LOGIN.
رفعتُ رأسي أبحث عن الضمادات، فالتقت عيناي بالمرآة... ولشدة مفاجأتي، رأيتُ انعكاس الأم وابنتها تقفان على مسافةٍ من الباب المفتوح، تطالعان جسدي الممتلئ بآثار الموت بذهولٍ وصدمة.
ارتبكتُ في داخلي بحدّة؛ فلم أخلع قميصي أمام امرأةٍ قط في حياتي. وفي اللحظة نفسها، أدركتا أنني رأيتهما في المرآة، فاحمرّت وجوههما ارتباكاً وأدارتا وجهيهما بسرعة متواريتين عن الأنظار. استلقيتُ على فراشي بعد نهارٍ شاقٍ وطويل... وما إن أطبقتُ جفنيّ، حتى سحبني الظلام إلى ساحة المعركة القديمة. كنتُ أصارع الموت إلى جانب رفاقي الذين أخذتهم الحرب مني، أولئك الذين سرقوا حتى الخوف من صدري: آرثر، ستيف، نيكولاي، أليكس... رأيتهم يحيطون بي، فارتسمت على وجهي ابتسامة طفولية نادرة: «أنتم هنا حقاً! إلهي، كم أنا سعيد.. لا تتركوني، أرجوكم!»كنت أقاتل بشراسة ودموع الفرح تسيل بغزارة. لكنها عادت... تلك اللحظة اللعينة؛ ازيز الرصاص الذي يملأ الآفاق، وسعادة غامرة تغمر روحي قبل أن تسقط تلك القذيفة اللعين بجانبي وتمزق جسدي إرباً...
فزعتُ بقوةٍ مرعبة، أصرخ من شدة الألم والوخز الوهمي، فاتحاً عينيّ على مصراعيهما. تباً... حلمٌ آخر اللعنة! رفعتُ نظري نحو حافة الفراش، فتسمّرتُ في مكاني. إليزابيث... ابنة الخامسة والثلاثين، تقف أمامي بجسدها الممشوق ومنحنياتها التي لا تصدق. كانت ترتدي ثوباً شفافاً يكاد لا يستر شيئاً، ثوباً صُنع لليالي العشاق وخلوات الأزواج. لأول مرة في حياتي، أرى امرأةً بهذا الكمال والجمال الطاغي. ما بين فخذيها، وتضاريس جسدها الممتلئ... كان المشهد يشتعل بفتنةٍ لم أألفها قط. ما الذي تفعلينه هنا بحق الجحيم؟ سألتُ نفسي بذهول. فركتُ عينيّ بعنف، وسكبتُ قطرات الماء البارد على وجهي علّني ما زلت نائماً... لكن لا، كان الواقع أصدق من كل كوابيسي. قفزتُ من فراشي بذعرٍ عسكري مباغت: «ما الذي تفعلينه هنا يا إليزابيث؟!» أابتسمت بهدوء ساحر، وقالت بصوتها المخملي الهادئ: «لا تقلق.. أنا هنا لأكافئك. أنت تستحق مكافأةً استثنائية. وبما أن المال لا يعنيك ولا يستهويك، فقد فكرت أن أكافئك بالطريقى الوحيدة التي أملكها... أنا وجسدي، ملكٌ لك وحدك هذه الليلة.» عجزتُ عن الكلام. لأول مرة أجد نفسي في موقفٍ ترتجف له فرائص أشرس ضباط القوات الخاصة. جسدي كله عصى عليّ؛ تحجّرتُ في مكاني. تقدمتْ نحوي بخطواتٍ بطيئة، تتمايل بدلعٍ ودلال يذيب الصخر، وبكلماتٍ رقيقة مسحت بأصابعها الناعمة على وجناتي، مقتفيةً أثر دموع الحلم الذي تركته هناك. «لماذا هذا الوجه العابس؟ ألم يعجبك جسدي؟» الصمت طبق على الغرفة كطبق من فولاذ. لم ينطق لساني بحرفٍ واحد، وكل ما كان يسمع هو دقات قلبي المتسارعة التي كادت تخترق ضلوعي وتخرج من صدري. امرأةٌ بهذا الجمال الأخّاذ... في غرفتي، ولي وحدي؟! وفجأة... عرفتُ ذلك الشعور. إنه ذات الهرمون، ذات الإحساس الجارف الذي كان يتدفق في عروقي ويفجر طاقتي حين أكون في قمة المعارك المحتدمة... الأدرينالين. لكنه لم يكن أدرينالين الخوف أو الموت هذه المرة؛ كان شيئاً أعمق، أشبه بزلزالٍ بشري عارم، وهي تواصل لمس وجهي، وتتلمذ بأصابعها المرتجفة على ندوب جسدي القاسي بحنانٍ أذاب قسوة سنين الحرب الطويلة.التفّت حولي كأفعى ناعمة، يسبقها عطرٌ دافئ أودعني في عالمٍ آخر لم أطأه من قبل. حاصرتني بعينيها المتوهجتين، فلم أجد مفرّاً سوى أن أحملها بين ذراعيّ متجهاً بها نحو الفراش.
وما إن لامس جسدها السرير، حتى أطلقت تنهيدةً لاهثة، كأنها تعاني ظمأً لم يُروَ منذ سنوات. نظرت إليّ بعينين تفيضان بالشهوة ورغبةٍ جامحة، وهمست بصوتٍ بحّار يخترق الصمت: «أنا جائعة لك يا عقرب... جسدك الفولاذي هذا لا يُقاوم. أتوق لتذوق رجولتك، ولدغاتك التي سمعتُ عنها. اسكب سمّك بين فخذيّ، فعطر قوتك أذاب كل دفاعاتي... لم ألقَ رجلاً بمهابتك، ولن أرى!» تلبّسني الشيطان، وعادت إليّ شراسة المحارب. أخرجتُ نصل إبرتي الضخمة والحادة... اتسعت عيونها بذهولٍ يمتزج بالخوف والنشوة، وارتجفت قواها وهي تراه يتحرك نحوها.صباح اليوم التالي.. في الزمن الحالي.أخذتُ «إلينا»، ابنة إليزابيث، إلى الجامعة في سنتها الأولى. لم أكن أثق بالحراس مطلقا؛ فبالنسبة إليّ، حماية تلك اللبوة الصغيرة أولوية قصوى تتجاوز حماية أمها نفسها... فـ«إلينا» هي الهدف الحقيقي الذي يطاردها ألكسندر ليرغم العائلة على الخضوع.عند باب الجامعة، أمرتُ باقي الحرس بالمرابطة خارجاً. دخلتُ معها، لكنني وضعتُ أسلحتي داخل السيارة؛ فلا أثق بأي أحد لأودعه الترسانة التي أحملها.دخلتُ الجامعة... وكأنني أطأ أرض عالمٍ آخر تماماً؛ عالمٍ يعج بالمراهقين والمراهقات الذين بلغوا للتو، صخب طيشٍ وهواءٍ غريب لم تعهده حواسي القاسية.كنتُ أمشي خلف تلك اللبوة الصغيرة، وهي تتغنج بمشيتها المتكبرة؛ فقد كانت تُعدّ من أثرى الأثرياء في هذه المؤسسة. دخلنا القسم الذي قُبلت فيه كطالبةٍ للمرحلة الأولى، وسط نظرات وهمسات المراهقات اللاتي أخذن يحدقن بي بتلك النظرات المعجبة بجسدي العريض وهيبتي العسكرية.لم أهتم لهن مطلقا، ولم أكن أبالي بشيء من هذا العبث.وصلنا إلى قسم التسجيل، وهنا بدأت «إلينا» تفتعل المشاكل بصلف؛ فهي متكبرة إلى حدٍ استفزازي، ولم أكن مستغرباً من ذلك أبداً، فهي
اليزابيث... ابنة «آرون»، الشريك الوحيد والفعلي للطاغية ألكسندر في تلك الإمبراطورية المالية والشركة الضخمة التي شُيدت على جماجم الخصوم وتلال الأموال.كانت ثروة «آرون» أسطورية، تفتح لها الأبواب وتخضع لها الرقاب. وحين ثَقُل عليه المرض وأصبح على وشك الموت، لم يكن يملك في هذا العالم سوى وريثته الوحيدة... ابنته إليزابيث، الفتاة التي ستنزل إليها كل تلك التركة الشاسعة بمجرد رحيله.لكن ذلك العجوز الخبيث ألكسندر لم يكن ليرضى بأن تخرج قطرة واحدة من تلك الثروة خارج إمبراطوريته. عقد العزم على وضع يده على ثروة شريكه بالكامل، وبطرقٍ ماكرة وخبيثة لا تخطر على بال شيطان. تقدم ألكسندر إلى آرون وهو على فراش الموت، طالباً يد إليزابيث لولده «جون»... جون الذي كان شاباً طائشاً، متهوراً، لا تقف لشهواته وطيشه حدود.كان «آرون» على قدرٍ عالٍ من الذكاء والحنكة؛ كان يعلم يقيناً أن إليزابيث-برقتها وغضاضة سنّها-لن تستطيع أبداً الصمود أمام دهاء ألكسندر وشروره بمفردها إن رحل. استدعى ابنته بلهفة ليرى وجهها للمرة الأخيرة، ويكلمها، ويحذرها من مخططات ألكسندر الشيطانية... لكن الموت كان أسرع، ففاضت روحه قبل وصولها إلى الغرف
تحت سقف تلك الغرفة المظلمة، وفي لحظة تجلت فيها أقسى معاني السيطرة والولاء، أحكمتُ قبضتي على خصلات شعرها المبعثرة، مسيطراً على إيقاع جسدها وهي منحنية بذلك الشكل الذي يشبه طقوس الخشوع المطلق.كانت آهاتها المتصاعدة تملأ المكان بصدى غريب، تخرج من بين شفتيها كترنيمة مقدسة، تشبه تراتيل المعابد المظلمة التي تُتلى في حضرة القوة المطلقة. لم تكن مجرد أصوات عابرة، بل كانت ترتفع كصلاة حية تعكس عمق الانصهار والامتنان، حيث يختلط الوجع باللذة، ويتحول الاستسلام بين سواعدنا إلى طقس سرمدي لا يمكن لأحد غيرنا فهمه. كانت تنظر إلى الأرض بخشوع بينما يعكس صوتها ذلك الخضوع الكامل، لتصبح كل شهقة بمثابة ترنيمة تنحت أسماءنا في جدران الليل الأبدي.تحت سطوة الهدوء الذي أعقب ذلك الاتحاد العنيف، تركتُ جسدينا العاريين يلتصقان في ذلك الفراش الذي تحول إلى محراب، بينما كانت ترتجف بخفة بين أحضاني، محملة بصدى ذلك العهد الأبدي الذي صاغته طقوس الليلة.تسلل التعب الثقيل إلى أعماقي، وبدأ ألم الجرح القديم ينبض بحرقة تحت الجلد، مذكراً إياي بأنني لستُ سوى مقاتل يحمل ندوبه أينما حلّ وارتحل. أغمضت عيني وسط ذلك الدفء المؤقت، تاركاً
انزلق الروب الحريري الأسود عن كتفيها ببطء، وسقط على الأرض بلا صوت، ليترك جسدها المكسو بالضوء الخافت عارياً تماماً، عدا عن الفتنة الطاغية التي تزهر في كل إنش منه. لم يعد القماش الشفاف يحجب شيئاً؛ برزت تضاريس جسدها الناعم كلوحة خُلقت لتستفز أعتى الرجال.بدأت تمشي نحوي ببطء، بخطوات هادئة ومدروسة، تهتز معها خصرها الممشوق بتناغم يداعب أعمق مشاعري الخبيئة، محولةً الصمت في صدري إلى ثورة بركان هائج يوشك على الانفجار. ومع كل خطوة تقترب بها، كانت زوايا الضوء تكشف بوضوح ساحر عما بين فخذيها؛ كان بضاً ممتلئاً بنعومة أسطورية، تحيط به شعيرات ناعمة ذهبية تتلألأ كأنها غبار الشمس، تنبض بالخصوبة والدفء الشاب.لم أستطع الصمود أمام هذا المشهد لثانية أخرى.قمتُ كالمحفوف بالشرار، وانقضضتُ عليها بحركة خاطفة. لم تدعها قدماها تلمسان الأرض؛ حملتها بين ذراعيّ بقسوة وثبات وهي تطلق زفرة حارة بين شفتيّ، ممسكة بعنقي بكل ما أوتيت من رغبة. ألقيتها على الفراش الوثير، لتتأوه برقة وحرارة حين استقرت أجسادنا معاً، وانفتحت بوابة الليل على عاصفة لا تهدأ من الشغف والامتلاك الجامح.ما إن استقرت على الفراش الوثير حتى تحولت اللح
لم تكن مهلة للتفكير؛ وبحركة خاطفة وواثقة من نصلي الحاد، طارت يد الحارس الأول الممتدة نحوها قبل أن يدرك ما حطّ عليه، ليمتلئ المكان بصراخه المرعب. وفي ومضة عين تلتها، أطحت برأس الحارس الثاني عن جسده ليسقط صريعاً في بركة من الدم. أما الثالث، فلم يحظَ حتى بفرصة تحسس مسدسه، إذ غرزتُ نصلي المسموم في عمق حنجرته، بينما التفّت ذراعي بوحشية مطلقة حول عنق الرابع لأكسر فقراته في كسر من الثانية، فارتطم بالأرض هامداً بلا حركة.سكت الصراخ، ولم يتبقَ في الغرفة سوى ذلك الزعيم القذر الذي تجمدت الدموع في عينيه من هول الصدمة والذهول.رأيته يسقط على ركبتيه ذليلاً، يزحف نحو قدمي كالجرذ المذعور، يرتجف ويبكي متوسلاً:"أرجوك... أرجوك اتركي حياً! خذ ما تريد... ارحمني!"نظرتُ إليه باحتقار بالغ، وأجبته بصوت يقطر سمّاً وبرودة:"مئة مليون دولار... ستكون ثمناً كافياً جداً لتبقي على حياتك التافهة."هز رأسه بجنون وهو يلهث بخوف:"موافق! موافق! حالاً!"أخرج هاتفه الذكي من جيبه، وبأصابع ترتجف رعباً، حول المبلغ كاملاً إلى رقم حسابي البنكي في ثوانٍ معدودات.رفعت نصلي لأنتهي منه للأبد، لكن الفتاة نهضت وألقت نظرة رجاء نحوي، مش
غادر عمال الأثاث الشقة بعد أن أحالوها إلى تحفة معمارية يفوح منها عبق الفخامة. وقفتْ هي في منتصف الصالة، وعيناها الواسعتان تلمعان ببريقٍ من السعادة والذهول لم أره فيهما من قبل؛ كانت نظراتها تتنقل بين القطع المخملية والتحف الفاخرة، وكأنها تستيقظ تدريجياً من كابوسٍ طال أمره.أخذتُ بيديها الناعمتين وقادتُها نحو غرفة النوم التي جهزتها لها بالكامل؛ غرفة ملكية تليق بأميرة، بسرير عريض مغطى بالحرير الناعم، وإضاءة خافضة تثلج الصدور. طالعت الغرفة بدموع السعادة، ثم التفتت نحوي لترتمي في حضني بقوة، تنشد الدفء والأمان.لكن رحلة إعادة بنائها لم تتوقف هنا...أخذتُها إلى كبرى المجمعات والأسواق الفاخرة في المدينة، لتمين خزانة ملابسها بالكامل؛ جعلتُها تختار كل ما تمنت يوماً ارتداءه من فساتين حريرية، وأقمشة ناعمة، وحلي تليق بجمالها المظلوم. لم أدعها تنظر إلى بطاقات الأسعار؛ كنتُ أدفع ببطاقتي المغلقة وأنا أرى الفرحة تسري في عروقها كالماء في الأرض العطشى.ومن هناك، اتجهنا نحو أرقى متاجر التموين والمؤن، لنملأ الشقة بأجود أنواع الأطعمة والمشروبات، حتى لا تذوق طعم الجوع أو الحاجة مجدداً.وبعد يومٍ طويل ومجهد،







