LOGINظللت واقفة في منتصف الغرفة، عاجزة عن اتخاذ أي قرار.
كان ريان أمامي.
وكان آسر خلف الباب.
وبينهما أنا…
امرأة لم تعد تعرف أيّاً منهما.
قال ريان بصوت منخفض:
"ليان، إذا فتحنا الباب الآن، سنخسر كل شيء."
حدقت فيه.
"كيف دخلت إلى غرفتي؟"
"من النافذة."
"هذا ليس جواباً."
اقترب مني خطوة.
"ليس لدينا وقت."
هززت رأسي.
"بل لدينا وقت كافٍ لأعرف الحقيقة."
طرق آسر الباب بقوة.
"ليان!"
ارتجفت.
ثم جاء صوته مرة أخرى:
"افتحي الباب."
نظر ريان إليّ.
"لا تفعلي."
قلت:
"ولماذا؟"
"لأنني رأيت ما يحمله."
تجمدت.
"ماذا؟"
"مسدس."
اتسعت عيناي.
"ماذا؟"
"إنه مسلح."
لم أكن أعرف إن كان يخدعني أم يقول الحقيقة.
لكن بعد لحظات، سمعت صوتاً معدنياً خافتاً خلف الباب.
صوتاً لم أحتج إلى تفسيره.
تراجعت.
قال ريان:
"الآن صدقتِني."
قلت بصوت مرتجف:
"لماذا يريد قتلي؟"
"لا يريد قتلك."
"إذن لماذا يحمل سلاحاً؟"
"لأنه يتوقع أن يجد شخصاً آخر هنا."
نظرت إليه.
"أنت."
لم يجب.
طرق آسر الباب مرة أخرى.
"ليان، اسمعيني جيداً. افتحي الباب، وأنا أعدك أنني لن أؤذيك."
ضحك ريان بسخرية.
"هو يكذب."
صرخت:
"كفى!"
ساد الصمت.
ثم قلت:
"أنا تعبت."
نظر إليّ ريان.
"تعبت من الأكاذيب. منذ مات أبي وأنا أعيش وسط أسرار لا أفهمها. أنت اختفيت ثم عدت من الموت. آسر تزوجني ثم أخبرني أن أبي طلب منه حمايتي. الجميع يعرف شيئاً إلا أنا."
اقترب ريان.
"أعرف."
"لا. أنت لا تعرف."
مسحت دموعي.
"لأنك أنت أيضاً كذبت عليّ."
تغير وجهه.
"أنا لم أكذب."
"اختفيت."
"لأحميك."
"لم تطلب مني أن أقرر."
صمت.
قلت:
"كنت تحبني، أليس كذلك؟"
"نعم."
"إذن لماذا تركتني؟"
أخفض رأسه.
"لأنني اكتشفت شيئاً عن عائلتك."
توقفت.
"عن عائلتي؟"
"نعم."
"ماذا؟"
قبل أن يجيب، جاء صوت آسر من الخارج:
"ريان!"
تجمد ريان.
قال آسر:
"أعرف أنك هناك."
نظرت إليه.
"كيف عرف؟"
ابتسم ريان بمرارة.
"لأنه كان يعرف أنني سأعود."
ثم أضاف:
"لقد كان ينتظرني."
فجأة سمعت صوت كسر الزجاج.
صرخت.
دخل آسر الغرفة من الباب بعد أن كسره.
كان يحمل مسدساً.
رفع السلاح فوراً نحو ريان.
"ابتعد عنها."
وقف ريان أمامي.
"أنت لن تطلق النار."
"لا تختبرني."
"أنت تعرف أن قتلني الآن سيجعلها تعرف كل شيء."
تغيرت ملامح آسر.
خفض سلاحه قليلاً.
نظرت إليهما.
"ما الذي تتحدثان عنه؟"
لم يجب أحد.
صرخت:
"ماذا تخفيان عني؟!"
قال آسر:
"ليان، اخرجي من الغرفة."
"لا."
"قلت اخرجي."
"لن أخرج."
نظر إلى ريان.
"ماذا أخبرتها؟"
ضحك ريان.
"ليس بما يكفي."
اقترب آسر منه.
"أين كنت طوال الشهر الماضي؟"
أجابه:
"أنت تعرف."
"أين؟"
"في المكان الذي أرسلتني إليه."
شعرت بالصدمة.
نظرت إلى آسر.
"أرسلتَه؟"
قال ريان:
"أخبرها."
ظل آسر صامتاً.
اقتربت منه.
"هل أنت من تسبب في اختفائه؟"
نظر إليّ مباشرة.
"نعم."
شعرت بأن قلبي تحطم.
"لماذا؟"
"لأنه كان يراقبك."
ضحكت بمرارة.
"يبدو أن الجميع كان يراقبني."
قال آسر:
"ريان كان يعرف أشياء لم يكن من المفترض أن يعرفها."
"وماذا كان يعرف؟"
صمت.
فصرخت:
"ماذا؟!"
قال ريان:
"أن والدك لم يكن ضحية."
توقفت.
"ماذا تقصد؟"
"والدك كان جزءاً من شيء أكبر."
شعرت بالبرد في أطرافي.
"أي شيء؟"
نظر إلى آسر.
"قل لها."
قال آسر:
"ليس بهذه الطريقة."
"إذن كيف؟"
قال ريان:
"والدها كان يعمل مع عائلة آل ناصر."
قلت:
"هذا أعرفه."
"لا."
هز رأسه.
"أنت لا تعرفين."
اقترب مني.
"كان والدك شريكاً في شبكة سرية تديرها عائلة آل ناصر."
تراجعت.
"أي شبكة؟"
"أموال، شركات وهمية، صفقات سرية… وأشخاص يتم إسكاتهم عندما يعرفون أكثر مما ينبغي."
حدقت فيه.
"أبي لم يكن مجرماً."
قال ريان:
"في البداية، لا."
"ماذا يعني ذلك؟"
أجاب آسر هذه المرة:
"أبوك حاول الخروج."
نظرت إليه.
"وماذا حدث؟"
قال:
"هددوه."
"من؟"
"أبي."
تجمدت.
"والدك؟"
"نعم."
قلت:
"إذن لماذا قلت إنه لم يقتله؟"
"لأنه لم يكن هو من أعطى الأمر."
"لكن كان يستطيع إيقافه."
خفض عينيه.
"نعم."
شعرت بالغضب.
"إذاً هو مسؤول."
لم يعترض.
قلت:
"وأنت؟"
رفع رأسه.
"ماذا عني؟"
"ماذا كنت تفعل في تلك الليلة؟"
ظل صامتاً.
قال ريان:
"كان يحاول إنقاذه."
نظرت إليه.
"هل هذا صحيح؟"
أجاب آسر:
"وصلت متأخراً."
"كم متأخراً؟"
"دقائق."
"وماذا رأيت؟"
شد فكه.
"رأيت والدك على الأرض."
بدأت الدموع تتجمع في عيني.
"هل كان حياً؟"
"نعم."
"هل تحدث معك؟"
أغلق عينيه للحظة.
ثم قال:
"قال لي شيئاً واحداً."
"ماذا؟"
فتح عينيه.
"قال: لا تدعهم يصلون إلى ليان."
لم أستطع الكلام.
كان والدي يفكر بي في لحظاته الأخيرة.
وضعت يدي على صدري.
"لماذا لم تخبرني؟"
قال آسر:
"لأنني وعدته."
"وعدته بماذا؟"
"أن أحميك."
قلت:
"بالزواج مني؟"
لم يجب.
فهمت.
"كان هذا جزءاً من الوعد."
"نعم."
ضحكت وأنا أبكي.
"إذن لم تحبني."
تغير وجهه.
قلت:
"كنت مجرد أمانة تركها لك أبي."
اقترب مني.
"ليان..."
رفعت يدي.
"لا."
كان صوته منخفضاً:
"الأمر لم يعد كذلك."
حدقت فيه.
"ماذا يعني ذلك؟"
لم يجب.
قال ريان:
"لا تصدقيه."
التفت إليه.
"وأصدقك أنت؟"
صمت.
"أنت أيضاً كنت تخفيني عن الحقيقة."
قال:
"كنت أحاول حمايتك."
"الجميع يقول الجملة نفسها!"
صرخت.
"كلكم تريدون حمايتي، لكن لا أحد يحترم حقي في معرفة الحقيقة!"
خرجت من الغرفة.
لم يحاول أحد منعي.
نزلت الدرج بسرعة.
كنت أريد الهرب من القصر كله.
لكنني توقفت عندما رأيت نورا في نهاية الممر.
كانت ترتدي ثوباً أسود طويلاً.
وتبتسم.
قالت:
"هل أخبراك أخيراً؟"
توقفت.
"ماذا تعرفين؟"
اقتربت.
"أكثر مما تتخيلين."
"هل كنت تعرفين أن والدي سيُقتل؟"
ابتسامتها اختفت.
"لا تتحدثي بهذه الطريقة."
"أجيبي."
نظرت حولها.
ثم قالت:
"تعالي معي."
ترددت.
"لماذا؟"
"لأن هناك شيئاً يجب أن تريه."
تبعتها رغم شكي.
قادَتني إلى ممر جانبي في القصر.
ثم توقفت أمام باب خشبي قديم.
أخرجت مفتاحاً من جيبها.
فتحته.
كانت الغرفة مظلمة.
أشعلت المصباح.
تجمدت.
كانت الجدران مغطاة بالصور.
صور والدي.
صور آسر.
صور ريان.
وصور لي أنا.
منذ أن كنت طفلة.
تقدمت ببطء.
"ما هذا؟"
قالت نورا:
"أرشيف العائلة."
لمست صورة لي وأنا في العاشرة من عمري.
"لماذا توجد هذه الصور؟"
"لأن والدك كان يخشى أن يحدث لك شيء."
ثم أشارت إلى صورة أخرى.
كانت لي مع ريان في الجامعة.
قلت:
"متى التقطت هذه؟"
"قبل ثلاث سنوات."
نظرت إليها.
"لكن ريان لم يكن..."
توقفت.
فهمت.
"كان هناك شخص يراقبنا."
قالت:
"منذ البداية."
شعرت بالغثيان.
ثم رأيت ملفاً على الطاولة.
كان عليه اسمي.
فتحته.
في الصفحة الأولى كانت هناك معلومات عن حياتي.
جامعتي.
أصدقائي.
منزل والدي.
كل شيء.
لكن الصفحة الأخيرة كانت تحمل شيئاً آخر.
وثيقة زواج.
حدقت فيها.
كان هناك اسم آسر.
لكن التاريخ…
كان قبل عامين من لقائي به.
رفعت رأسي ببطء.
"ماذا يعني هذا؟"
قالت نورا:
"يعني أن زواجك من آسر لم يبدأ اليوم."
تراجعت.
"مستحيل."
"لقد تم الاتفاق عليه منذ سنوات."
"لا."
"كان والدك وآسر قد اتفقا على شيء."
"ماذا؟"
اقتربت نورا وهمست:
"إذا مات والدك، تصبحين زوجة آسر."
شعرت أن العالم يدور حولي.
"لماذا؟"
قالت:
"لأن هناك شيئاً ورثته عن والدك."
"ماذا؟"
ابتسمت نورا.
"شيئاً لا يعرف آسر نفسه أنك تملكينه."
فتحت فمي لأتكلم.
لكن الباب انفتح فجأة.
دخل آسر.
كان وجهه شاحباً.
نظر إلى نورا.
ثم إلى الملف.
ثم إليّ.
قال بصوت غاضب:
"من سمح لك بإحضارها إلى هنا؟"
قالت نورا:
"كان عليها أن تعرف."
اقترب آسر وأخذ الملف من يدي.
"ليس بعد."
صرخت:
"ماذا ورثت عن أبي؟"
"ليان..."
"أجبني!"
صمت.
ثم قالت نورا:
"قولي لها الحقيقة يا آسر."
نظر إليها بغضب.
قالت:
"قل لها إن والدها ترك لها مفتاحاً."
نظرت إلى آسر.
"مفتاح ماذا؟"
لم يجب.
ثم أخرج من جيبه شيئاً صغيراً.
مفتاحاً معدنياً قديماً.
وضعه على الطاولة.
"هذا."
حدقت فيه.
"ما الذي يفتحه؟"
قال:
"الخزنة التي أخفاها والدك."
"وأين هي؟"
رفع عينيه نحوي.
"في مكان لا يستطيع أحد الوصول إليه."
"أين؟"
قال:
"في المنزل القديم."
شعرت بقشعريرة.
منزل طفولتي.
المكان الذي مات فيه أبي.
ثم رن هاتف آسر.
نظر إلى الشاشة.
تغير وجهه.
أجاب.
لم يتحدث الشخص الآخر طويلاً.
ثم أغلق آسر الهاتف.
قلت:
"ماذا حدث؟"
لم يجب.
اقترب مني.
قال بصوت منخفض:
"علينا الذهاب الآن."
"إلى أين؟"
"إلى منزلك القديم."
"لماذا؟"
نظر إلى نورا.
ثم إليّ.
وقال:
"لأن شخصاً ما دخل إليه."
سألت:
"من؟"
قال:
"لا نعرف."
ثم أضاف:
"لكنهم تركوا شيئاً لك."
وصلنا إلى المنزل بعد منتصف الليل.
كان المكان مظلماً.
والباب الأمامي مفتوحاً.
تقدمت خلف آسر.
كانت ذكريات طفولتي تحاصرني.
رائحة الخشب.
الدرج القديم.
صورة أبي على الحائط.
كل شيء كان كما تركته.
إلا شيئاً واحداً.
على الأرض أمام غرفة والدي…
كانت هناك وردة حمراء.
وفوقها ورقة.
التقطها آسر.
قرأها.
ثم تجمد.
"ماذا تقول؟"
لم يجب.
انتزعت الورقة من يده.
كانت مكتوبة بخط مجهول:
"ليان، إذا وصلتِ إلى هنا، فهذا يعني أن آسر أخبرك عن الخزنة."
توقفت أنفاسي.
تابعت القراءة.
"لكن لا تفتحيها معه."
نظرت إلى آسر.
ثم أكملت:
"افتحيها وحدك."
وفي أسفل الصفحة كانت هناك جملة أخيرة:
"لأن الرجل الذي تحبينه سيحاول قتلك عندما تعرفين ما بداخلها."
رفعت رأسي.
كان آسر ينظر إليّ.
وفي عينيه شيء لم أره من قبل.
الخوف.
لكن السؤال الحقيقي لم يكن لماذا يخاف آسر…
بل:
من الرجل الذي كان يقصده أبي؟
آسر؟
أم ريان؟
أم شخص ثالث لم يظهر بعد؟
ثم سمعنا صوتاً من الطابق العلوي.
خطوة.
ثم خطوة ثانية.
رفع آسر سلاحه.
وقال:
"ابقَي خلفي."
لكنني هذه المرة لم أتحرك.
لأنني أدركت شيئاً مرعباً.
الصوت القادم من الطابق العلوي…
كان صوت والدي وهو يناديني باسمي.
"ليان…"
تجمدت.
"أبي؟"
ثم جاء الصوت مرة أخرى:
"ليان… لا تثقي بآسر."
نظر آسر إليّ.
وفجأة انطفأت جميع الأنوار.
وفي الظلام…
سمعت طلقة واحدة.
ثم سقط آسر أمامي.
الفصل السابع والثلاثون: بعد موت سامركان صوت صفارات الإسعاف يقترب، لكنني لم أعد أسمع شيئاً.كنت أرى آسر فقط.كان جاثياً على الأرض، يحتضن والده، ويصرخ باسمه."أبي... افتح عينيك!"لم يتحرك سامر.اقترب المسعفون بسرعة."ابتعد."لكن آسر رفض."لا!"قال المسعف:"إذا أردت أن نساعده، ابتعد."نظر إليه آسر للحظة.ثم ترك والده.بدأ الأطباء بمحاولة إنعاشه.كنت أحتضن سامر الصغير، وأراقب المشهد.كان طفلي نائماً.هادئاً.وكأن شيئاً لم يحدث.لكنني كنت أعرف أن حياته تغيرت إلى الأبد.بعد دقائق طويلة...توقف الطبيب.نظر إلى آسر.لم يقل شيئاً.لكن عينيه قالتا كل شيء.اقترب آسر."لا."قال الطبيب:"أنا آسف."هز آسر رأسه."لا.""لقد فقد الكثير من الدم.""أنقذوه.""حاولنا.""حاولوا مرة أخرى."قال الطبيب:"لقد مات."صرخ آسر:"قلت أنقذوه!"أمسكت يده.لكنه دفعني بعيداً دون أن يشعر.لم يكن غاضباً مني.كان غاضباً من العالم.من الماضي.من نفسه.ومن الموت الذي سرق والده مرة أخرى.جلست بجانبه."آسر."لم يجب."أنا هنا."قال بصوت مكسور:"مرة أخرى.""ماذا؟""فقدته مرة أخرى."بدأ يبكي."كنت أعتقد أنني حصلت عليه."وضعت يد
الفصل السادس والثلاثون: الكبسولات التي استيقظتانطفأت الأضواء دفعة واحدة.لم يبقَ في المختبر سوى أضواء حمراء صغيرة تومض فوق الأبواب.ثم بدأت الكبسولات الزجاجية تفتح واحدة تلو الأخرى.طَق.طَق.طَق.كان الصوت أشبه بعدٍّ تنازلي للموت.احتضنت سامر بقوة.كان الطفل قد استيقظ بسبب الضوضاء، وبدأ يبكي.قلت:"آسر..."أمسك يدي."أنا هنا."لكن عينيه كانتا مثبتتين على والده.سامر كان لا يزال داخل الكبسولة.أسلاك كثيرة متصلة بجسده.كان شاحباً، ضعيفاً، لكنه حي.قال:"آسر..."اقترب ابنه."أبي."ابتسم سامر بصعوبة."كبرت."انهارت دموعي.بعد كل تلك السنوات...كان اللقاء الذي حلم به آسر يحدث أمامي.لكن في أسوأ مكان ممكن.قال آسر:"سأخرجك."هز سامر رأسه."ليس الآن.""لماذا؟""لأن يوسف ينتظر ذلك."جاء صوت يوسف من مكبرات الصوت."أهلاً بكم في المرحلة الأخيرة."صرخ آسر:"اظهر!"ضحك يوسف."لن أحتاج إلى الظهور."قال ريان:"وجدته."رفع الحاسوب."هو في الطابق السفلي."قال آسر:"أين؟"أشار إلى الشاشة."غرفة التحكم."قال سامر:"لا تذهبوا إليه.""لماذا؟""لأنه يريدك أن تأتي."قال آسر:"سأذهب."أمسك سامر بذراعه."أن
الفصل الخامس والثلاثون: الحقيقة التي أخفاها الجميعدخلت نورا المختبر بخطوات ثابتة، لكن عينيها كانتا تحملان شيئاً مختلفاً تماماً.الخوف.ليس الخوف من كمال.ولا من الرجال المسلحين الذين قد يظهرون في أي لحظة.بل خوف امرأة حملت سراً لسنوات طويلة، وعرفت أن لحظة كشفه ستغير حياة الجميع إلى الأبد.قالت:"آسر ليس ابنك."حدق كمال فيها."أنت تكذبين."رفعت الملف."هذه المرة لا."اقترب كمال منها."أعطني الملف."تراجعت خطوة."لن تحصل عليه."قال آسر:"نورا، ماذا يحدث؟"نظرت إليه.وكانت الدموع قد بدأت تملأ عينيها."كنت أتمنى ألا تعرف أبداً."قال:"تعرف ماذا؟"صمتت.ثم قالت:"الحقيقة عن ولادتك."شعرت أنني عاجزة عن الكلام.كنت لا أزال أحمل سامر بين ذراعي.كان نائماً، وكأن العالم من حوله لا يعنيه.أما نحن...فكنا نقف وسط ماضٍ مليء بالأكاذيب.قال كمال:"آسر ابني."أجابته نورا:"لا.""كنت حاضراً عندما ولد.""كنت حاضراً.""أنا من دفعت تكاليف علاجه.""نعم.""أنا من حميته.""نعم.""إذن كيف تقولين إنه ليس ابني؟"نظرت إليه."لأنك كنت تحميه من الناس الذين صنعتهم بنفسك."تجمد وجه كمال.ثم قالت:"آسر ابن سامر."ر
الفصل الرابع والثلاثون: الرجل الذي كان أبيظللت أحدق في الصورة حتى شعرت أن عينيّ تؤلمانني.كنت طفلة.ربما في السابعة أو الثامنة من عمري.كنت أرتدي فستاناً أبيض، وأبتسم للكاميرا، بينما يقف كمال إلى جانبي.لكن الرجل الذي يقف خلفنا...كان مراد.والجملة المكتوبة أسفل الصورة كانت كافية لتحطيم كل ما كنت أعتقد أنني أعرفه."والدك الحقيقي لم يكن مراد."قلت بصوت بالكاد خرج مني:"إذن من؟"لم يجب أحد.كان آسر يقف أمامي، يحمل الورقة، وعيناه مثبتتان على الصورة.قال ريان:"هذه الصورة قديمة جداً."نظرت إليه."كم عمرها؟""أكثر من عشرين عاماً."قال آسر:"هذا يعني أن كمال كان يعرف ليان قبل أن يعرفها مراد."هززت رأسي."لكن أمي قالت إن مراد أبي."ساد الصمت.ثم دخلت مريم.كانت شاحبة.وعندما رأت الصورة...توقفت.قلت:"أمي."لم ترفع عينيها."انظري إليّ."رفعت رأسها ببطء."قولي الحقيقة."بدأت دموعها تنزل."أي حقيقة؟"أشرت إلى الصورة."من هو أبي؟"قالت مريم:"كنت أتمنى ألا تعرفي."صرخت:"أنا لم أعد أحتمل الأسرار!"اقتربت منها."أين أبي؟"أغمضت عينيها."مات.""من قتله؟"لم تجب.قال آسر:"مريم."نظرت إليه."لقد
الفصل الثالث والثلاثون: الأب الذي عاد من الموتلم أستطع أن أتنفس.ظل وجه الرجل على الشاشة أمامنا، واضحاً، حياً، حقيقياً.وجه كنت قد رأيته في صور قديمة.وجه حفظه آسر من ذاكرته رغم كل ما حاولت المنظمة محوه.سامر.والد آسر.الرجل الذي دفنّاه في قلوبنا منذ سنوات.الرجل الذي كان موته أحد الأسباب التي أشعلت كل هذه الحرب.لكنه كان حياً.حيّاً طوال هذه السنوات.قال آسر بصوت لم أسمعه منه من قبل:"أبي؟"ابتسم الرجل على الشاشة.ابتسامة حزينة."نعم، يا بني."تراجع آسر خطوة.ثم أخرى.كأنه لم يعد قادراً على الوقوف.قلت:"آسر..."رفع يده."لا."ثم حدق في الشاشة."هذا مستحيل."قال سامر:"كنت أتمنى أن يكون."صرخ آسر:"أنت مت!""كنت أعيش.""رأيت قبرك.""كان قبراً فارغاً.""رأيتهم يدفنونك!"أغمض سامر عينيه."لم يكن جسدي في ذلك القبر."كان كل شيء ينهار من حولنا.آدم ما زال مقيداً.مريم تبكي.ريان يحاول اختراق النظام.يوسف واقف في الظلام.وسارة تحمل طفلي.أما أنا...فلم أستطع سوى النظر إلى الشاشة.قالت سارة:"ليان."صرخت:"أعيدي لي ابني!"شدّت سامر الصغير إلى صدرها."هو بخير.""أعيديه!"قال سامر والد آسر:
الفصل الثاني والثلاثون: الطفل الذي لم يكن طفليظللت أحدق في الصورة حتى بدأت ملامحها تتشوش أمام عيني.لم أعد أرى آدم.لم أعد أرى الرجل الواقف خلفه.لم أعد أرى حتى الطفل.كنت أرى شيئاً واحداً فقط.ذلك الوجه الصغير.عينان مغمضتان.يد صغيرة ملتفة حول إصبع رجل لا أعرفه.طفلي.أو هكذا كنت أريد أن أصدق.قال آسر:"ليان."لم أجب."انظري إليّ."رفعت رأسي.كان وجهه شاحباً."هذه الصورة قد تكون مزيفة."قلت:"وماذا لو لم تكن؟""سنتأكد.""وماذا لو كان طفلنا فعلاً؟"صمت.كانت الإجابة واضحة في عينيه.لو كان ذلك الطفل ابننا، فلن يتردد في الذهاب إلى أي مكان من أجله.حتى لو كان فخاً.حتى لو كان الموت ينتظره.قالت مريم:"لا تذهبي."التفت إليها."أمي...""كمال يريدك وحدك.""لأنه يعرف أنني سأذهب.""وهذا بالضبط ما يريده."قال آسر:"لن تذهب وحدها."نظرت إليه."طلب مني أن أذهب وحدي.""لن أفعل.""إذا رأوك معه، سيقتل آدم."قال:"وإذا ذهبت وحدك، سيقتلك.""إذن ماذا نفعل؟"لم يجب.كان الصمت أثقل من أي جواب.ثم دخل ريان فجأة.كان يحمل حاسوبه."وجدت شيئاً."اقتربنا منه.قال:"الرسالة التي وصلتك لم تُرسل من هاتف عادي.







