تسجيل الدخولما إن وصلنا، حتى فتحت البوابات الحديدية الضخمة ودخلتُ بالسيارة إلى فناء منزلهم.
لم يكن مجرد منزل... كان قصراً أسطورياً يتضاءل أمامه المدى، ثراءٌ فاحش يصرخ في كل زاوية، حتى خُيل إليّ أن عشرين حارساً سيعبرون أروقته دون أن يُلحظ لهم أثر. توقفت السيارة، فارتفعت صرخات المرجان والارتياح. ركضت رئيسة الخدم تتخبط بدموعها، وتراكضت الخادمات يحتضنّ الأم وابنتها في مشهدٍ اختلط فيه بكاء الفرح بذهول النجاة. أما أنا... فلم تستهوني زخارف القصر ولا رفاهيته. كان عقلي يعمل كغرفة عمليات عسكرية في حالة تأهب قصوى. توليتُ القيادة ميدانياً؛ وزعتُ الحراس بصرامةٍ لا تحتمل الخطأ، وأمرتُ بزرع أجهزة استشعار الحركة في المحيط الخارجي للقصر، وتثبيت خمسة حراس مدججين بالأسلحة عند كل زاوية. كان اليوم الأول هو الأشد خطورة، أي ثغرة بسيطة تعني الكارثة. في غضون ساعات، تم ربط شبكة كاميرات المراقبة بكل شبرٍ من المداخل والمخارج، ووصلت التغذية المباشرة بغرفة العمليات في الشركة الأمنية وبمركز الشرطة الرئيسي. أُغلقت المنافذ، صُمّمت الممرات، وأصبح القصر قلعةً حصينة. وأخيراً... أسدل الليل ستاره الأسود على القصر، محقوناً بالصمت والانتظار. بعد أن أمنتُ محيط القصر، توجّهتُ نحو سيارتي. فتحت صندوق الخلفي، فسطعتْ أمامي قطعتي المعدنية المفضلة؛ ترسانتي الصغيرة التي تعيد لي بهجة المعارك الضارية: مسدسان أمريكيان عيار تسعة ملم، ونصولي السبعة الحادة التي أفضّلها في المواجهات قريبة المدى. لقد بدأ الأمر يصبح مُسلياً حقاً... فقبل أن ألتقي بهذه العائلة، كنتُ أتخبط في مللٍ قاتل، ولم أذق طعم الإثارة أو متعة القتل منذ أكثر من عام. عاد ذلك الشعور القديم ينبض في عروقي؛ كأنما دماء جديدة سَرَت في جسدي الميت، وكأنني وُلقتُ من جديد لأمارس لعبتي الوحيدة. حملتُ سلاحي، وتحزمتُ بنصولي، ثم دخلتُ القصر لأبحث عن والدة الفتاة، قاصداً إطلاعها على البرنامج الأمني اليومي والقواعد الصارمة التي سنعيش وفقها... لكنني ما إن وطأت قدمي الردهة، حتى فوجئتُ بها وابنتها تركضان نحوي بلهفةٍ عارمة. قبل أن أنطق بكلمة، انقضتا عليّ باحتضانٍ مفاجئ وشوقٍ غامر، فوقفتُ مكاني كتمثالٍ من حديد، تائهاً، لا أدرِي ماذا أفعل بيدَيّ العاريتين أمام هذا الدفء البشري الذي لم أعهده منذ عقود. بهدوءٍ بطيء، فككتُ حزام المسدسات، وأزلتُ النصول والسكاكين الحادة عن خصري، ووضعتها جانباً... ثم بسطتُ ذراعيّ لأحتضنهما بدوري. وهناك، وسط ذلك العناق، انهمرت دموع الفتاة بغزارةٍ وهي تهمس بصوتٍ مرتجف يخترق جدار قلبي المتحجر: «أرجوك... لا تتركنا! فحيَاتنا الآن بين يديك.. وتحت رحمتك وحدك.»وجهتُ كلماتي للأم بنبرةٍ حاسمة لا تقبل النقاش:
«أين سأنام؟ أريد غرفةً في الداخل، بجواركن مباشرة... لا أثق بالهدوء، ولا آمن حتى للموجودين داخل هذا القصر. لم أعرف السلام يوماً في حياتي، ولا أغفو إلا بعينٍ واحدة؛ أما العين الأخرى فتمقت الأمان وتراه فخاً قاتلاً.» أمرت الأم الخدم فوراً بتجهيز الغرفة المتاخمة لغرفتهما. وجلسنا لبعض الوقت نتبادل الحديث؛ كانت الفتاة تتمسك بي كأنني والدها، بل ربما أكثر... كأنني البطل الخارق الذي تجسد فجأة ليحميهما من ظلمات العالم. كانت تأبى إفلاتي، وكأن غيابي لثانية واحدة سيعيد الخوف إلى حياتها. قطعت رتابة الجلسة رئيسة الخدم وهي تحني رأسها باحترام: «سيدتي، أتممنا تحضير الغرفة، يمكن للسيد استخدامها الآن.» استأذنتُ منهن للدخول كي أستريح قليلاً، وتركتُ الأم وابنتها تجلسان وتتابعاني بنظراتٍ ملؤها الحب والاطمئنان؛ مشاعرٌ فقداها منذ سنوات طوال تحت بطش الماضي. دخلتُ غرفتي، ومن شدة إرهاقي وتفكيري في أمن المكان، نسيتُ إغلاق الباب خلفي. نزعتُ قميصي لأضمد جرحاً قاسياً في خصري... جرحاً يرفض التعافي ويُعاود النزيف مع كل مجهودٍ عالي؛ لقد كان أثراً حارقاً ينزّ دماً من مخلفات الفسفور الأبيض الذي اكتويتُ به في آخر معاركي الشرسة. انكشف جسدي؛ كتلةٌ ضخمة من الفولاذ والعضلات المفتولة، مغطاة بأكملها بالندوب والتشوهات التي رسمتها أسلحة الحروب.صباح اليوم التالي.. في الزمن الحالي.أخذتُ «إلينا»، ابنة إليزابيث، إلى الجامعة في سنتها الأولى. لم أكن أثق بالحراس مطلقا؛ فبالنسبة إليّ، حماية تلك اللبوة الصغيرة أولوية قصوى تتجاوز حماية أمها نفسها... فـ«إلينا» هي الهدف الحقيقي الذي يطاردها ألكسندر ليرغم العائلة على الخضوع.عند باب الجامعة، أمرتُ باقي الحرس بالمرابطة خارجاً. دخلتُ معها، لكنني وضعتُ أسلحتي داخل السيارة؛ فلا أثق بأي أحد لأودعه الترسانة التي أحملها.دخلتُ الجامعة... وكأنني أطأ أرض عالمٍ آخر تماماً؛ عالمٍ يعج بالمراهقين والمراهقات الذين بلغوا للتو، صخب طيشٍ وهواءٍ غريب لم تعهده حواسي القاسية.كنتُ أمشي خلف تلك اللبوة الصغيرة، وهي تتغنج بمشيتها المتكبرة؛ فقد كانت تُعدّ من أثرى الأثرياء في هذه المؤسسة. دخلنا القسم الذي قُبلت فيه كطالبةٍ للمرحلة الأولى، وسط نظرات وهمسات المراهقات اللاتي أخذن يحدقن بي بتلك النظرات المعجبة بجسدي العريض وهيبتي العسكرية.لم أهتم لهن مطلقا، ولم أكن أبالي بشيء من هذا العبث.وصلنا إلى قسم التسجيل، وهنا بدأت «إلينا» تفتعل المشاكل بصلف؛ فهي متكبرة إلى حدٍ استفزازي، ولم أكن مستغرباً من ذلك أبداً، فهي
اليزابيث... ابنة «آرون»، الشريك الوحيد والفعلي للطاغية ألكسندر في تلك الإمبراطورية المالية والشركة الضخمة التي شُيدت على جماجم الخصوم وتلال الأموال.كانت ثروة «آرون» أسطورية، تفتح لها الأبواب وتخضع لها الرقاب. وحين ثَقُل عليه المرض وأصبح على وشك الموت، لم يكن يملك في هذا العالم سوى وريثته الوحيدة... ابنته إليزابيث، الفتاة التي ستنزل إليها كل تلك التركة الشاسعة بمجرد رحيله.لكن ذلك العجوز الخبيث ألكسندر لم يكن ليرضى بأن تخرج قطرة واحدة من تلك الثروة خارج إمبراطوريته. عقد العزم على وضع يده على ثروة شريكه بالكامل، وبطرقٍ ماكرة وخبيثة لا تخطر على بال شيطان. تقدم ألكسندر إلى آرون وهو على فراش الموت، طالباً يد إليزابيث لولده «جون»... جون الذي كان شاباً طائشاً، متهوراً، لا تقف لشهواته وطيشه حدود.كان «آرون» على قدرٍ عالٍ من الذكاء والحنكة؛ كان يعلم يقيناً أن إليزابيث-برقتها وغضاضة سنّها-لن تستطيع أبداً الصمود أمام دهاء ألكسندر وشروره بمفردها إن رحل. استدعى ابنته بلهفة ليرى وجهها للمرة الأخيرة، ويكلمها، ويحذرها من مخططات ألكسندر الشيطانية... لكن الموت كان أسرع، ففاضت روحه قبل وصولها إلى الغرف
تحت سقف تلك الغرفة المظلمة، وفي لحظة تجلت فيها أقسى معاني السيطرة والولاء، أحكمتُ قبضتي على خصلات شعرها المبعثرة، مسيطراً على إيقاع جسدها وهي منحنية بذلك الشكل الذي يشبه طقوس الخشوع المطلق.كانت آهاتها المتصاعدة تملأ المكان بصدى غريب، تخرج من بين شفتيها كترنيمة مقدسة، تشبه تراتيل المعابد المظلمة التي تُتلى في حضرة القوة المطلقة. لم تكن مجرد أصوات عابرة، بل كانت ترتفع كصلاة حية تعكس عمق الانصهار والامتنان، حيث يختلط الوجع باللذة، ويتحول الاستسلام بين سواعدنا إلى طقس سرمدي لا يمكن لأحد غيرنا فهمه. كانت تنظر إلى الأرض بخشوع بينما يعكس صوتها ذلك الخضوع الكامل، لتصبح كل شهقة بمثابة ترنيمة تنحت أسماءنا في جدران الليل الأبدي.تحت سطوة الهدوء الذي أعقب ذلك الاتحاد العنيف، تركتُ جسدينا العاريين يلتصقان في ذلك الفراش الذي تحول إلى محراب، بينما كانت ترتجف بخفة بين أحضاني، محملة بصدى ذلك العهد الأبدي الذي صاغته طقوس الليلة.تسلل التعب الثقيل إلى أعماقي، وبدأ ألم الجرح القديم ينبض بحرقة تحت الجلد، مذكراً إياي بأنني لستُ سوى مقاتل يحمل ندوبه أينما حلّ وارتحل. أغمضت عيني وسط ذلك الدفء المؤقت، تاركاً
انزلق الروب الحريري الأسود عن كتفيها ببطء، وسقط على الأرض بلا صوت، ليترك جسدها المكسو بالضوء الخافت عارياً تماماً، عدا عن الفتنة الطاغية التي تزهر في كل إنش منه. لم يعد القماش الشفاف يحجب شيئاً؛ برزت تضاريس جسدها الناعم كلوحة خُلقت لتستفز أعتى الرجال.بدأت تمشي نحوي ببطء، بخطوات هادئة ومدروسة، تهتز معها خصرها الممشوق بتناغم يداعب أعمق مشاعري الخبيئة، محولةً الصمت في صدري إلى ثورة بركان هائج يوشك على الانفجار. ومع كل خطوة تقترب بها، كانت زوايا الضوء تكشف بوضوح ساحر عما بين فخذيها؛ كان بضاً ممتلئاً بنعومة أسطورية، تحيط به شعيرات ناعمة ذهبية تتلألأ كأنها غبار الشمس، تنبض بالخصوبة والدفء الشاب.لم أستطع الصمود أمام هذا المشهد لثانية أخرى.قمتُ كالمحفوف بالشرار، وانقضضتُ عليها بحركة خاطفة. لم تدعها قدماها تلمسان الأرض؛ حملتها بين ذراعيّ بقسوة وثبات وهي تطلق زفرة حارة بين شفتيّ، ممسكة بعنقي بكل ما أوتيت من رغبة. ألقيتها على الفراش الوثير، لتتأوه برقة وحرارة حين استقرت أجسادنا معاً، وانفتحت بوابة الليل على عاصفة لا تهدأ من الشغف والامتلاك الجامح.ما إن استقرت على الفراش الوثير حتى تحولت اللح
لم تكن مهلة للتفكير؛ وبحركة خاطفة وواثقة من نصلي الحاد، طارت يد الحارس الأول الممتدة نحوها قبل أن يدرك ما حطّ عليه، ليمتلئ المكان بصراخه المرعب. وفي ومضة عين تلتها، أطحت برأس الحارس الثاني عن جسده ليسقط صريعاً في بركة من الدم. أما الثالث، فلم يحظَ حتى بفرصة تحسس مسدسه، إذ غرزتُ نصلي المسموم في عمق حنجرته، بينما التفّت ذراعي بوحشية مطلقة حول عنق الرابع لأكسر فقراته في كسر من الثانية، فارتطم بالأرض هامداً بلا حركة.سكت الصراخ، ولم يتبقَ في الغرفة سوى ذلك الزعيم القذر الذي تجمدت الدموع في عينيه من هول الصدمة والذهول.رأيته يسقط على ركبتيه ذليلاً، يزحف نحو قدمي كالجرذ المذعور، يرتجف ويبكي متوسلاً:"أرجوك... أرجوك اتركي حياً! خذ ما تريد... ارحمني!"نظرتُ إليه باحتقار بالغ، وأجبته بصوت يقطر سمّاً وبرودة:"مئة مليون دولار... ستكون ثمناً كافياً جداً لتبقي على حياتك التافهة."هز رأسه بجنون وهو يلهث بخوف:"موافق! موافق! حالاً!"أخرج هاتفه الذكي من جيبه، وبأصابع ترتجف رعباً، حول المبلغ كاملاً إلى رقم حسابي البنكي في ثوانٍ معدودات.رفعت نصلي لأنتهي منه للأبد، لكن الفتاة نهضت وألقت نظرة رجاء نحوي، مش
غادر عمال الأثاث الشقة بعد أن أحالوها إلى تحفة معمارية يفوح منها عبق الفخامة. وقفتْ هي في منتصف الصالة، وعيناها الواسعتان تلمعان ببريقٍ من السعادة والذهول لم أره فيهما من قبل؛ كانت نظراتها تتنقل بين القطع المخملية والتحف الفاخرة، وكأنها تستيقظ تدريجياً من كابوسٍ طال أمره.أخذتُ بيديها الناعمتين وقادتُها نحو غرفة النوم التي جهزتها لها بالكامل؛ غرفة ملكية تليق بأميرة، بسرير عريض مغطى بالحرير الناعم، وإضاءة خافضة تثلج الصدور. طالعت الغرفة بدموع السعادة، ثم التفتت نحوي لترتمي في حضني بقوة، تنشد الدفء والأمان.لكن رحلة إعادة بنائها لم تتوقف هنا...أخذتُها إلى كبرى المجمعات والأسواق الفاخرة في المدينة، لتمين خزانة ملابسها بالكامل؛ جعلتُها تختار كل ما تمنت يوماً ارتداءه من فساتين حريرية، وأقمشة ناعمة، وحلي تليق بجمالها المظلوم. لم أدعها تنظر إلى بطاقات الأسعار؛ كنتُ أدفع ببطاقتي المغلقة وأنا أرى الفرحة تسري في عروقها كالماء في الأرض العطشى.ومن هناك، اتجهنا نحو أرقى متاجر التموين والمؤن، لنملأ الشقة بأجود أنواع الأطعمة والمشروبات، حتى لا تذوق طعم الجوع أو الحاجة مجدداً.وبعد يومٍ طويل ومجهد،







