LOGIN448رفعت عيني إلى يزن، فوجدته يقف أمام ليث وكأنه لا يصدق ما سمعه للتو. كانت ملامحه قد تحولت من الثقة التي كان يتحدث بها قبل لحظات إلى صدمة حقيقية، حتى إنه وضع يده على صدره، وحدق في ليث وكأن الرجل أمامه طعنه في قلبه بدلًا من أن يخبره بأنه سيطرده من الغرفة: ــ تطردني حتى وأنا ساعدتك على استعادة ذاكرتك؟رفع ليث حاجبه، ولم يتغير شيء في ملامحه: ــ لم أستعد شيئا.كدت أضحك بصوت مرتفع.. حاولت أن أخفض رأسي وأخفي ابتسامتي، لكن يزن لم يكن قد انتهى بعد. ظل واقفا في مكانه، يحدق في ليث وكأنه يبحث في وجهه عن أي علامة تدل على أنه يمزح. لكن ليث كان جادا. تماما تنهد يزن ببطء، ثم قال بنبرة حزينة:ــ هذا قاسٍ.نظرت إليه وأنا أحاول ألا أضحك. ماذا كان يتوقع بالضبط؟ أن يشكره ليث لأنه كاد يصيبه بصداع يفقده وعيه. رفع ليث عينيه إليه مرة أخرى، ثم قال بهدوء:ــ ريان.وفي اللحظة التي نطق فيها اسمه، رأيت يزن يلتفت إلى ريان. كانت نظرة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لأفهم أنه بدأ يفكر في شيء ما. وبدون أي مقدمات... ركض...اتسعت عيناي. وانطلق يزن عبر الغرفة، بينما اندفع ريان خلفه فورا: ــ سيدي انتظر ــ انتظر! ليث، دع
447استمرت صرخة ليث لثوانٍ بدت لي أطول مما ينبغي، بينما كنت أقف أمامه عاجزة عن فعل شيء، وكل ما استطعت فعله هو الإمساك بذراعه ومحاولة منعه من السقوط. كان وجهه شاحبا، وملامحه مشدودة من الألم، ويداه لا تزالان تضغطان على رأسه بقوة وكأن شيئا يعصف بداخله: ــ ليث، ماذا بك؟!لم يجبني، بل أطلق صرخة أخرى جعلت قلبي يرتجف، وفي اللحظة نفسها اندفع ريان نحونا، بينما أسرع الطبيب المقيم في القصر إلى الغرفة بعد أن سمع الضجة... ساعدناه على الاستلقاء فوق السرير، ثم ابتعدت عنه خطوة واحدة فقط، لكنني لم أستطع أن أبعد عيني عنه. كنت أراقب الطبيب وهو يفحصه، وكل ثانية تمر دون أن يقول شيئا كانت تزيد خوفي... ماذا لو حدث شيء لدماغه.. ماذا لو كانت العملية التي خضع لها قد تركت أثرا لم نكتشفه بعد.. وماذا لو كانت تلك الذكريات التي حاولت العودة إليه تؤذيه بدلا من أن تساعده.. توقفت أفكاري عندما رفع الطبيب رأسه أخيرا وقال بهدوء:ــ حالته جيدة، لا تقلقي.أغمضت عيني للحظة، وشعرت بأنني كنت أحبس أنفاسي طوال الوقت دون أن أدرك: ــ إذن لماذا حدث له هذا؟نظر الطبيب إلى ليث قبل أن يجيب:ــ يبدو أن الصدمة التي تعرض لها أثرت في ذ
446توقفت أصابعه للحظة، ثم عادت إلى وضع الكريم على الحرق بهدوء، قبل أن يجيب دون أن ينظر إليّ: ــ لاشعرت بشيء من الخيبة يتسلل إلى صدري، رغم أنني كنت أتوقع إجابته. ومع ذلك، لم أستطع منع السؤال الذي خرج مني بعدها، فقد كان ما فعله يناقض تماما كلماته: ــ إذا لماذا تفعل ذلك؟رفع عينيه إليّ هذه المرة، وظل صامتا لثوانٍ وكأنه يبحث عن إجابة لا يعرف كيف يشرحها، ثم قال بهدوء غريب:ــ أنتِ موطني.تجمدت في مكاني. لم أفهم ما الذي قصده، ولا لماذا قالها بهذه البساطة، وكأنها حقيقة لا تحتاج إلى تفسير. حدقت فيه مرتبكة، ثم سألت:ــ ماذا؟لكنه لم يكرر كلماته، ولم يمنحني فرصة لأفهمها، بل أنهى وضع الكريم بهدوء، ثم وقف أمامي وكأن شيئا لم يحدث: ــ ليث...انتظرت أن يجيبني، لكنه تجاهل ندائي واتجه ليضع الكريم جانبا، فنهضت خلفه وأنا لا أزال عاجزة عن إخراج تلك الجملة من رأسي... أنتِ موطني... ماذا كان يقصد بها؟ هل كانت مجرد كلمة خرجت منه دون تفكير؟ أم أن شيئا ما في داخله بدأ يتذكر بالفعل، حتى لو لم يستطع عقله الوصول إليه بعد.. وقبل أن أجد الشجاعة لأسأله مرة أخرى، التفت إليّ فجأة وسأل:ــ من فعل بكِ هذا؟نظرت إلى
445أساد الصمت للحظات بعد أن وضعت السكين عند عنق صوفيا، ولم أعد أسمع سوى أنفاسها المرتجفة أمامي... كان إلياس يحدق بي وكأنه لا يستطيع تصديق ما يراه، ثم نظر إلى السكين قبل أن يعيد عينيه إليّ، وقال بصوت متوتر:ــ ملاك، اتركيها... هل جُننتِ؟ضحكت بمرارة، ولم أخفض السكين: ــ نعم... لقد فقدت عقلي.خرجت الكلمات مني دون تردد، فقد كنت أشعر أن الغضب الذي بداخلي تجاوز كل حدود السيطرة... اقتربت أكثر منها، وأنا أحدق في عينيها اللتين امتلأتا بالخوف: ــ أسمعي ايتها اللعينه... اذا اقتربتِ من زوجي مرة أخرى، فسأقتلكِ.ارتجفت صوفيا، وبدأت دموعها تنهمر، لكنني لم أشعر بالشفقة عليها.كنت لا أزال أرى صورة ليث أمام عيني... يده الملطخة بالدماء، وملامحه المتعبة، والطريقة التي لجأ بها إلى إيذاء نفسه لأنه لم يستطع السيطرة على ما يشعر به.. كل ذلك كان بسببها... وبمجرد أن تذكرت المشهد، ازداد غضبي أكثر... أبعدت السكين عن عنقها، ثم أمسكت يدها وجعلت النصل يمر عليها بخدش سطحي، قبل أن أدفعها بعيدا. صرخت صوفيا وسقطت على الأرض، بينما أسرع إلياس نحوها: ــ صوفياانحنى بجوارها، ثم رفع رأسه نحوي وصاح بغضب:ــ ماذا تفعلين؟!
444ما إن رأيت الدماء تنساب من كف ليث حتى شعرت بأن قلبي توقف للحظة، فاندفعت نحوه وأمسكت يده بفزع، وأنا أحدق في الجرح وكأنني لا أستطيع تصديق ما فعله: ــ لماذا فعلت هذا؟رفع عينيه نحوي، وكانت ملامحه متعبة بصورة واضحة، ثم قال بصوت خافت:ــ حتى أستعيد وعيي.اتسعت عيناي، وشعرت بدموعي تنهمر من جديد: ــ وهل إيذاء نفسك سيجعلك تستعيد وعيك؟لم يجبني، فشددت قبضتي حول يده، ثم أسرعت إلى الغرفة وأحضرت حقيبة الإسعافات، وعدت إليه وجلست أمامه... بدأت بتنظيف جرحه وتعقيمه، بينما كانت دموعي تسقط دون أن أستطيع منعها. نظر إليَّ ليث للحظات، ثم قال بضيق:ــ لا تبكي... أنتِ تثيرين أعصابي عندما تفعلين ذلك.رفعت عيني إليه بغضب، رغم الدموع التي ما زالت عالقة في عيني: ــ وأنت تثير أعصابي عندما تؤذي نفسك بهذه الطريقة.لم يرد عليّ، واكتفى بالنظر إليّ للحظات قبل أن يصرف عينيه بعيدا أما أنا، فعدت إلى يده وأكملت تضميد جرحه بصمت، محاوِلة أن أبدو هادئة رغم أن قلبي لم يتوقف عن الارتجاف. لم أكن أحتمل رؤية الدماء عليه...ليس بعد كل ما حدث. ليس بعد تلك الأشهر التي قضيتها وأنا أعيش الخوف من فقدانه، وبعد أن كدت أفقده بالفع
443ظللت واقفة عند باب المكتب، متجمدة في مكاني، وكأن جسدي فقد القدرة على الحركة... لم أستطع أن أرفع عيني عنهما، ولم أستطع حتى أن أصدق ما كنت أراه أمامي. ليث... مع صوفيا. شعرت بدمعة ساخنة تنزلق على خدي، لكنني لم أمسحها، فقد كنت عاجزة حتى عن تحريك أصابعي. كل ما كان يدور في رأسي هو ما قاله لي قبل دقائق... أنه لا يريدني، وأنه لا يتذكرني، وأنه يريد الطلاق... ثم هذا... هل كان يعني أنه نسي كل شيء فعلا. هل نسي السنوات التي قضيناها معا إلى هذه الدرجة. شعرت بغصة مؤلمة في حلقي، وتراجعت خطوة إلى الخلف، وأنا أريد فقط أن أهرب من هنا قبل أن يلاحظني أحدهما. لم أعد أحتمل رؤية المزيد، ولم أكن مستعدة لأن أرى بعيني شيئا آخر يحطم ما تبقى بداخلي.لكن قبل أن أستدير، حدث شيء جعلني أتوقف... ابتعد ليث عن صوفيا فجأة، ودفعها عنه بغضب، ثم وضع يده على صدره وهو يتنفس بصعوبة.تجمدت أكثر. كان شيء ما غريبا... لم تكن حركته طبيعية، ولم يكن وجهه يشبه وجه رجل يفعل شيئا يريده... كان شاحبا، وقطرات العرق تغطي جبينه وعنقه بينما أخذ يفك أزرار قميصه بسرعة وكأنه يشعر باختناق شديد. اقتربت منه صوفيا بارتباك، لكنه أبعدها عنه مرة







