LOGINمر أسبوعان منذ أن بعتُ الغرام الأول من "سيبيريت". أسبوعان منذ أن استغلت القوة ثغرات روحي لتستقر فيها. كنتُ قد تغيرت؛ ليس في ملامحي الداخلية فحسب، بل في غلافي الخارجي أيضاً. اشتريتُ معطفاً أسود جديداً من متجر للمقتنيات المستعملة، لكنه كان يفوق معطفي البالي القديم فخامةً. ابتعثُ حذاءً جلدياً أسود يلمع كمرآة تعكس صقيع الطريق، وقبعة صوفية رمادية تحمي أذنيّ من أنياب البرد. لم أعد أبدو كلاجئٍ لفظته الحرب؛ بل بدوت كطالب روسي ميسور، أو كشخصٍ يملك في جيبه أكثر من مجرد ثمن وجبته التالية.
لاحظ نيكولاي هذا التبدل. قال لي ذات صباح ونحن نتجه نحو القاعة: "تبدو كرجل الآن." نظرتُ إليه ببرود: "كنتُ رجلاً دائماً." هز رأسه بابتسامة صفراء: "لا، كنتَ فتىً مسكوناً بالخوف. كنتَ تكنس الأرض بنظراتك حين تمشي، وتهمس بالكلمات كأنها خطيئة. الآن.. الآن تمشي كمن يملك المكان، حتى نبرة صوتك استقامت." لم أعقب، لكنني كنتُ أدرك صدق قوله. بتُّ أخاف أقل، وأتردد أقل، وأصبح أكثر برودة وصلابة.. كأنني بدأتُ أتحول إلى نسخة منه. في أحد الأيام، وبينما كنتُ أعبر الحرم الجامعي عائداً من المحاضرة، كان الثلج يهطل بهدوء كذرات ماسية تتراكم فوق قبعتي وكتفيّ. كانت السحب الرمادية المنخفضة تصبغ النهار بصبغة مساءٍ باهت وكسول. وفجأة، رأيتها. كانت أولغا جالسة على مقعد خشبي تحت شجرة عانقها الجليد. ترتدي كنزة صوفية زرقاء غامقة، وشعرها الأسود ينسدل على كتفيها بتمردٍ هادئ. كانت غارقة في كتاب سميك، ورأسها منحني بتركيزٍ جعلها تبدو كلوحة زيتية لامرأة وحيدة في محيط من البياض المطبق. توقفتُ لثانية، فكرتُ في تجاوزها دون كلام، لكن قدميّ تمردتا عليّ وقادتاني نحوها. وقفتُ أمامها حتى حجب ظلي ضوء النهار عن صفحات كتابها. رفعت بصرها ببطء، واتسعت عيناها الخضراوان قبل أن تضيقا بذهولٍ مرتبك. تفرست في وجهي، ثم معطفي، ثم حذائي.. وكأنها تعيد رسم ملامحي في ذاكرتها من جديد. "يوسف؟" قالت بنبرة مترددة، "أنت.. مختلف تماماً." "مجرد ملابس جديدة،" أجبتُ ببرودٍ لم أكن أقصده. "ليست الملابس فحسب،" أغلقت كتابها ووضعته على حجرها، "ثمة شيء في عينيك لم أعهده من قبل. كنتَ تنظر إليّ كطفلٍ يترقب الصدمة، الآن.. تنظر كمن يحكم قبضته على العالم." لم أجب، بل جلستُ بجوارها. كان الخشب بارداً حتى عبر طبقات معطفي. ساد الصمت، وكانت الريح تعبث بخصلات شعرها، فتحمل إليّ رائحة الصابون الطبيعي والبخور الخفيف.. تلك الرائحة التي اشتقتُ إليها في زحمة أبخرة المختبر، لكن كبريائي لجم لساني. "سمعتُ أنك ونيكولاي تبيعان شيئاً ما للطلاب،" قالتها فجأة، وكان صوتها حاداً كشفرةٍ تخترق الصمت. توقف قلبي عن النبض لبرهة، وشعرتُ ببرودة تسري في عروقي. كان بوسعي الإنكار، أو التظاهر بالاستغراب، لكنني نظرتُ في عينيها الخضراوين ورأيتُ فيهما حزناً شفافاً وخوفاً حقيقياً.. لم يكن خوفاً مني، بل كان خوفاً عليّ. "نعم،" اعترفتُ أخيراً. "لماذا؟" ارتجف صوتها قليلاً. "لأنني سئمتُ العوز، والمنحة لا تسد الرمق،" أشرتُ إلى معطفي وتابعت: "هذا الأناقة لم تأتِ من صدقات الجامعة." رمقت المعطف بنظرة خاطفة ثم حدقت في عيني: "هذا المعطف قد يساوى حياة إنسان، ألا تدرك ذلك؟" "لا تبالغي في الأمر." "أنا لا أبالغ!" وقفت فجأة، وكاد كتابها يسقط فأمسكتُه قبل أن يلامس الثلج. نظرت إليّ من فوق وهي تتابع: "يوسف، أنت لست مجرماً. أنت طالب عبقري فر من الموت ليدرس العلم، لا تسمح لنيكولاي أن يشوهك، لا تسمح له أن يحولك إلى واحدٍ من هؤلاء الوحوش." وقفتُ بدوري، ورغم أنني كنتُ أقصر منها بقليل، إلا أن نظرتي كانت أكثر جموداً. "أولغا، أنا لا أؤذي أحداً. منتجي نقي وآمن، والناس يشترونه بمحض إرادتهم.. ليس أسوأ من الفودكا التي يغرقون فيها." "الفودكا لا تُباع سراً في سراديب مهجورة!" قاطعتني بحدة، "المنتجات الآمنة لا تحتاج للاختباء في الحانات الوضيعة. هل تعرف لماذا؟ لأن ما تفعله غير قانوني، وغير القانوني يعني خطراً، والخطر يعني أن شخصاً ما سيدفع الثمن من حياته قريباً." أخرستني الحقيقة التي كنتُ أحاول دفنها. كانت على حق، وكنتُ أعلم ذلك في قرارة نفسي، لكن طعم القوة كان قد أفسد حواسي. "أنا خائفة عليك،" همست بصوتٍ خنقته الريح، "أخاف أن أرى اسمك غداً في قوائم الموتى، أو أسمع أن الشرطة قد سحلتك، أو يجدونك جثة متجمدة في خندق برصاصة في رأسك." "لن أموت،" قلتُها بضعفٍ لم يفتها. "لا تقطع وعوداً لا يملك الوفاء بها سوى الموت،" همست بمرارة. ثم انحنت فجأة، وطبعت قبلة دافئة على خدي. كانت شفتاها ناعمتين كالحرير، ونبضت دفقات دفئهما في وجهي المتجمد. شعرتُ بوخزٍ غريب يسري من خدي إلى صدري، كأن جمرةً قد سقطت في قلبي. ثم ابتعدت بسرعة. نظرت إليّ لمرة أخيرة بعينين غائمتين بدموعٍ حبستها بكبرياء، ثم التفتت ومضت بخطىً حثيثة، تاركةً أثر قدميها الخفيف على بساط الثلج. بقيتُ متسمراً في مكاني، ويداي ترتجفان؛ ليس من الصقيع، بل من ثقل الذنب والأسى والغضب من ضعفي. عدتُ إلى السكن دون أن أعبر طريق المختبر تلك الليلة. جلستُ في الغرفة وحيداً، في غياب نيكولاي. أخرجتُ دفتري، أردتُ أن أكتب عن أولغا، عن عينيها، عن دفء قبلتها.. لكن القلم تجمد في يدي. شطبتُ الصفحة البيضاء بغضب، وكتبتُ بخطٍ عريضٍ ومظلم: "سأستمر.. لا خيار لدي." لكنني كنتُ أعلم أنها كذبة؛ كان الخيار متاحاً في كل لحظة، كان بإمكاني حرق ذلك المختبر والعودة إلى طهارة الفقر. لكنني استعذبتُ القوة، واستسغتُ طعم السيادة، وكان إدمان السلطة أفتك من إدمان "سيبيريت". أطفأتُ النور واستلقيتُ في الظلام، فتردد صدى صوت أولغا في رأسي: "لا تثق بنيكولاي كثيراً". همستُ لنفسي بمرارة: "ولا تثق بنفسك أيضاً". لكن صمت سيبيريا ابتلع همسي، ولم يسمعه أحد.. لا أولغا، ولا أمي، ولا حتى ضميري الذي كان يحتضر ببطء.الأماكن التي هربتَ منها لا تنساك. تنتظرك بصبر الأشياء التي تعرف أنك ستعود. الطائرة بدأت بالهبوط في الساعة العاشرة صباحاً. جلستُ عند النافذة وكانت سوريا تظهر ببطء من تحت الغيوم — أولاً خطوط بنية وصفراء لا تقول شيئاً، ثم تفاصيل أكثر، ثم مدينة. دمشق. نظرتُ إليها من الأعلى وحاولتُ أن أشعر بشيء محدد. لكن ما جاء لم يكن محدداً — كان مزيجاً غريباً من أشياء لا تجتمع عادةً. شيء يشبه الوصول لمكان تعرفه ولا تعرفه في آن واحد. تعرف لغته وهواءه وألوانه. لكن الشخص الذي كان يعرفه بالكامل لم يعد موجوداً — ذهب في طائرة قبل سنوات وترك مكانه لرجل آخر يحمل نفس الاسم. قال ألكسي بجانبي دون أن يرفع عينيه من الملف الذي يقرأه: «أول مرة تعود؟» «نعم.» «كيف تشعر؟» نظرتُ للنافذة. «لا أعرف بعد.» أومأ كأن هذا الجواب كان متوقعاً. «هذا طبيعي. سوريا تحتاج وقتاً حتى تقرر كيف تشعر معها.» «أنت تعرفها جيداً؟» «أعرفها بقدر ما يسمح لي عملي.» نظر من النافذة لثانية. «لكنك ستعرفها بطريقة مختلفة. أنت منها.» الطائرة لامست الأرض. وسوريا استقبلتني بصمت لا يُشبه أي استقبال آخر. المطار كان مختلفاً عما تذكّرتُه. أو ربما
الرجل الذي يغادر مكاناً للمرة الثانية يغادره بطريقة مختلفة. المرة الأولى تغادر لأنك تهرب. المرة الثانية تغادر لأنك قررت. في آخر يوم في سيبيريا، استيقظتُ قبل الفجر. لم يكن هناك سبب محدد. لكن الجسد أحياناً يعرف قبل العقل أن شيئاً ما على وشك أن يتغير، فيستيقظ ليودّع بهدوء قبل أن يبدأ الضجيج. جلستُ على حافة السرير في الظلام. سيبيريا خارج النافذة كانت صامتة بصمتها المعتاد — ذلك الصمت الذي لا تجده في المدن الكبيرة، صمت المكان الذي لا يحاول أن يُثبت شيئاً لأحد. نظرتُ للنافذة وفكّرتُ في كل ما حدث في هذا المكان. المختبر القديم. فيكتور. مارينا. أولغا. دراغان. وفوق كل شيء — نيكولاي. سيبيريا أخذت مني أشياء لن تعود. وأعطتني أشياء لم أكن أعرف أنني أحتاجها. قمتُ. ارتديتُ معطاي. وخرجتُ. مشيتُ في شوارع المدينة وحدي قبل أن يستيقظ أحد. الثلج تحت قدمي يُصدر صوته المعتاد. الهواء بارد بطريقة سيبيريا التي اعتدتُها الآن — لم يعد عدواً، أصبح جزءاً من التنفس. مررتُ بالمقهى الصغير. بالحانة التي التقينا فيها بفيكتور لأول مرة. بالشارع الذي وقف فيه نيكولاي ذات ليلة وقال أتمنى أن ينتهي هذا بسرعة ولم يُكمل ا
الأماكن التي شهدت بداياتك لا تنساك. تحتفظ بك في جدرانها وهوائها وصمتها. وحين تعود إليها لا تعود كزائر — تعود كجزء منها كان غائباً. في الصباح الثاني في سيبيريا، ذهبتُ للمختبر القديم. لم يطلب مني أحد الذهاب. ولم أُخطط له. استيقظتُ وعرفتُ أن هذا ما يجب أن أفعله قبل أي شيء آخر — قبل أن أرى ميلان وديمتري وقبل أن أُراجع الأرقام وقبل أن أبدأ ما جئتُ لأبدأه. أن أذهب لهناك أولاً. مشيتُ وحدي. الطريق لمبنى الفيزياء القديم لم يتغير. نفس الممرات ونفس الأشجار التي تحمل الثلج على أغصانها كأنها اعتادت هذا الثقل منذ الأزل. الجامعة في الصباح الباكر كانت شبه فارغة — بعض الطلاب يمشون بسرعة برؤوس محنية في مواجهة البرد. لم يلتفت أحد إليّ. وصلتُ لمبنى الفيزياء. الباب الخارجي لم يكن مقفلاً — لم يكن مقفلاً يوماً بطريقة تمنع من يعرف. نزلتُ الدرج الحلزوني الصدئ. رائحة الرطوبة والعفن لا تزال هناك، نفسها تماماً، كأن الوقت لم يمس هذا المكان. وقفتُ أمام الباب الحديدي الثقيل. أخرجتُ المفتاح. لا أعرف لماذا أبقيتُه معي كل هذا الوقت. حملتُه من سيبيريا لموسكو ومن موسكو لكل مكان ذهبتُ إليه. مفتاح صدئ لا قيمة له
المكان الذي بدأتَ فيه لا يتذكرك. لكنك تتذكره. وهذا الفرق هو كل شيء. قررتُ العودة لسيبيريا في صباح عادي. لم يكن قراراً مدروساً بالطريقة التي أتخذ بها القرارات عادةً — لا جداول ولا أوراق ولا اجتماعات. استيقظتُ وعرفتُ. أحياناً الأشياء الصحيحة تأتي هكذا، بدون مقدمات، كأن جزءاً من داخلك كان يعرف منذ وقت وانتظر حتى تلحق به. اتصلتُ بفاسيلي. «فاسيلي، أنا قادم.» صمت قصير. ثم: «متى؟» «بعد يومين.» «سأكون في المحطة.» لم يسأل لماذا الآن. لم يسأل عن خطط أو أعمال أو اجتماعات. فقط قال سأكون في المحطة. وهذا كان كافياً. أخبرتُ بوريس. جلس أمامي وسمع. ثم قال: «كم ستبقى؟» «لا أعرف.» «يوسف، هناك أشياء هنا تحتاج—» «بوريس.» توقف. «الشبكة تعمل وحدها. هذا ما بنيناه من أجله. أعطني أسبوعاً.» نظر إليّ بعيون تُقيّم ثم أومأ. «أسبوع.» في اليوم الأخير في موسكو، مشيتُ في الشوارع وحدي. مشيتُ في أربات — الشارع الذي مررتُ به أول أيامنا حين أخذنا بوريس في جولته. مررتُ بالمطعم الصغير الذي جلسنا فيه مع فولكوف في أول لقاء حقيقي. مررتُ بالمقهى الذي كان نيكولاي يذهب إليه وحده في تلك الأيام الصعبة. وقفتُ أمام
الإنسان لا يتذكر كل شيء. لكن بعض الأشياء تتذكره هي — تجلس فيه دون أن يدعوها وتبقى دون أن يطلب. وهذا النوع من البقاء لا يُشبه أي شيء آخر. في الأسابيع التي تلت، تعلّمتُ شيئاً لم أكن أعرفه من قبل. تعلّمتُ أن الفقد لا يذهب. يتغير شكله فقط. في البداية كان حاداً بطريقة الجروح الجديدة. كل صباح بدون رائحة القهوة كان يُخبرني. كل اجتماع والكرسي عن يساري فارغ كان يُخبرني. كل لحظة أريد فيها أن أقول شيئاً لشخص يفهم قبل أن أُكمل الجملة — كانت تُخبرني. الفقد في أيامه الأولى يسكن في الأشياء الصغيرة أكثر مما يسكن في اللحظات الكبيرة. ليس في الجنازة ولا في الورقة ولا في الغرفة المرتبة. بل في كوب القهوة الفارغ. وفي السيجارة التي لا أحد يُشعلها. وفي الصمت الذي لا ينتظر. ثم بدأ يتغير ببطء. لم يخف. لم يُصبح أصغر. لكنه أصبح جزءاً من الهواء الذي أتنفسه — دائماً هناك لكن لا يمنعك من التنفس. في أحد الصباحات في الأسبوع الرابع، صنعتُ القهوة كالمعتاد. جلستُ أمامها. ومددتُ يدي وشربتُ. وهي لا تزال ساخنة. لم أنسَ. لم تبرد أمامي بينما أنا أحدق في نقطة لا شيء فيها. شربتُها كما يشرب الإنسان قهوته في صباح عادي —
الرجل الذي يصل وحده لا يصل بنفس الطريقة التي تخيّلها. القمة هناك. لكن المكان بجانبك فارغ. وهذا الفراغ لا يُشبه أي فراغ آخر — لأنه فراغ له شكل. في الأسبوع الثالث بعد رحيل نيكولاي، وصلتُ. ليس بإعلان ولا باحتفال ولا بلحظة درامية تُخبرك أن هذا هو المكان. وصلتُ بالطريقة التي تصل بها الأشياء الحقيقية — ببطء وبتراكم وبيوم يشبه اليوم الذي قبله حتى تجلس ذات مساء وتنظر لما أمامك وتُدرك بهدوء أنك وصلتَ. كان المساء عادياً في بداياته. بوريس على الطاولة يُراجع أرقام الأسبوع. غريغوري أرسل تقريراً عن آخر التحركات في الشبكة. وفولكوف — الذي نادراً ما يتصل في المساء — اتصل في الثامنة. رددتُ. «يوسف.» «فولكوف.» «أريد أن أقول لك شيئاً.» نبرته كانت مختلفة — ليست نبرة الاجتماعات والأرقام. نبرة رجل في الستين يقول شيئاً قرر أن يقوله لأنه يعتقد أنه يجب أن يُقال. «موسكو الآن لك بالكامل. ليس بالقدر الذي يهم — بالكامل. كل من يعمل في هذه المدينة بالطريقة التي تعمل بها يعرف اسمك ويعرف ما خلفه.» جلستُ مع هذه الجملة في صمت. موسكو بالكامل. فكّرتُ في سيبيريا. في الغرفة 319 والبرد الذي لا يرحم والحافلة التي أو