Mag-log in175كانت الشركة تعج بالحركة. اصوات الرجال تتداخل في أرجاء المكتب، والهواتف لا تتوقف عن الرنين، والوجوه المتوترة تتحرك من مكان إلى آخر، بينما كان الجميع يحاول الوصول إلى أي معلومة عن ملاك. أما ليث... فكان جالسًا خلف مكتبه. صامتا. لم يتحرك منذ أن وصل إلىه خبر اختفاء ملاك كانت عيناه ثابتتين أمامه، وملامحه جامدة بصورة مخيفة، بينما كانت يده تستقر فوق سطح المكتب، وأصابعه تنقبض ببطء ثم ترتخي. لكن لم يجرؤ احد على الاقتراب منه. الجميع يعرفون أن غضب ليث عندما يصرخ يمكن احتماله... أما غضبه عندما يصمت، فلا أحد يعرف إلى أين يمكن أن يصل. وداميان يقف أمام المكتب، وإلى جواره نوح، بينما كان يزن وريان وعدد من رجالهم موزعين في أنحاء المكتب.قال نوح بعد أن أنهى مكالمة هاتفية:ــ الحراس الذين كانوا برفقة السيدة ملاك ما زالوا فاقدين للوعي. الأطباء يحاولون إفاقتهم، لكنهم لم يستعيدوا وعيهم حتى الآن.رفع داميان عينيه إليه: ــ وكاميرات المراقبة؟هز نوح رأسه: ــ توقفت في الفترة نفسها تقريبًا. لا نعرف متى خرجت السيدة ملاك من المستشفى، ولا من أخرجها.... الشيء الوحيد الذي استطعنا الحصول عليه حتى الآن هو التسجي
174فتحتُ عيني ببطء شديد.. في البداية لم أستطع أن أفهم أين أنا. كان كل شيء من حولي ضبابيا، وكأنني أراه من خلف ستار سميك. شعرت بثقل شديد في رأسي، وبألم خفيف ينبض داخله مع كل محاولة مني لاستعادة وعيي. أغمضت عيني للحظة، محاوِلة أن أتذكر ما حدث... المستشفى...سارة...آدم...السيارة... الإبرة... اتسعت عيناي فجأة. حاولت أن أرفع يدي إلى عنقي، لكنني لم أستطع. تجمدت في مكاني. حاولت مرة أخرى، فشعرت بشيء يشد معصميَّ إلى الخلف.. نظرت إلى الأسفل. كان معصماي مربوطين بإحكام خلف ظهري، وقدماي مقيدتين أيضا... شهقت بفزع. بدأ قلبي يخفق بعنف، وشعرت بأنفاسي تضيق، وكأن الغرفة نفسها أصبحت أصغر من حولي. أخذت أتحرك بعشوائية، محاوِلةً التخلص من القيود، لكن الحبل كان محكمًا حول معصمي حتى شعرت بألم حاد في جلدي.. توقفت للحظة، وحاولت إجبار نفسي على الهدوء. أين أنا؟ من أحضرني إلى هنا؟ ولماذا أنا مقيدة؟ وأين آدم؟ رفعت عيني أتفحص المكان. كانت الغرفة واسعة للغاية، ومرتبة بصورة تثير الريبة. لم تكن تشبه زنزانة، ولا مكانا مهجورا أو قذرا. كان هناك سرير كبير، وخزانة أنيقة، وأريكة في أحد الجوانب، وستائر ثقيلة تحجب النوافذ بالك
173خرجتُ من العناية المركزة بخطوات بطيئة، وأغلقت الممرضة الباب خلفي بهدوء. ألقيت نظرة أخيرة على الغرفة من خلال الزجاج. كانت أمي ستيلا ما تزال مستلقية فوق السرير، ساكنة تمامًا، تحيط بها الأجهزة من كل جانب. تنفست ببطء. كنت أتمنى لو استطيع ان أسمع صوتها وهي تطمئنني بأنها بخير... لكن الأطباء أخبروني أن حالتها لم تتغير، وأنها ما تزال غارقة في غيبوبتها. خفضت عيني بحزن، ثم استدرت لأغادر. لكنني توقفت فجأة. كان هناك رجل يقف بعيدًا في نهاية الممر. حدقت فيه لثوانٍ... داميان. اتسعت عيناي بدهشة. ماذا يفعل هنا... ألم يخبرني ليث أن سارة سافرت معه في رحلة عمل.. إذن... لماذا داميان موجود في المستشفى؟ راقبته دون أن يشعر بي. كان يقف بجوار نوح، ويتحدث معه بجدية، ثم اتجها معا نحو إحدى الغرف. ترددت للحظة. ثم تحركت خلفهما دون تفكير. لم أكن أعرف لماذا شعرت أن هناك شيئا غريبا يحدث.ربما لأن وجود داميان هنا لم يكن منطقيا. وربما لأن قلبي بدأ يخبرني بأن هناك شيئا يخفيه الجميع عني. توقفت أمام الغرفة التي دخل إليها داميان. رفعت هاتفي بسرعة، واتصلت بسارة. وضعت الهاتف على أذني.رن الاتصال مرة... مرتين... ثم جاءني ص
172أشرقت شمس الصباح منذ ساعات، وامتلأ القصر بضوءٍ ذهبي هادئ تسلل عبر النوافذ العالية. وقفت أمام المرآة أرتب خصلات شعري، ثم ألقيت نظرة أخيرة على مظهري. ارتديت أحد الفساتين التي اشتراها لي ليث.كان فستانا أنيقا بلونٍ هادئ، بتصميم بسيط وعملي، ينسدل بانسيابية حتى أسفل ركبتي بقليل، ويحدد خصري دون مبالغة، بينما جاءت أكمامه مريحة وتناسب الحركة. لم يكن فخما بصورة مبالغ فيها، لكنه كان راقيا بما يكفي ليجعلني أشعر بأنني أرتدي شيئا يليق بمكانتي الجديدة. وضعت أقراطا صغيرة، وتركت شعري منسدلًا على كتفيّ... ثم وضعت القليل من مستحضرات التجميل، واكتفيت بمظهر هادئ. وقبل أن أخرج، فتحت حقيبتي الصغيرة. توقفت يدي عند زجاجة عطر قديمة. تأملتها للحظة.كان هذا العطر تحديدًا هو العطر الذي اعتدت وضعه منذ سنوات... العطر الذي كنت أضعه في الماضي. ابتسمت دون أن أشعر، ثم رششت منه القليل على عنقي ومعصمي. توقفت للحظة. كان من الغريب أن تعود رائحته إلى حياتي بعد كل تلك السنوات. ثم خرجت من الجناح. مشيت في أروقة القصر بهدوء، حتى وصلت إلى غرفة الطعام. دفعت الباب...وتوقفت. كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة صباحا وجدت ليان ج
170نوال. كانت تراقبنا. كانت نظرتها مثبتة على ليث وهو يقف أمامي بصدره العاري، ثم على الرداء الذي وضعه حول كتفيّ... كانت غاضبة. غاضبة جدا. وشيء داخلي جعلني أبتسم. حسنا... إذا كانت تراقب، فلماذا أضيّع الفرصة.. وضعت يدي على جبيني فجأة: ــ آه...التفت ليث إليّ فورا: ــ ماذا بكِ؟أغمضت عيني قليلًا: ــ أشعر بالدوار.اقترب ليث مني. ثم أضفت بصوت أضعف:ــ رأسي يؤلمني أيضا.راقبني لثوانٍ. كنت أستطيع رؤية القلق يعود إلى عينيه. وهذا بالضبط ما كنت أريده. خطوت خطوة إلى الأمام. ثم أخرى. وبعدها ترنحت. أمسكني ليث بسرعة من خصري وذراعي. فأسندت نفسي إليه.: ــ ليث لا أستطيع الوقوف...نظر إليّ بقلق فحاولت كتم ضحكاتي ثم قلت:ــ احملني.. أريد أن أذهب إلى غرفتي ظل ليث ينظر إليّ باستغراب. لكنني لم أعطه فرصة للاعتراض. أضفت بصوت ضعيف:ــ لا أستطيع المشي.تنهد بضيق. ثم انحنى وحملني بين ذراعيه. استقرت ذراعاي حول عنقه دون تفكير، بينما أسندت رأسي إلى صدره. شعرت بدفء جسده، وبقوة ذراعيه وهما تحملانني بسهولة. ورغم أنني كنت أمثل جزءًا من هذا كله... إلا أنني لم أشعر بالانزعاج. على العكس... شعرت بالأمان. لكنني كنت أع
169خرجت من الحمام بعد أن انتهيت من الاستحمام، وأنا أجفف أطراف شعري بالمنشفة... كنت أرتدي فستانا منزليا قصيرا قليلًا، يصل إلى أعلى ركبتيّ، بقماش ناعم وخفيف، بينما كانت خصلات شعري المبللة تنسدل فوق كتفيّ، وتترك قطرات الماء الصغيرة أثرًا على عنقي. رفعت عيني نحو الغرفة. توقفت لم يكن ليث هنا قطبت حاجبي أين ذهب؟.. وضعت المنشفة فوق كتفي، ثم خرجت من الجناح وبدأت أبحث عنه في الممر.لم أجده في مكتبه. ولا في الجناح المجاور واصلت السير حتى انتبهت إلى باب غرفة ليان كان مواربًا اقتربت ببطء، ثم توقفت عند العتبة.كان ليث هناك جالسا إلى جوار ليان فوق طرف السرير. و صغيرتي نائمة بعمق، ووجهها هادئ بصورة جعلتني أبتسم دون شعور أما ليث.. فكان مختلفا تماما كان ينظر إلى وجهها بصمت شديد لم يكن يفعل شيئا سوى مراقبتها... عينيه تنتقلان بين وجهها وصدرها الصغير، وكأنه يتأكد بنفسه من انتظام أنفاسها ظل على ذلك الحال لثوانٍ طويلة ثم مد يده بحذر شديد، وعدّل الغطاء فوقها، قبل أن يلمس شعرها ويبعد خصلة صغيرة عن وجهها راقبها من جديد وكأنه يخشى أن يرمش حتى لا يفوته أي تغير قد يحدث لها.. تأملته بصمت كان هذا الرجل الذي يخيف







