تسجيل الدخول126لم أكن أرى سوى ضبابٍ كثيف يحيط بي. تداخلت الأصوات من حولي، بعيدةً ومشوشة، حتى اخترقها صوت واحد، حادٌ وغاضب، جعلني أرتجف رغم غيابي عن الوعي: ــ ابتعدي عنها!لم أستطع فتح عيني، لكنني شعرت بذراعين قويتين تحملانني برفقٍ لم أتوقعه. كانت الحركة هادئة، كأن من يحملني يخشى أن يؤلمني أكثر. وبعد لحظاتٍ استقر جسدي فوق الفراش، ثم أحسست بأصابعٍ دافئة تلتف حول معصمي. ساد صمتٌ قصير. ثم جاء صوته، ممتلئًا بالغضب:ــ ماذا فعلتِ بها؟أجابت المرأة التي كانت هنا قبل قليل، بصوتٍ هادئ أثار استغرابي:ــ لم أفعل شيئا... وجدتها هكذا عندما وصلت.شعرت بشيءٍ يلتف حول ذراعي، وبعد ثوانٍ سمعت زفيرا خافتا، ثم قال:ــ ضغطها منخفض.رفع رأسي برفق، ووضع شيئا في فمي، ثم أسند الكأس إلى شفتي حتى ابتلعت الدواء. لم أشعر بأحدٍ يعتني بي بهذه الطريقة منذ زمن... ولهذا بدا الأمر غريبًا أكثر مما ينبغي وبعد دقائق بدأت أستعيد وعيي. فتحت عيني ببطء، فكان أول ما رأيته وجه ليث. كان قريبا مني على غير عادته، وعيناه معلقتين بوجهي، وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة. ما إن التقت نظراتنا حتى قال بصوتٍ أخفض :ــ كيف تشعرين الآن... هل انت بخير؟ ح
125تبادل ليث ويزن نظرةً صامتة. ثم حولا أبصارهما نحو الرجل. كان شعره مبعثرا ووجنته حمراء، وآثار الضربات واضحة على وجهه. رمش يزن عدة مرات، ثم عاد ينظر إلى مارسيلا: ــ هو... ضربك؟شهق الرجل بغضب: ــ اقسم لك يا سيدي. لم ألمسها!وأشار إليها بانفعال: ــ هذه السيدة دخلت المطعم، وطلبت الطعام... وبعد أن انتهت قالت إنها لا تملك المال! ثم بدأت تصرخ عليّشهقت مارسيلا وهي تضع يدها على صدرها: ــ يا إلهي...ثم نظرت إلى ليث بعينين بريئتين: ــ هل تصدقه؟!وأشارت إلى نفسها: ــ أنا؟! أفعل هذا؟! أنا امرأة مسكينة وبسيطة... هل يبدو عليّ أنني أفتعل المشكلات؟تنهد ليث بصمت، ثم مد يده إليها: ــ انهضي... هيا ابتسمت فورا، وأمسكت بذراعه، فساعدها على الوقوف. التفت إلى صاحب المطعم وسأله بهدوء:ــ كم الحساب؟أجاب الرجل بسرعة:ــ عشرون ألف دولار.اتسعت عينا يزن ثم نظر إلى مارسيلا بعدم تصديق: ــ عشرون ألف دولار.. مارسيلا... هذا مطعم شعبي! ماذا أكلتِ حتى أصبح الحساب عشرين ألف دولار؟لوّح الرجل بيديه وهو يكاد يبكي: ــ منذ ثلاث ساعات وهي تطلب الطعام بلا توقف! ولم تكتفِ بذلك... بل كانت تطلب أطباقا إضافية لتط
124دخل ايث فوقعت عيناه عليها. كانت ملاك نائمة فوق السرير، بثيابها التي خرجت بها منذ الصباح، حتى حقيبتها الصغيرة كانت ملقاة بجوارها، وحذاؤها ما زال في قدميها، وكأنها ألقت بنفسها فوق الفراش فور وصولها، ولم تجد في جسدها ما يكفي من القوة لتخلعه. ظل واقفًا يتأملها بصمت. ثم اقترب بخطواتٍ بطيئة حتى جلس على حافة السرير.طال النظر إلى وجهها الشاحب، وإلى آثار الدموع التي لم تجف تمامًا فوق وجنتيها. أغمض عينيه لثانية، ثم تنهد بصوتٍ خافت. انحنى نحوها بهدوء، وأمسك قدمها برفق شديد، ثم بدأ ينزع حذاءها بحذر، متجنبا أي حركة قد توقظها... وضع الحذاء إلى جوار السرير، ثم فعل الأمر نفسه مع القدم الأخرى. اعتدل في جلسته، وسحب الغطاء برفق حتى غطّى جسدها. انسدلت خصلة من شعرها فوق وجهها، فرفع يده وأبعدها .. همس بصوتٍ بالكاد خرج من بين شفتيه:ــ حتى وانتي هكذا وجهك يبدو حزين ظل ينظر إليها لحظاتٍ طويلة، ثم رفع كفه ووضعها على وجنتها. كانت بشرتها ساخنة. عقد حاجبيه... رفع يده سريعا، ووضعها فوق جبينها. فتغيرت ملامحه في الحال.. أعاد لمس جبينها مرة أخرى، ثم وضع كفه على عنقها ليتأكد. كانت حرارتها مرتفعة بصورةٍ واضحة.
123وصلت السيارة السوداء إلى بوابةٍ حديدية شاهقة، ارتفعت لعدة أمتار، يتوسطها شعارٌ ذهبي نُقش بعناية فوق لوحٍ رخامي ضخم كُتب عليه "تاج الفيروز" توقفت السيارة للحظات أمام البوابة، فتقدّم أفراد الأمن ببدلاتهم السوداء، وما إن لمحوا ريان حتى انحنى أحدهم باحترام، قبل أن تُفتح البوابة ببطء. دخلت السيارة إلى الداخل، وانطلقت عبر طريقٍ واسع تحفّه الأشجار العالية، والحدائق المصممة بعناية، بينما تناثرت النوافير الرخامية بين القصور والفيلات الفاخرة التي بدت وكأنها خرجت من صفحات المجلات العالمية. لم يكن ذلك المجمع السكني مجرد مكانٍ للعيش... بل كان عالما منفصلًا عن بقية المدينة. "تاج الفيروز"... أفخم مجمعٍ سكني في مدينة الفيروز بأكملها، ولم يكن يُسمح بالسكن فيه إلا لأصحاب النفوذ، ورجال الأعمال، وأثرياء البلاد. أما الحراسة المشددة التي انتشرت في كل زاوية، فكانت كافية لتجعل أي شخص يدرك أن الوصول إلى ذلك المكان لم يكن أمرًا يسيرا... توقفت السيارة أخيرًا أمام مبنى حديث التصميم، ارتفعت واجهته الزجاجية اللامعة عدة طوابق، بينما أحاطت به المساحات الخضراء من كل جانب. ترجل ريان أولًا، ثم فتح الباب. هبطت سارة
122تسللت أشعة الصباح الباهتة عبر الستائر الثقيلة، لكنها لم تستطع أن تبدد الكآبة التي خيمت على القصر منذ الليلة الماضية. كان الهدوء يلف المكان بصورةٍ مخيفة، حتى إن وقع خطوات الحراس في الممرات بدا أعلى من المعتاد، وكأن الجميع يخشى كسر ذلك الصمت... داخل الغرفة، كانت أميرة ترقد فوق الفراش، شاحبة الوجه لم يغادر ليث مكانه منذ خروجه من عند ملاك ، ظل جالسًا إلى جوارها طوال الليل، مستندًا بمرفقيه إلى ركبتيه، وعيناه لا تفارقان وجهها، أما فيكتور فكان يقف بالقرب من النافذة، وملامحه المتجهمة تنذر بانفجارٍ وشيك..... تحركت أصابع أميرة أخيرا حركةً خفيفة، ثم ارتجفت أهدابها قبل أن تفتح عينيها ببطء. بدت نظراتها تائهة لثوانٍ، تتنقل بين سقف الغرفة والجدران، وكأنها تحاول أن تستعيد ما حدث. وما إن وقعت عيناها على ليث، حتى تحركت شفتيها بصعوبة. انتفض فيكتور من مكانه، وأسرع حتى أصبح إلى جوار السرير: ــ أميرة... هل تسمعينني؟ كيف تشعرين الآن؟ ماذا حدث معك؟ هل تتذكرين أي شيء؟لم تجبه مباشرة. ظلت تحدق إليه بعينين زائغتين، ثم رفعت يدها المرتجفة إلى بطنها، وقالت: ــ طفلي...لقد... خسرته... أليس كذلك؟لم يستطع أحد أ
121واخيرا تحرك. بدأ يقترب مني ببطء. لا أعرف لماذا... لكنني تراجعت خطوةً إلى الخلف. ثم ثانية. كنت أتحرك بعفوية، وكأن قلبي يخبرني أن أبتعد. إلى أن اصطدم ظهري بالحائط. توقفت. أما هو... فلم يتوقف. حتى وقف أمامي مباشرة. كانت المسافة بيننا لا تُذكر. رفعت رأسي إليه ببطء، فرأيت عينيه... لم أرَ فيهما سوى وجعٍ عميق... وغضبٍ حاول إخفاءه، لكنه كان يحرق كل ملامحه. ثم قال بصوتٍ أجش، خافتٍ على غير عادته:ــ قلتِ لي هذا الكلام من قبل ...انك بريئه ومظلومه والجميع يجاول ايذائك ولكن كالعاده بدون دليل لذا اصمتي ساد الصمت بيننا لثوانٍ. ظل يحدق في وجهي طويلًا، ثم أشاح بنظره عني واتجه مباشرةً إلى مكتبه. راقبتُه بعدم فهم، بينما فتح أحد الأدراج السفلية، وأخرج ملفا أسود سميكًا. توقفت عيناي عليه. لا أعرف لماذا... لكنني شعرت بانقباضٍ غريب في صدري. عاد نحوي بخطواتٍ هادئة، ثم ألقى الملف فوق الطاولة التي تفصل بيننا. ارتفع صوت ارتطامه بالخشب، فانتفضت دون إرادة. قال ببرود:ــ وقعي.عقدت حاجبي، ونظرت إلى الملف ثم إليه: ــ ما هذا؟ــ وقعي فقط.هززت رأسي بسرعة: ــ لن أوقع على شيءٍ لا أعرفه.رفع عينيه إليّ، ولم يتغير







