LOGINالفصل السابع
دوت صرخات يقين في جميع أرجاء المنزل، فكانت صرخات نابعة من قلب محروق حزين، صرخات سجينة سنوات عديدة تحمل في داخلها العديد من الألم والوجع والحرقة. عندما سمعت صفاء صوت يقين، جرت باتجاه الغرفة، وهي متاكدة أن مفعول الدواء قد بدأ يظهر على جسد حسن. دخلت صفاء فوجدت يقين تحاول أن توقظ أبها وهي تبكي وتصرخ في آن واحد. اقتربت منها صفاء وهي تدعي الخوف والرهبة: "مالك يا بنتي، بتصرخي كده ليه؟" نظرت لها يقين بخوف وحزن ودموع تكاد تجعل قلبها يتوقف: "بابا بصحيه من بدري، هو قام قال لي إنه تعبان قوي ومش قادر ياخد نفسه، وبعدين سكت وغمض عينه ومن ساعتها مش راضي يقوم." صرخت صفاء وهي تخرج إلى البلكونة الموجودة في غرفتها: "يا لهوي يا حبيبي يا أخويا، الحقوني يا ناس، الحقوا جوزي يا ناس، آه يا حبيبي، يا سندي، يا ضهري!" في تلك اللحظة، هرع أهالي المنطقة إلى المنزل ليروا ماذا يحدث، وعندما وجدوا حسن يرقد لا حول له ولا قوة، وابنته تجلس بجواره تبكي، وتقف صفاء تنتحب وتصرخ وهي تمثل دورها في أبهى صورة، قام أحد الجيران بطلب الإسعاف حتى تقم بنقل حسن إلى المستشفى. وبعد مرور وقت قصير، بالفعل جاءت الإسعاف وتم نقل حسن إلى المستشفى وذهبت معه يقين. طبعا كل الحوار اللي حصل ده مدحت عرف بيه، وده من خلال التسجيلات المراقبة، وعندما رأى الموقف قام بالاتصال فوراً على زاهر. وما أن تلقى زاهر الاتصال حتى خرج يركض إلى المستشفى. أما صفاء فلم تذهب مع حسن، ولكنها دخلت إلى المنزل وقامت بتبديل ملابسها إلى اللون الأسود. وقفت ابنتها مها تعقد يدها أمام صدرها وتبتسم بسخرية: "إيه يا ماما لبست أسود؟ هو أنتِ خلاص متاكدة إنه مات؟" ابتسمت صفاء ابتسامة شيطانية: "آه متأكدة، ولو ما ماتش يبقى آخره لحد بالليل." ضحكت مها بخفة: "آه منك أنتِ يا ماما، مش سهلة بردو!" ثم نظرت إلى أخاها متابعة: "يا أخي شكلك كده محظوظ، أهو الكم يوم اللي ماما كانت لسه بتقول عليهم بقوا كم ساعة." ابتسم رامي ابتسامة نصر، قام وبدأ يلتف حول نفسه، ثم نظر إلى أخته: "بس بطلي قر والنبي، بطلي تبصي لي في لقمتي، ده أنا شكلي فعلاً والله محظوظ، أخيراً أنا هاخد اللي أنا عايزه ومن غير جواز، أنا مش قد الجواز ولا بتاع جواز من أصله، أنا آخري أتمتع باللى عينى تروح له وخلاص، خلاص كده البيضة استوت وفاضل بس أقشرها وآكلها." ابتسمت صفاء: "بالهنا والشفا مقدماً يا حبيب أمك، بس لازم دلوقتي حالا نقوم نروح المستشفى عشان ما حدش يشك فينا ولا يشك في أمرنا، وكمان تبقي جنب البنت في وقت زي ده، علشان تلفتي انتباهها، وهي أكيد هتقدر وقفتك جنبها في وقت زي ده، هي دلوقتي ضعيفة ومكسورة ومحتاجة اللي يقف جنبها ويسندها ويداوى جرحها." زجر رامي بياس: "بس دي مش بتطيقني، دي كل ما تشوفني بتمشي أو تهرب من قدامي كأنها شافت بسم الله الرحمن الرحيم." ابتسمت صفاء وهي ترتب على كتفه: "عارفة، بس لازم دلوقتي تكون جنبها، هي في أمس الحاجة للي يقف معها، مش لازم حد يسبقك أو يقف جنبها." ابتسم رامي ابتسامة حقد: "تصدقي فعلاً ياما عندك حق، ده أنتِ دماغ، كل حاجة عامله حسابها، عامله حسابي الصغيرة قبل الكبيرة." ابتسمت صفاء بسخرية: "طبعاً يا ابني هو أنا أي حد؟ بس يلا بقى بطل رغي ويلا نمشي." "ماشي يلا." وبالفعل ذهبوا معا إلى المستشفى. كانت صفاء بارعة جداً في التمثيل، فكانت تدعي عدم القدرة على المشي والحزن والألم يبدو على وجهها كأنهم حقيقة، فهي تمثل الحزن والألم على زوجها حتى أنها جعلت الناس يدعون لها ولبيقين بالصبر من منظرها. أما بقا عند ليث، فكان قد عاد إلى أرض الوطن، وعندما انتهوا من إجراءات الوصول إلى البلد، خرج هو وخالد من المطار، وعندما خرجوا خرجت تنهيدة عميقة منه وهو ينظر حوله بشوق جارف. أما خالد فكان ينظر حوله وهو يستنشق هواء المكان: "تحيا مصر والله يا ابني، فعلاً مصر دي أم الدنيا، الواحد حاسس إن أول مره من وقت طويل -من ساعة ما خرجت من هنا- ما دخلش صدري هواء عميق يشفي قلبي وروحي كده." ابتسم له ليث وهو يهز رأسه بالموافقة: "فعلاً عندك حق، فعلاً الواحد كان مشتاق جداً للمكان ده." "طب بقول لك إيه بقى، أطير أنا علشان أنا قلت لخالتي إني جاي وأكيد هي مستنياني لوجودي وعاملا لي المحمر والمشمر، سلام لاحسن أنا واقع من الجوع." "سلام." هناك جاء اثنان من الأوبر كان قد طلبهما ليث وخالد، وركب كل منهما السيارة وذهبوا. عندما ركب ليث الأوبر، كان لديه إحساس جميل جداً، كان يشعر بالشوق والحنين والرغبة في رؤية أباه وأخته بعد هذا الفراق الذي دام العديد من السنوات، ولكن في نفس الوقت كان يشعر ببعض القلق والتوتر ولا يعلم ما السر في هذا. أما عند سجى، التي اتصلت بأبيها لتقلق عليه لأنها قلقانة عليه من وقت ما شافته وهو بيركض خارجاً ويبدو على وجهه الخوف والألم، حتى أنها نادت عليه ولكنه لم يرد على نداءها. وعندما اتصلت كان ما زال في سيارته، ولكنه عندما رأى اسمها أجاب عليها فوراً حتى لا يجعلها تقلق عليه. زاهر: "آلوا، أيوه يا سجى يا حبيبتي." ردت سجى بتوتر وخوف حقيقي في صوتها: "بابا أنت فين؟ ومالك في ايه؟ أنت كنت بتجري كده ليه؟ أنا ندهت عليك ولا رديت عليا." "معلش يا حبيبتي أنا أسف، أنا فعلاً مش سمعتك." "يعني حضرتك كويس؟" "آه الحمد لله." "أمال إيه اللي حصل؟" زاهر بحزن: "عمك حسن السواق." سجى باستغراب: "ماله يا بابا؟" زاهر بكسرة نفس وحزن: "مش عارف، كل اللي أعرفه إنه تعبان في المستشفى، وممكن يكون في خطر ولازم أكون معه ومع بنته، البنت وحيدة وما فيش حد معاها." سجى بحزن: "ألف سلامة عليه، إن شاء الله يا بابا هيخف ويبقى كويس." زاهر بفقدان أمل: "يا رب يا حبيبتي." "طيب هو في مستشفى إيه؟" زاهر: [...] "تمام، خلي بالك من نفسك يا بابا أحب أطمن منك." "ماشي يا حبيبتي، وأنتِ خلي بالك من نفسك وكلي أوعى تستنيني." وأغلق الخط. وفي هذا الوقت دق باب غرفة سجى، فقالت وهي تعطي ظهرها للباب: "أدخل يا دادا." فتح باب الغرفة ونظر لها من خلف الباب: "طيب ما ينفعش أنا اللي أتفضل؟" نظرت حينها إلى الباب وهي لم تصدق أذنيها، فوجدت فعلاً أنه ليث أخاها! صرخت سجى وهي تجري إليه وتحضنه بفرحة: "أبيه ليث! مش معقول!" وظلت تضمه وهي تبكي فهي قد اشتاقته حقاً، وكان هو يضمها بحنان ورفق وهو يمسح على شعرها فهو أيضاً اشتاق لها. وعندما انتهى من السلام عليها وبدأ يتحدث معها: "أنا بجد مش مصدقة إن حضرتك هنا." ليث بابتسامه "لا صدقي يا حبيبتي، أنا أهو قدامك، أنتِ وحشتيني خالص." سجى: "وأنت أكتر والله، أنت مش عارف أنا كان نفسي تبقى موجود معنا قد ايه، كنت بدعي ربنا كل شوية انك ترجع والحمد لله ربنا استجاب، شكراً يا رب." ابتسم ليث على حب أخته له وقام بتقبيل رأسها: "طيب قولي لي بابا فين؟" سجى بحزن: "بابا في المستشفى." هب ليث واقفاً وهو مستغرباً وقد هجمته الصدمة: "مستشفى إيه؟ هو تعبان؟" سجى: "لا يا حبيبي الحمد لله ربنا يسترها عليه مش تعبان ولا حاجة." هدا ليث قليلاً: "أمال ليه في المستشفى؟" سجى: "علشان عمو حسن تعبان وفي المستشفى، وشكلي كده حالته صعبة قوي، وبابا كمان زعلان عليه جداً وأنا كمان زعلانه عليه." "مين عمو حسن ده؟" "عمو حسن، عمو حسن السواق بتاع بابا، إيه مش فاكره؟" "آه هو عم حسن! هو لسه شغال هنا؟" "آه لسه شغال هنا، وبابا بيحبه جداً وبيعتبره صديق ليه، وهو فعلاً حد محترم وأمين وبيحب بابا وبيحبنا كمان." "آه فعلاً أنا فاكره كويس، طيب قولي لي هو في مستشفي إيه تعرفي؟" "آه مستشفى [...]" "تمام، ارتاحي أنتِ كويس وأنا هروح لبابا وهكون معه لحد ما نرجع سوا." "حاضر، وعلى ما ترجع أنت وبابا هخلي الدادة والخدم يعملوا كل الأكل اللي أنت بتحبه." ابتسم ليث ووضع يده يمسح على رأسها بحنان: "ماشي يا حبيبتي." أما في المستشفى، عندما وصل زاهر إلى المستشفى كانت يقين تقف أمام غرفة والدها وهي تبكي بصمت ويبدو على ملامحها الحزن والخوف، وعندما رأها زاهر ذهب إليها مسرعاً وضمها إليه وهو يحاول أن يهدئ من خوفها وحزنها وهي تعرفه جيداً. نظرت إليه بدموع وبقلب حزبن: "شفت يا عمو زاهر؟ بابا تعبان قوي، أنا خايفه عليه." زاهر بحزن على حال تلك الفتاة: "ما تخافيش يا بنتي، إن شاء الله ربنا معه وهيقوم ويبقى كويس." "يا رب يا عمو يا رب." وفي تلك اللحظة خرج الطبيب من غرفة حسن وهو ينظر لهم: "حضرتك الأستاذ زاهر؟" زاهر وهو ينظر له: "آه أنا." الطبيب: "طيب المريض محتاج يتكلم معك، هو سأل عنك وطلب يشوفك." ترك زاهر يقين ودخل إلى حسن، وعندما فتح باب الغرفة ودخل نظر إلى حسن الراقد على السرير لا حول له ولا قوة وبدا وكأنها يحارب الموت لآخر نفس، وكانت تبدو وكأنها النهاية. عندما رأى زاهر هذا أغمض عينيه بألم ونزلت منه الدموع فكان يتأمل أن ينقذوه ولا يموت. حاول أن يمسك نفسه وذهب إليه وهو يضع يده على كتفه: "أيوة يا حسن مالك يا راجل؟ ما أنت زي الفل أهم أمال خضوني عليك ليه؟" فتح حسن عيونه بألم وهو يبتسم ابتسامة باهتة: "أنا بجد مش عارف أقول لك إيه، أنا لو ليا أخ كان مستحيل يعمل معايا زي ما أنت عملت ولسه بتعمل." "أنت فعلا أخويا يا حسن، يلا شدي حيلك علشان تقوم وتخرج من هنا." ابتسم عم حسن ابتسامة باهته يغلفها التعب والألم: "لا يا زاهر، الموضوع كده شكله خلص، وجه وقت الوداع." ثم أغمض عيونه وهو يكمل بألم: "أنا بس ندهت عليك علشان أقول لك خلي بالك على يقين، أوعى حد يؤذيها، خلي بالك منها، أنا مش عارف هم ممكن يعملوا فيها إيه، هم ما كانوا كرم بيعرفوا يعملوا معها حاجة خوفاً من وجودي علشان يقدروا يستفردوا بيها." ثم أغمض عيونه ودمعت عينيه وهو يكمل: "أوعى تخلي بنتي لوحدها معاهم، بنتي أمانة في رقبتك." دمعت عين زاهر: "اطمن يا حسن، ما تخافش عليها، أنا عمري ما هتخلى عنها ولو لآخر لحظة في عمري، وبعدين شد حيلك أنت هتقوم وهتخلي بالك منها بنفسك وكمان هتاخد حقها وحقك." تنهد حسن بألم وتعب: "خلاص ما بقاش في وقت للكلام ده، أنا بس هطلب منك تخرج تنادي لي يقين، تخليها تدخلي بسرعة." "حاضر." وبالفعل خرج سريعاً، وعندما رأت يقين باب الغرفة يفتح وقفت فوراً وهي تنظر برجاء له: "بابا!" "اطمني يا حبيبتي أدخلي هو عوزك." وبالفعل ركضت يقين وهي تدخل وتغلق باب الغرفة خلفها، ولكن عندما دخلت وجدته يرقد على السرير بلا حول ولا قوة لا يوجد في وجهه أي شيء سوى التعب، بدا وكأنه يسارع الموت، حينها ازداد الخوف والقلق في قلبها. وفي تلك اللحظة فتح حسن عيونه بألم فهو شعر بوجودها، حاول حينها جاهدة أن يبتسم من أجلها، عندما راته يبتسم لها ذهبت إليه وهي تترنح من الخوف والألم وكانت تنظر له ببكاء: "بابا!" حسن بابتسامة ألم وتعب: "اطمني يا حبيبتي أنا بخير." ضمت يقين فمها وهي تضغط على شفايفها بقوة وعيناها تجري بالدموع وهي تهز رأسها بصمت. "يقين يا حبيبتي، أنا عوزك تخلي بالك من نفسك كويس يا بنتي." عندما سمعت هذه الجملة بكت بشدة وعلا صوتها وامسكت يده برجاء : "يا بابا علشان خاطري بلاش تقول كده، كلامك ده بيوجع قلبي." حسن بتعب: "سلامة قلبك يا حبيبة بابا، بس خلاص أنتِ لازم تسمعيني، خلي بالك من نفسك كويس وأسمعي كلام عمك زاهر هو بيحبك زي بنته تمام، وأوعى تخافي من حد، الدنيا كلها معاكِ وراكي، والأهم من الدنيا كلها ربنا معك ومش هيسيبك أبداً." كانت يقين تبكي بشدة وهي ترد على والدها: "أنا مش عاوزه حد معايا غير ربنا وأنت، أي حد تاني أنا مش عايزاه، أي حد غيرك أنت وربنا أنا مش عايزاه." حسن بألم على حال ابنته وحالها: "تأمر ربنا يا بنتي، خلي بالك من نفسك لو بتحبيني بجد أوعى تؤذي نفسك، وأوعى تعملي حاجة تعذبني أو تخلي ربنا يزعل منك ماشي يا يقين؟ أنا عارف إنك مؤمنة وبتحبي ربنا وبتخافيه." هزت يقين رأسها بكسرة والدموع تأخذ مجراها على خدها. وفي هذه الأثناء، كان ليث قد علم مكان والده وذهب إليه، وعندما راه يجلس في الطرقة يضع رأسه بين يديه جرى إليه ووضع يده على كتفه بحنان. ليث بشوق جارف: "بابا!" كان زاهر حينها في حالة من الحزن والضعف، وعندما سمع صوت ابنه حضنه بقوة: "ليث يا حبيبي أنت جيت! جيت إمتى؟ أنت ربنا بعتك ليا في الوقت المناسب يا حبيبي." "حبيبي يا بابا عامل إيه؟ وصحتك عاملة إيه؟ وطمني عمي حسن عامل إيه؟" "أنت عرفت منين؟" "من سجى." "عمك حسن شكله كده خلاص، شكل دي النهاية." "لا حول ولا قوة إلا بالله، هو ما فيش هنا حد من تبعه ولا إيه؟" في تلك اللحظة ظهرت صفاء وهي تندب حظها ومعها ابنها رامي وأغلب أهل المنطقة، ولكن تصرفها ضايق ليث جداً وحس فعلاً أنها بتمثل وأن اللي بتعمله ده كله مش نابع من قلبها. "مين دول؟" نظر لها زاهر بغضب مكتوم: "دي الملعونة مرات حسن، صحيح يقتلوا القتيل ويمشوا في جنازته." استغرب ليث كلام والده: "يعني إيه؟" "مش وقته الكلام ده دلوقتي." وفي تلك اللحظة سمعوا جميعاً صوت صراخ يقين وهو يهز أرجاء المكان، كانت تصرخ صرخة شديدة جعلت قلوب الجميع تهتز، حتى أنها قد شقت قلب ليث، ولكن قبل أن يسأل وجد والده والجميع يجري باتجاه غرفة حسن. اندفع زاهر داخل الغرفة، وعندما دخل ليث وراءه وجد فتاة جميلة تصرخ من أعماق قلبها وزاهر يحاول أن يبعدها عن جثمان حسن، وبالفعل نجح في إخراجها. هجم ليث عليها بشدة، مظهرها وحزنها باين حتى لمن لا يرون، كيف لا وهو والدها! نجح زاهر في إخراج يقين من الغرفة، وقام الطبيب والممرضين بإخراج الجميع من الغرفة، وبقيت يقين تبكي في حضن زاهر. ظل الطبيب بالداخل لفترة قصيرة وخرج وهو ينظر للأسفل بيأس وأسف: "أنا آسف، البقاء لله." زاهر وهو يغمض عينيه: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا إليه راجعون." بدأت حينها صفاء تصرخ وتندب حظها ، أما يقين فقد هدأت مرة واحدة! حتى أن الجميع بدأ ينظر لها بقلق، بدأت تنظر حولها بخوف وتوهان. يقين: "عمو زاهر، هو قال إيه؟" زاهر وهو يخبط على كتفه بحنان وحزن: "قولي لا إله إلا الله يا بنتي." كانت يقين ساكنة لا تصرخ، ولكن عينها كانت تذرف الدموع بغزارة. يقين بألم: "لا، بابا قال لي إنه مش هيسيبني، آه هو أكيد بيكدب علينا، أكيد عاوز يعرف غلاوته عندي، قل له أنا ما فيش حد في الدنيا دي غالي عندي قد بابا، خليه يفضل معايا وما يسيبنيش أبداً، أنا مش عاوزه أبقى لوحدي." صفاء بعويل مزيف: "أبوك مات يا يقين، أبوك مات خلاص وسابنا." قبض قلب يقين أوصالها وهي في حضن زاهر، حتى أنه شعر برجفتها فنظر بحقد وازدراء لتلك المرأة. أما يقين فكانت في حالة من التوهان تنظر إلى الجميع بحزن وخوف، وعندما تأكدت من مخاوفها ظلت تصرخ ثلاث مرات حتى أغمي عليها. حاول زاهر أن يمنعها من السقوط على الأرض فاستعان بليث الواقف بجواره. قام ليث بحمل يقين بين يديه وهو ينادي على الطبيب الذي جاء يركض وأدخلها غرفة خاصة وقام الطبيب بالكشف عليها. الطبيب: "صدمة عصبية حادة، أنا اديتها حقنة مهدئة، هتنام شوية وهتقوم وتبقي كويسة." زاهر: "شكراً جداً لحضرتك يا دكتور، بالنسبة لحسن الله يرحمه؟" الطبيب: "الله يرحمه، احنا بدأنا في إجراءات الوفاة، عقبال ما تخلص الأوراق نكون جهزناه علشان يتم الدفن، البقاء لله مرة ثانية." زاهر بألم: "ونعم بالله." ليث: "بابا أعمل إيه؟ فين الناس اللي ممكن أقدر أساعدهم أو نتصرف ونقف نجهز كل حاجة؟" زاهر: "حسن ما لوش حد، كلم ناس جهاز المدفن، ودي مفتاح المقبرة المدفون فيها زوجته." ليث باستغراب: "أمال مين دي؟" زاهر: "دي مراته الثانية، مراته الأولى مامت يقين متوفية." انزعج ليث على حال تلك الفتاة، لقد فقدت أمها والآن فقدت والدها وشعر بالألم عليها، ولكنه ذهب يقوم ويرتب بما أمره به والده وقام بترتيب أمر الجنازة. وبعد فترة جاء أن يخبر والده بأنه قد رتب كل شيء وأن كل شيء أصبح جاهزاً. في تلك اللحظة جاءت فتاة أخرى صغيرة يبدو عليها الحزن وكانت تبكي بشدة، ذهبت لتلك الجالسة على أريكة بالمشفى تحاول إظهار إبداعها في تمثيل الحزن وهي تسألها عن يقين، وكانت تلك الفتاة تدعى نجمة وهي صديقة يقين المقربة. اقتربت نجمة من صفاء مقبلة ببكاء: "البقاء لله يا طنط صفاء، فين يقين؟" ولكن صفاء لم تنظر لها ولم ترد عليها، ولكن ردت ابنتها مها التي تدعي الحزن أيضاً: "مها بحزن وبكاء مزيف: "هناك، شوفيها! هو أنتِ مش شايفه حالة ماما عاملة إزاي؟ هي مش في وعيها علشان تهتم بحد." انزعج ليث من رد تلك الفتاة الشنيعة كما راها من وجهة نظره: "من هم الناس دول؟ أنا مش مرتاح منهم مش عارف ليه، دي ولا حتى بنتها، وكمان النطع اللي واقف جنبهم ده!" زاهر: "مش وقته خالص يا ليث." وذهب لتلك الفتاة نجمة. زاهر: "أنتِ مين يا بنتي؟" نجمه بخوف وحزن: "أنا صاحبة يقين، وجاية علشان أكون جنبها، هي فين لو سمحت؟" زاهر بحزن: "هي في الأوضة دي، هي أغمى عليها والدكتور قال عندها صدمة عصبية حادة." بكت نجمة بحرقة على حال صديقتها وهي تقول: "يا حبيبتي يقين! ربنا يرزقك الصبر يا رب، طب هي هتبقى كويسة؟ هتفضل هنا ولا هترخرج؟ حالتها إيه يعني؟" زاهر: "اطمني هي هتبقى كويسة، هي أخدت حقنة مهدئة وشوية وهتخرج معنا، خليكِ بس معنا كلنا نبقى معها دلوقتي." نجمه وهي تمسح دموعها: "حاضر طبعا يا عمو، أنا هفضل معها ومش هسيبها أبداً." وظنوا في المستشفى ينتظرون أن ينتهي كل شيء ويتم تجهيز حسن وأن تستيقظ يقين. ولكن بعد مرور فترة قصيرة، نظر زاهر إلى تلك التي تدعى صفاء وأراد أن يظل يمثل معها حتى لا تشك بمعرفتهم بأي أمر. زاهر: "ست صفاء، يا ريت تروحي أنتِ ترتاحي شوية لحد ما الأمور دي كلها تخلص، علشان بس أنتِ مش قادرة تفضلي هنا، وعلشان كمان ما تقعيش مننا." ثم رامي: "علشان ترتاح شوية عشان تقدر تكمل وتقف على رجلها علشان تبقي مع يقين، هي دلوقتي ما لهاش غيرك يا ست صفاء." صفاء ببكاء مزيف: "أسيبه إزاي بس؟ ده كان سندي أنا ولادي وخلاص كنت اعتمدت عليه، سابني ليه بس؟" رامي بتمثيل وحزن زائف: "والله الواحد حاسس إنه بقى من غير ظهر، كنت بعتبره أب ليا بعد أبويا، كنت بعتبره سندي، الواحد مش عارف هيتصرف إزاي من بعده." زاهر وهو يعلم بنواياهم: "معلش يا ابني قول لا حول ولا قوة إلا بالله، أنت راجل البيت دلوقتي لازم تفرد ضهرك علشان مامبتك وأختك، لازم تكون قد المسؤولية، أنت بقيت بدال حسن الله يرحمه، لازم تاخد والدتك وأختك دلوقتي لحد ما كل شيء يتم على خير، وابقى تعالي وأنا هنا لحد ما ترجع علشان نروح الأمانة على خير." رامي بقوه وحزن زائف: "عندك حق يا باشا، يلا ياما يلا لازم تروحوا، وأنا هابقى أرجع علشان أكون مع عم حسن ومع يقين." "بس يا ابني..." "ما فيش بس يا ست أم رامي، اسمعي كلام ابنك وقومي." "حاضر، يلا يا مها يا بنتي." وقامت وهي تدعي عدم القدرة وكانت تمشي وهي تسند على مها ورمي، وذهبوا معاً إلى المنزل. أما عند سجى، فكانت في البيت تجلس بحماس وهي تأمر الخدم بأن يجهزوا كل ما لذ وطاب من أجل ليث. وفي تلك اللحظة جاء خالد ليرى ليث لأنه حاول التواصل معه من وقت وصولهم ولكنه لا يجب رد. دخل خالد بعد أن أدخلته الخادمة وكانت سجى هناك. "مين يا دادا؟" "دخل يا بي يا بنتي." دق قلب سجى كثيراً وابتسمت وهرولت إليه وهي ترحب به: "أبيه خالد حمد الله على سلامتك." عندما راها خالد كاد أن يتوقف قلبه، فها هي طفلته وصغيرته كبرت وأصبحت فتاة ناضجة كاملة الأنوثة أكثر جمالاً وأنوثة عما كانت من قبل، فهي حبيبة قلبه وابنة قلبه كما يطلق عليها دائماً في داخله، فحبه لها لا يعلمه أحد سوى قلبه والله. خالد بابتسامة واسعة: "أهلاً بالآنسة سجى، الله يسلمك يا ستي، كبرت يا سجى وبقيتي عروسة!" سجى بفخر: "آه طبعا كبرت وأحلوت كمان." قهقه خالد بصوت رجولي: "الصراحة أه، بس مش قوي يعني." حزنت سجى: "يعني إيه؟" ضحك خالد وهو يقترب منها بصوت أعلى: "يا ستي بهزر معك، الصراحة كبرت وحلويتي قوي وبقيتي ست البنات." سجى بابتسامة فخر وكسوف: "ميرسي." خالد: "المهم نسيتيني اللي كنت جاي علشانه، أخوك فين؟ عمال أرن عليه من ساعة ما وصلت ما فيش رد، جيت أشوف في إيه أصل أخوك ده مش بيرد عليا إلا لو كانت في مصيبة." "هو في المستشفى." انتفض خالد واقفاً: "مستشفى إيه؟ يا ساتر يا رب، هو عمو كويس؟" "أهدا أه بابا كويس، هو بس عمو حسن السواق تعبان قوي وبابا بيحبه وزعلان عليه وهو معه، ولما أبيه عرف راح عندهم، بس كده." تنهد خالد: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم يا رب، ربنا يشفيه، بس أخوك برضه مش بيرد ليه؟ أكيد في حاجة." "الصراحة مش عارفة، بس بابا كان بيقول إن عمو حسن تعبان قوي وممكن ما فيش أمل يعيش." "لا إله إلا الله، طيب هم في مستشفى إيه؟ هروح أطمن عليهم." قالت له اسم المستشفى، ابتسم لها وذهب وهو ينوى المغادرة. "أبقى طمني." "حاضر، خلي بالك من نفسك تمام." سجى بابتسامة واسعة: "أوكيه." "باي." "باي." وذهب إلى المستشفى ليتاكد أن ليث ووالده بخير كما تعتقد سجى لأنه شك في الأمر. أما بقا عند صفاء وعيالها لما خرجوا من المستشفى وركبوا عربية علشان يروحوا، وهم في الطريق نزعت صفاء قناع الحزن والتمثيل: "يا اختي الواحد صدع، أنا مش عارفة كنت عارف اجيب الدموع دي منين، أنا كنت فاكرة إني مش هعرف أنزل دمعة واحدة بس طلع الموضوع صعب قوي." رامي بضحك وسخرية: "والله ياما أنت ينفع تمثلي، ده أنت خليتني أنا نفسي أتاثر، بس تعرفي الراجل اللي فوق ده بيفهم، شفتى وهو بيقولى إني بقيت راجل البيت وبدال حسن، الواحد حس وقتها إن كل مشاكلي اتحلت." صفاء بفخر: "أمال إيه يا واد هو أنت أي حد ولا إيه؟ ده أنت ابن صفاء والأجر على الله، المهم أنت تروح وترجع علشان تحضر دفنة الراجل وتخليك جنب البنت، أوعى تسيبها وخلي بالك منها، وحاول تظهر بقى انك بقيت ظهرها بدال أبوها، تخليها تشوف حزنك على الراجل ووقفتك له في الجنازه." مها بضجر وزهق: "هي المسرحية دي هخلص إمتى؟ الواحد بدأ يزهق وبعدين بقى!" "يا بنت هانت، كل حاجة ماشية زي ما كنا عاوزين وأحسن كمان، استحملي شوية وبعدين كل حاجة هتبقى تمام، وبعدين يا بنت أنا عوزاكي تعملي شو كده، تخلي الناس تحس بزعلك على الراجل." مها: "أنا ما لييش فيه، ولو حد سالك أبقى قوليله عندها صدمة، ماهو أنا بقا مش هبقى قاتلة القتيل وأمشى في جنازته وأعيط عليه زيكم." "خلاص يا اختي خلاص يلا." وعندما وصلوا إلى المنطقة الموجود فيها منزلهم عادت صفاء للتمثيل مرة أخرى، وبالفعل صعد رامي مع أمه وأخته ونزل مرة أخرى لكي يعود إلى المستشفى. أما في المستشفى بعد أن ذهبت صفاء وأولادها: ليث لوالده: "أنا مش عارف الناس دي مالهم، حاسس كده إن في حاجة غلط، أنا مش حاسس حزنهم على الراجل، اللي يشوفهم من بعيد يقول ميتين من الحزن عليه، بس اللي يبص لهم كويس يتاكد إنه تمثيل." "الكلام ده مش مهم دلوقتي، المهم دلوقتي الراجل اللي جوه وبنته، أنا عاوزك تخلي بالك من أي تصرف أو كلمة، ولما نروح هفهمك كل حاجة." "يعني إيه؟" "لو سمحت بلاش كلام دلوقتي." "حاضر يا بابا." وفي تلك اللحظة دخلوا إلى يقين، وكانت نجمة ما زالت موجودة معها، دخل زاهر لكي يطمئن عليها. ولكن قبل دخول ليث إلى الغرفة جاء خالد ونادى عليه. ليث باستغراب: "خالد! إيه يا ابني أنت مش روحت؟ إيه اللي جابك هنا وعرفت منين إن أنا هنا؟ ده أنا قلت أنت هتقطع صلتك بيا اليومين دول خالص." "الفضل يرجع لحضرتك، بعد ما روحت وأكلت قولت أرن عليك وأطمن على أحوالك وأحوال عمي وسجى، وأطمن مقابلتك ليهم كانت عاملة إزاي، بس حضرتك ما ردتش عليا فضلت أرن وما فيش رد ولأني عارف إنك طالما مش بترد تبقا في مصيبة. ركبت عربيتي وجيت على البيت، سجى قالت لي انك هنا فجيت أطمن، هو في إيه؟ عمي كويس؟" "أه كويس الحمد لله، هو مش بابا أصلاً ده عمي حسن السواق فاكره؟" "أه طبعا فاكره، بس برده إيه اللي يخليك ما تردش عليا؟" "أنا عملت الفون صامت لأني جيت لقيت الوضع معقد وبابا ساحلني من ساعة ما وصلت." ا "أشمعنا؟" "الراجل اللي توفى وما عندوش ولد وما فيش أقارب وما فيش غير بنت وهي أصلاً مغمى عليها جوه، وزوجة ثانية معها ولد وبنت مش عياله، قمت بالواجب علشان نكرم الراجل." "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، البقاء لله، طيب إيه اللي ناقص نعمله؟" ونعم بالله "ما فيش، هم بيغسلوا شوية وكل شيء هيستهي، هناخدو ونروح الأمانة وخلاص." "أمال واقف هنا ليه؟" "علشان بنت الراجل جوه عندها صدمة عصبية حادة، أعصابها باظت، أنت عارف أول ما وصلت هنا وصلت على سويت بنته ووقعت مغمى عليها، وبابا شيل يا ليث! شلت وصوات وعياط بجد أعصابي تعبت." ثم تنهد وهو يكمل: "بس تعرف البنت صعبت عليّ قوي دي أصبحت لا أم ولا أب." "لا إله إلا الله، بس أنت من شوية لسه قايل زوجة يعني أمها موجودة وأخواتها من أمها." "لا ما أنا كنت فاكر زيك كده بردو بس طلعت مرات أبوها مش أمها." "لا إله إلا الله، ربنا يعينها ويصبرها." وفي الداخل استيقظت يقين وهي تبكي بحرقة، اقتربت منها نجمة وزاهر، حضنتها نجمة بحنان وهي تمسح على رأسها: "وحدي الله يا حبيبتي وحدي الله." "لا إله إلا الله، بابا مات وسابني هو كمان يا نجمة، أنا كنت عايشة عشان هو، أنا استحملت علشان كتير قوي، استحملت علشان بس يفضل معايا ويعيش، بس برضه سابني ليه كده؟ ليه؟" وازداد بكاؤها بحرقة. "ما تقوليش كده يا بنتي، ده أمر ربنا، وحدي الله، عوزك كويسة لأن بابا مش بيحب يشوف دموعك ولا بيحب حزنك." "لا إله إلا الله، حاضر يا عمو." ثم أعدلت في جلستها وهي تتابع: "أنا عوزة أشوف بابا، عوزة أكلمه، أودعه الوداع الأخير." "حاضر، بس أوعديني إنه ما فيش عياط وتبقي ثابتة." "حاضر هحاول، بس لو سمحت وديني أشوف بابا." زاهر وهو يهز رأسه: "يلا يا بنتي، ساعديها لو سمحتِ." "حاضر يا عمو." وبالفعل ساعدت نجمة يقين على الوقوف وأعدلت لها ملابسها وحجابها وأسندتا وخرجوا. كان ليث وخالد يقفان أمام الغرفة يتحدثان، وعندما فتح الباب ذهب ليث إليهم وهو ينظر لها ويخاطب والده: "خير يا بابا في حاجة؟" زاهر: "هنروح لحسن، يقين عوزة تشوفه وتسلم عليه." نظر ليث لها بشفقة وحزن على حالها، وجدها تبكي وعينها لا تتوقف عن ذرف الدموع وصديقتها تساعدها على الوقوف "يا بابا هي هتقدر؟ أعتقد بلاش." "لا خليها تشوف باباها وهي أكيد هتققدر، ما ينفعش يا ابني نمنعها، يلا." وفي تلك اللحظة جاء البغيض رامي وعندما راها جرى عليها. يتبعالفصل الثامنوعندما رآها رامي حين وصل إلى المستشفى، جرى عليها وهو يدعي الحزن والشفقة والاهتمام بأمرها: "يقين يا حبيبتي، تعالي معايا."ولكن عندما سمعت يقين صوته، انتفضت ورجعت خطوات إلى الخلف وهي تحتمي بصديقتها نجمة. لاحظ ليث وخالد ردة فعل يقين عندما حاول ذلك البغيض رامي الاقتراب منها، واستغربا الأمر.لكن زاهر تقدم من يقين يقف بجوارها يدعمها وكأنه يقول أنه يحميها، وقد علم سبب خوفها وانزعاجها: "خليها يا بني في حضن صاحبتها، هتروح معاك فين؟ وبعدين هي مرتاحة كده، ولو هتيجي معانا علشان نروح نشوف حسن تعالي. يقين محتاجة تودع والدها واحنا محتاجين ننهي الموضوع الدفن."انزعج رامي وقشّر بوجهه بغضب: "ماشي!" قالها بصوته العالي، ولكن في خاطره كان يحدث نفسه وهو يغلي بغضب: "هتفضلي كده لحد إمتى؟ هتفضلي تهربي مني لحد امتى؟ خلاص اللي كان بيحميكي غار في داهية، وهانت، هانت قوي يا يقين، وساعتها ما حدش في الكون هيقدر يرحمك أو يحميكِ من تحت إيدي!"قال ذلك لنفسه بدون صوت، غافلاً على أن هناك من يستطيع أن يحميها وهو الله؛ الله يقدر على حماية من يشاء وقت ما يشاء وكيف ما يشاء. غافلاً عن أن الله إذا أراد أن
الفصل السابعدوت صرخات يقين في جميع أرجاء المنزل، فكانت صرخات نابعة من قلب محروق حزين، صرخات سجينة سنوات عديدة تحمل في داخلها العديد من الألم والوجع والحرقة.عندما سمعت صفاء صوت يقين، جرت باتجاه الغرفة، وهي متاكدة أن مفعول الدواء قد بدأ يظهر على جسد حسن. دخلت صفاء فوجدت يقين تحاول أن توقظ أبها وهي تبكي وتصرخ في آن واحد.اقتربت منها صفاء وهي تدعي الخوف والرهبة: "مالك يا بنتي، بتصرخي كده ليه؟"نظرت لها يقين بخوف وحزن ودموع تكاد تجعل قلبها يتوقف: "بابا بصحيه من بدري، هو قام قال لي إنه تعبان قوي ومش قادر ياخد نفسه، وبعدين سكت وغمض عينه ومن ساعتها مش راضي يقوم."صرخت صفاء وهي تخرج إلى البلكونة الموجودة في غرفتها: "يا لهوي يا حبيبي يا أخويا، الحقوني يا ناس، الحقوا جوزي يا ناس، آه يا حبيبي، يا سندي، يا ضهري!"في تلك اللحظة، هرع أهالي المنطقة إلى المنزل ليروا ماذا يحدث، وعندما وجدوا حسن يرقد لا حول له ولا قوة، وابنته تجلس بجواره تبكي، وتقف صفاء تنتحب وتصرخ وهي تمثل دورها في أبهى صورة، قام أحد الجيران بطلب الإسعاف حتى تقم بنقل حسن إلى المستشفى.وبعد مرور وقت قصير، بالفعل جاءت الإسعاف و
الفصل السادس بعد مرور فترة من الوقت قضاها "حسن" في الحديث العميق مع "زاهر"، بدأ شعور غريب بالاطمئنان يتسلل إلى قلبه المنهك، وكأن جبالاً من الهموم قد أزيحَت عن كاهله، وإن ظل القلق الإنساني المشروع يراوده. قال حسن بنبرة ملؤها التردد والخوف: — الكلام جميل جداً يا باشا، وحاجة فعلاً تريح القلب وتطمن، بس أنا هقنع يقين إزاي أصلاً؟ هي أكيد مش هتوافق بسهولة من غير ما تسأل وتعرف الأسباب. رد عليه زاهر بثقة بالغة وابتسامة هادئة: — أنت مش هتفصّل لها كل التفاصيل، قول لها أي موضوع عاوز تاخد رأيها فيه، والموضوع ده تكون متأكد مسبقاً إنها هتوافق عليه، أي حاجة يا حسن تضمن قبولها. فكر حسن لبرهة من الزمن، وهو يعتصر أفكاره، ثم قال بعزم: — ماشي يا باشا.. هروح أكلمها في الموضوع ده وأرجع لحضرتك على طول من غير تأخير. — تمام، خد العربية بتاعتي معاك عشان تيجي بسرعة، ونقدر نخلص الإجراءات دي النهاردة بالذات، مش مسموح أبداً نتأخر أو نضيع وقت أكتر من كده. — حاضر، حاضر يا باشا. انطلق حسن مسرعاً إلى منزله، وكانت تلك المرأة الشريرة "صفاء" في ذلك الوقت خارج البيت تقضي بعض مشاوربها المعهودة. دخل حسن بهد
الفصل الخامس مع إشراقة شمس يوم جديد يحمل في أطيابه مزيداً من التوتر والترقب، استيقظ الأب المكلوم "حسن" مبكراً عن المعتاد. وقف يتوضأ ويصلي خاشعاً، ثم خرج متوجهاً إلى عمله وهو يستودع ابنته الوحيدة البريئة في حمى الله ورعايته؛ فهو يعلم أن لا سند لها ولا مجير سوى رب العالمين. قصد مقر عمله كعادته اليومية الثابتة منذ عشرين عاماً مضت. وما إن وصل حتى غرق في حالة من التوهان والشرود العميق؛ فكل ما كان يسيطر على عقله المضطرب هو إيجاد مخرج حاسم وطوق نجاة ينقذ به ابنته الكريمة من براثن تلك المرأة الحاقدة وأولادها. أما في قصر "زاهر"، فقد استيقظ الآخر بنشاط وحيوية، وخطا خارج غرفته منادياً على الخادمة بصوت جهوري مسموع: — سعدية.. يا سعدية! لبت الخادمة النداء مهرولة: — تحت أمرك يا زاهر بيه. طلب منها أن تعد الفطور، وأن تصعد لإيقاظ ابنته "سجى" لتنزل وتتناول طعامها معه. مؤكداً عليها أنه لن يذهب إلى الشركة اليوم وأنه بحاجة إلى جو من الهدوء التام بعيداً عن صخب العمل. طلبت منه الخادمة فنجان قهوته، فأمرها بأن ترفعه له وللضيوف إلى حديقة القصر الفسيحة؛ حيث الجو العليل المنعش. وفي تلك ا
الفصل الرابع ظل ليث واقفاً في مكانه كالتمثال المسحور بلا حراك؛ فقد كانت الصدمة الفظيعة والمنظر البشع كفيلين بشل تفكيره وتجميد الدماء في عروقه. لكنه سرعان ما استعاد شتات نفسه وعاد ببرودٍ قاتل ونظرات تخفي خلفها جحيماً ممتداً. اقترب منهما ببطء مرعب وهو يوجه كلماته الحازمة الخفيضة: — أنا عايزكم زي ما أنتُم كده، ما حدش يتحرك. انسحب ليث من الغرفة بخطوات متزنة، ثم ما لبث أن عاد يحمل سلاحه الناري في يده. وعندما وطأت قدمه أعتاب الغرفة، وجد سامي يحاول الابتداد والتواري بارتباك ورعب. رفع ليث سلاحه مباشرةً ونشّنه باتجاه سامي، وهو يهتف بصوت كفيل بإحداث الزلازل: — إياك تتحرك من مكانك! والله العظيم لو اتحركت سم واحد ما هاخد فيك لحظة تفكير واحدة وهكون مخلص عليك. ارتعدت أوصال سامي وتملكه الذعر الشديد، محاولاً التلعثم بتبريرات واهية: — ليث.. أرجوك، أنا.. قاطعه ليث بصوت جهوري هادر هز أركان الشقة: — اخرس خالص! مش عايز أسمع صوتك ولا نفس منك. اقترب ليث منهما بخطوات واثقة، وأخرج هاتفه المحمول وقام بتصوير الغرفة بالكامل والوضع الفاضح كدليل قاطع ودمغة على الخيانة والزنا. وبعد أن
الفصل الثالث قبل عشر سنوات كاملة، كان "ليث" قد خطا خطواته الأولى خارج أسوار الجامعة، شاباً يانعاً يمتلك شخصية فولاذية وحضوراً طاغياً. كان منفرداً عن أبناء جيله بتعففه التام؛ فلم تكن له أي علاقات نسائية محرمة، ولم يلتفت قلبه يوماً لعشق فتاة أو الإعجاب بأحداهن. وعلى الرغم من حداثة عهده وصغر سنه، إلا أنه كان بارعاً بفتنة في مجالات الأعمال والإدارة. راوده حلم كبير منذ ما قبل دخول الجامعة، متمثلاً في يوم تخرجه لينضم رسمياً إلى إمبراطورية والده التجارية، تمهيداً لبناء كيانه الخاص ومستقبلة الاستثماري المستقل. كان مدركاً أن عليه أولاً نهل الخبرة من معسكر والده وخبرته الطويلة، فكان ملاصقاً له، شديد القرب منه على عكس شباب سنه. وما إن حصد شهادته حتى انخرط فوراً في عصب شركة والده، متعلماً بقبضة من حديد وسرعة فائقة جعلته يطور أعمال الشركة ويكبرها بشكل لافت. هذا التفاني الأعمى في العمل أسر قلب والده وجعله يمني النفس بزواجه واستقراره، غير أن ليث كان يرى في العمل متنفساً لا يمل منه أبداً. ولأنه كان يؤمن بقوة الصحبة، فقد اصطحب معه إلى داخل الشركة أقرب أصدقائه الثلاثة للعمل ج







