Share

أولغا مرة أخرى

Author: Alaa issa
last update publish date: 2026-05-04 05:25:40

مر أسبوعان منذ أن بعتُ الغرام الأول من "سيبيريت". أسبوعان منذ أن استغلت القوة ثغرات روحي لتستقر فيها. كنتُ قد تغيرت؛ ليس في ملامحي الداخلية فحسب، بل في غلافي الخارجي أيضاً. اشتريتُ معطفاً أسود جديداً من متجر للمقتنيات المستعملة، لكنه كان يفوق معطفي البالي القديم فخامةً. ابتعثُ حذاءً جلدياً أسود يلمع كمرآة تعكس صقيع الطريق، وقبعة صوفية رمادية تحمي أذنيّ من أنياب البرد. لم أعد أبدو كلاجئٍ لفظته الحرب؛ بل بدوت كطالب روسي ميسور، أو كشخصٍ يملك في جيبه أكثر من مجرد ثمن وجبته التالية.

​لاحظ نيكولاي هذا التبدل. قال لي ذات صباح ونحن نتجه نحو القاعة: "تبدو كرجل الآن."

نظرتُ إليه ببرود: "كنتُ رجلاً دائماً."

هز رأسه بابتسامة صفراء: "لا، كنتَ فتىً مسكوناً بالخوف. كنتَ تكنس الأرض بنظراتك حين تمشي، وتهمس بالكلمات كأنها خطيئة. الآن.. الآن تمشي كمن يملك المكان، حتى نبرة صوتك استقامت."

لم أعقب، لكنني كنتُ أدرك صدق قوله. بتُّ أخاف أقل، وأتردد أقل، وأصبح أكثر برودة وصلابة.. كأنني بدأتُ أتحول إلى نسخة منه.

​في أحد الأيام، وبينما كنتُ أعبر الحرم الجامعي عائداً من المحاضرة، كان الثلج يهطل بهدوء كذرات ماسية تتراكم فوق قبعتي وكتفيّ. كانت السحب الرمادية المنخفضة تصبغ النهار بصبغة مساءٍ باهت وكسول. وفجأة، رأيتها.

​كانت أولغا جالسة على مقعد خشبي تحت شجرة عانقها الجليد. ترتدي كنزة صوفية زرقاء غامقة، وشعرها الأسود ينسدل على كتفيها بتمردٍ هادئ. كانت غارقة في كتاب سميك، ورأسها منحني بتركيزٍ جعلها تبدو كلوحة زيتية لامرأة وحيدة في محيط من البياض المطبق. توقفتُ لثانية، فكرتُ في تجاوزها دون كلام، لكن قدميّ تمردتا عليّ وقادتاني نحوها.

​وقفتُ أمامها حتى حجب ظلي ضوء النهار عن صفحات كتابها. رفعت بصرها ببطء، واتسعت عيناها الخضراوان قبل أن تضيقا بذهولٍ مرتبك. تفرست في وجهي، ثم معطفي، ثم حذائي.. وكأنها تعيد رسم ملامحي في ذاكرتها من جديد.

​"يوسف؟" قالت بنبرة مترددة، "أنت.. مختلف تماماً."

"مجرد ملابس جديدة،" أجبتُ ببرودٍ لم أكن أقصده.

"ليست الملابس فحسب،" أغلقت كتابها ووضعته على حجرها، "ثمة شيء في عينيك لم أعهده من قبل. كنتَ تنظر إليّ كطفلٍ يترقب الصدمة، الآن.. تنظر كمن يحكم قبضته على العالم."

​لم أجب، بل جلستُ بجوارها. كان الخشب بارداً حتى عبر طبقات معطفي. ساد الصمت، وكانت الريح تعبث بخصلات شعرها، فتحمل إليّ رائحة الصابون الطبيعي والبخور الخفيف.. تلك الرائحة التي اشتقتُ إليها في زحمة أبخرة المختبر، لكن كبريائي لجم لساني.

​"سمعتُ أنك ونيكولاي تبيعان شيئاً ما للطلاب،" قالتها فجأة، وكان صوتها حاداً كشفرةٍ تخترق الصمت.

توقف قلبي عن النبض لبرهة، وشعرتُ ببرودة تسري في عروقي. كان بوسعي الإنكار، أو التظاهر بالاستغراب، لكنني نظرتُ في عينيها الخضراوين ورأيتُ فيهما حزناً شفافاً وخوفاً حقيقياً.. لم يكن خوفاً مني، بل كان خوفاً عليّ.

"نعم،" اعترفتُ أخيراً.

"لماذا؟" ارتجف صوتها قليلاً.

"لأنني سئمتُ العوز، والمنحة لا تسد الرمق،" أشرتُ إلى معطفي وتابعت: "هذا الأناقة لم تأتِ من صدقات الجامعة."

​رمقت المعطف بنظرة خاطفة ثم حدقت في عيني: "هذا المعطف قد يساوى حياة إنسان، ألا تدرك ذلك؟"

"لا تبالغي في الأمر."

"أنا لا أبالغ!" وقفت فجأة، وكاد كتابها يسقط فأمسكتُه قبل أن يلامس الثلج. نظرت إليّ من فوق وهي تتابع: "يوسف، أنت لست مجرماً. أنت طالب عبقري فر من الموت ليدرس العلم، لا تسمح لنيكولاي أن يشوهك، لا تسمح له أن يحولك إلى واحدٍ من هؤلاء الوحوش."

​وقفتُ بدوري، ورغم أنني كنتُ أقصر منها بقليل، إلا أن نظرتي كانت أكثر جموداً. "أولغا، أنا لا أؤذي أحداً. منتجي نقي وآمن، والناس يشترونه بمحض إرادتهم.. ليس أسوأ من الفودكا التي يغرقون فيها."

"الفودكا لا تُباع سراً في سراديب مهجورة!" قاطعتني بحدة، "المنتجات الآمنة لا تحتاج للاختباء في الحانات الوضيعة. هل تعرف لماذا؟ لأن ما تفعله غير قانوني، وغير القانوني يعني خطراً، والخطر يعني أن شخصاً ما سيدفع الثمن من حياته قريباً."

​أخرستني الحقيقة التي كنتُ أحاول دفنها. كانت على حق، وكنتُ أعلم ذلك في قرارة نفسي، لكن طعم القوة كان قد أفسد حواسي.

"أنا خائفة عليك،" همست بصوتٍ خنقته الريح، "أخاف أن أرى اسمك غداً في قوائم الموتى، أو أسمع أن الشرطة قد سحلتك، أو يجدونك جثة متجمدة في خندق برصاصة في رأسك."

"لن أموت،" قلتُها بضعفٍ لم يفتها.

"لا تقطع وعوداً لا يملك الوفاء بها سوى الموت،" همست بمرارة.

​ثم انحنت فجأة، وطبعت قبلة دافئة على خدي.

كانت شفتاها ناعمتين كالحرير، ونبضت دفقات دفئهما في وجهي المتجمد. شعرتُ بوخزٍ غريب يسري من خدي إلى صدري، كأن جمرةً قد سقطت في قلبي. ثم ابتعدت بسرعة.

نظرت إليّ لمرة أخيرة بعينين غائمتين بدموعٍ حبستها بكبرياء، ثم التفتت ومضت بخطىً حثيثة، تاركةً أثر قدميها الخفيف على بساط الثلج.

​بقيتُ متسمراً في مكاني، ويداي ترتجفان؛ ليس من الصقيع، بل من ثقل الذنب والأسى والغضب من ضعفي.

عدتُ إلى السكن دون أن أعبر طريق المختبر تلك الليلة. جلستُ في الغرفة وحيداً، في غياب نيكولاي. أخرجتُ دفتري، أردتُ أن أكتب عن أولغا، عن عينيها، عن دفء قبلتها.. لكن القلم تجمد في يدي.

شطبتُ الصفحة البيضاء بغضب، وكتبتُ بخطٍ عريضٍ ومظلم: "سأستمر.. لا خيار لدي."

​لكنني كنتُ أعلم أنها كذبة؛ كان الخيار متاحاً في كل لحظة، كان بإمكاني حرق ذلك المختبر والعودة إلى طهارة الفقر. لكنني استعذبتُ القوة، واستسغتُ طعم السيادة، وكان إدمان السلطة أفتك من إدمان "سيبيريت".

​أطفأتُ النور واستلقيتُ في الظلام، فتردد صدى صوت أولغا في رأسي: "لا تثق بنيكولاي كثيراً".

همستُ لنفسي بمرارة: "ولا تثق بنفسك أيضاً".

لكن صمت سيبيريا ابتلع همسي، ولم يسمعه أحد.. لا أولغا، ولا أمي، ولا حتى ضميري الذي كان يحتضر ببطء.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيبيريت   ما يتبقى — الفصل الأخير

    الرجل الذي يصل إلى النهاية لا يجدها نقطة واضحة على خط مستقيم. يجدها مكاناً يلتفت فيه إلى الخلف، ليدرك أن ما يسميه نهاية كان دائماً بداية شيء لم يعرف اسمه بعد. مرّت ستة أشهر على سقوط النظام. في ذلك الصباح الخريفي الهادئ، قُدتُ سيارتي من دمشق إلى حلب لأول مرة منذ أن تركتُها في ذلك الصباح المتسارع حين استدعاني ألكسي عاجلاً. الطريق كان مختلفاً — نقاط تفتيش جديدة، وجوه لا أعرفها تحمل أسلحة لم أتخيل يوماً رؤيتها في مثل هذه المواقع. لكن المدن التي مررتُ بها في طريقي كانت تنبض بحياة لا تزال فيها حرارة، رغم أن حرارة مختلفة عما كانت عليه. وصلتُ إلى الفيلا عند الظهر. أمي كانت تنتظر عند الباب، كأنها سمعت صوت السيارة من بعيد. لم تقل شيئاً حين احتضنتني، فقط ضمّتني بقوة تلك الأم التي تعرف أن ابنها عاد من مكان لا تسأل عن تفاصيله، وتكتفي بأنه عاد. جلسنا في حديقة الفيلا الصغيرة حتى المساء، نشرب القهوة ونتحدث عن أشياء بسيطة. عن الجيران، عن الشتاء القادم، عن شجرة الياسمين التي زرعتها في زاوية الحديقة منذ أسابيع. لم تسألني عن ما حدث بالتفصيل. وأنا لم أخبرها بالتفصيل. بيننا اتفاق صامت، نوع الاتفاقات ا

  • سيبيريت   ما تبقى

    الثمن الذي تدفعه حين تبقى لا يُرى دفعةً واحدة. يُدفع بالتقسيط — يوماً بعد يوم، لحظة بعد لحظة، في كل ما تكتشف أنك خسرته دون أن تلاحظ الخسارة حين حدثت. مرّت ثلاثة أشهر على سقوط النظام. دمشق لم تعد نفسها ولم تصبح بعد شيئاً آخر تماماً. كانت تقف في مكان ما بين الانهيار والإعادة، تحاول أن تتنفس بجهاز تنفس لم يُصمَّم لها بعد. بعض الأحياء عادت إليها الكهرباء بشكل شبه منتظم. بعض المحال فتحت أبوابها بحذر. الناس بدأوا يمشون في الشوارع بشيء يشبه الطبيعية، رغم أن أعينهم لا تزال تحمل أثر ما رأوه. أنا، في تلك الأشهر الثلاثة، تحوّلتُ من رجل مختبئ بهوية مستعارة إلى رجل يمشي في الشوارع باسمه الحقيقي، يجلس في اجتماعات تبحث في كيفية إعادة بعض خطوط التوزيع الغذائي للعمل، يجيب عن أسئلة حول ماضٍ لا يستطيع إنكاره بالكامل ولا تبريره بالكامل. الثمن كان حقيقياً. خسرتُ الشبكة التي بنيتُها في سيبيريا وموسكو جزئياً — فيكتور أدار الأمور بكفاءة، لكن غيابي الطويل ترك أثراً لا يُعوَّض بالكامل. عدة عقود انسحبت بهدوء مع رجال آخرين ملأوا الفراغ الذي تركته حين انشغلتُ بدمشق. المجموعة الكازاخستانية التي وقّعتُ معها بف

  • سيبيريت   النظام الجديد

    الرجل الذي يصمد وسط الفوضى لا يفعل ذلك لأنه أقوى من الفوضى. يفعله لأنه تعلّم شيئاً لا يعرفه كثيرون: أن الفوضى نفسها تحمل في داخلها نظاماً جديداً يتشكل، ومن يرى هذا النظام مبكراً يستطيع أن يجد فيه موقعاً لنفسه قبل أن يكتشفه الآخرون. في الأسبوع الثاني بعد سقوط النظام، بدأ الغبار يهدأ تدريجياً في دمشق. لم تتوقف الفوضى بشكل كامل، لكنها تحولت من فوضى عشوائية لا قواعد لها، إلى فوضى منظمة جزئياً، حيث بدأت ملامح سلطة جديدة تتشكل ببطء من بين الأنقاض. فصائل مسلحة تفاوضت على مناطق نفوذ، لجان شعبية بدأت تُشرف على بعض الأحياء، وأصوات قادة جدد ظهرت على وسائل التواصل تحاول أن تُعيد الناس إلى حياة شبه طبيعية. قرّرتُ في تلك الفترة أن أخرج من دوامة الاختباء والخوف وأبدأ بالتفكير بشكل استراتيجي حقيقي لأول مرة منذ تلك الليلة المأساوية. كانت أولى خطواتي الاتصال بفيكتور في موسكو، ليس طلباً للنجدة، بل لتقييم موضوعي للوضع من زاوية مختلفة. «ما الذي تراه من هناك؟» سألتُه. «أرى فراغاً ضخماً يحتاج ملءً،» قال بنبرته المحايدة المعتادة. «الأنظمة الجديدة في مثل هذه الحالات غالباً تحتاج أشخاصاً يعرفون كيف تعمل

  • سيبيريت   الزقاق

    الرجل الذي يبقى حين يستطيع أن يهرب، يدفع ثمناً لا يدفعه من يهرب أبداً. ثمن المواجهة لا يُقاس بالخسارة وحدها، بل بكل لحظة يقف فيها وحده، يعرف أنه كان بإمكانه أن يكون في مكان آخر، وأن يختار البقاء رغم ذلك. قضيتُ ثلاثة أيام مختبئاً في الشقة، أتابع الأخبار المتضاربة، أحاول فهم من يسيطر على ماذا، ومن أصبح في خطر حقيقي ومن نجا. في اليوم الرابع، خرجتُ بحذر شديد لشراء بعض المؤن، متخفياً بملابس بسيطة لا تشبه شيئاً مما اعتدتُ ارتداءه طوال الأشهر الماضية. كنتُ أمشي في زقاق جانبي حين توقفت أمامي فجأة مجموعة من الرجال المسلحين، شباب في العشرينات، يحملون أسلحة خفيفة وعلامات على أذرعهم تشير إلى انتمائهم لإحدى الفصائل التي ظهرت فجأة بعد سقوط النظام. «من أنت؟» سأل أحدهم بحدة، عيناه تتفحصانني بريبة. شعرتُ بقلبي يتسارع، لكنني حافظتُ على هدوء ظاهري تعلّمتُه من سنوات طويلة في عالم أكثر خطورة بكثير. «اسمي يوسف. أعيش في هذا الحي.» «لا أعرفك. وملابسك لا تشبه ملابس أحد من هنا.» كانت لحظة حاسمة، وأدركتُ فوراً أن أي خطأ في التعامل معها قد يكلفني حياتي. لم يكن أمامي وقت لحسابات معقدة كالتي اعتدتها مع كمال

  • سيبيريت   شقة بهوية مستعارة

    الرجل الذي يقرر البقاء وسط الفوضى بدل الهرب منها، لا يفعل ذلك لأنه شجاع أكثر من غيره. يفعل ذلك لأنه أدرك أخيراً أن بعض الأشياء، إن هربتَ منها مرة أخرى، تلاحقك في كل مكان تذهب إليه لاحقاً. ردّت أمي على الهاتف بعد رنّات بدت لي وكأنها دهر كامل. «يوسف! الحمد لله، كنتُ أحاول الاتصال بك منذ ساعة!» شعرتُ براحة غامرة سرت في جسدي بالكامل. «أمي، هل أنتِ بخير؟ هل حلب آمنة؟» «حلب هادئة نسبياً حتى الآن، لكن الأخبار من دمشق مرعبة. يقولون إن النظام سقط بالكامل الليلة.» كانت تلك أول مرة أسمع فيها التأكيد الرسمي، ولو من مصدر غير رسمي تماماً، على حجم ما كان يحدث. سقط النظام. الكلمات نفسها بدت غريبة، ثقيلة، كأنها تنتمي لكتاب تاريخ لا لواقع أعيشه بنفسي في هذه اللحظة بالذات. «اسمعي يا أمي، أريدك أن تبقي في المنزل. لا تخرجي لأي سبب. سأحاول الوصول إليك حالما تسمح الظروف.» «وأنت؟ أين ستذهب؟» ترددتُ للحظة قبل أن أجيب بصدق كامل لأول مرة منذ بداية هذه الأزمة. «لا أعرف بالضبط يا أمي. لكنني سأبقى هنا في دمشق، على الأقل لبعض الوقت. لا أستطيع أن أهرب الآن.» «يوسف، هذا جنون. عد إليّ. عد إلى حلب فوراً.» سمع

  • سيبيريت   رسالة على الطاولة

    الرجل الذي يقول "سأحتاجك حين يحين الوقت"، أحياناً يقصد شيئاً مختلفاً تماماً عما تفهمه أنت من كلماته. وحين يحين الوقت فعلاً، تكتشف أن الحاجة كانت لشيء واحد فقط: أن تبقى أنت في مكانك، بينما يرحل هو. جاءت النهاية في ليلة لم أتوقع أنها ستكون النهاية حين بدأت. كنتُ في الفندق حين رنّ هاتفي في الثالثة فجراً. كان ألكسي، صوته مرتجف بشكل لم أسمعه من قبل. «يوسف، العاصمة... المطارات أُغلقت. الجيش بدأ بالانسحاب من مواقع كاملة في أطراف دمشق. كل شيء ينهار بسرعة لم يتوقعها أحد.» نهضتُ فوراً، أرتدي ملابسي بسرعة بينما عقلي يحاول استيعاب حجم ما يحدث. «أين كمال؟» صمت ألكسي للحظة طويلة، صمت حمل ثقلاً أثقل من أي كلمة. «لا أعرف بالضبط. حاولتُ الاتصال به منذ ساعة، لم يردّ.» شعرتُ ببرودة تسري في جسدي بالكامل. اتصلتُ بكمال بنفسي، مرة، ثم مرة أخرى. لا إجابة. أرسلتُ رسالة نصية عاجلة. لا رد. قُدتُ السيارة بنفسي إلى منزله الخاص عبر شوارع دمشق التي بدت مختلفة تماماً عن أي ليلة سابقة — أصوات بعيدة تشبه الانفجارات، حركة عسكرية غير منظمة، أضواء سيارات تتحرك بسرعة في اتجاهات متضاربة كأن المدينة نفسها فقدت بوصلته

  • سيبيريت   المكتبة

    بعد ثلاثة أيام، كنتُ غارقاً بين أروقة مكتبة الجامعة. كنتُ أتصفح كتاباً في الكيمياء العضوية المتقدمة، وأدون ملاحظات سريعة في دفتري. كانت المكتبة معقلاً للسكينة؛ جدرانها الخشبية العتيقة تفوح برائحة الورق القديم والغبار الممزوج بالوقار. لم يكن هناك سوى قلة من الطلاب، مما جعل الصمت هنا رفيقاً طيباً، ول

  • سيبيريت   المختبر

    في اليوم التالي، كنتُ أجلس في قاعة المحاضرات، أستمع لدرس الكيمياء العضوية. كان البروفيسور "أندرييف"، ذاك العجوز ذو اللحية الرمادية الكثيفة والعينين الزرقاوين الحادتين، يشرح تفاعلات "الإسترة" بحماس. كان يتحدث بسرعة فائقة، والمصطلحات الروسية المعقدة تتطاير في الهواء كشظايا، بينما يكتفي معظم الطلاب بن

  • سيبيريت   الفودكا

    في المساء، نزلتُ الدرج بخطوات مترددة. ​كانت الأصوات الصاخبة تنبعث من الطابق الأرضي: موسيقى تضجُّ بالقلق، ضحكات متعالية، وصوت زجاج يتكسر بين الحين والآخر. وقفتُ أمام الباب الخشبي الثقيل، ترددتُ لبرهة، ثم دفعته ليدقَّ جرس دخولي عالمًا لم أعهده. ​اجتاحتني رائحة نفاذة لمزيج من التبغ الرديء والكحول وا

  • سيبيريت   الجليد

    لم أكن أدرك أن البرد يمكن أن يكون بهذه القسوة. ​في حلب، كان القيظ يقتل ببطء؛ يذيب روحك قبل جسدك. أما هنا في سيبيريا، فالصقيع يشن هجومه الضاري فور خروجك من بوابة المطار. لا مهلة، ولا رحمة. ​وقفتُ هناك، وحقيبتي الوحيدة ترتجف في يدي. تنفست بعمق، فشعرت بفتحات أنفي تلتصق من الداخل. تصاعد زفيري كدخان أ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status