LOGIN444ما إن رأيت الدماء تنساب من كف ليث حتى شعرت بأن قلبي توقف للحظة، فاندفعت نحوه وأمسكت يده بفزع، وأنا أحدق في الجرح وكأنني لا أستطيع تصديق ما فعله: ــ لماذا فعلت هذا؟رفع عينيه نحوي، وكانت ملامحه متعبة بصورة واضحة، ثم قال بصوت خافت:ــ حتى أستعيد وعيي.اتسعت عيناي، وشعرت بدموعي تنهمر من جديد: ــ وهل إيذاء نفسك سيجعلك تستعيد وعيك؟لم يجبني، فشددت قبضتي حول يده، ثم أسرعت إلى الغرفة وأحضرت حقيبة الإسعافات، وعدت إليه وجلست أمامه... بدأت بتنظيف جرحه وتعقيمه، بينما كانت دموعي تسقط دون أن أستطيع منعها. نظر إليَّ ليث للحظات، ثم قال بضيق:ــ لا تبكي... أنتِ تثيرين أعصابي عندما تفعلين ذلك.رفعت عيني إليه بغضب، رغم الدموع التي ما زالت عالقة في عيني: ــ وأنت تثير أعصابي عندما تؤذي نفسك بهذه الطريقة.لم يرد عليّ، واكتفى بالنظر إليّ للحظات قبل أن يصرف عينيه بعيدا أما أنا، فعدت إلى يده وأكملت تضميد جرحه بصمت، محاوِلة أن أبدو هادئة رغم أن قلبي لم يتوقف عن الارتجاف. لم أكن أحتمل رؤية الدماء عليه...ليس بعد كل ما حدث. ليس بعد تلك الأشهر التي قضيتها وأنا أعيش الخوف من فقدانه، وبعد أن كدت أفقده بالفع
443ظللت واقفة عند باب المكتب، متجمدة في مكاني، وكأن جسدي فقد القدرة على الحركة... لم أستطع أن أرفع عيني عنهما، ولم أستطع حتى أن أصدق ما كنت أراه أمامي. ليث... مع صوفيا. شعرت بدمعة ساخنة تنزلق على خدي، لكنني لم أمسحها، فقد كنت عاجزة حتى عن تحريك أصابعي. كل ما كان يدور في رأسي هو ما قاله لي قبل دقائق... أنه لا يريدني، وأنه لا يتذكرني، وأنه يريد الطلاق... ثم هذا... هل كان يعني أنه نسي كل شيء فعلا. هل نسي السنوات التي قضيناها معا إلى هذه الدرجة. شعرت بغصة مؤلمة في حلقي، وتراجعت خطوة إلى الخلف، وأنا أريد فقط أن أهرب من هنا قبل أن يلاحظني أحدهما. لم أعد أحتمل رؤية المزيد، ولم أكن مستعدة لأن أرى بعيني شيئا آخر يحطم ما تبقى بداخلي.لكن قبل أن أستدير، حدث شيء جعلني أتوقف... ابتعد ليث عن صوفيا فجأة، ودفعها عنه بغضب، ثم وضع يده على صدره وهو يتنفس بصعوبة.تجمدت أكثر. كان شيء ما غريبا... لم تكن حركته طبيعية، ولم يكن وجهه يشبه وجه رجل يفعل شيئا يريده... كان شاحبا، وقطرات العرق تغطي جبينه وعنقه بينما أخذ يفك أزرار قميصه بسرعة وكأنه يشعر باختناق شديد. اقتربت منه صوفيا بارتباك، لكنه أبعدها عنه مرة
442كانت سارة لا تزال في شقتها القديمة، فلم تعد مع داميان إلى المنزل بعد ما حدث، وفضّلت أن تبقى هناك لبعض الوقت. لم تكن ترغب في مواجهة أحد أو الدخول في نقاشات جديدة، لذلك حاولت أن تشغل نفسها بالأمور اليومية المعتادة، وكانت تقف في المطبخ تعدّ الطعام بينما كان كايل في غرفته. وبينما كانت منشغلة بإعداد الطعام، سمعت طرقا على باب الشقة.توقفت يدها للحظة، ثم نظرت نحو الباب باستغراب، فقد لم تكن تتوقع زيارة أحد في هذا الوقت. مسحت يديها، وأطفأت النار، ثم اتجهت إلى الباب وفتحته... وما إن رفعت عينيها حتى تجمدت ملامحها. كانت سيلا تقف أمامها... اشتعل الغضب في عيني سارة فورًا، وتبدلت ملامحها الهادئة إلى نظرة حادة، فهي لم تكن تتوقع رؤيتها هنا بعد كل ما حدث.قالت بحدة:ــ ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟لم تجبها سيلا مباشرة، بل دخلت إلى الشقة ببرود وكأنها صاحبة المكان، ثم التفتت إليها وعلى شفتيها ابتسامة ساخرة. أغلقت سارة الباب خلفها، ثم استدارت إليها وهي تراقبها بحذر... قالت سيلا بنبرة هادئة تحمل الكثير من السخرية:ــ جئت لأراكِ ضيقت سارة عينيها، ولم يعجبها الهدوء الذي تتحدث به سيلا، وكأنها لم ترتكب شيئا ي
441رفعت عيني نحو الباب، فتجمدت للحظة عندما رأيت ليث واقفا هناك وإلى جواره يزن، وكان ليث يحدق بنا بصمت، بينما ظلت ملامحه جامدة بطريقة لم أفهمها، وكأن شيئا في المشهد أمامه لم يعجبه على الإطلاق... أما يزن فكان ينظر إليه بين لحظة وأخرى، وكأنه أدرك سببا لغضبه لم أفهمه أنا بعد... ابتسم جاسر ما إن رآهما، ثم قال بأدب:ــ مرحبا، سيد كاستيللو... وأعتذر إذا كنت قد أزعجتكم بوجودي هنا.ظل ليث ينظر إليه للحظات دون أن يجيبه، ثم بدا وكأنه سيتحدث، لكن يزن سبقه بسرعة وهو يبتسم:ــ لا، على الإطلاق، لا يوجد أي إزعاج، والأهم الآن أن تستريح حتى تتحسن حالتك.رمقه ليث بنظرة جانبية، ثم عاد ينظر إلى جاسر بصمت، بينما تجاهلت وجوده تماما، وأخذت الدواء من فوق الطاولة، ثم اقتربت من جاسر وأعطيته إياه:ــ خذ هذا، وبعدها يجب أن تنام قليلا.أخذه مني، ثم ابتسم وقال:ــ حسنا، أيتها الطبيبة.ضحكت رغما عني، ثم قلت وأنا أهز رأسي:ــ لو كنت تستمع إلى نصائحي من البداية، لما كنت الآن بهذا الشكل.ضحك جاسر، ثم استلقى بهدوء، بينما اقترب يزن منه وقال:ــ اذهبي أنتِ واطمئني على ليان، سأبقى معه حتى ينام.نظرت إليه بابتسامة ممتنة، ث
440ما إن وقعت عيناي على الكأس بين يديه حتى اتسعت عيناي بصدمة، فقد كان ليث يجلس على الكرسي بهدوء وكأنه لم يخرج منذ فترة قصيرة من العناية المركزة، وكأن تحذير الطبيب له من تناول أي شيء قد يضر بحالته لم يكن يعنيه على الإطلاق... اندفعت نحوه بسرعة، وانتزعت الكأس من يده قبل أن يتمكن من شرب المزيد، ثم حدقت فيه بغضب شديد وأنا أقول:ــ اللعنة عليك.. ماذا تفعل؟!رفع عينيه نحوي ببرود، وكأن ما يفعله أمر طبيعي تماما، ثم قال دون أن يهتم بغضبي:ــ أشرب.حدقت فيه للحظات غير مصدقة، ثم رفعت الكأس أمام عينيه وقلت بانفعال:ــ تشرب؟! أنت هكذا تنتحر ببطء.. ألم يقل لك الطبيب إن الكحول ممنوع عليك؟ لقد خرجت من العناية المركزة منذ وقت قصير، ومع ذلك تجلس هنا وتشرب وكأن شيئا لم يحدثمد يده نحوي محاولا أخذ الكأس، لكنني أبعدتها عنه بسرعة، فزفر بضيق وقال ببرود:ــ وما شأنك أنتِ؟ أنا حر.شعرت بالغضب يشتعل داخلي من كلماته، فاقتربت منه أكثر وقلت بحدة:ــ لا، لست حرا عندما يتعلق الأمر بصحتك الطبيب أخبرك بما يجب عليك فعله، وأنت تتصرف وكأن حياتك لا تعني لك شيئانظر إليَّ للحظات، ثم قال بلا مبالاة:ــ قلت لكِ... ما شأنك؟
439ما إن انتهت الصفعة حتى شعرت بيدي ترتجف، لكنني لم أهتم بالألم الذي بدأ يتسلل إلى كفي، ولا بالصدمة التي ارتسمت على وجه ليث، فقد كان كل ما أراه أمامي هو ليان ودموعها التي لم تتوقف... اندفعت نحوها بسرعة، وانحنيت أمامها ثم جذبتها إلى صدري، وضمتها بذراعي بقوة، وكأنني أحاول أن أحجب عنها كل كلمة سمعتها قبل لحظات: ــ تعالي إليَّ يا عزيزتي...دفنت ليان وجهها في صدري، وما إن شعرت بارتجاف جسدها حتى ازداد خوفي عليها، فمررت يدي على شعرها وأنا أحاول تهدئتها، لكنني لم أستطع منع نظراتي من التوجه إلى ليث بين لحظة وأخرى. كان لا يزال واقفا في مكانه، يحدق بنا بصمت، وكأن الصفعة أخرجته من حالة الغضب التي كان يعيشها قبل دقائق بدأ الجميع يتجمعون بعدما سمعوا ما حدث، وكانت مارسيلا أول من اقترب، وما إن فهمت ما قاله ليث حتى نظرت إليه بغضب شديد وقالت:ــ كيف تفعل هذا أيها الوغد؟! كيف استطعت أن تقول لها شيئا كهذا؟!لم يجبها ليث. وللمرة الأولى منذ أن خرجت من الغرفة، لم أجد في عينيه ذلك الغضب الذي اعتدته منه، بل بدا وكأن كلمات مارسيلا جعلته يدرك حجم ما فعله. أنزل عينيه نحو ليان، وكانت نظراته مختلفة هذه المرة...