مشاركة

الفصل الثامن:

مؤلف: ريتا رضا
last update تاريخ النشر: 2026-08-06 21:06:10

في الفيلا الفاخرة التي اشتراها أيهم لـ "كرمة" في أرقى أحياء المدينة ، كانت أضواء الشموع تكتسي القاعة الذهبية بدفء خادع. انسابت الموسيقى الهادئة في الأرجاء، بينما كانت زجاجات النبيذ المعتق تتصدر الطاولة الرخامية.

​كانت كرمة ترتدي فستاناً حمراً مكشوفاً، وتتمايل بدلال حول أيهم الذي كان يجلس على أريكة جلدية عريضة، يخلع سترة بدلته الداكنة ويحل الأزرار الأولى لقميصه الأبيض. في يده كأس من الخمر يرتشف منه بجرعات متتالية، وعيناه الزرقاوان تغرقان في ضباب السكر والشرود.

​اقتربت كرمة وجلست على ركبتيها أمامه، تضع يديها المطلية بالأحمر الفاقع على ساقيه، وتهمس بنبرة مسمومة:

"أيهم عزيزي.. لم أرَك بهذه الحيرة من قبل. هل تشغل بالك معاملات الشركة، أم أنك لا تزال تفكر في تلك السارقة التي تركتها في قبو القصر؟"

​تجمّدت حركة أيهم فوراً. وضع كأسه بقسوة على الطاولة ليحدث صدى جافاً، ثم التفت نحو كرمة بنظرة حادة يملؤها الجليد والمقت. امتدت يده القوية لتقبض على خصلات شعرها بقوة مباغتة، يجذب رأسها للخلف حتى شهقت بذهول.

​"إياكِ أن تنطقي باسمها على لسانكِ يا كرمة!" زمجر أيهم بصوت خفيض بحّة النبيذ تجعله أشبه بهدير مفترس. "أنتِ هنا للترفيه والمتاع فقط.. فلا تتخطي حدودكِ ولا تظني أن القصر أو ما فيه يقع تحت سيادتكِ!"

​بلعت كرمة ريقها برعب حقيقي، وانحنت خاضعة لسطوته، متظاهرة بالمسكنة: "آسفة يا حبيبي.. لم أقصد إغضابك."

​أطلق سراحها بنفرة واضحة، وسكب لنفسه كأساً آخر يجرعه دفعة واحدة. كانت الخمر تجري في عروقه، لكنها لم تستطع محو صورة وتين وهي تنظر إليه بعينين كحيلتين تحدتا طغيانه في قبو الحطب. كان يغرق في جسد كرمة ورغباتها السطحية كنوع من الهروب، لكن عقله وقلبه المتروس بالكبرياء كانا سجناء في ذلك القصر البعيد.

​في منتصف الليل، وصل أيهم إلى القصر بسيارته الفارهة، يترنح بخطوات غير متزنة، تفوح منه رائحة التبغ النفاذ والنبيذ. دخل الصالة الرئيسية التي كانت غارقة في صمت الليل، يتوكأ على الجدران الرخامية وهو يتجه نحو السلالم.

​في هذه الأثناء، كانت وتين تجلس في قبو الحطب البارد. كانت شريحة الذاكرة مخبأة في جيب ثوبها الرمادي، وروحها تتقد برغبة المواجهة. سمعت وقع خطواته الثقيلة في الأعلى، فعلمت أنه عاد في حالة سكر شديد.. اللحظة التي يكون فيها كبرياؤه وسيطرته في أضعف حالاتهما وأكثرها انكشافاً.

​وقفت وتين، وصعدت درجات القبو بخفة، متجهة نحو الجناح الرئيسي.

​عندما فتحت باب الجناح، كان أيهم قد ألقى بنفسه على السرير الملكي، يحاول إغلاق عينيه والهروب من دوار الخمر. شعر بدخولها، ففتح عينيه الثقيلتين ببطء ليرى طيفها الواقف عند أعتاب الغرفة تحت ضوء القمر الخافت.

​قام بنصف جسده، ومسح وجهه بيده، ثم ابتسم ابتسامة مظلمة ومستهزئة:

"أتيتِ بنفسكِ يا وتين؟ هل اشتقتِ لعذابكِ في أحضاني، أم جئتِ لتتوسلي الرحمة بعد أن علماتِ بمقام كرمة الجديد في حياتي والشركة؟"

​تقدمت وتين بخطوات ثابته ومحسوبة حتى وقفت أمام السرير تماماً. لم يكن في وجهها أي أثر للخوف، بل كانت نظراتها حادة ومرفوعة بكبرياء ناري.

​"أنا لا أتوسل لمن يشتري وهم القوة بالخمر يا أيهم،" قالتها بصوت جاف وثابت هز أرجاء الغرفة.

​احمرت عينا أيهم بغضب ساطع. قفز من السرير كالمراد المترنح، وأمسك بمعصميها بيد واحدة ليرفعها فوق رأسها، يضغط بجسده الرياضي الضخم على جسدها الضئيل ويحصرها ضد الحائط الرخامي.

​"لسانكِ هذا سأقطعه الليلة!" همس قريباً جداً من أذنها، وأنقاسه الحارة الملوثة بالخمر تتساقط على عنقها، "أنا الباشا.. وأنتِ مجرد خادمة وسارقة تعيش تحت قدمي!"

​ورغم الوجع والسيطرة القسرية التي يعتصرها بها، رفعت وتين وجهها لمستواه، وأخرجت شريحة الذاكرة الصغيرة ببراعة بفتحات أصابعها الأخرى، ودقّتها في صدره الصلب بثبات أذهله.

​تراجعت عين أيهم بقليل من الفضول الممزوج بالسكر، وهو ينظر للشريحة الملتصقة بين أصابعها.

​قالت وتين بنبرة نارية وهي تنظر في أعمق نقطة بحدقتيه:

"هذه الشريحة بها تسجيل الكاميرات لليلة الحادثة يا أيهم.. ستشهد بعينيك كيف قامت حبيبتك كرمة بتسليم العقد الماسي لسعاد لتضعه في غرفتي. إن كنت رجلاً بحق.. ضعها في هاتفك الآن وشاهد كيف خدعتك عشقتك وجعلت منك أضحوكة في قصرك!"

​تجمّد أيهم في مكانه، وساد الغرفة صمت كالمقابر، بينما كانت أنفاسهما المتهدجة تتصاعد في عتمة المكان!

تجمّد الزمن في الغرفة. كان صمت الليل ثقيلاً ومخيفاً، يقطعه فقط صوت أنفاسهما المتهدجة الملتصقة في المساحة الضيقة بين جسديهما.

​كان أيهم يحصر وتين ضد الحائط الرخامي، وقبضته الفولاذية لا تزال تعتصر معصميها، لكن البرود والمجون الذي كان يغطي عينيه الزرقاوين تلاشى فجأة ليحل محله ذهول صارم وتوجس مسموم. كانت شريحة الذاكرة الصغيرة تضغط على قماش قميصه الأبيض، وكأنها جمرة نار تخترق جسده.

​خفض أيهم بصره نحو يدها المرتجفة ولكن الثابتة، ثم رفع عينيه المظلمتين ليلتقي بعيني وتين الكحيلتين. لم يجد فيهما خضوع الخادمة، ولا انكسار السارقة، بل رأى بريقاً حاداً ينبض بالثأر وكبرياء الفرسان.

​"ما هذا الهذيان؟" زمجر أيهم بصوت خفيض ينضح بالشك المكتوم، ورائحة النبيذ تعبق من أنفاسه المباشرة. "تظنين أن ألعوبة رخيصة منكِ ستجعلني أصدق أن كرمة تتآمر في بيتي؟"

​"افتح الهاتف وشاهد بنفسك يا أيهم!" صرخت وتين بنبرة نارية هزت أرجاء الجناح، والتحدي يتدفق من عينيها بغزارة. "أم أنك أجبن من أن تواجه الحقيقة؟ أجبن من أن تعترف بأن كبرياءك الذي تتبجح به ليس إلا لعبة في يد امرأة تجرعت خمرها وركعت تحت قدميها في فيلتها الجديدة؟!"

​اعتصر أيهم فكها بيده الأخرى بضغط قاسي كاد أن يهشم عظام وجهها، واشتعلت عيناه بغضب وحشي.

​"صوتكِ!" همس بتهديد قاتل، وجهه قريب جداً من وجهها حتى تلاقت الشفاه تقريباً في صدام مشحون بالغل والرغبة القسرية. "إياكِ وأن تختبري صبري أكثر يا وتين.. إن كان هذا التسجيل مجبراً أو مفبركاً، فلن ترعي الشمس بعد هذه الليلة."

​أطلق سراح يديها فجأة بنفرة قوية جعلتها تترنح وتستند إلى الحائط. سحب الشريحة من يدها بقسوة، وتوجه بخطوات ثقيلة ومترنحة نحو الطاولة الخشبية الفاخرة.

​بأصابع تفوح منها القسوة، أدخل شريحة الذاكرة في هاتفه الخاص، ونقر على شاشة العرض.

​تراجعت وتين خطوة إلى الخلف، تلمس فكها المتألم وتعدل ثوبها الرمادي، وعيناها تراقبان وجه أيهم في الظلام.

​انبعث الضوء الأزرق من شاشة الهاتف على وجه أيهم الصارم. في البداية، تراقصت على ملامحه سحابة من السكر والاستخفاف.. ولكن مع مرور الثواني الأولى من المقطع، بدأ وجهه يتغير تدريجياً.

​ظهرت الشاشة بوضوح ناصع: كرمة الهاشمي تخرج بحذر من جناح الضيوف في منتصف الليل، وبيدها العلبة المخملية الكحلية. تتوقف عند زاوية الممر المظلمة لتلتقي بـ سعاد، وتسلّمها العقد الماسي وتبتسم ابتسامة شامتة ومكرورة. ثم تظهر سعاد وهي تتسلل بخفة نحو الملحق الخلفي لتزرع العقد في غرفة وتين!

​تشنجت عضلات فك أيهم حتى كادت تخترق جلده. تحول لون وجهه من الشحوب إلى حمرة الدم المشتعلة. تجمّعت عروق جبهته ورقبته بكثافة مرعبة، واختفت آثار الخمر والنبيذ من عينيه في ثانية واحدة، ليحل محلها بركان ساطع من الغضب الكاسح والاهانة القاتلة لكبرياء رجولته وسلطته!

​كان يعلم أنه تسرّع، أنه أهان وتين وسجنها في التراب، وأسكن عشيقته في ثرائه، بينما كانت الأخيرة تضحك على غفلته وتدير القصر بمكائدها.

​ساد الغرفة صمت زلزالي.

​استدار أيهم ببطء شديد نحوه وتين. كانت عيناه الزرقاوان تشعان بشرارة خطيرة لم ترَ وتين مثلها من قبل.

​نظر إليها، ثم نظر إلى الهاتف في يده، وقبض عليه بقوة حتى تسمعت فرقعة هيكله الزجاجي كادت تهشمه.

​"سعاد..." قالها أيهم بصوت خفيض للغاية، لكنه كان أشبه بصفارة إنذار لمجزرة قادمة.

​ثم رفع بصره ونظر إلى وتين بنظرة عميقة، غامضة، يتصارع فيها الكبرياء المكسور مع التملك المظلم والتأنيب الدفين.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل حادي والعشرين

    عادت مريم بخطوات سريعة، تحمل كوباً من الماء البارد ورشة صودا، وقلبها يخفق بقلق على صديقتها التي بدت وكأنها على وشك الانهيار. وصلت إلى الزاوية التي تركت فيها وتين، لكنها توقفت فجأة...​نظرت حولها، الكرسي كان فارغاً، والمكان ساكناً تماماً إلا من صوت الموسيقى الصاخبة القادم من بعيد.​"وتين؟" نادت مريم بصوتٍ خافت، ثم رفعت صوتها قليلاً، "وتين، أين أنتِ؟ أنا هنا!"​لا رد. تقدمت مريم بخطوات متعثرة وبدأت تبحث خلف الأشجار وفي الظلال القريبة من جدران الحديقة. ازداد قلبها خفقاناً، فبدأت تركض باتجاه المخرج، ثم عادت تبحث عند سور القاعة. لم تجد لها أثراً، وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتها في لمح البصر! مرت الساعات، ومريم تبحث بجنون، والليل يزداد قتامة، حتى بدأت تشعر بأنها ستفقد صوابها.​في مكانٍ آخر... بعيداً عن أضواء الحفلة وصخب الأغنياء.​استيقظت وتين ببطء، وكأنها كانت تغط في نومٍ عميق لعدة ساعات. شعرت بجسدها ملقى على أرضية خشبية قاسية، وحاولت تحريك يديها لتجد أنها مربوطة بقوة خلف ظهرها بحبل خشن. فتحت عينيها لتجد نفسها في غرفة فارغة تماماً، لا نافذة لها، والجدران داكنة توحي بأنها في قبو معزول.​"آآآآ

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل عشرون:

    سقطت قبعة التخرج في الهواء مع مئات القبعات الأخرى، لكن وتين لم تكن تنظر إلى السماء احتفالاً، بل كانت عيناها مثبتتين على الأفق بنظرة مختلفة تماماً. بين هتافات الخريجين والدموع المتناثرة، كانت هي تقف بثبات، تمسك شهادتها بقوة حتى ابيضت أناملها. تلك الورقة لم تكن مجرد إثبات لنهاية سنوات الدراسة، بل كانت تذكرة العبور الأولى نحو خريطتها الجديدة... خريطة الانتقام.​ارتدت ثوب الخريجين الأسود كأنه درع حربي، وقفت لالتقاط الصورة الأخيرة وهي تبتسم ابتسامة غامضة، ابتسامة امرأة تطبخ نصرها على نار هادئة. لم تأبه لغياب من خذلوها، بل على العكس، كان غيابهم ينفخ في جمر عزيمتها.​مرت شهور من العمل الدؤوب والتخطيط الصارم. لم تعد وتين تلك الفتاة التي تسكب الدموع على الماضي؛ سهرت الليالي تسكب بدلاً منها الحبر والخطط الماليّة. استغلت كل ذكائها وعلاقاتها البسيطة لتسلق السلم خطوة بخطوة، حتى بزغ اسم مشروعها الخاص في السوق. في فترة قياسية، وبفضل جرأتها وحسها التجاري العالي، أصبحت وتين أصغر امرأة أعمال تتسلل بثبات إلى عالم المال والأعمال.​لم يكن طريقها مفروشاً بالورد، لكن مرارة الخيانة جعلت ذوق النجاح حاداً ولدي

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل التاسع عشر:

    مشاتل البرد تبسط ظلالها على شوارع العاصمة، والنسيم العليل يحرك أطراف الثوب الأسود الذي يلتصق بـ وتين كوشاح حداد لا يزول. ​نهضت وتين مع بزوغ الصباح المتعب. ارتدت معطفها الداكن الفاخر ببطء، وجمعت شعرها الأسود المنسدل بجمود، ثم وضعت حقيبتها على كتفها وتوجهت بخطوات هادئة نحو مدرجات الجامعة. كانت تفاصيل يومها تسير بنفس الإيقاع الروتيني البارد؛ استمعت للمحاضرات بصمت، وتجاهلت همسات الزملاء الذين اعتادوا رؤية هذه الحزينة الموشحة بالسواد، ثم استأذنت وغادرت الكلية مبكراً قبل زحمة الظهيرة. ​اختارت وتين طريق العودة القديم، ذلك الطريق الالتفافي الهادئ الذي يقطع أطراف الغابة المتاخمة للحي، حيث كانت الأشجار الكثيفة تخفف من ضجيج السيارات وتمنحها مساحة للاختلاء بآلامها. ​كانت تسير فوق الأوراق الجافة الصافرة، وتسمع صرير الرياح بين أغصان الصنوبر. وفجأة! لمحت من بعيد ظل رجل يجلس على جذع شجرة عتيق، وحوله بضعة خرفان ترعى في المساحة العشبية الصغيرة. ​انقبض صدر وتين بالخوف. تراجعت خطوة إلى الخلف، وأمسكت بياقة معطفها وهي تتأهب للالتفاف والركض بعيداً عن هذا الغريب في هذا الطريق الخالي. ​لكن... شق الصمتَ صو

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل الثامن عشر:

    خيّم الحزن الأسود على قلب وتين كليل سرمدي لا تشرق له شمس. مرت الأيام والأسابيع ثقيلة كالرصاص، أُقيمت فيها جنازة غيابية حاشدة لـ أيهم الجارحي بعد أن فشلت فرق الإنقاذ في العثور على جثته وسط حطام سيارته التفحمة في قاع الجرف الجبلي. ​كانت الجنازة رسمية وباردة؛ حضرها رجال الأعمال والإعلاميون، وبكت فيها إيلا دموع التماسيح أمام أجهزة التصوير، بينما كانت وتين تتابع العزاء عبر شاشة التلفاز الصغيرة في شقتها المتواضعة، تختنق بعبراتها وهي تلف رأسها بشال أسود، تتذكر كيف انتهت حياة ذلك الجلاد المارد الذي شغل مراهقتها وعذب شبابها، متمنية لو أن أفعال القسوة لم تكسر قلبه وتدفعه نحو تلك الهاوية. ​مع مرور الأشهر، بدأت الموازين تتكشف على حقيقتها الخبيثة. ​تعافى جسار من إصابة كتفه بعد سلسلة من العمليات الجراحية، ليقبض بقبضة من حديد على مقاليد شركة "الجارحي القابضة" التي جردها من اسم صاحبها الأول. أما شاهين، فقد أصيب بشلل جزئي في قدمه إثر طلقة أيهم النارية، وأصبح يتحرك على كرسي متحرك، يداري خيبته وعجزه خلف صفقات الشركة المشبوهة. ​ولم يمضِ وقت طويل حتى انكشف السر الأكبر؛ عقد جسار قرانه رسمياً على إيل

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل السابع عشر:

    ساد القاعة صمتٌ أثقل من ظلال الموت. كانت كلمات جسار وضحكاته المسمومة تتردد في أرجاء الطابق الخمسين كصفير الرياح في مقبرة مهجورة.​تسمّر أيهم في مكانه لثوانٍ معدودة. كان ينظر إلى الورقة الموقّعة بيده، ثم إلى وجه شاهين البارد، وأخيراً إلى عينَي جسار المليئتين باللؤم والشفاء. في تلك اللحظة، لم تعد العينان الزرقاوان تنبضان بالبرود الجليدي، بل تحولتا إلى جمرين من السواد المشتعل. غاب عن عقله كل منطق، وتلاشت سطوة رجل الأعمال، ليحل محلها وحشٌ جريح استُثير كبرياؤه وقُطع شريان نفوذه.​بدون مقدمات، تحرك أيهم كالصاعقة.​اقترب من طاولة الاجتماعات الزجاجية الضخمة، وبحركة واحدة قاسية من يده الفولاذية، قلب الطاولة بالكامل لترتطم بالأرضية الرخامية وتتهشم إلى ألف قطعة متناثرة! تطايرت الشاشات والملفات في الهواء، وأحدث الانفجار الزجاجي دوياً أرجف أركان الطابق كله!​تراجع شاهين برعب خطوة إلى الخلف، بينما قفز جسار من كرسيه وهو يصيح بذعر: "أيهم! هل جننت؟!"​لم يرُد أيهم بكلمة. استدار ببطء نحو مكتبه الخاص الملحق بالقاعة، وخطواته الثقيلة تهز الأرضية. دخل المكتب، وفتح الخزانة الخشبية السريّة ليخرج منها عصا بيس

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل السادس عشر: اهتزاز العرش

    استيقظ أيهم في صباح اليوم التالي وشعورٌ مبهم بثقل الصدر يراوده، كأنما تحيط به هالة من الشؤم لا يدري مصدرها.​ارتدى بدلة كحيلية داكنة، ورغم أنه كان يجلس في شرفة الفيلا الفاخرة يحتسي القهوة التي أعدتها إيلا، إلا أن عينيه الزرقاوين كانتا تتطلعان إلى الفراغ. لم تعد ضحكات إيلا ولا دلالها المبالغ فيه قادرين على طرد ذلك السواد الدفين الذي يتسلل إلى أعماقه. لقد مسح من ذاكرته اسم "وتين"، ودفن القسوة التي مارسها عليها في زوايا النسيان، لكن عقله الباطن كان يشعر بأن هناك قطعة مفقودة في حياته.. وأن الثمن الذي تدفعه إمبراطوريته يزداد كل يوم.​قَبّل إيلا على رأسها بجمود خفيف وقال بنبرة جافة:"سأذهب إلى المقر الرئيسي للشركة اليوم يا إيلا.. هناك اجتماعات مؤجلة يجب أن أحضرها بنفسي."​ظهرت لمحة رعب خاطفة في عيني إيلا، لكنها سرعان ما أخفتها بابتسامة ناعمة مطاطية:"كما تشاء يا حبيبي.. اذهب واطمئن، أنا بانتظارك."​بمجرد أن أغلقت بوابة الفيلا خلف سيارة أيهم، أخرجت إيلا هاتفها فوراً واتصلت بـ جسار.​"جسار!" قالت إيلا بنبرة مشدودة: "أيهم في طريقه إلى المقر الرئيسي! لقد تحرك فجأة دون تخطيط.. هل أتممتم نقل العق

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status