حاجة خفيفة وسريعة أكلها، ويا ريت يكون معاها كوباية عصير فريش تروق عليا. — حاضر يا عيون دادا، هجيب لك حالاً لقمة خفيفة تاكليها على ما باباكي يرجع وتغدوا سوا. — آه، بس بسرعة والنبي يا دادا لحسن هموت من الجوع. — بعد الشر عليكى يا حبيبتي.حاضر يا حبيبتي، ثواني ويكون عندك. وفي المقابل، كانت يقين جالسة وحدها في غرفتها المعزولة، تضع يدها على خدها الناعم، مستغرقة في تفكير عميق حول قسوة مراحل حياتها وكيف كانت تنعم بالدلال والرفاهية في حياة والدتها الراحلة، وكيف انقلبت تلك الجنة إلى كابوس مرير من الحزن والعذاب المستمر الذي لا ينتهي. رفعت كفيها بدموع خاشعة تدعو الله أن يحفظ لها والدها الذي أصبح سندها الوحيد في هذا العالم القاسي. قامت فتوضأت وصلّت فرضها بقلب منكسر، متوسلة للمولى أن يغفر لها زلاتها. وبعد دقائق معدودة، سمعت دقات خفيفة ومستفزة على باب غرفتها الموصد بإحكام، إذ كانت تحرص دائماً على قفله بالمفتاح حتى تكون على حريتها دون حجاب. سألته يقين وهي في الداخل بصوت مرتعش: — مين؟ لم تلقِ أي رد، وتعددت دقات الباب بقوة أكبر. فتحت يقين الباب بعد أن تأكدت من إحكام حجابها وثيابها، وما إن فتحت حتى تجمدت الدموع في عينيها واعتلا وجهه شحوب الذعر حين رأت "رامي" يقف أمامها بكل وقاحة، لتتأكد أنه متواجد بالمنزل بمفرده معها دون باقي أفراد الأسرة. ارتعبت أوصالها، فهي تعلم جيداً كيف ينظر إليها بأساليب دنيئة. — نعم يا رامي.. خير، في حاجة؟ ابتسم رامي بابتسامة صفراء ووقاحة منفردة: — انعم الله عليكِ يا غالية.. أحلى رامي دي ولا إيه؟ عارفة يا يقين؟ أنا مش بحس بحلاوة اسمي الحقيقية غير لما بينطقها لسانك العسل ده، بحسه مخلوط بشهد بقك. زادت دقات قلب يقين رعباً.ونظرت له نظره اذدراء وردت باحتجاج: — لو سمحت! مش مسموح لك نهائياً كلمني بالشكل ده، بلاش قلة أدب.. وبعدين بتخبط عليا ليه وأنت عارف إني قاعدة لوحدي في البيت؟ حاول رامي بدناءة أن يدفع الباب بيده ليقتحم الغرفة، لكنها كانت أسرع منه، فأغلقت الباب في وجهه بقوة وأحكمت قفله، ليهتدي بابتسامة خبيثة. — ماشي يا حلوة، براحتك خالص.. ما هما بيقولوا من حق الجميل يتدلع، وأنتِ في قمة الجمال بصراحة، فتدلعي زي ما تحبي وتقلي براحتك، ما هو ده أصلاً اللي مخليني أموت عليكِ ومش عارف أوصل لك.. بس هانت، هانت قوي، وساعتها صدقيني ما فيش مخلوق على وجه الأرض هيقدر يقف في وشي، ولا حتى مليون باب مقفول، ولا حتى أبوكي نفسه يقدر يحوشني عنك! تسلل الخوف المروع إلى قلب يقين من كلماته السمجة التي بعثت الرعب في روحها، فهمست لنفسها بانهيار صامت: — يا رب.. احميني من شره ومن شر كل الشياطين اللي حواليه.. بحمايتك وقدرتك هو مش هيقدر يعمل لي أي حاجة مهما بلغت قسوتها.. يا رب استرني بسترك العظيم الذي لا يُمهد ولا يُهزم. ثم عادت لتجلس في زاويتها تحاول عبثاً تهدئة روعها ونسيان ما حدث. والمثير للدهشة أن هذا الحوار البشع بأسره، بكل ما فيه من تحرش ووقاحة، كان يُبث مباشرةً ويُسجل لحظة بلحظة أمام أعين وأذنين "فهد" و"سيف" في غرفة المراقبة الأمنية. نظر سيف إلى فهد بدهشة واشمئزاز: — إيه العيلة دي يا فهد؟! دول مش بشر، دول شياطين بمعني الكلمة! فكرهم الإجرامي والوضيع بطريقة لا تقبل العقل، الأفكار اللي بتطلع منهم دي كأن إبليس شخصياً هو اللي بيمليها عليهم. كان فهد في هذه اللحظة يغلي غضباً ونيراناً تحرقه من تلك المرأة وأولادها الأنجاس وأفعالهم الخبيثة التي لا تطاق، وكان يتمنى لو يذهب بنفسه لينقض عليهم ويذيقهم العذاب ألواناً، لكن الأدلة لم تكتمل نهائياً بعد. توجه فهد غاضباً إلى مكتب "مدحت" وأخبره بكل ما جرى وسمعه من تحرش الملعون برامي بيقين. مدحت بأسى شديد: — لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. ربنا يسترها على البنت المسكينة دي ويحميها لحد ما نخلص القضية ونقبض عليهم.. اسمع يا فهد، خليك متابع التسجيلات دي بحذر شديد وبدقة، ولو حسيت في أي لحظة أن البنت دي في خطر مميت وداهم، ادخل وفوراً من غير ما ترجع لي، حتى لو أنا مش موجود بالمقر. اعتدل فهد وهو يؤدي التحية العسكرية بحزم: — تحت أمرك يا فندم، تنفيذ فوري. تابع مدحت بتحذير صارم: — في نقطة كمان مهمة جداً. سأله فهد: — إيه هي يا فندم؟ — حسن والد البنت جاي في الطريق حالا.. أرجوك، بلاش يعرف أي حاجة عن اللي حصل بين بنته والواد ده، لإن لو عرف، غضبه كأب شرقي ممكن يخليه يفقد السيطرة على أعصابه ويرتكب جنايه تضره هو وبنته وتضيع كل شغلنا. رد فهد بغضب مكتوم يعتصر صدره: — مفهوم يا فندم.. واللـه العظيم اللي مخليني أنا أعصاب تلفانة وحاسس إني عاوز أروح أفضي خزنة سلاحي في الحيوان ده هو وأمه وأخته، وأنا أصلاً بره الموضوع ومافيش بيني وبينها أي صلة دم، بس قهر الرجال وحش. — لأنك راجل شرقي مسلم وهي كمان مسلمة مظلومة، فده طبيعي جداً يكون رد فعل أي شخص سوي دمه حامي.. ربنا يسترها في العواقب، المهم.. تقدر تروح شغلك وتتابع الملف، القضية دي بقت قضيتك الشخصية من اللحظة دي. — حاضر يا فندم، بعد إذنك. أدى التحية العسكرية بحدة وانصرف. وفي مكان آخر بعيد، كان "ليث" جالساً على مكتبه الفاخر، غارقاً في دوامة من التفكير المشتت حول قرار السفر النهائي؛ هل يمضي قدماً ويحزم قراره، أم يتراجع؟ فهو أصبح مشتت العقل . وكلما عزم على الذهاب، حدث ما يجعله يؤجل الأمر ويعيد حساباته. في تلك اللحظات، دلف صديقه الوفي "خالد" إلى المكتب، وما إن بدأ يكلمه حتى لاحظ أن ليث في عالم آخر تماماً ولا يستوعب وجوده، فاقترب منه وهز كتفه بقوة لكي ينتبه. ليث بدهشة واستغراب: — في إيه يا خالد؟ مالك؟ محتاج حاجة ضرورية؟ نظرخالد له بقلق وتوجس: — لا، ده أنت مش معايا خالص النهاردة! إيه اللي واخد عقلك وشارده كده يا ابني؟ أعاد ليث ظهره الى الوراء وهو يتنهد بعمق: — لا.. مافيش حاجة تستاهل. — ولا حاجة إزاي يعني؟! أنا واقف قدامك بقالي ربع ساعة بكلمك وأنت في كوكب تاني، أكيد فيه مصيبة أو سر.. في إيه يا ليث؟ — بفكر في موضوع السفر المؤجل ده. — نعم؟! ماله موضوع السفر تاني إن شاء الله؟ مش خلاص اتفقنا وقفلنا؟ — مش عارف.. كل ما أقرر أنزل وأحجز، ألاقي نفسي بآجل، مش عارف ليه عندي رغبة داخلية قوية إني أسافر، وفي نفس الوقت بيراودني شعور غريب يخليني أفكر ألغي السفر ده من أساسه. — تلغي إيه يا راجل؟! لا، بقول لك إيه، استهدى بالله كده وبطل وساوس.. إحنا مسافرين يعني مسافرين، ولو جيت هناك يا سيدي وما ارتحتش، نرجع تاني.. وبعدين، يمكن تأخير السفر ده وراه خير عظيم، مش بيقولوا دايماً (كل تأخيرة وفيها خيرة)؟ أكيد ربنا له حكمة بالغة في التأخير ده إحنا لسه ما عرفناهاش. ابتسم ليث بمرارة على إصرار صديقه المستميت على السفر بشتى الطرق. سأله خالد بفضول: — أنت بتضحك على إيه دلوقتي؟ — مافيش.. أصلك قلبت لي داعية إسلامي فجأة وقمت بتقول حكم وأمثال شعبية. ضحك خالد بصوت مرتفع : — يلا، أي خدمة عشان بس ما تفتكرش إني حرمتك من الحكمة والوعظ! — طيب يا عم الحكيم، جهز نفسك كويس، هنسافر كمان أسبوعين بالظبط من النهاردة قام خالد بحماس طفولي ونشاط: — أوكي، تمام! بعد إذنك بقى رايح أستعد وأخلص أموري. — ليه بقى إن شاء الله، هو السفر محتاج كل الاستعدادات البالغة دي؟ ده أنت بقالك شهر وشوية بتجهز ولسه ما خلصتش؟ رد خالد مدافعاً بحماس: — لا، بقولك إيه، هو إحنا كل يوم هننزل مصر؟! أنا محتاج أجيب هدايا لكل أهلي وأصحابي والناس الغالية عليا اللي وحشوني. ليث بخبث واضح : — آه.. وأهم حاجة بقى 'الناس اللي بتحبهم دول'.. نفسي بجد أعرف مين ست الحسن والجمال اللي معطلاك ومبهدلة حالك بالشكل ده؟ تنهد خالد بهيام رومانسي: — صدقني في القريب العاجل هعرفك عليها، بس أديني شوية وقت صغيرين. — ماشي، مستنيك.. بس يا ريت ما تتأخرش أكتر من كده. خرج خالد من المكتب، وظل ليث مبتسماً وهو يعلم تمام العلم من هي تلك الفتاة التي تملكت قلب صديقه الوفي. رفع ليث بصره نحو السماء عبر نافذة المكتب وقال بصوت خافت: — يا رب.. تكون خطوة السفر دي مبروكة وفيها خير لينا، عشان أنا فعلاً مبقتش أستحمل أي جرح أو صدمة تانية بحياتي. أما عند الضابط مدحت، فقد وصل حسن وصحبته زاهر إلى مكتبه وجلسوا معه يتبادلون أطراف الحديث. قال حسن بقلق ظاهر: — أكيد حضرتك يا فندم عرفت الست اللي في البيت دي بتخطط لإيه هي وعيالها الأوساخ؟ — آه، عرفت كل تفاصيل المخطط بالصوت والصورة، واتصلت بزاهر هانم عشان أعرفه، فطلع عارف منك أصلاً وقالي على الفكرة العبقرية اللي اتفقتوا عليها، وبصراحة هي فكرة مدروسة بذكاء، ويا رب تتم على خير وتجيب ثمارها. — يا رب إن شاء الله.. ده إلهام من ربنا سبحانه وتعالى عشان يساعدنا ونقدر ننجز حسن وبنته من الجحيم ده. — آه والله، الحمد لله رب العالمين. — ونعم بالله. وفي تلك اللحظة، دخل رجلان مدنيان إلى المكتب، فاستقبلهما مدحت بحرارة، وتحدث معهما مطولاً عن تفاصيل الخطة الأمنية الدقيقة، وتم الاتفاق على كافة الإجراءات ونفذت بدقة متناهية، وحينها شعر حسن باطمئنان نسبي وهدوء داخلي غامر. مرت بعدها عدة أيام طويلة على أبطالنا، كانت كل ساعة تحمل أحداثاً جديدة وأفكاراً متضاربة لمن يعيش في دوامة الصراع. وفي أحد الأيام، وبعد مرور أسبوعين تقريباً، كانت صفاء تجلس مع ابنتها مها في الصالة تتداولان أمور المنزل والنميمة، وإذا بابنها "رامي" يدخل فجأة وهو في قمة الانزعاج والغضب العارم، بوز ملوى وملامح مشدودة. صفاء بدهشة: — يا أبني مالك يا واد يا رامي؟ إيه اللوي بوزك ده كله؟ في حاجة حصلت بره ولا إيه؟ تنهد رامي بانزعاج شديد وعصبية: — لا، مافيش حاجة ياما.. أنا بس هطق! هموت! هفرقع من العصبية! — يوه، فهمني مالك يا واد في إيه؟ رد رامي بغضب أعمى: — ياما! أنتِ مش قولتِى هتخليني أكتب على البنت اللي بره دي وأخلص؟ البنت دي كل ما تشوفني داخل أو طالع تدخل أوضتها وتقفل الباب في وشي بالمفتاح! كأنى هعضها أنا نفسي أتلم عليها مرة واحدة وساعتها هبقى مرتاح! ابتسمت صفاء ببرود وهى ترجع ظهرها بإرتياح وكبرياء: — آه، قولت لك كده.. بس اصبر شوية يا أخويا عشان أبوها ما يحسش بحاجة ويخرب علينا اليله. وقف رامي بنفاد صبر وجنون: — يوووه! كل شوية أبوها.. أبوها! هو إحنا مش هنخلص بقى من الراجل ده ؟! أنتِ مش قولتِ لي هتخلصينا منه قريب؟! إيه اللي أخرك للدرجادي؟ حنيتِ له ولا إيه؟ ضحكت صفاء ضحكة استهزاء ولكن بقوه: — حنيت؟! يا لهوي! ده أنا بتمنى من ربنا ده يوم المنى يوم ما أخلص منه ويغور في ستين داهية وما يرجعش. — أمال فيه إيه؟! إيه اللي مأخرك لحد دلوقتي؟ — ومين قال إني تأخرت؟ أنا بدأت في الموضوع من زمان جداً، وبدأت أحط له الدواء المخفي في الحاجات الجاهزة والأكل اللي بجيبه من بره عشان ما يبقاش فيه أي شك في حد من جوه البيت والموضوع يخلص للأبد، هي بس حكاية وقت وقليل من الصبر يا حبيبي، الصبر.. كلها كام يوم بالكتير ويتكل على الله! ولكن، قضاء الله النافذ وقدره المحتوم كان يكتب شيئاً آخر، فرغم أن الآجال بيد الله، إلا أن الأسباب لابد أن توضع وتتكشف لكي يدركها العقل البشري الحقيقة ويرضى بها. وأثناء حديث رامي وصفاء السام معاً، انقطع الحوار فجأة على صوت صعق أرجاء المكان؛ لقد تردد صوت "يقين" وهي تصرخ بأعلى صوتها، صارخةً باسم والدها المفجوع! (انتهى الفصل السادس)الفصل الثامنوعندما رآها رامي حين وصل إلى المستشفى، جرى عليها وهو يدعي الحزن والشفقة والاهتمام بأمرها: "يقين يا حبيبتي، تعالي معايا."ولكن عندما سمعت يقين صوته، انتفضت ورجعت خطوات إلى الخلف وهي تحتمي بصديقتها نجمة. لاحظ ليث وخالد ردة فعل يقين عندما حاول ذلك البغيض رامي الاقتراب منها، واستغربا الأمر.لكن زاهر تقدم من يقين يقف بجوارها يدعمها وكأنه يقول أنه يحميها، وقد علم سبب خوفها وانزعاجها: "خليها يا بني في حضن صاحبتها، هتروح معاك فين؟ وبعدين هي مرتاحة كده، ولو هتيجي معانا علشان نروح نشوف حسن تعالي. يقين محتاجة تودع والدها واحنا محتاجين ننهي الموضوع الدفن."انزعج رامي وقشّر بوجهه بغضب: "ماشي!" قالها بصوته العالي، ولكن في خاطره كان يحدث نفسه وهو يغلي بغضب: "هتفضلي كده لحد إمتى؟ هتفضلي تهربي مني لحد امتى؟ خلاص اللي كان بيحميكي غار في داهية، وهانت، هانت قوي يا يقين، وساعتها ما حدش في الكون هيقدر يرحمك أو يحميكِ من تحت إيدي!"قال ذلك لنفسه بدون صوت، غافلاً على أن هناك من يستطيع أن يحميها وهو الله؛ الله يقدر على حماية من يشاء وقت ما يشاء وكيف ما يشاء. غافلاً عن أن الله إذا أراد أن
الفصل السابعدوت صرخات يقين في جميع أرجاء المنزل، فكانت صرخات نابعة من قلب محروق حزين، صرخات سجينة سنوات عديدة تحمل في داخلها العديد من الألم والوجع والحرقة.عندما سمعت صفاء صوت يقين، جرت باتجاه الغرفة، وهي متاكدة أن مفعول الدواء قد بدأ يظهر على جسد حسن. دخلت صفاء فوجدت يقين تحاول أن توقظ أبها وهي تبكي وتصرخ في آن واحد.اقتربت منها صفاء وهي تدعي الخوف والرهبة: "مالك يا بنتي، بتصرخي كده ليه؟"نظرت لها يقين بخوف وحزن ودموع تكاد تجعل قلبها يتوقف: "بابا بصحيه من بدري، هو قام قال لي إنه تعبان قوي ومش قادر ياخد نفسه، وبعدين سكت وغمض عينه ومن ساعتها مش راضي يقوم."صرخت صفاء وهي تخرج إلى البلكونة الموجودة في غرفتها: "يا لهوي يا حبيبي يا أخويا، الحقوني يا ناس، الحقوا جوزي يا ناس، آه يا حبيبي، يا سندي، يا ضهري!"في تلك اللحظة، هرع أهالي المنطقة إلى المنزل ليروا ماذا يحدث، وعندما وجدوا حسن يرقد لا حول له ولا قوة، وابنته تجلس بجواره تبكي، وتقف صفاء تنتحب وتصرخ وهي تمثل دورها في أبهى صورة، قام أحد الجيران بطلب الإسعاف حتى تقم بنقل حسن إلى المستشفى.وبعد مرور وقت قصير، بالفعل جاءت الإسعاف و
الفصل السادس بعد مرور فترة من الوقت قضاها "حسن" في الحديث العميق مع "زاهر"، بدأ شعور غريب بالاطمئنان يتسلل إلى قلبه المنهك، وكأن جبالاً من الهموم قد أزيحَت عن كاهله، وإن ظل القلق الإنساني المشروع يراوده. قال حسن بنبرة ملؤها التردد والخوف: — الكلام جميل جداً يا باشا، وحاجة فعلاً تريح القلب وتطمن، بس أنا هقنع يقين إزاي أصلاً؟ هي أكيد مش هتوافق بسهولة من غير ما تسأل وتعرف الأسباب. رد عليه زاهر بثقة بالغة وابتسامة هادئة: — أنت مش هتفصّل لها كل التفاصيل، قول لها أي موضوع عاوز تاخد رأيها فيه، والموضوع ده تكون متأكد مسبقاً إنها هتوافق عليه، أي حاجة يا حسن تضمن قبولها. فكر حسن لبرهة من الزمن، وهو يعتصر أفكاره، ثم قال بعزم: — ماشي يا باشا.. هروح أكلمها في الموضوع ده وأرجع لحضرتك على طول من غير تأخير. — تمام، خد العربية بتاعتي معاك عشان تيجي بسرعة، ونقدر نخلص الإجراءات دي النهاردة بالذات، مش مسموح أبداً نتأخر أو نضيع وقت أكتر من كده. — حاضر، حاضر يا باشا. انطلق حسن مسرعاً إلى منزله، وكانت تلك المرأة الشريرة "صفاء" في ذلك الوقت خارج البيت تقضي بعض مشاوربها المعهودة. دخل حسن بهد
الفصل الخامس مع إشراقة شمس يوم جديد يحمل في أطيابه مزيداً من التوتر والترقب، استيقظ الأب المكلوم "حسن" مبكراً عن المعتاد. وقف يتوضأ ويصلي خاشعاً، ثم خرج متوجهاً إلى عمله وهو يستودع ابنته الوحيدة البريئة في حمى الله ورعايته؛ فهو يعلم أن لا سند لها ولا مجير سوى رب العالمين. قصد مقر عمله كعادته اليومية الثابتة منذ عشرين عاماً مضت. وما إن وصل حتى غرق في حالة من التوهان والشرود العميق؛ فكل ما كان يسيطر على عقله المضطرب هو إيجاد مخرج حاسم وطوق نجاة ينقذ به ابنته الكريمة من براثن تلك المرأة الحاقدة وأولادها. أما في قصر "زاهر"، فقد استيقظ الآخر بنشاط وحيوية، وخطا خارج غرفته منادياً على الخادمة بصوت جهوري مسموع: — سعدية.. يا سعدية! لبت الخادمة النداء مهرولة: — تحت أمرك يا زاهر بيه. طلب منها أن تعد الفطور، وأن تصعد لإيقاظ ابنته "سجى" لتنزل وتتناول طعامها معه. مؤكداً عليها أنه لن يذهب إلى الشركة اليوم وأنه بحاجة إلى جو من الهدوء التام بعيداً عن صخب العمل. طلبت منه الخادمة فنجان قهوته، فأمرها بأن ترفعه له وللضيوف إلى حديقة القصر الفسيحة؛ حيث الجو العليل المنعش. وفي تلك ا
الفصل الرابع ظل ليث واقفاً في مكانه كالتمثال المسحور بلا حراك؛ فقد كانت الصدمة الفظيعة والمنظر البشع كفيلين بشل تفكيره وتجميد الدماء في عروقه. لكنه سرعان ما استعاد شتات نفسه وعاد ببرودٍ قاتل ونظرات تخفي خلفها جحيماً ممتداً. اقترب منهما ببطء مرعب وهو يوجه كلماته الحازمة الخفيضة: — أنا عايزكم زي ما أنتُم كده، ما حدش يتحرك. انسحب ليث من الغرفة بخطوات متزنة، ثم ما لبث أن عاد يحمل سلاحه الناري في يده. وعندما وطأت قدمه أعتاب الغرفة، وجد سامي يحاول الابتداد والتواري بارتباك ورعب. رفع ليث سلاحه مباشرةً ونشّنه باتجاه سامي، وهو يهتف بصوت كفيل بإحداث الزلازل: — إياك تتحرك من مكانك! والله العظيم لو اتحركت سم واحد ما هاخد فيك لحظة تفكير واحدة وهكون مخلص عليك. ارتعدت أوصال سامي وتملكه الذعر الشديد، محاولاً التلعثم بتبريرات واهية: — ليث.. أرجوك، أنا.. قاطعه ليث بصوت جهوري هادر هز أركان الشقة: — اخرس خالص! مش عايز أسمع صوتك ولا نفس منك. اقترب ليث منهما بخطوات واثقة، وأخرج هاتفه المحمول وقام بتصوير الغرفة بالكامل والوضع الفاضح كدليل قاطع ودمغة على الخيانة والزنا. وبعد أن
الفصل الثالث قبل عشر سنوات كاملة، كان "ليث" قد خطا خطواته الأولى خارج أسوار الجامعة، شاباً يانعاً يمتلك شخصية فولاذية وحضوراً طاغياً. كان منفرداً عن أبناء جيله بتعففه التام؛ فلم تكن له أي علاقات نسائية محرمة، ولم يلتفت قلبه يوماً لعشق فتاة أو الإعجاب بأحداهن. وعلى الرغم من حداثة عهده وصغر سنه، إلا أنه كان بارعاً بفتنة في مجالات الأعمال والإدارة. راوده حلم كبير منذ ما قبل دخول الجامعة، متمثلاً في يوم تخرجه لينضم رسمياً إلى إمبراطورية والده التجارية، تمهيداً لبناء كيانه الخاص ومستقبلة الاستثماري المستقل. كان مدركاً أن عليه أولاً نهل الخبرة من معسكر والده وخبرته الطويلة، فكان ملاصقاً له، شديد القرب منه على عكس شباب سنه. وما إن حصد شهادته حتى انخرط فوراً في عصب شركة والده، متعلماً بقبضة من حديد وسرعة فائقة جعلته يطور أعمال الشركة ويكبرها بشكل لافت. هذا التفاني الأعمى في العمل أسر قلب والده وجعله يمني النفس بزواجه واستقراره، غير أن ليث كان يرى في العمل متنفساً لا يمل منه أبداً. ولأنه كان يؤمن بقوة الصحبة، فقد اصطحب معه إلى داخل الشركة أقرب أصدقائه الثلاثة للعمل ج







