로그인229تجمدت ملامحه، وارتفع أحد حاجبيه باستغراب واضح: ــ ماذا؟حدقت فيه للحظات، ثم قلت: ــ هل كانت تظهر عليّ علامات الجنون؟ أو فقدان العقل؟ هل كنت أتصرف بطريقة غريبة؟ هل كنت أتكلم مع نفسي مثلا أو أفعل أشياء غير طبيعية؟ازداد استغرابه، وبدا وكأنه يحاول فهم سبب هذا السؤال الغريب: ــ لماذا تسألينني هذا؟أشرت بيدي إلى المكان من حولي، ثم قلت بجدية امتزجت بالسخرية:ــ لأنني لا أفهم شيئا! أنا كنت أعيش هنا معك ويبدو انك كنت تعذبني، وكنت أعيش أيضا مع زوجة أبيك التي لا تبدو لي سوى امرأة خبيثة ومقززة، ومع هذا المتعجرف...وأشرت إلى يزن دون تردد: ــ ولا أعرف حتى كم شخصا آخر يعيش في هذا القصر، ولا أعرف ما الذي يحدث هنا أصلا، ولم أكن أعمل، وكنت أذهب إلى شركتك بلا هدف، وفوق كل ذلك...توقفت لحظة، ثم نظرت إليه بعدم تصديق: ــ يبدو أنني كنت أحبك أيضاساد الصمت. حدقت فيه طويلا ثم ضربت كفا بكف: ــ فكيف لم أكن مجنونة بعد كل هذا؟! ثم سمعت صوتا مكتوما. التفت نحو يزن، فوجدته يضع يده أمام فمه، يحاول إخفاء ابتسامة واضحة. ضيقت عينيّ نحوه: ــ وأنت... ما الذي يضحكك؟عدل ملامحه بسرعة وقال:ــ لا شيء.ــ واضح ج
228استيقظتُ في الصباح وأنا أشعر بثقل غريب في رأسي، لكن الألم الذي صاحبني طوال الليل كان قد خفّ قليلا بقيت للحظات أحدق في السقف، أحاول استيعاب كل ما حدث بالأمس... ليث..... جاسر... نور... وملاك.كلما حاولت ترتيب أفكاري، ازدادت الفوضى داخل رأسي. نهضت من السرير، ثم فتحت خزانة الملابس. كانت ممتلئة بملابس نسائية مختلفة، ويبدو أنها أُعدت لي مسبقا. اخترت فستانا بسيطا، ثم ارتديته بسرعة، وخرجت من الغرفة. ما إن فتحت الباب حتى وجدت إحدى العاملات تقف في الممر. انحنت لي باحترام وقالت:ــ صباح الخير، سيدتي.... السيد بانتظاركِ في مكتبه.نظرت إليها باستغراب، ترددت للحظة، ثم تبعتها. كنت أشعر بالتوتر طوال الطريق، لا أعرف ماذا ينتظرني في ذلك المكتب، ولا ماذا سأسمع هذه المرة. وعندما وصلت، فتحت العاملة الباب، ثم انسحبت بهدوء. رفعت عيني إلى الداخل... فتوقفت. كان ليث يقف بالقرب من مكتبه، وإلى جواره يزن وريان، لكن الرجل الجالس أمام المكتب جعلني أنسى وجود الجميع. السيد ماهر. ابتسمت فورا... كان ماهر والد جاسر. رأيته مرات قليلة فقط خلال الفترة التي عشتها مع جاسر، لكنه كان دائما يعاملني باحترام. لم يكن قريبا
227لم أستطع أن أستوعب ما أراه أمامي... بقيت واقفة في مكاني، أحدق فيه بصمت، وكأن عقلي يرفض تصديق المشهد. ليث... الرجل الذي رأيته منذ ساعات فقط، والذي كان حضوره وحده كافيا ليجعل الخوف يتسلل إلى جسدي، كان راكعا أمامي الآن... كانت عيناه ممتلئتين بالدموع، وملامحه التي بدت دائما قاسية وثابتة أصبحت مختلفة تماما. لم أعرف ماذا أفعل... لم أعتدِ رؤية رجل بهذه الهيبة ينحني أمام أحد، والأغرب أنني لم أفهم لماذا يفعل ذلك أمامي أنا تحديدا. ظل ينظر إليّ للحظات، ثم خفض رأسه ببطء. وسقطت دمعة على الأرض. ارتجف قلبي دون سبب مفهوم. ثم قال بصوت خافت:ــ أنا آسف.بقيت صامتة. فرفع عينيه نحوي من جديد، وكانت دموعه تنزل بصمت الآن، واحدة تلو الأخرى: ــ آسف على كل شيء فعلته بكِ.توقف لثوانٍ، وكأنه يحاول السيطرة على صوته، لكنه فشل: ــ أعلم أنني آذيتكِ كثيرا... أعلم أنني عذبتكِ... كنت قاسيا عليكِ أكثر مما ينبغي... وربما أكثر مما تستطيعين أن تسامحيني عليه.نظرت إليه في صمت، فمسح دموعه بظهر يده، لكنه لم يستطع إيقافها: ــ لكنكِ لا تعرفين شيئا عن السنة التي قضيتها بعيدا عنكِ.... أنتِ اختفيتِ فجأة... وتركتِ خلفكِ فراغ
226 فتحت عيني ببطء، وشعرت بثقل شديد في رأسي، وكأن رأسي ما زال عالقًا داخل ذلك الألم الذي اجتاحني قبل أن أفقد وعيي. حدقت في السقف للحظات، ثم حاولت النهوض.زتوقفت فجأة... التفت حولي بارتباك، ثم تذكرت الصور... ذلك الرجل... الكلمات التي قالها لي... والذكريات المشوشة التي اقتحمت رأسي. وضعت يدي على رأسي، وشعرت بالغضب يتصاعد داخلي. نهضت عن السرير واتجهت نحو الباب، ثم أدرت المقبض.. لم يفتح. عبست وقلت: ــ افتحوا الباب! لا إجابة... طرقت الباب بقوة: ــ قلت افتحوا هذا الباب اللعين ظل الصمت يحيط بالمكان. اشتعل غضبي، وبدأت أطرق الباب بكل قوتي: ــ افتحوا هذا الباب حالا.. هيا بعد لحظات، فُتح الباب أخيرا، لكنني ما إن خطوت إلى الخارج حتى توقفت. كان هناك حارسان يقفان أمام الغرفة. نظرت إليهما بذهول. ــ لماذا تقفان هنا؟ لم يجبني أحدهما. نظرت إلى الحارس الآخر، ثم عدت أنظر إليهما بذهول: ــ هل أنا سجينة هنا؟ قال أحدهما بهدوء: ــ أوامر السيد... ليث. اتسعت عيناي بدهشة، ثم نظرت إلى الحارسين وكأنني لم أصدق ما سمعته. خرجت مني ضحكة قصيرة ساخرة. هذا الرجل مجنون نظرت إلى الحراس من حولي
225ما إن هبطت يدي بعد الصفعة، حتى انقلب كل شيء في لحظة. ارتفعت الأسلحة من حولنا، وتوجهت فوهاتها نحوي مباشرة. تجمدت في مكاني، وشعرت بأن قلبي توقف للحظة. لكن قبل أن يتحرك أي حارس، دوّى صوت ذلك الشيطان، ليث، غاضبا:ــ اخفضوا أسلحتكم!تراجعت الأسلحة فورًا، لكن الحراس ظلوا يراقبونني بحذر. أما أنا، فبقيت أحدق في ليث بارتباك. لم أفهم لماذا منعهم من إطلاق النار عليّ بعد أن صفعته هل كان يريد قتلي بنفسه؟ اندفعت ميرا نحوي بسرعة، ثم التفتت إليه وانحنت أمامه: ــ عفوا، سيدي... صديقتي نور لم تقصد، وأنا السبب. هي لم تكن تعرف...لم تكمل جملتها، فقد اقترب ذلك الوغد، يزن، وأمسك بذراعها وسحبها بعيدا عني بعصبية: ــ نور مَن؟رفعت ميرا عينيها إليه بخوف فقال بحدة:ــ قلت... نور مَن؟ــ صديقتي... اسمها نور.أشار نحوي بعينين غاضبتين: ــ هذه ليست نور... هذه ملاك... زوجة ليث اتسعت عينا ميرا. أما أنا، فشعرت بصدمة جعلتني عاجزة عن الكلام. ملاك.. زوجة ليث ما الذي يتحدث عنه هذا الوغد نظرت إلى ميرا، وكأنني أريد منها أن تنفي كلامه، لكنها ظلت تحدق بي بذهول. هززت رأسي بسرعة: ــ أنا نور.خرج صوتي متوترا: ــ لا أع
224بقيت في الغرفة لبضع دقائق، بينما كانت إحدى العاملات تحاول إزالة بقعة العصير عن فستاني. وبعد محاولات عدة، اختفت البقعة تقريبًا. نظرت إلى الفستان في المرآة، ثم تنهدت: ــ أخيرا...شكرت العاملة، ثم خرجت من الغرفة. لكن ما إن خطوت إلى الممر حتى توقفت. كان المكان أكثر هدوءا من القاعة، ومع ذلك شعرت بشيء غريب جعلني أرفع عيني وأبحث عن ميرا. وبعد لحظات وجدتها. كانت تقف في نهاية الممر، وأمامها امرأة. تجمدت ملامحي فورا. ميرا كانت تبكي.لم تكن دموعا عابرة... كانت عيناها ممتلئتين بها، ووجهها يحمل ذلك الألم الذي كنت أراه دائمًا عندما كانت تتحدث لي عن امرأة واحدة. زوجة والد السيد L. المرأة التي لطالما وصفتها ميرا بأنها قاسية، والتي كانت تتعمد إهانتها وإذلالها كلما سنحت لها الفرصة. تذكرت ليالي كثيرة جلست فيها ميرا أمامي وهي تبكي، تخبرني كيف كانت تلك المرأة تجرحها بكلماتها وتتعمد تحقيرها. اشتعل الغضب داخلي. لم أفكر. فقط بدأت أقترب منهما بسرعة. وفي اللحظة التي اقتربت فيها، رفعت هذه الشيطانه يدها وصفعت ميرا بقوة. اتسعت عيناي.. اندفعت نحوها وصفعتها بكل قوتي.ساد الصمت. توقفت نوال وكأن عقلها رفض تصديق







