LOGINفي الفيلا الفاخرة التي اشتراها أيهم لـ "كرمة" في أرقى أحياء المدينة ، كانت أضواء الشموع تكتسي القاعة الذهبية بدفء خادع. انسابت الموسيقى الهادئة في الأرجاء، بينما كانت زجاجات النبيذ المعتق تتصدر الطاولة الرخامية.
كانت كرمة ترتدي فستاناً حمراً مكشوفاً، وتتمايل بدلال حول أيهم الذي كان يجلس على أريكة جلدية عريضة، يخلع سترة بدلته الداكنة ويحل الأزرار الأولى لقميصه الأبيض. في يده كأس من الخمر يرتشف منه بجرعات متتالية، وعيناه الزرقاوان تغرقان في ضباب السكر والشرود. اقتربت كرمة وجلست على ركبتيها أمامه، تضع يديها المطلية بالأحمر الفاقع على ساقيه، وتهمس بنبرة مسمومة: "أيهم عزيزي.. لم أرَك بهذه الحيرة من قبل. هل تشغل بالك معاملات الشركة، أم أنك لا تزال تفكر في تلك السارقة التي تركتها في قبو القصر؟" تجمّدت حركة أيهم فوراً. وضع كأسه بقسوة على الطاولة ليحدث صدى جافاً، ثم التفت نحو كرمة بنظرة حادة يملؤها الجليد والمقت. امتدت يده القوية لتقبض على خصلات شعرها بقوة مباغتة، يجذب رأسها للخلف حتى شهقت بذهول. "إياكِ أن تنطقي باسمها على لسانكِ يا كرمة!" زمجر أيهم بصوت خفيض بحّة النبيذ تجعله أشبه بهدير مفترس. "أنتِ هنا للترفيه والمتاع فقط.. فلا تتخطي حدودكِ ولا تظني أن القصر أو ما فيه يقع تحت سيادتكِ!" بلعت كرمة ريقها برعب حقيقي، وانحنت خاضعة لسطوته، متظاهرة بالمسكنة: "آسفة يا حبيبي.. لم أقصد إغضابك." أطلق سراحها بنفرة واضحة، وسكب لنفسه كأساً آخر يجرعه دفعة واحدة. كانت الخمر تجري في عروقه، لكنها لم تستطع محو صورة وتين وهي تنظر إليه بعينين كحيلتين تحدتا طغيانه في قبو الحطب. كان يغرق في جسد كرمة ورغباتها السطحية كنوع من الهروب، لكن عقله وقلبه المتروس بالكبرياء كانا سجناء في ذلك القصر البعيد. في منتصف الليل، وصل أيهم إلى القصر بسيارته الفارهة، يترنح بخطوات غير متزنة، تفوح منه رائحة التبغ النفاذ والنبيذ. دخل الصالة الرئيسية التي كانت غارقة في صمت الليل، يتوكأ على الجدران الرخامية وهو يتجه نحو السلالم. في هذه الأثناء، كانت وتين تجلس في قبو الحطب البارد. كانت شريحة الذاكرة مخبأة في جيب ثوبها الرمادي، وروحها تتقد برغبة المواجهة. سمعت وقع خطواته الثقيلة في الأعلى، فعلمت أنه عاد في حالة سكر شديد.. اللحظة التي يكون فيها كبرياؤه وسيطرته في أضعف حالاتهما وأكثرها انكشافاً. وقفت وتين، وصعدت درجات القبو بخفة، متجهة نحو الجناح الرئيسي. عندما فتحت باب الجناح، كان أيهم قد ألقى بنفسه على السرير الملكي، يحاول إغلاق عينيه والهروب من دوار الخمر. شعر بدخولها، ففتح عينيه الثقيلتين ببطء ليرى طيفها الواقف عند أعتاب الغرفة تحت ضوء القمر الخافت. قام بنصف جسده، ومسح وجهه بيده، ثم ابتسم ابتسامة مظلمة ومستهزئة: "أتيتِ بنفسكِ يا وتين؟ هل اشتقتِ لعذابكِ في أحضاني، أم جئتِ لتتوسلي الرحمة بعد أن علماتِ بمقام كرمة الجديد في حياتي والشركة؟" تقدمت وتين بخطوات ثابته ومحسوبة حتى وقفت أمام السرير تماماً. لم يكن في وجهها أي أثر للخوف، بل كانت نظراتها حادة ومرفوعة بكبرياء ناري. "أنا لا أتوسل لمن يشتري وهم القوة بالخمر يا أيهم،" قالتها بصوت جاف وثابت هز أرجاء الغرفة. احمرت عينا أيهم بغضب ساطع. قفز من السرير كالمراد المترنح، وأمسك بمعصميها بيد واحدة ليرفعها فوق رأسها، يضغط بجسده الرياضي الضخم على جسدها الضئيل ويحصرها ضد الحائط الرخامي. "لسانكِ هذا سأقطعه الليلة!" همس قريباً جداً من أذنها، وأنقاسه الحارة الملوثة بالخمر تتساقط على عنقها، "أنا الباشا.. وأنتِ مجرد خادمة وسارقة تعيش تحت قدمي!" ورغم الوجع والسيطرة القسرية التي يعتصرها بها، رفعت وتين وجهها لمستواه، وأخرجت شريحة الذاكرة الصغيرة ببراعة بفتحات أصابعها الأخرى، ودقّتها في صدره الصلب بثبات أذهله. تراجعت عين أيهم بقليل من الفضول الممزوج بالسكر، وهو ينظر للشريحة الملتصقة بين أصابعها. قالت وتين بنبرة نارية وهي تنظر في أعمق نقطة بحدقتيه: "هذه الشريحة بها تسجيل الكاميرات لليلة الحادثة يا أيهم.. ستشهد بعينيك كيف قامت حبيبتك كرمة بتسليم العقد الماسي لسعاد لتضعه في غرفتي. إن كنت رجلاً بحق.. ضعها في هاتفك الآن وشاهد كيف خدعتك عشقتك وجعلت منك أضحوكة في قصرك!" تجمّد أيهم في مكانه، وساد الغرفة صمت كالمقابر، بينما كانت أنفاسهما المتهدجة تتصاعد في عتمة المكان! تجمّد الزمن في الغرفة. كان صمت الليل ثقيلاً ومخيفاً، يقطعه فقط صوت أنفاسهما المتهدجة الملتصقة في المساحة الضيقة بين جسديهما. كان أيهم يحصر وتين ضد الحائط الرخامي، وقبضته الفولاذية لا تزال تعتصر معصميها، لكن البرود والمجون الذي كان يغطي عينيه الزرقاوين تلاشى فجأة ليحل محله ذهول صارم وتوجس مسموم. كانت شريحة الذاكرة الصغيرة تضغط على قماش قميصه الأبيض، وكأنها جمرة نار تخترق جسده. خفض أيهم بصره نحو يدها المرتجفة ولكن الثابتة، ثم رفع عينيه المظلمتين ليلتقي بعيني وتين الكحيلتين. لم يجد فيهما خضوع الخادمة، ولا انكسار السارقة، بل رأى بريقاً حاداً ينبض بالثأر وكبرياء الفرسان. "ما هذا الهذيان؟" زمجر أيهم بصوت خفيض ينضح بالشك المكتوم، ورائحة النبيذ تعبق من أنفاسه المباشرة. "تظنين أن ألعوبة رخيصة منكِ ستجعلني أصدق أن كرمة تتآمر في بيتي؟" "افتح الهاتف وشاهد بنفسك يا أيهم!" صرخت وتين بنبرة نارية هزت أرجاء الجناح، والتحدي يتدفق من عينيها بغزارة. "أم أنك أجبن من أن تواجه الحقيقة؟ أجبن من أن تعترف بأن كبرياءك الذي تتبجح به ليس إلا لعبة في يد امرأة تجرعت خمرها وركعت تحت قدميها في فيلتها الجديدة؟!" اعتصر أيهم فكها بيده الأخرى بضغط قاسي كاد أن يهشم عظام وجهها، واشتعلت عيناه بغضب وحشي. "صوتكِ!" همس بتهديد قاتل، وجهه قريب جداً من وجهها حتى تلاقت الشفاه تقريباً في صدام مشحون بالغل والرغبة القسرية. "إياكِ وأن تختبري صبري أكثر يا وتين.. إن كان هذا التسجيل مجبراً أو مفبركاً، فلن ترعي الشمس بعد هذه الليلة." أطلق سراح يديها فجأة بنفرة قوية جعلتها تترنح وتستند إلى الحائط. سحب الشريحة من يدها بقسوة، وتوجه بخطوات ثقيلة ومترنحة نحو الطاولة الخشبية الفاخرة. بأصابع تفوح منها القسوة، أدخل شريحة الذاكرة في هاتفه الخاص، ونقر على شاشة العرض. تراجعت وتين خطوة إلى الخلف، تلمس فكها المتألم وتعدل ثوبها الرمادي، وعيناها تراقبان وجه أيهم في الظلام. انبعث الضوء الأزرق من شاشة الهاتف على وجه أيهم الصارم. في البداية، تراقصت على ملامحه سحابة من السكر والاستخفاف.. ولكن مع مرور الثواني الأولى من المقطع، بدأ وجهه يتغير تدريجياً. ظهرت الشاشة بوضوح ناصع: كرمة الهاشمي تخرج بحذر من جناح الضيوف في منتصف الليل، وبيدها العلبة المخملية الكحلية. تتوقف عند زاوية الممر المظلمة لتلتقي بـ سعاد، وتسلّمها العقد الماسي وتبتسم ابتسامة شامتة ومكرورة. ثم تظهر سعاد وهي تتسلل بخفة نحو الملحق الخلفي لتزرع العقد في غرفة وتين! تشنجت عضلات فك أيهم حتى كادت تخترق جلده. تحول لون وجهه من الشحوب إلى حمرة الدم المشتعلة. تجمّعت عروق جبهته ورقبته بكثافة مرعبة، واختفت آثار الخمر والنبيذ من عينيه في ثانية واحدة، ليحل محلها بركان ساطع من الغضب الكاسح والاهانة القاتلة لكبرياء رجولته وسلطته! كان يعلم أنه تسرّع، أنه أهان وتين وسجنها في التراب، وأسكن عشيقته في ثرائه، بينما كانت الأخيرة تضحك على غفلته وتدير القصر بمكائدها. ساد الغرفة صمت زلزالي. استدار أيهم ببطء شديد نحوه وتين. كانت عيناه الزرقاوان تشعان بشرارة خطيرة لم ترَ وتين مثلها من قبل. نظر إليها، ثم نظر إلى الهاتف في يده، وقبض عليه بقوة حتى تسمعت فرقعة هيكله الزجاجي كادت تهشمه. "سعاد..." قالها أيهم بصوت خفيض للغاية، لكنه كان أشبه بصفارة إنذار لمجزرة قادمة. ثم رفع بصره ونظر إلى وتين بنظرة عميقة، غامضة، يتصارع فيها الكبرياء المكسور مع التملك المظلم والتأنيب الدفين.حين أرخى الليل سدوله فوق قرية الضباب، وغطت سحابة رقيقة من الندى أسطح الحجر العتيقة، تحول الكوخ الصغير إلى واحة من السكينة الهشة وسط عالم يعج بالحروب. كانت النيران المشتعلة في المدفأة الحجرية تلقي بظلالها الدافئة والراقصة على الجدران، وتنعكس ببريق خافت على وجه وتين وهارون.لأول مرة منذ أسابيع طويلة، ومنذ ذلك الهروب المروع في الغابة، وجدا أنفسهما محبوسين تحت سقف واحد وفي غرفة واحدة. لم يكن هناك سوى سرير خشبي عريض في زاوية الغرفة خصصته العجوز أراليندا لوتين، بينما وُضعت وسادة سميكة وبطانية صوفية ثقيلة على الأريكة العريضة المجاورة للمدفأة لهارون.ساد الغرفة صمت ثقيل ومحمّل بالكلمات التي لم تُقال بعد. كانت وتين جالسة على حافة السرير، تنظر إلى النار بذهول وهدوء ظاهري، بينما كان هارون مستلقياً على الأريكة، يضع ذراعيه خلف رأسه، وعيناه المظلمتان لا تهبطان عنها لثانية واحدة. كان يراقب كل حركة، وكل رفعة لعينها، وكل تنهيدة تخترق صدرها الخائف.كسر هارون الصمت المطبق بصوت خشن وهامس قطع سكون المكان:"أتعتقدين حقاً أنني سأترككِ تضيعين مني مرة أخرى يا وتين؟"أشاحت وتين بوجهها نحوه، وقالت بنبرة لا
تسمّر هارون في مكانه عند عتبة الغرفة الجانبية، وكأن روحه عادت إليه بعد سنوات من الموت. كانت عيناه المظلمتان والمحملتان بعواصف الشوق والغيظ مثبتتين بالكامل على وتين التي كانت تقف متجمدة في زاوية الغرفة، ترتجف أطرافها وكأنها ترى شبحاً خرج من أعمق كوابيسها.أما العجوز أراليندا، فنهضت ببطء مستندة إلى عصاها، وابتسمت ابتسامة خفيفة ودافئة قبل أن تتسلل بهدوء خارج الغرفة وتغلق الباب خلفها، تاركة إياهما وحدهما في ذلك الصوت المحمل بكهرباء التوتر العالي.كسر هارون ذلك الصمت القاتل، وتقدم نحوها بخطوات بطيئة وثقيلة، وكأنه يخشى أن تكون مجرد سراب يتبدد إن اقترب أكثر. قال بصوت خشن ومبحوح يقطر برجفة غريبة لم يعتدها أحد منه:"أحقاً أنتِ هي.. أم أن روحي هي التي تهلوس؟"ابتلعت وتين ريقها بصعوبة بالغة، وجمعت ما تبقى من كبريائها المتبقي، فقالت بصوت متهدج يحمل عتباً خفياً:"أنا حقيقية يا هارون.. لست سراباً. لكن الأجدر بك أن تجيبني أنت: كيف.. كيف وجدتني في هذا المكان المنسي وسط الجبال؟"وقف هارون أمامها مباشرة، ومد يده المرتجفة ليلمس خصلات شعرها المنسدلة على كتفها، وكأنه يتأكد من وجودها المادي، وقال بنبرة
استجاب الرسام لمطالب هارون الملحة، وقاده برفقة ديمتري ونخبة من رجاله عبر طرق وعرة ومتاهات جبلية نائية، وصولاً إلى تلك البقعة النائية قرب النهر حيث أقسم أنه رأى وتين بعينيه قبل أيام. لكن ما إن وصلوا إلى هناك، حتى أصابتهم خيبة أمل مريرة؛ لم يجدوا سوى الصخور المصقولة بفعل الطبيعة، وأوراق الشجر المتساقطة، ومياه النهر الجارية بسكون.أمر هارون رجاله بتمشيط المنطقة، فانتشر العشرات منهم يفتشون الأرض شبراً بشبر، يقلبون الصخور ويسألون كل عابر طريق. بعد ساعات طويلة من البحث المضني، عاد قائد الفرقة بخيبة أمل ليقول له:"سيدي.. قمنا بتفتيش كل شبر، ولم نجد لها أي أثر ولا أي دليل على وجود شخص هنا."التفت هارون نحو الرسام بوجه ملؤه التوتر والغضب الجنوني، وأمسك بتلابيب قميصه بقسوة، وصرخ بصوت يكاد يقتلع الأشجار:"أين هي؟! لقد قلت إنك رأيتها هنا! إن كنت تكذب عليّ.."تضرع الرسام بخوف شديد، ورفع يديه مردداً بصوت مرتعش:"أقسم لك أنني لست كاذباً! لقد رأيتها بوضوح، لا يمكن أن يتهيأ لي وجه كهذا.. إنها هنا، لا بد أنها موجودة في مكان قريب من هذا النهر!"أفلت هارون الرسام بعنف، وتركهم يبتعدون، ثم سقط على ركبت
ارتجف جسد وتين ذعراً، واصفرّ وجهها شحوباً حين سقط بصرها فجأة على الرجل الواقف أمامها. في عالمها المظلم الذي عاشت فيه طويلاً بين جدران قصر فالكون وبطش المافيا، لم تكن تعلم أين هي، ولا ما إذا كان هذا الراعي شيخاً طيباً حقاً أم فخاً جديداً مدبراً من رجال جان لوك لاستدراجها. تراجع جسدها المنهك إلى الوراء حتى استند بخشونة إلى جذع الشجرة المعمرة، وتسللت أصابعها المرتجفة نحو تراب الأرض كأنها تبحث عن حجر تدافع به عن نفسها.لاحظ الراعي ذلك الخوف العميق المرتسيم في عينيها الواسعتين، فلم يتحرك خطوة إضافية ولم يقترب. اكتفى بابتسامة خفيفة ووديعة انطبعت على وجهه الذي حفرته طقوس الطبيعة وصمت الجبال، ثم تحدث بصوت منخفض، هادئ، وخالٍ تماماً من أي خبث:"لا تخافي يا ابنتي.. لا خوف عليّ، ولا شر لديّ. اسمي صالح."تأملت وتين ملامحه الهادئة لبرهة طويلة، فاستشرت في روحها طمأنينة غريبة بددت جزءاً من ذعرها. تنفست بعمق لتسترد بعضاً من توازنها، فلاحظ الشيخ حالة الإعياء والعطش الشديدين اللذين ترتسمان على محياها، فمد يده بهدوء وأخرج من جعبة جليدية معلقة بكتفه زجاجة ماء فخارية صغيرة، ومدها إليها قائلاً بنبرة حنون
كان هواء مرسيليا البارد محملاً برائحة البحر ورطوبة الفجر حين هبطت طائرة هارون الخاصة على المدرج السري في ضواحي المدينة. لم تكن رحلة استجمام، بل كانت رحلة انتقام واجتثاث. تحرك موكب السيارات الأسود بسرعة جنونية نحو العقار القديم العائد لعائلة جان لوك، وهو قصر حجري ضخم يقع على حافة المنحدرات المطلة على المتوسط، تحيط به أشجار الصنوبر العتيقة.ترجل هارون من السيارة ومعه ديمتري ونخبة من رجاله الأقوياء. لم تكن هناك أي مظاهر للحراسة المشددة، وكأن المكان مهجور منذ سنوات. ارتسمت على محيا هارون علامات الريبة والتوتر، لكنه لم يتراجع. دفع الباب الخشبي الضخم بقدمه القوية، ليدوي صدى دفعه في أرجاء الردهة الواسعة."توزعوا.. ابحثوا في كل زاوية!" أمر هارون بصوت جاد وحاسم.انتشر الرجال في أنحاء القصر، بينما صعد هارون بنفسه نحو الطابق العلوي، وتحديداً نحو غرفة المكتب الرئيسية التي أشارت إليها الإحداثيات المشفرة. فتح الباب بعنف، لتتراءى له غرفة مظلمة يغطيها الغبار. في منتصف الغرفة، كان هناك مكتب خشبي قديم، وعليه وُضعت شاشة حاسوب صغيرة تومض بضوء أحمر متقطع.اقترب هارون بحذر، وضغط على زر التشغيل في الحاس
كانت خطوات هارون تشبه دقات قصر ميت، ثقيلة، بطيئة، ومحمولة بغضب أسود يكفي لإحراق مدينة بأكملها. عندما اقتحم هو ورجاله بوابات المصنع المهجور، كان التوتر يبلغ ذروته في الهواء. رَفَع سلاحه الآلي متأهباً لإطلاق النار على أي كائن يتحرك، وعيناه تشتعلان بنيران لا ترحم. تحركت الفرق الخاصة بخفة واحترافية عالية، مقتحمين الغرف الجانبية والممرات المظلمة الواحد تلو الآخر، وسط دوي أصوات تحطيم الأبواب والزجاج.لكن ما وجدوه.. لم يكن سوى الصدمة المطلقة.توقف هارون في منتصف القاعة الرئيسية الواسعة للمصنع. لم يكن هناك سوى الفراغ، والغبار المتطاير، وأعمدة الحديد الصدئة التي تداعبها الرياح الباردة القادمة من النوافذ المكسورة. على الأرض، في وسط المكان، كانت هناك سلاسل حديدية سميكة ملقاة بعناية، وإلى جوارها قطعة قماش سقطت سهواً.. كانت تلك القطعة التي وضعت على وجه وتين حين اختطفت.اقترب هارون بخطوات متجمدة، وانحنى ليلتقط السلاسل الحديدية بيده القوية. كانت لا تزال باردة، مما يعني أنهم غادروا المكان للتو، لكنها كانت مسرحاً مرسوماً بعناية فائقة. لم تكن هناك أي جثث، لم يكن هناك أي حراس، ولم يكن هناك سوى الصدى







