LOGINفي المساء التالي، كنا أنا ونيكولاي في قلب المختبر المهجور، نعكف على إنتاج دفعة ضخمة من "سيبيريت-1". كان الطلب ينفجر ككرة ثلج تتدحرج، ودينيس يمارس ضغوطه المعهودة لتوفير كميات أكبر. كنتُ واقفاً أمام الطاولة المعدنية الباردة، أصبُّ كامل تركييزي على الموازين والقوارير؛ يداي تتحركان بدقة آلية، وعيناي لا ترمشان. أما نيكولاي، فكان يقبع على كرسي قديم في الزاوية، ينفث دخان سجائره المتلاحقة ويراقبني بصمتٍ مريب.
كان القبو بارداً كعادته، مشبعاً برائحة الأسيتون والأثير التي تملأ الرئتين. مصباح النيون الوحيد فوقنا كان يرمش بريبة، كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة. في هذا الركن المنعزل من سيبيريا، صنعتُ لنفسي عالماً خاصاً؛ مكاناً بعيداً عن ذكريات الحرب، وعن ذل الفقر، وحتى عن طهر أولغا. هنا، كنتُ السيد المطاع.. هنا، كنتُ إلهاً صغيراً يتحكم بمصائر الجزيئات. "يوسف،" ناداني نيكولاي فجأة. كان صوته هادئاً، لكنه اخترق السكون كشفرةٍ حادة. "همم؟" لم أكلف نفسي عناء رفع رأسي. "لماذا يتعاطى الناس السموم في رأيك؟" "للهروب،" أجبتُ باقتضاب؛ كان الجواب البديهي الجاهز في ذهني. "خطأ،" أطفأ سيجارته في علبة صفيح قديمة وتابع: "الناس لا يتعاطون ليهربوا، بل ليشعروا.. بأي شيء. الحياة هنا في سيبيريا رمادية باهتة؛ الثلج، السماء، المباني، الوجوه.. حتى المذاق رمادي. المخدرات هي التي تمنحهم الألوان، ولو لثوانٍ معدودة." رفعتُ نظري إليه؛ كان مستلقياً على كرسيه، ساقاه متقاطعتان، ويداه خلف رأسه ببرودٍ مستفز. "تتحدث وكأنك فيلسوف،" قلتُ بسخرية. "السجن مدرسة الفلاسفة يا صديقي.. هناك تملك ترف الوقت للتفكير في كل شيء،" أشعل سيجارة أخرى وتابع: "قضيتُ سنتين بتهمة سرقة سيارة.. لم أسرقها لحاجتي إليها، بل لأجرح كبرياء صاحبها الثري. أمسكوني بعد ثلاثة أيام، لكنني خرجتُ برأسٍ جديد." "لماذا تقصُّ عليّ هذا الآن؟" "لأنك شريكي.. ولأنني أثق بك،" زفر دخاناً كثيفاً وأردف: "تعلمتُ هناك قانوناً واحداً: القوي يأكل الضعيف. في الزنزانة، في الساحة، في كل زاوية.. الضعيف يُسلب منه كل شيء؛ كرامته، طعامه، حتى اسمه. أما القوي، فهو من يضع القواعد." نهض من كرسيه واقترب مني بخطوات واثقة توحي بالسيادة. "يوسف، أنت الآن في نظرهم مجرد لاجئ خائف، وحيد وفقير. لكنك تملك العبقرية، وهي سلاحك لتكون قوياً.. بشرط أن تذبح الخوف في داخلك." "أنا لستُ خائفاً،" قلتُها، لكن صوتي خانني فخرج مهتزاً. "بلى، أنت مرعوب،" وقف أمامي مباشرة، وعيناه الزرقاوان تنفذان إلى أعماقي: "تخاف أن تصبح مثلي، تخاف فقدان أولغا، وتخاف أن تكتشف أنك لست بطلاً مكلومًا، بل مجرد إنسان عادي يرتعد من مصيره." ساد الصمت. كان نيكولاي يعري الحقيقة أمام وجهي. لم يكن الخوف من "الوحش" هو ما يؤرقني، بل الخوف من أن الحرب لم تصنع مني وحشاً، بل كشفت عن الوحش الذي كان كامناً فيّ منذ البداية؛ أن الشر لم يأتِ من القنابل، بل نبع من أعماقي. "الخوف غريزة بقاء،" تابع نيكولاي بلهجة الواعظ المسموم، "لكن الاستسلام له هو العار. انظر إليّ، أنا حر لأنني لا أخشى شيئاً." "أنت لست حراً،" قلتُ بجرأة مفاجئة، "أنت عبد للفودكا، وللنساء، ولرغباتك التي تقودك من أنفك." انفجر ضاحكاً، ضحكة صاخبة ارتدت أصداؤها من جدران القبو: "هذا ليس إدماناً يا عبقري.. هذه متعة! والفرق بينهما هو 'السيطرة'. أنا من يقرر متى أشرب، ومتى أضاجع، ومتى أتعاطى. أنا أتحكم باللذة، وهي لا تملك من أمري شيئاً." وضع يده الثقيلة على كتفي، وشعرتُ بدفئها المريب يتسلل إليّ: "أنت أيضاً تستطيع السيطرة. تقبّل حقيقة أن العالم غابة، وأن القوة هي العملة الوحيدة المعترف بها. تقبّل أن 'الضمير' ما هو إلا اختراع ابتكره الضعفاء ليلجموا الأقوياء.. ثم امضِ وخذ ما تشاء؛ المال، النساء، المجد. أنت تستحق كل ذلك." نظرتُ في عينيه، ولم أرَ فيهما شراً محضاً، بل رأيتُ "اليقين". كان نيكولاي مؤمناً بضلاله، بينما كنتُ أنا غارقاً في الشك؛ أشكُّ في الإله، في البشر، وفي نفسي. "سأفكر في كلامك،" تمتمتُ أخيراً. "جيد.. التفكير هو أول عتبات التحول." عاد لمكانه، وعدتُ أنا لعملي؛ أخلط المواد، أضبط الحرارة، وأدون الملاحظات. لكن كلمات نيكولاي كانت تعصف برأسي كإعصار: "القوة هي ما يحترمه الناس".. "الضمير كذبة الضعفاء". أنهينا العمل بعد ساعتين، بحصيلة بلغت 60 غراماً من البلورات النقية. صفق نيكولاي بانتشاء: "عمل عظيم.. غداً سيتسلمها دينيس." خرجنا إلى ليل سيبيريا الحالك، والثلج ينهمر بغزارة. كان نيكولاي يصفر لحناً روسياً جنائزياً ببهجة، بينما كنتُ أنا أغرق في قاع أفكاري. تلك الليلة، تجنبتُ الذهاب إلى أولغا. ذهبتُ إلى الحانة وحيداً، وجرعتُ الفودكا كأساً وراء كأس حتى غاب وجهها من مخيلتي، وحتى خرست كلمات نيكولاي في رأسي. عدتُ في الثالثة فجراً، وجلستُ على سريري أحاول الكتابة في دفتري، لكن يدي كانت ترتجف بحدة؛ من الكحول، من الصقيع، ومن الرعب الداخلي. ثم غبتُ في حلمٍ ثقيل.. رأيتني واقفاً على قمة جبل جليدي شاهق في قلب سيبيريا، والجبل ينهار تحتي قطعة تلو الأخرى. حولي بياضٌ لا ينتهي، وتحتي نار زرقاء تستعر في القاع. رأيتُ نيكولاي على جبلٍ مقابل يصفق لي ببرود، وأولغا تبكي بدموع تتجمد قبل أن تلمس وجنتيها، وأمي تصلي بوجع على سجادة من ثلج. ثم.. قفزت. سقطتُ في الهاوية البيضاء، ولم أدرِ إن كنتُ سأحلق أم سأتحطم؛ لكنني أدركتُ أن البقاء في القمة كان يقتلني برداً، بينما كانت حرارة القاع تغريني بالسقوط. استيقظتُ على رنين هاتفي. كان الصباح قد حل، ورسالة من نيكولاي تومض: "دينيس يريد رؤيتك الليلة في شقته.. هناك حفلة وصبايا.. تعال." نهضتُ، ونظرتُ إلى المرآة المكسورة على الحائط. لم أعرف الشخص الذي يحدق بي؛ عينان غائرتان، وجهٌ شاحب كالموت، وشعرٌ أشعث. همستُ لنفسي بذهول: "من أنت؟"الأماكن التي هربتَ منها لا تنساك. تنتظرك بصبر الأشياء التي تعرف أنك ستعود. الطائرة بدأت بالهبوط في الساعة العاشرة صباحاً. جلستُ عند النافذة وكانت سوريا تظهر ببطء من تحت الغيوم — أولاً خطوط بنية وصفراء لا تقول شيئاً، ثم تفاصيل أكثر، ثم مدينة. دمشق. نظرتُ إليها من الأعلى وحاولتُ أن أشعر بشيء محدد. لكن ما جاء لم يكن محدداً — كان مزيجاً غريباً من أشياء لا تجتمع عادةً. شيء يشبه الوصول لمكان تعرفه ولا تعرفه في آن واحد. تعرف لغته وهواءه وألوانه. لكن الشخص الذي كان يعرفه بالكامل لم يعد موجوداً — ذهب في طائرة قبل سنوات وترك مكانه لرجل آخر يحمل نفس الاسم. قال ألكسي بجانبي دون أن يرفع عينيه من الملف الذي يقرأه: «أول مرة تعود؟» «نعم.» «كيف تشعر؟» نظرتُ للنافذة. «لا أعرف بعد.» أومأ كأن هذا الجواب كان متوقعاً. «هذا طبيعي. سوريا تحتاج وقتاً حتى تقرر كيف تشعر معها.» «أنت تعرفها جيداً؟» «أعرفها بقدر ما يسمح لي عملي.» نظر من النافذة لثانية. «لكنك ستعرفها بطريقة مختلفة. أنت منها.» الطائرة لامست الأرض. وسوريا استقبلتني بصمت لا يُشبه أي استقبال آخر. المطار كان مختلفاً عما تذكّرتُه. أو ربما
الرجل الذي يغادر مكاناً للمرة الثانية يغادره بطريقة مختلفة. المرة الأولى تغادر لأنك تهرب. المرة الثانية تغادر لأنك قررت. في آخر يوم في سيبيريا، استيقظتُ قبل الفجر. لم يكن هناك سبب محدد. لكن الجسد أحياناً يعرف قبل العقل أن شيئاً ما على وشك أن يتغير، فيستيقظ ليودّع بهدوء قبل أن يبدأ الضجيج. جلستُ على حافة السرير في الظلام. سيبيريا خارج النافذة كانت صامتة بصمتها المعتاد — ذلك الصمت الذي لا تجده في المدن الكبيرة، صمت المكان الذي لا يحاول أن يُثبت شيئاً لأحد. نظرتُ للنافذة وفكّرتُ في كل ما حدث في هذا المكان. المختبر القديم. فيكتور. مارينا. أولغا. دراغان. وفوق كل شيء — نيكولاي. سيبيريا أخذت مني أشياء لن تعود. وأعطتني أشياء لم أكن أعرف أنني أحتاجها. قمتُ. ارتديتُ معطاي. وخرجتُ. مشيتُ في شوارع المدينة وحدي قبل أن يستيقظ أحد. الثلج تحت قدمي يُصدر صوته المعتاد. الهواء بارد بطريقة سيبيريا التي اعتدتُها الآن — لم يعد عدواً، أصبح جزءاً من التنفس. مررتُ بالمقهى الصغير. بالحانة التي التقينا فيها بفيكتور لأول مرة. بالشارع الذي وقف فيه نيكولاي ذات ليلة وقال أتمنى أن ينتهي هذا بسرعة ولم يُكمل ا
الأماكن التي شهدت بداياتك لا تنساك. تحتفظ بك في جدرانها وهوائها وصمتها. وحين تعود إليها لا تعود كزائر — تعود كجزء منها كان غائباً. في الصباح الثاني في سيبيريا، ذهبتُ للمختبر القديم. لم يطلب مني أحد الذهاب. ولم أُخطط له. استيقظتُ وعرفتُ أن هذا ما يجب أن أفعله قبل أي شيء آخر — قبل أن أرى ميلان وديمتري وقبل أن أُراجع الأرقام وقبل أن أبدأ ما جئتُ لأبدأه. أن أذهب لهناك أولاً. مشيتُ وحدي. الطريق لمبنى الفيزياء القديم لم يتغير. نفس الممرات ونفس الأشجار التي تحمل الثلج على أغصانها كأنها اعتادت هذا الثقل منذ الأزل. الجامعة في الصباح الباكر كانت شبه فارغة — بعض الطلاب يمشون بسرعة برؤوس محنية في مواجهة البرد. لم يلتفت أحد إليّ. وصلتُ لمبنى الفيزياء. الباب الخارجي لم يكن مقفلاً — لم يكن مقفلاً يوماً بطريقة تمنع من يعرف. نزلتُ الدرج الحلزوني الصدئ. رائحة الرطوبة والعفن لا تزال هناك، نفسها تماماً، كأن الوقت لم يمس هذا المكان. وقفتُ أمام الباب الحديدي الثقيل. أخرجتُ المفتاح. لا أعرف لماذا أبقيتُه معي كل هذا الوقت. حملتُه من سيبيريا لموسكو ومن موسكو لكل مكان ذهبتُ إليه. مفتاح صدئ لا قيمة له
المكان الذي بدأتَ فيه لا يتذكرك. لكنك تتذكره. وهذا الفرق هو كل شيء. قررتُ العودة لسيبيريا في صباح عادي. لم يكن قراراً مدروساً بالطريقة التي أتخذ بها القرارات عادةً — لا جداول ولا أوراق ولا اجتماعات. استيقظتُ وعرفتُ. أحياناً الأشياء الصحيحة تأتي هكذا، بدون مقدمات، كأن جزءاً من داخلك كان يعرف منذ وقت وانتظر حتى تلحق به. اتصلتُ بفاسيلي. «فاسيلي، أنا قادم.» صمت قصير. ثم: «متى؟» «بعد يومين.» «سأكون في المحطة.» لم يسأل لماذا الآن. لم يسأل عن خطط أو أعمال أو اجتماعات. فقط قال سأكون في المحطة. وهذا كان كافياً. أخبرتُ بوريس. جلس أمامي وسمع. ثم قال: «كم ستبقى؟» «لا أعرف.» «يوسف، هناك أشياء هنا تحتاج—» «بوريس.» توقف. «الشبكة تعمل وحدها. هذا ما بنيناه من أجله. أعطني أسبوعاً.» نظر إليّ بعيون تُقيّم ثم أومأ. «أسبوع.» في اليوم الأخير في موسكو، مشيتُ في الشوارع وحدي. مشيتُ في أربات — الشارع الذي مررتُ به أول أيامنا حين أخذنا بوريس في جولته. مررتُ بالمطعم الصغير الذي جلسنا فيه مع فولكوف في أول لقاء حقيقي. مررتُ بالمقهى الذي كان نيكولاي يذهب إليه وحده في تلك الأيام الصعبة. وقفتُ أمام
الإنسان لا يتذكر كل شيء. لكن بعض الأشياء تتذكره هي — تجلس فيه دون أن يدعوها وتبقى دون أن يطلب. وهذا النوع من البقاء لا يُشبه أي شيء آخر. في الأسابيع التي تلت، تعلّمتُ شيئاً لم أكن أعرفه من قبل. تعلّمتُ أن الفقد لا يذهب. يتغير شكله فقط. في البداية كان حاداً بطريقة الجروح الجديدة. كل صباح بدون رائحة القهوة كان يُخبرني. كل اجتماع والكرسي عن يساري فارغ كان يُخبرني. كل لحظة أريد فيها أن أقول شيئاً لشخص يفهم قبل أن أُكمل الجملة — كانت تُخبرني. الفقد في أيامه الأولى يسكن في الأشياء الصغيرة أكثر مما يسكن في اللحظات الكبيرة. ليس في الجنازة ولا في الورقة ولا في الغرفة المرتبة. بل في كوب القهوة الفارغ. وفي السيجارة التي لا أحد يُشعلها. وفي الصمت الذي لا ينتظر. ثم بدأ يتغير ببطء. لم يخف. لم يُصبح أصغر. لكنه أصبح جزءاً من الهواء الذي أتنفسه — دائماً هناك لكن لا يمنعك من التنفس. في أحد الصباحات في الأسبوع الرابع، صنعتُ القهوة كالمعتاد. جلستُ أمامها. ومددتُ يدي وشربتُ. وهي لا تزال ساخنة. لم أنسَ. لم تبرد أمامي بينما أنا أحدق في نقطة لا شيء فيها. شربتُها كما يشرب الإنسان قهوته في صباح عادي —
الرجل الذي يصل وحده لا يصل بنفس الطريقة التي تخيّلها. القمة هناك. لكن المكان بجانبك فارغ. وهذا الفراغ لا يُشبه أي فراغ آخر — لأنه فراغ له شكل. في الأسبوع الثالث بعد رحيل نيكولاي، وصلتُ. ليس بإعلان ولا باحتفال ولا بلحظة درامية تُخبرك أن هذا هو المكان. وصلتُ بالطريقة التي تصل بها الأشياء الحقيقية — ببطء وبتراكم وبيوم يشبه اليوم الذي قبله حتى تجلس ذات مساء وتنظر لما أمامك وتُدرك بهدوء أنك وصلتَ. كان المساء عادياً في بداياته. بوريس على الطاولة يُراجع أرقام الأسبوع. غريغوري أرسل تقريراً عن آخر التحركات في الشبكة. وفولكوف — الذي نادراً ما يتصل في المساء — اتصل في الثامنة. رددتُ. «يوسف.» «فولكوف.» «أريد أن أقول لك شيئاً.» نبرته كانت مختلفة — ليست نبرة الاجتماعات والأرقام. نبرة رجل في الستين يقول شيئاً قرر أن يقوله لأنه يعتقد أنه يجب أن يُقال. «موسكو الآن لك بالكامل. ليس بالقدر الذي يهم — بالكامل. كل من يعمل في هذه المدينة بالطريقة التي تعمل بها يعرف اسمك ويعرف ما خلفه.» جلستُ مع هذه الجملة في صمت. موسكو بالكامل. فكّرتُ في سيبيريا. في الغرفة 319 والبرد الذي لا يرحم والحافلة التي أو







