LOGINفي اليوم التالي، تسللتُ إلى المختبر المهجور وحدي؛ كان نيكولاي منشغلاً في إحدى المحاضرات، وهي فرصة مثالية لأختلي بمملكتي الجديدة. أخرجتُ الكيس الذي يحتوي على تلك البلورات البيضاء، ووضعتُ عينة مجهرية منها تحت العدسة.
بتركيزٍ حاد، بدأتُ عملية التحليل الكيميائي. استخدمتُ جهاز الاستشراب الغازي، وراقبتُ بصبر نبضات الرسم البياني وهي ترتسم على الشاشة العتيقة. قارنتُ النتائج بالمعادلات المحفوظة في ذاكرتي، وسرعان ما برزت الحقيقة أمام عيني. لقد وجدتُ العلة. المركب كان ملوثاً بشوائب تصل نسبتها إلى 18%، وهي ناتجة عن تفاعل جانبي طفيلي بسبب تذبذب درجات الحرارة أثناء التحضير. تلك الشوائب اللعينة هي المسؤولة عن الغثيان والصداع الفتاك. فتحتُ دفتري، ودونتُ بصرامة: "الحل: تبريد الخليط وصولاً إلى 5 درجات مئوية قبل إضافة المحفز. هذا الإجراء سيمنع التفاعلات الجانبية. النقاء المتوقع: 98%." شرعتُ في العمل فوراً. سحبتُ العبوات من الرفوف: أسيتون، إيثر، وحمض الهيدروكلوريك. ارتديتُ قفازاتي المطاطية، وأشعلتُ الموقد ليتراقص لهبه الأزرق في عتمة القبو. كنتُ في حالة من التركيز المطلق؛ يداي تتحركان بدقة جراح، وعيناي لا ترمشان. في تلك اللحظة، لم أكن اللاجئ، ولا الغريب، ولا يوسف المحطم.. كنتُ الكيميائي الذي يطوع المادة. هنا فقط، في هذا المختبر، يوجد نظام ومنطق يمكن التحكم فيهما.. على عكس البشر تماماً. بعد ساعتين من العمل الدؤوب، استقرت بين يدي بلورات جديدة. كانت أنقى بمراحل؛ بيضاء ناصعة كالثلج، لكنها تملك بريقاً زجاجياً غامضاً. وضعتُ ذرة صغيرة منها على طرف لساني لاختبارها. في البداية، اجتاحتني مرارة لاذعة، سرعان ما استسلمت لحلاوة خفيفة. بعد دقيقة واحدة، شعرتُ بدفء مريح ينتشر في صدري؛ لم تكن نشوة صاخبة، بل كانت شعوراً بالسكينة، كرشفة كاكاو ساخنة في ليلة شتاء قاسية. استمر المفعول لعشر دقائق، ثم تلاشى بهدوء دون ترك أي أثر للاضطراب. دون في دفتري: "المركب المؤقت: سيبيريت-1. المدة: 10-15 دقيقة. الأعراض الجانبية: منعدمة. درجة النقاء: 97%. إمكانية الإدمان: قيد الدراسة." غمرتني موجة من الرضا، رغم علمي بأن هذه ليست سوى الخطوة الأولى؛ فالتأثير لا يزال قصيراً جداً، ويحتاج إلى مضاعفة زمنه. عندما غادرتُ القبو، كان الليل قد بسط رداءه على "يوغرا"، والثلج يتساقط بغزارة صامتة. مشيتُ نحو السكن الجامعي وأنفاسي تتصاعد كالدخان الأبيض في الهواء المتجمد. في تلك اللحظة، ولأول مرة منذ غادرتُ حلب، شعرتُ أن لي قيمة؛ أنني لست مجرد رقم في سجلات اللاجئين، بل شخصاً يصنع شيئاً فريداً. في الغرفة، وجدتُ نيكولاي ينتظرني على أحر من الجمر. ناولته العينة بصمت، فوضع القليل منها على لسانه وراقبته وهو ينتظر. بعد دقيقة، زفر بعمق واتسعت عيناه بذهول. "يوسف.. هذا مذهل! لا غثيان، لا صداع.. فقط هدوء مطبق." "إنه مجرد نموذج أولي،" قلتُ ببرود، "المدة قصيرة جداً." "سنطوره.. معاً،" أجاب بحماس وهو يستخرج زجاجة فودكا من تحت وسادته. فتح الزجاجة وتجرع منها مباشرة، ثم مدها نحوي بابتسامة نصر: "اشرب.. اليوم نستحق الاحتفال." ترددتُ لثانية واحدة، ثم أخذت الزجاجة وتجرعتُ رشفة كبيرة. كان حرق الكحول هذه المرة أقل وطأة، كأن جسدي بدأ يتأقلم مع السموم. "أرأيت؟" قال نيكولاي، "أنت تتغير يا صديقي. يوماً بعد يوم، تصبح أكثر روسية." "وهل هذا مدعاة للفخر؟" "هذا هو طوق النجاة الوحيد هنا،" خفض صوته وأردف بجدية: "في روسيا، إما أن تصبح واحداً منا، أو تبتلعك الأرض. لا خيار ثالث." نظرتُ عبر النافذة إلى البياض الذي غطى كل شيء. تذكرتُ تحذير أولغا: "لا تثق به". تذكرتُ صلوات أمي، ورماد حلب.. ثم رفعتُ الزجاجة وشربتُ رشفة أخرى. في تلك الليلة، زارني حلم غريب؛ حلمتُ أنني أحلق فوق ثلوج سيبيريا، خفيفاً كالريشة، قبل أن أهوي فجأة نحو الهاوية. استيقظتُ قبل الارتطام، والبرد يلسع وجهي. كانت النافذة مغلقة بإحكام، لكن الصقيع كان ينبعث من داخلي هذه المرة.. برد صنعته يداي، ولم يأتِ من الخارج قط.الأماكن التي هربتَ منها لا تنساك. تنتظرك بصبر الأشياء التي تعرف أنك ستعود. الطائرة بدأت بالهبوط في الساعة العاشرة صباحاً. جلستُ عند النافذة وكانت سوريا تظهر ببطء من تحت الغيوم — أولاً خطوط بنية وصفراء لا تقول شيئاً، ثم تفاصيل أكثر، ثم مدينة. دمشق. نظرتُ إليها من الأعلى وحاولتُ أن أشعر بشيء محدد. لكن ما جاء لم يكن محدداً — كان مزيجاً غريباً من أشياء لا تجتمع عادةً. شيء يشبه الوصول لمكان تعرفه ولا تعرفه في آن واحد. تعرف لغته وهواءه وألوانه. لكن الشخص الذي كان يعرفه بالكامل لم يعد موجوداً — ذهب في طائرة قبل سنوات وترك مكانه لرجل آخر يحمل نفس الاسم. قال ألكسي بجانبي دون أن يرفع عينيه من الملف الذي يقرأه: «أول مرة تعود؟» «نعم.» «كيف تشعر؟» نظرتُ للنافذة. «لا أعرف بعد.» أومأ كأن هذا الجواب كان متوقعاً. «هذا طبيعي. سوريا تحتاج وقتاً حتى تقرر كيف تشعر معها.» «أنت تعرفها جيداً؟» «أعرفها بقدر ما يسمح لي عملي.» نظر من النافذة لثانية. «لكنك ستعرفها بطريقة مختلفة. أنت منها.» الطائرة لامست الأرض. وسوريا استقبلتني بصمت لا يُشبه أي استقبال آخر. المطار كان مختلفاً عما تذكّرتُه. أو ربما
الرجل الذي يغادر مكاناً للمرة الثانية يغادره بطريقة مختلفة. المرة الأولى تغادر لأنك تهرب. المرة الثانية تغادر لأنك قررت. في آخر يوم في سيبيريا، استيقظتُ قبل الفجر. لم يكن هناك سبب محدد. لكن الجسد أحياناً يعرف قبل العقل أن شيئاً ما على وشك أن يتغير، فيستيقظ ليودّع بهدوء قبل أن يبدأ الضجيج. جلستُ على حافة السرير في الظلام. سيبيريا خارج النافذة كانت صامتة بصمتها المعتاد — ذلك الصمت الذي لا تجده في المدن الكبيرة، صمت المكان الذي لا يحاول أن يُثبت شيئاً لأحد. نظرتُ للنافذة وفكّرتُ في كل ما حدث في هذا المكان. المختبر القديم. فيكتور. مارينا. أولغا. دراغان. وفوق كل شيء — نيكولاي. سيبيريا أخذت مني أشياء لن تعود. وأعطتني أشياء لم أكن أعرف أنني أحتاجها. قمتُ. ارتديتُ معطاي. وخرجتُ. مشيتُ في شوارع المدينة وحدي قبل أن يستيقظ أحد. الثلج تحت قدمي يُصدر صوته المعتاد. الهواء بارد بطريقة سيبيريا التي اعتدتُها الآن — لم يعد عدواً، أصبح جزءاً من التنفس. مررتُ بالمقهى الصغير. بالحانة التي التقينا فيها بفيكتور لأول مرة. بالشارع الذي وقف فيه نيكولاي ذات ليلة وقال أتمنى أن ينتهي هذا بسرعة ولم يُكمل ا
الأماكن التي شهدت بداياتك لا تنساك. تحتفظ بك في جدرانها وهوائها وصمتها. وحين تعود إليها لا تعود كزائر — تعود كجزء منها كان غائباً. في الصباح الثاني في سيبيريا، ذهبتُ للمختبر القديم. لم يطلب مني أحد الذهاب. ولم أُخطط له. استيقظتُ وعرفتُ أن هذا ما يجب أن أفعله قبل أي شيء آخر — قبل أن أرى ميلان وديمتري وقبل أن أُراجع الأرقام وقبل أن أبدأ ما جئتُ لأبدأه. أن أذهب لهناك أولاً. مشيتُ وحدي. الطريق لمبنى الفيزياء القديم لم يتغير. نفس الممرات ونفس الأشجار التي تحمل الثلج على أغصانها كأنها اعتادت هذا الثقل منذ الأزل. الجامعة في الصباح الباكر كانت شبه فارغة — بعض الطلاب يمشون بسرعة برؤوس محنية في مواجهة البرد. لم يلتفت أحد إليّ. وصلتُ لمبنى الفيزياء. الباب الخارجي لم يكن مقفلاً — لم يكن مقفلاً يوماً بطريقة تمنع من يعرف. نزلتُ الدرج الحلزوني الصدئ. رائحة الرطوبة والعفن لا تزال هناك، نفسها تماماً، كأن الوقت لم يمس هذا المكان. وقفتُ أمام الباب الحديدي الثقيل. أخرجتُ المفتاح. لا أعرف لماذا أبقيتُه معي كل هذا الوقت. حملتُه من سيبيريا لموسكو ومن موسكو لكل مكان ذهبتُ إليه. مفتاح صدئ لا قيمة له
المكان الذي بدأتَ فيه لا يتذكرك. لكنك تتذكره. وهذا الفرق هو كل شيء. قررتُ العودة لسيبيريا في صباح عادي. لم يكن قراراً مدروساً بالطريقة التي أتخذ بها القرارات عادةً — لا جداول ولا أوراق ولا اجتماعات. استيقظتُ وعرفتُ. أحياناً الأشياء الصحيحة تأتي هكذا، بدون مقدمات، كأن جزءاً من داخلك كان يعرف منذ وقت وانتظر حتى تلحق به. اتصلتُ بفاسيلي. «فاسيلي، أنا قادم.» صمت قصير. ثم: «متى؟» «بعد يومين.» «سأكون في المحطة.» لم يسأل لماذا الآن. لم يسأل عن خطط أو أعمال أو اجتماعات. فقط قال سأكون في المحطة. وهذا كان كافياً. أخبرتُ بوريس. جلس أمامي وسمع. ثم قال: «كم ستبقى؟» «لا أعرف.» «يوسف، هناك أشياء هنا تحتاج—» «بوريس.» توقف. «الشبكة تعمل وحدها. هذا ما بنيناه من أجله. أعطني أسبوعاً.» نظر إليّ بعيون تُقيّم ثم أومأ. «أسبوع.» في اليوم الأخير في موسكو، مشيتُ في الشوارع وحدي. مشيتُ في أربات — الشارع الذي مررتُ به أول أيامنا حين أخذنا بوريس في جولته. مررتُ بالمطعم الصغير الذي جلسنا فيه مع فولكوف في أول لقاء حقيقي. مررتُ بالمقهى الذي كان نيكولاي يذهب إليه وحده في تلك الأيام الصعبة. وقفتُ أمام
الإنسان لا يتذكر كل شيء. لكن بعض الأشياء تتذكره هي — تجلس فيه دون أن يدعوها وتبقى دون أن يطلب. وهذا النوع من البقاء لا يُشبه أي شيء آخر. في الأسابيع التي تلت، تعلّمتُ شيئاً لم أكن أعرفه من قبل. تعلّمتُ أن الفقد لا يذهب. يتغير شكله فقط. في البداية كان حاداً بطريقة الجروح الجديدة. كل صباح بدون رائحة القهوة كان يُخبرني. كل اجتماع والكرسي عن يساري فارغ كان يُخبرني. كل لحظة أريد فيها أن أقول شيئاً لشخص يفهم قبل أن أُكمل الجملة — كانت تُخبرني. الفقد في أيامه الأولى يسكن في الأشياء الصغيرة أكثر مما يسكن في اللحظات الكبيرة. ليس في الجنازة ولا في الورقة ولا في الغرفة المرتبة. بل في كوب القهوة الفارغ. وفي السيجارة التي لا أحد يُشعلها. وفي الصمت الذي لا ينتظر. ثم بدأ يتغير ببطء. لم يخف. لم يُصبح أصغر. لكنه أصبح جزءاً من الهواء الذي أتنفسه — دائماً هناك لكن لا يمنعك من التنفس. في أحد الصباحات في الأسبوع الرابع، صنعتُ القهوة كالمعتاد. جلستُ أمامها. ومددتُ يدي وشربتُ. وهي لا تزال ساخنة. لم أنسَ. لم تبرد أمامي بينما أنا أحدق في نقطة لا شيء فيها. شربتُها كما يشرب الإنسان قهوته في صباح عادي —
الرجل الذي يصل وحده لا يصل بنفس الطريقة التي تخيّلها. القمة هناك. لكن المكان بجانبك فارغ. وهذا الفراغ لا يُشبه أي فراغ آخر — لأنه فراغ له شكل. في الأسبوع الثالث بعد رحيل نيكولاي، وصلتُ. ليس بإعلان ولا باحتفال ولا بلحظة درامية تُخبرك أن هذا هو المكان. وصلتُ بالطريقة التي تصل بها الأشياء الحقيقية — ببطء وبتراكم وبيوم يشبه اليوم الذي قبله حتى تجلس ذات مساء وتنظر لما أمامك وتُدرك بهدوء أنك وصلتَ. كان المساء عادياً في بداياته. بوريس على الطاولة يُراجع أرقام الأسبوع. غريغوري أرسل تقريراً عن آخر التحركات في الشبكة. وفولكوف — الذي نادراً ما يتصل في المساء — اتصل في الثامنة. رددتُ. «يوسف.» «فولكوف.» «أريد أن أقول لك شيئاً.» نبرته كانت مختلفة — ليست نبرة الاجتماعات والأرقام. نبرة رجل في الستين يقول شيئاً قرر أن يقوله لأنه يعتقد أنه يجب أن يُقال. «موسكو الآن لك بالكامل. ليس بالقدر الذي يهم — بالكامل. كل من يعمل في هذه المدينة بالطريقة التي تعمل بها يعرف اسمك ويعرف ما خلفه.» جلستُ مع هذه الجملة في صمت. موسكو بالكامل. فكّرتُ في سيبيريا. في الغرفة 319 والبرد الذي لا يرحم والحافلة التي أو







