เข้าสู่ระบบ450واصلت تدليك رأسه ببطء، بينما بقي ليث مغمض العينين، مستسلما للمسافة القريبة بيننا على نحو جعل قلبي يخفق بقوة.... لم أكن أعرف ماذا يدور في رأسه الآن، لكنني كنت أعرف ما يدور في رأسي أنا... كنت أتذكر كل مرة جلست فيها إلى جواره بهذه الطريقة، وكل مرة كنت ألمس فيها شعره أو أقترب منه، وكل مرة كان يتظاهر فيها بالضيق بينما كان يسمح لي بالبقاء. لكن هذه المرة كانت مختلفة. لأنه لا يتذكر. توقفت أصابعي للحظة دون أن أشعر. فتح ليث عينيه ونظر إليّ مباشرة: ــ لماذا توقفتِ؟ارتبكت قليلا ثم قلت: ــ ظننت أنك لم تعد تشعر بالألم.ــ ما زلت أشعر به.قالها بهدوء، ثم أضاف وهو ينظر إلى يدي:ــ تابعي.ابتسمت، وعدت إلى تدليك صدغيه... بقي يراقبني للحظات، ثم أغمض عينيه من جديد.. نظرت إليه طويلا... كان هادئا جدا... قريبا مني جدا.وفجأة، شعرت برغبة في الاقتراب أكثر. ترددت لحظة، ثم مررت أصابعي بين خصلات شعره، وانخفضت يدي ببطء حتى استقرت على جانب عنقه... فتح عينيه مرة أخرى. هذه المرة لم يسأل شيئا اقتربت منه قليلا، ثم طبعت قبلة هادئة على عنقه... توقفت بعدها مباشرة. وراقبت ملامحه.لم يتحرك.. فقط اتسعت عيناه قليلا،
449مر اليوم التالي بهدوء غريب... كنت أجلس في القصر وأحاول أن أشغل نفسي بأي شيء، بينما كان سؤال ليث بالأمس لا يزال عالقا في رأسي، رغم أنني لم أجد له تفسيرا حتى الآن. لم يخبرني لماذا سألني عن لورينا وإلياس، ولم أسأله أنا أيضا، خصوصا أنه خرج بعدها مباشرة وكأن الأمر لا يعني شيئا ولم أرَه منذ ذلك الوقت... في وقت متأخر من الليل، عاد إلى القصر، لكنه لم يتحدث معي تقريبا. دخل الغرفة، ألقى التحية باقتضاب، ثم ذهب إلى السرير ونام مباشرة من دون أن يذكر أين كان أو ماذا حدث مع إلياس. حاولت أن أسأله أكثر من مرة، لكنني تراجعت في كل مرة. ربما كان متعبا... أو ربما لم يكن مستعدا للحديث. وفي صباح اليوم التالي، كنت جالسة في الصالة عندما رأيت ليث يخرج من الغرفة مرتديا ملابسه، وبدا واضحا أنه يستعد للمغادرة.. نهضت بسرعة واتجهت نحوه: ــ إلى أين تذهب؟نظر إليّ لثوانٍ، ثم أجاب باختصار:ــ لدي عمل مهم.ــ الآن؟ــ نعم.استدار ليغادر، لكنني أسرعت خلفه.... لم يلتفت إليّ، فواصلت السير خلفه حتى خرجنا من القصر. ظللت أتبعه وأنا أحاول أن أعرف إلى أين يتجه، حتى وصلنا إلى الحديقة الخلفية. توقفت للحظة عندما رأيت شيئا لم
448رفعت عيني إلى يزن، فوجدته يقف أمام ليث وكأنه لا يصدق ما سمعه للتو. كانت ملامحه قد تحولت من الثقة التي كان يتحدث بها قبل لحظات إلى صدمة حقيقية، حتى إنه وضع يده على صدره، وحدق في ليث وكأن الرجل أمامه طعنه في قلبه بدلًا من أن يخبره بأنه سيطرده من الغرفة: ــ تطردني حتى وأنا ساعدتك على استعادة ذاكرتك؟رفع ليث حاجبه، ولم يتغير شيء في ملامحه: ــ لم أستعد شيئا.كدت أضحك بصوت مرتفع.. حاولت أن أخفض رأسي وأخفي ابتسامتي، لكن يزن لم يكن قد انتهى بعد. ظل واقفا في مكانه، يحدق في ليث وكأنه يبحث في وجهه عن أي علامة تدل على أنه يمزح. لكن ليث كان جادا. تماما تنهد يزن ببطء، ثم قال بنبرة حزينة:ــ هذا قاسٍ.نظرت إليه وأنا أحاول ألا أضحك. ماذا كان يتوقع بالضبط؟ أن يشكره ليث لأنه كاد يصيبه بصداع يفقده وعيه. رفع ليث عينيه إليه مرة أخرى، ثم قال بهدوء:ــ ريان.وفي اللحظة التي نطق فيها اسمه، رأيت يزن يلتفت إلى ريان. كانت نظرة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لأفهم أنه بدأ يفكر في شيء ما. وبدون أي مقدمات... ركض...اتسعت عيناي. وانطلق يزن عبر الغرفة، بينما اندفع ريان خلفه فورا: ــ سيدي انتظر ــ انتظر! ليث، دع
447استمرت صرخة ليث لثوانٍ بدت لي أطول مما ينبغي، بينما كنت أقف أمامه عاجزة عن فعل شيء، وكل ما استطعت فعله هو الإمساك بذراعه ومحاولة منعه من السقوط. كان وجهه شاحبا، وملامحه مشدودة من الألم، ويداه لا تزالان تضغطان على رأسه بقوة وكأن شيئا يعصف بداخله: ــ ليث، ماذا بك؟!لم يجبني، بل أطلق صرخة أخرى جعلت قلبي يرتجف، وفي اللحظة نفسها اندفع ريان نحونا، بينما أسرع الطبيب المقيم في القصر إلى الغرفة بعد أن سمع الضجة... ساعدناه على الاستلقاء فوق السرير، ثم ابتعدت عنه خطوة واحدة فقط، لكنني لم أستطع أن أبعد عيني عنه. كنت أراقب الطبيب وهو يفحصه، وكل ثانية تمر دون أن يقول شيئا كانت تزيد خوفي... ماذا لو حدث شيء لدماغه.. ماذا لو كانت العملية التي خضع لها قد تركت أثرا لم نكتشفه بعد.. وماذا لو كانت تلك الذكريات التي حاولت العودة إليه تؤذيه بدلا من أن تساعده.. توقفت أفكاري عندما رفع الطبيب رأسه أخيرا وقال بهدوء:ــ حالته جيدة، لا تقلقي.أغمضت عيني للحظة، وشعرت بأنني كنت أحبس أنفاسي طوال الوقت دون أن أدرك: ــ إذن لماذا حدث له هذا؟نظر الطبيب إلى ليث قبل أن يجيب:ــ يبدو أن الصدمة التي تعرض لها أثرت في ذ
446توقفت أصابعه للحظة، ثم عادت إلى وضع الكريم على الحرق بهدوء، قبل أن يجيب دون أن ينظر إليّ: ــ لاشعرت بشيء من الخيبة يتسلل إلى صدري، رغم أنني كنت أتوقع إجابته. ومع ذلك، لم أستطع منع السؤال الذي خرج مني بعدها، فقد كان ما فعله يناقض تماما كلماته: ــ إذا لماذا تفعل ذلك؟رفع عينيه إليّ هذه المرة، وظل صامتا لثوانٍ وكأنه يبحث عن إجابة لا يعرف كيف يشرحها، ثم قال بهدوء غريب:ــ أنتِ موطني.تجمدت في مكاني. لم أفهم ما الذي قصده، ولا لماذا قالها بهذه البساطة، وكأنها حقيقة لا تحتاج إلى تفسير. حدقت فيه مرتبكة، ثم سألت:ــ ماذا؟لكنه لم يكرر كلماته، ولم يمنحني فرصة لأفهمها، بل أنهى وضع الكريم بهدوء، ثم وقف أمامي وكأن شيئا لم يحدث: ــ ليث...انتظرت أن يجيبني، لكنه تجاهل ندائي واتجه ليضع الكريم جانبا، فنهضت خلفه وأنا لا أزال عاجزة عن إخراج تلك الجملة من رأسي... أنتِ موطني... ماذا كان يقصد بها؟ هل كانت مجرد كلمة خرجت منه دون تفكير؟ أم أن شيئا ما في داخله بدأ يتذكر بالفعل، حتى لو لم يستطع عقله الوصول إليه بعد.. وقبل أن أجد الشجاعة لأسأله مرة أخرى، التفت إليّ فجأة وسأل:ــ من فعل بكِ هذا؟نظرت إلى
445أساد الصمت للحظات بعد أن وضعت السكين عند عنق صوفيا، ولم أعد أسمع سوى أنفاسها المرتجفة أمامي... كان إلياس يحدق بي وكأنه لا يستطيع تصديق ما يراه، ثم نظر إلى السكين قبل أن يعيد عينيه إليّ، وقال بصوت متوتر:ــ ملاك، اتركيها... هل جُننتِ؟ضحكت بمرارة، ولم أخفض السكين: ــ نعم... لقد فقدت عقلي.خرجت الكلمات مني دون تردد، فقد كنت أشعر أن الغضب الذي بداخلي تجاوز كل حدود السيطرة... اقتربت أكثر منها، وأنا أحدق في عينيها اللتين امتلأتا بالخوف: ــ أسمعي ايتها اللعينه... اذا اقتربتِ من زوجي مرة أخرى، فسأقتلكِ.ارتجفت صوفيا، وبدأت دموعها تنهمر، لكنني لم أشعر بالشفقة عليها.كنت لا أزال أرى صورة ليث أمام عيني... يده الملطخة بالدماء، وملامحه المتعبة، والطريقة التي لجأ بها إلى إيذاء نفسه لأنه لم يستطع السيطرة على ما يشعر به.. كل ذلك كان بسببها... وبمجرد أن تذكرت المشهد، ازداد غضبي أكثر... أبعدت السكين عن عنقها، ثم أمسكت يدها وجعلت النصل يمر عليها بخدش سطحي، قبل أن أدفعها بعيدا. صرخت صوفيا وسقطت على الأرض، بينما أسرع إلياس نحوها: ــ صوفياانحنى بجوارها، ثم رفع رأسه نحوي وصاح بغضب:ــ ماذا تفعلين؟!







