الفصل الثامن
وعندما رآها رامي حين وصل إلى المستشفى، جرى عليها وهو يدعي الحزن والشفقة والاهتمام بأمرها: "يقين يا حبيبتي، تعالي معايا."
ولكن عندما سمعت يقين صوته، انتفضت ورجعت خطوات إلى الخلف وهي تحتمي بصديقتها نجمة. لاحظ ليث وخالد ردة فعل يقين عندما حاول ذلك البغيض رامي الاقتراب منها، واستغربا الأمر.
لكن زاهر تقدم من يقين يقف بجوارها يدعمها وكأنه يقول أنه يحميها، وقد علم سبب خوفها وانزعاجها: "خليها يا بني في حضن صاحبتها، هتروح معاك فين؟ وبعدين هي مرتاحة كده، ولو هتيجي معانا علشان نروح نشوف حسن تعالي. يقين محتاجة تودع والدها واحنا محتاجين ننهي الموضوع الدفن."
انزعج رامي وقشّر بوجهه بغضب: "ماشي!" قالها بصوته العالي، ولكن في خاطره كان يحدث نفسه وهو يغلي بغضب: "هتفضلي كده لحد إمتى؟ هتفضلي تهربي مني لحد امتى؟ خلاص اللي كان بيحميكي غار في داهية، وهانت، هانت قوي يا يقين، وساعتها ما حدش في الكون هيقدر يرحمك أو يحميكِ من تحت إيدي!"
قال ذلك لنفسه بدون صوت، غافلاً على أن هناك من يستطيع أن يحميها وهو الله؛ الله يقدر على حماية من يشاء وقت ما يشاء وكيف ما يشاء. غافلاً عن أن الله إذا أراد أن يحميها سوف يسخر لها الأرض ومن عليها لحمايتها، وسوف يحميها من بطش هؤلاء الشياطين الذين انتزعت من قلوبهم الرحمة والرأفة.
لم يعلق ليث على ردة فعل يقين التي أثارت استغرابه، ولكن واصل سيره حتى وصل إلى غرفة تجهيز حسن. وعندما وصلوا، طلب زاهر من الأطباء أن يسمحوا ليقين بالدخول إلى والدها لكي تقوم بالوداع الأخير له، وبالفعل سمح لها الأطباء.
نجمة ببكاء وهى تضم يقين بحمايه: "أدخل معك؟"
يقين بجسد مترنح وصوت مهزوز من كثره البكاء: "لا."
رامي وهو يقترب من يقين ويدعي التأثر: "خلاص هدخل أنا معاكى علشان أنا كمان عاوز أودعه."
يقين وقد رجعت إلى الخلف بعض الخطوات بخوف شديد وذعر: "لا، أنا عاوزه أكون مع بابا لوحدي."
ولثاني مرة، أثارت ردة فعل يقين استغراب ليث.. ما هو سبب خوف يقين وذعرها من رامي؟
أراد زاهر إنهاء الأمر فاقترب وهو يربت على كتف يقين بحنان: "خلوها تدخل لوحدها، أدخلي يا حبيبتي، بس خليكِى فاكرة إن بابا عاوزك قوية وثابتة، أوعى تعيطي، وأوعى تؤذي بابا."
يقين بدموع وهي تهز رأسها: "حاضر يا عمو."
وبالفعل دخلت يقين لوالدها ووجدته نائماً على سرير ملفوف بالأبيض وقد تم تجهيزه لمثواه الأخير. اقتربت منه وقدميها تكاد لا تحملها وعيونها تذرف الدموع كالشلال. اقتربت بعدم قدرة وهي تبكى وتتحدث بصوت متقطع: "خلاص كده يا بابا هتمشي؟ أنت استعجلت قوي علشان تروح لماما.. بس ماشي، أبقى سلملى عليها كتير يا بابا، أوعوا تنسوني، افتكروني دايماً وحاولوا تيجوا تاخدوني على طول."
حاولت أن تمسح دموعها وهي تقول: "أنا عمالة أُحاول أخلّي الدموع ما تنزلش بس بصراحة مش عارفة يا بابا، أنت هتوحشني قوي.بس أنا عاوزك ما تقلقش عليّ، أنا ربنا معايا وأكيد هيحميني، أنا بس ما بقيتش مرتاحه ولا فرحانة علشان حبايبي خلاص ما بقوش معايا." تنهدت بحرقة وهي تكمل: "أنا لما ماما ماتت أنا حزنت قوي عليها، بس ساعتها كان ليا ظهر وليا سند وليا حضن أجرى أترمي فيه وأعيط، بس دلوقتي أنا ما لييش ظهر ولا ليا سند، ما لييش يا بابا حضن أبكي فيه ولا في إيد خلاص هتمسح دموعي.. بس أنا متاكدة إن ربنا معايا ومش هيسيبني أبداً، ما تقلقش عليّ يا بابا، أنا هبقى كويسة وبخير، أنا عوزاك تبقى فرحان، وتبقى عريس وأنت رايح لماما علشان تطمنها عليا."
واقتربت منه وقبلت رأسه، وفي تلك اللحظة دخل زاهر واقترب منها ببطء وهو يمسك كتفها بحنان: " خلاص يا بنيتي، يلا يا بنتي لازم نمشي حالا علشان مش لازم نتاخر."
هزت يقين رأسها بصمت ولكن عينها كانت لا تصمت أبداً. خرجت يقين وكانت تبكي وتبكي حتى أن بكاءها أثار شفقة الموجودين وقلوبهم وحزن الجميع لأجلها، وأمسكتها صديقتها نجمة، أما زاهر فوقف بجانب حسن وسقطت الدموع من عينه واقترب من وقبل رأسه : "اطمن يا صاحب عمري، بنتك في رقبتي لحد ما أوصلها لجوزها، أنا عاوزك تمشي وأنت مطمن عليها، واطمن كمان إني مش هسيب حقك، حقك هيرجع، عاوزك تنام وأنت مطمن ومرتاح، مع السلامة يا صاحب عمري."
وبعد لحظات خرج ليطلب من ليث والموجودين أن يدخلوا ويقوموا بحمل حسن، وبالفعل دخل ليث وخالد وزاهر والمدعو رامي، وكانت يقين تبكي في حضن صديقتها بألم وقهر على حالها وعلى فراق والدها وأمها. وذهبوا ليضعوا حسن في مثواه الأخير.
وعندما انتهوا من الدفن، جلست يقين بجوار القبر وهي تبكي بصمت، لا يوجد أي صوت ولكن فقط الدموع تسقط من عينيها وهي ترى والدها يرقد بجانب والدتها، وأصبحت هي وحيدة في عالم لا تجد فيه أي حنان أو أمان. اقتربت من القبر وهي تمسح عليه بيدها وهي تحدث والديها بصوت متقطع من أثر البكاء: "أنا عارفة يا ماما إنك أكيد فرحانة دلوقتي، أنتِ فرحانة علشان حبيب عمرك بقا معاكي، ربنا يجمعكم في الجنة يا رب، بس أوعوا تنسوني، وابقو تعالوا اطمنوا عليا، وكمان ما تتاخروش في إنكم تاخدوني عندكم."
اقترب زاهر بتأثير: "لا إله إلا الله يا بنتي، ما تقوليش كده، وبلاش تعملي في نفسك كده، هم أكيد في مكان أحسن وأنتِ هتبقي كويسة، بس علشانهم علشان يبقوا مرتاحين ومطمنين عليكِ."
هزت يقين رأسها وما زالت تبكي. اقترب منها رامي وهو يمد لها يده: "يلا بقى يقين، احنا لازم نروح، الوقت أتاخر."
ارتعبت يقين ورجعت إلى الخلف. وضع زاهر يده على كتفها وكأنه يدعمها ويحميها وهو ينظر لرامي: "يقين هتروح معايا في عربيتي، هوديها لحد البيت وبعدين أبقى أروح."
رامي بنزعاج: "بس..."
"معلش يا ابني هي هتروح معايا." قال ذلك وأخذ بيد يقين وذهب بها إلى السيارة.
وقف رامي وهو يغلي من الغضب والحقد، وتمتم بنفاذ صبر: "ماشي، أياك نخلص."
وبالفعل ذهبت يقين مع زاهر ونجمة في سيارة، وركب ليث مع صديقه خالد في سيارته. أوصل زاهر يقين إلى منزلها وحاول أن يطمئن قلبها: "اطمني يا يقين، أنا عاوزك تبقي عارفه إنه ما حدش يقدر يأذيكِ طول ما أنا موجود." ونظر إلى نجمه وهو يطلب منها برجاء: "ممكن يا بنتي معلش تفضلي معاها اليومين دول؟ هي محتاجة حد يكون معاها."
نجمة بحزن وألم على صديقتها: "طبعا يا عمو، ما تقلقش أنا هفضل معاها." قالت هذا وهي تدعم يقين وتأخذها ودخلوا إلى المنزل ومن ثم إلى غرفتها مباشرة.
كان هذا الحوار تحت سمع ورؤية رامي الذي كان يغلي من الغضب، فدخل إلى المنزل وهو يغلي من الغضب ودخل إلى غرفته مباشرة، وعندما راته صفاء بهذه الحالة دخلت وراءه.
صفاء وهي تغلق الباب وراءها بحرص وبصوت واطٍ حتى لا يسمعها من في المنزل: "في إيه يا رامي؟ مالك؟"
"الست زفتة، كل ما أُقرب تبعد عني كأنى عقرب هيلسعها! لا، وكمان كل ما أكلمها ما تردش، ولما قولتلها يلا عشان أروحك رفضت، والراجل الزفت اللي اسمه زاهر يقول لي: "أنا هوصلها"، وخلي كمان صاحبتها اللي اسمها نجمة هتقرفنا كام يوم!"
صفاء وهي تجلس بجواره وتضع يدها على كتفه: "اهدأ بس يا رامي، في ناس بره مش عاوزين حد يسمع صوتك، وبعدين يا ابني اصبر، اصبر كم يوم لحد ما العزاء يخلص والناس تبطل تدخل وبعدين أبقى اتصرف معاها، إيه؟ صبرت كل ده ومش قادر تصبر كمان كام يوم؟"
رامي وهو ينظر لها بعيون حمراء من كثرة الغضب: "ماشي، هاصبر! أما أشوف آخر الصبر ده إيه، أما أشوف هخلص ولا لا."
صفاء بابتسامة: "إن شاء الله أخرتها حلوة وزي الفل، دي بقت سهلة خالص أهو، وكله من ترتيب أمك، وأديك شايف كله مترتب ومتسهل على الآخر."
رامي: "ماشي ياما، اخرجي وسيبيني لوحدي."
خرجت صفاء من عند ابنها وهي تنوي تكميل تمثيلية الحزن وعدم القدرة على ذلك الزوج البائس الذي رحل ضحية لحقارتها وحقدها وحبها للمال. والتي كانت تقوم بأدائها على الناس. وعندما خرجت وجدت أبنتها مها تقف أمام الباب وهي تمسك الهاتف وتبتسم بإشراق. اقتربت منها صفاء بهدوء وهي تنظر حولها: "أنت بتضحكي على إيه دلوقتي؟ هو ده وقته؟"
مها بنرفزه: "في إيه يا ماما؟ من إمتى وأنتِ بتسألي؟"
يا مها"عاوزين نخلص اليومين دول من غير وجع دماغ، وبعدين يا ستي براحتك اعملوا اللي أنتم عايزينه، لازم الناس دي كلها تتاكد من حزننا على الراجل علشان ما حدش يشك فينا."
وضعت مها هاتفها في جيبها وهي تنفخ بنفاذ صبر: "حاضر يلا يا ستي، أياك نخلص من أم المسرحية دي!"
وقامت مها بسند أمها التي تدعي أنها لا تقوى على المشي من الحزن، وقامت تبكي من جديد.
أما بقا يقين فكانت جالسة في غرفتها على سريرها تحضن نفسها وتضم قدمها بيدها وتبكي في صمت دائم. اقتربت منها صديقتها نجمة وهي تبكي حزناً على حالها ووضعت يدها على كتفها وهي تمسح عليه بحنان: "يقين يا حبيبتي، أنا عوزاكِى تقومى تاخذي شاور وبعدين تخرجي ترتاحي، يا حبيبتي أنت لازم تبقي كويسة علشان عمو وطنط يبقوا مرتاحين وما يزعلوش عليكِ."
نظرت لها يقين وهزت رأسها بصمت، وبالفعل قامت ودخلت إلى الحمام الخاص بغرفتها وأبدلت ملابسها بأخرى سوداء، وصلت فرضها وكانت تبكي بحرقة وهى تدعي ربها، وبعدها قامت وأمسكت مصحفها وأخذت تقرا وهي تبكي. وبعد مرور فترة طويلة أغلقت المصحف وهي تضمه إلى صدرها وتدعي لوالديها بنحيب.
اقتربت منها نجمة التي كانت تصلي وتقرأ القرآن: "قومي يا حبيبتي، أنا عوزاكِى تنامي، نامي شوية، أنتى من الصبح وأنتى على رجلك، لازم ترتاحي."
نظرت لها يقين وهي تبكي بألم: "أنا خايفه قوي."
احتضنتها نجمه وهي تمسح على رأسها: "ما تخافيش يا حبيبتي، نامي أنا هنا جنبك ومش هسيبك، وغيري أنا، ربنا موجود، وهو أهم من أي حد هيحميكِى وما حدش يقدر يعمل لك حاجة، نامي."
"خليكِ جنبي ما تسبنيش."
"حاضر." واقتربت منها وجلست بجوارها وهي تضع الغطاء عليها وتمسح على شعرها بحنان وتقرأ القرآن حتى هدات يقين وذهبت في سبات عميق.
نظرت لها نجمه وهي تبكي على حالها: "ربنا يسترها عليكِى. يا رب، يا رب خليك معاها يا رب، هي دلوقتي ما لهاش غيرك، وما فيش حد في الدنيا دي موجود معاها ولا يقدر يحميها غيرك."
أما بقا ليث ووالده وصلوا إلى منزلهم ومعهم خالد. عندما دخلوا طلبوا من الخادمة تجهيز الطعام سريعا، وصعد كل منهم لتبديل ملابسهم. دخل زاهر وكان يحمل هماً واضحاً على كتفيه وحزناً يملأ وجهه، وعندما راته سجى ذهبت إلى خالد الجالس على الأريكة في برهة المنزل.
سجى: "أبيه خالد، هو إيه اللي حصل؟ بابا ماله؟ هو في مشكلة حصلت مع أبيه ليث وبابا؟"
خالد: "لا، ليه بتفكري كده؟"
سجى: "بابا باين عليه الحزن والتعب، ولما جه طلع على فوق على طول من غير كلام، وكمان أبيه ليث ساكت وباين على وشه عدم الراحة."
خالد: "لا اطمني، ما فيش حاجة بينهم، كل الموضوع إن عم حسن توفي وعمي زاهر زعلان عليه قوي وزعلان على بنته."
سجى بشهقة وهي تضع يدها على فمها: "إيه! عمو حسن مات!" وبدأت الدموع تملأ أعينها وبدأت تبكي.
في تلك اللحظة نزل زاهر فجرت عليه سجى وهي تبكي : "بابا! عمو حسن مات إزاي؟ أنت قولت إنه تعبان شوية وهيقوم!"
ضمها زاهر إلى حضنه بحنان وهو يمسح على راسها: "لا إله إلا الله يا بنتي، دي إرادة ربنا، ربنا يرحمه، ادعيله بالرحمه."
سجى: "ربنا يرحمه، طيب وبنته يا بابا عاملة إيه؟"
زاهر: "هتكون عاملة إيه يا بنتي؟ ربنا يصبرها ويربط على قلبها."
سجى: "طيب ممكن أروح أشوفها وأعزيها؟"
زاهر: "بلاش يا حبيبتي، الوضع هناك مش مناسب ليكي أبدا، ولو عليها اصبري شوية وهخليكِى تشوفيها وتفضلي معها كمان، بس اصبري وهي تبقى في أقرب وقت في وسطنا، ادعي ربنا بس يعدي الموضوع ده على خير."
سجى بعدم فهم: "موضوع إيه يا بابا؟"
"مش وقته، كل شيء في وقته كويس، المهم الأكل جاهز؟ ليث وخالد أكيد هيموتوا من الجوع، أخوكِى تعبان معايا من ساعة ما وصل وما كلش حاجة، وهو أكيد جاي من السفر أصلاً تعبان وكان محتاج ياكل وينام، بس الحمد لله أنا حاسس إن ربنا بعته ليا في الوقت المناسب بالظبط.. الأكل جاهز؟"
"اه بس أبيه ليث لسه فوق."
وفي تلك اللحظة سمعوا صوته: "أنا أهو."
وفي تلك اللحظة خرجت الخادمة وهي تخبرهم: "الأكل جاهز يا باشا ومحطوط على السفرة."
"طيب تمام، يلا يا أولاد."
وبالفعل ذهبوا إلى طاولة الطعام وجلسوا يتناولون الطعام.
ليث وهو يضع يده على رقبته بألم: "ياه، اليوم ده كان طويل قوي، الواحد فعلا تعب."
"فعلاً وأنت جاي يا حبيبي من السفر وأكيد كنت تعبان، معلش يا حبيبي أنا ضغطت عليك بس الراجل ما لوش حد وكان لازم نقوم بالواجب، وخصوصاً إن ده كان صاحب عمري مش مجرد سواق شغال عندي، ده كان سري وأنا كنت سره، والناس اللي في بيته إيدك منهم والقبر، كان الراجل هيفضل في المستشفى يتبهدل بسبب أنهم زعلانين عليه، وما كنش حد هتبهدل غيره هو وبنته."
ردخالد وهو يهز رأسه بتعجب: "فعلا الولد اللي اسمه رامي ابن مراته ده تحس كده واد مش على بعضه، تحس أصلاً إنه فرحان بموت الراجل وبيمثل الحزن، ده غير خوف بنت الراجل الواضح قوي منه، تقريباً في حاجة مش مظبوطة في الواد ده مخليها تخاف منه بالمنظر اللي شفناه ده، صح يا ليث؟"
"فعلا خوف البنت منه كان واضح جداً، ده ما كنش مجرد زعل أو توتر، أكيد في حاجة تانية ما حدش يعرفها."
في تلك اللحظة وضع زاهر الملعقة من يده وهو يقوم ويحدث ليث: "ليث، أنا داخل المكتب، خلص أكل و تعال ورايا في موضوع مهم جداً محتاج أعرف قرارك فيه."
تعجب ليث من نبرة والده ولكنه لم يجادل ورد: "حاضر يا بابا، جاي وراك حالا."
نظر زاهر إلى خالد: "وأنت يا خالد خليك مع سجى، اتكلم معاها وسليها لحد بس ما نخرج يا حبيبي."
ابتسم خالد ابتسامة واسعة: "حاضر يا عمي، لا تقلق."
ذهب زاهر ودخل إلى مكتبه تحت استغراب خالد وسجى وليث.
خالد باستغراب: "غريبة، شكل الموضوع خطير، هو في إيه؟"
"مش عارف بس أنا مش مطمئن، هدخل وأعرف، وأنتى يا سجى لو سمحتى خلي الدادة تجيب قهوتي مع بابا للمكتب."
"حاضر يا أبيه."
ذهب ليث وراء والده، ووقفت سجى وهي تنظر إلى خالد: "وحضرتك يا أبيه تشرب إيه؟"
"خليها قهوة."
"فرنسي مظبوط صح؟"
"لسه فاكرة!"
"طبعا، ثواني وجاية."
وذهبت لكي تخبر الخادمة بتحضير المشروبات ورجعت، أخذت خالد وجلسوا أمام التلفاز يتحدثون.
أما ليث عندما دخل إلى والده وجده يضع راسه بين يديه ويغمض عينيه. جلس ليث وهو ينظر إلى والده بترقب وقلق: "خير يا بابا في إيه؟ حضرتك قلقتني."
"بص يا ليث، أنا عارف إنك لسه جاي وتعبان وواقف من الصبح معايا، وطبيعي ترتاح دلوقتي، بس لو ما عرفتش دلوقتي وبدانا نتحرك في حياة بني آدمة ممكن تتدمر وممكن تنتهي تماماً، ولو ده حصل أنا مستحيل أسامح نفسي أبداً."
"خير يا بابا، حضرتك خوفتني."
بدأ زاهر يحكي إلى ليث ما حصل في حياة حسن بكل التفاصيل، وكان ليث في حالة من الذهول من حكاوي والده.. كيف لامرأة مثلها أن تفعل كل هذا هي وأولادها؟!
"إيه ده! احنا فين هنا؟ فين القانون؟"
"موجود، وفعلًا بدا يتدخل، بس الموضوع جاي متأخر، وهم كانوا فعلاً بدأوا يحطوا الدواء لحسن الله يرحمه والدليل وفاته النهارده."
"طيب وليه ما تمش القبض عليهم؟"
"الموضوع كبير قوي، الموضوع أكبر مما ممكن تتخيل، القصة مش قصة قضية قتل عمد، الموضوع كبير جداً وفي قضية كبيرة موجودة ولازم تثبت عليهم وساعتها الحساب كله يجمع، وطبعاً الدكاترة عملوا تقرير جنائي عن قتل حسن بمواد سامة بطيئة المفعول وتم تقديمه للشرطة بس اتحفظ؛ لأن لو الأمر اتكشف دلوقتي أكيد هيغيروا ترتيبهم ومتاكد إنهم هيقدروا يخرجوا منها ومش هتقدر تسيطر على القضية، إيه اللي بسببها ممكن نمنع شر أكبر، وطبعاً في مراقبات وتسجيلات والشرطة مش ساكته ولا واقفة بتتفرج، هما متابعين من بعيد وبيحاولوا يسيطروا على الوضع."
"طيب وبنته تعرف الكلام ده؟ وهل ده كان سبب خوفها من الزفت اللي اسمه رامي؟"
"لا طبعاً البنت ما تعرفش أي حاجة عن اللي أنت سمعته دلوقتي."
"طيب وأنا أقدر أساعد في إيه؟"
بدأ زاهر يحكي له عن خطتهم من ناحية يقين وباقي القصة، حتى ذلك القرار الذي اتخذه زاهر حتى يستطيع حماية تلك الفتاة في حالة عدم وجود والدها.
وقف ليث وهو في قمة الغضب والعصبية: "يعني إيه؟! إزاي حضرتك تاخد قرار زي ده من غير ما ترجع ليا؟"
"يا ابني أنا كان لازم أتصرف، وده موقف إنساني، وكان لازم أخد خطوة فيه حتى لو كانت النتائج إيه."
ضحك ليث باستهزاء وسخرية وصوت عالي: "آه طيب، زي ما حضرتك اتصرفت من البداية من غير ما ترجع لحد ولا حتى تاخد رأيي في قرار يخص مصيري، كمل للنهاية وما فيش داعي أتعامل أنا بص يا والدي، أنا بره الليلة دي!"
وقف زاهر وقد لجمته الصدمة: "يعني إيه؟"
"يعني حضرتك اتصرفت وأنا بره وما كنتش تعرف برجوعي، فأكيد كان عندك حل علشان تقدر تتصرف من غيري، تمام اعتبرني ما رجعتش." وتركه وخرج وهو في قمة الغضب.
وعندما خرج وجد خالد وسجى يقفون خارجاً وهم يسمعون صوت ليث الثائر وينتظرون خروجهم. لم يقف لهم ليث ولم ينظر لأحد ولكن ذهب في طريقه إلى الخارج. خرج وراءه زاهر: "عندما رأى خالد روح معاه يا خالد أوعى تسيبه، خليك معاه يا ابني."
"حاضر يا عمي اطمن."
ذهبت سجى وارتمت في حضن والدها وهي تبكي: "في إيه يا بابا؟"
ضمها زاهر إليه وهو يمسح على راسها بحنان: "ما فيش حاجة حبيبتي، مشكلة بسيطة وإن شاء الله الموضوع هيتحل وليث هيرجع، اطلعي أنتِ نامي وارتاحي."
هزت سجى رأسها وصعدت إلى أعلى في صمت.
أما ليث فخرج وهو في قمة الغضب وركب سيارته وبجواره خالد الذى لحق به، وكان يقود السيارة بأقصى سرعة، وذهب وهو لا يعلم إلى أين سوف يذهب، وكاد أن يقع في أكثر من حادث ولكن حاول تفاديه بسبب السرعة.
حاول خالد أن يبقى هادئاً حتى لا يجعل ليث يثور أكثر ويجبره على تركه بمفرده، فهو يعلم طبيعته عندما يوصل إلى هذا الحد من الغضب. ظل ليث يقود السيارة بسرعة جنونية، وبعد فترة بدأ يقلل من السرعة. نظر له خالد ولم يسأل عما حدث ولكن تحدث بثبات أطلع على شقتي نبات فيها النهارده.
وبالفعل اتجه بصمت إلى شقة خالد، وعندما وصلوا نزل ليث من السيارة وطلع دون النطق بأي حرف، وبعد أن دخلوا وظلوا جالسين إلى فترة لم يعلموا إذا كانت قصيرة أو طويلة، بدأ خالد يتكلم: "احنا من ساعه ما طلعنا من البيت وأنا ساكت، واديتك وقتك الكافي علشان تقدر تسيطر فيه على غضبك، ودلوقتي ممكن تقولى في إيه؟ إيه اللي حصل علشان توصل للمرحله دي من الغضب؟ الموضوع ده فكرني باللي حصل وقت ما سيبنا مصر لأول مرة."
انسى، المهم اتصل بشركة الطيران واحجز لي على أول طيارة راجعة لندن، أنا راجع، وأنت لو محتاج تفضل أنا ما عنديش مشكلة، خذ وقتك بس لازم ترجع ورايا لأني محتاج وجودك علشان الشغل."
نظر له خالد بغضب وهو يقف: "رجوع إيه هو أنت لحقت؟! هو في إيه؟ ويا عم أيا كان اللي حصل واجه، واجه مشاكلك وحلها ولو لمرة واحدة! أنا كنت ساكت أول مره عشان كنت خايف تؤذي نفسك بسبب غضبك أو تدمر سمعتك، بس المره دي أنا لازم أعرف إيه اللي حصل، ومهما كان اللي حصل أنت لازم تواجه!"
وقف ليث بغضب وهو يدور حول نفسه كالأسد الجريح: "أواجه؟! أواجه إيه يا عم؟ ده أبويا عاوز يجنني وتقولي واجه! أنا مش عاوز أواجه خلاص، أنا لازم أريح دماغي وأنا مرتاح هناك ومش عاوز أرجع للمشاكل يا عم! لو مش عاوز ترجع خلاص خليك!"
حاول خالد تهدئة الوضع والسيطرة على غضب ليث: "طيب أنا معاك، بس ممكن أعرف إيه المشكلة؟ إيه اللي حصل؟ أظن من حقّي أعرف إيه اللي حصل عشان أقدر أوقف معك."
يتبع........