مشاركة

التحليل

مؤلف: Alaa issa
last update تاريخ النشر: 2026-05-04 05:25:33

في اليوم التالي، تسللتُ إلى المختبر المهجور وحدي؛ كان نيكولاي منشغلاً في إحدى المحاضرات، وهي فرصة مثالية لأختلي بمملكتي الجديدة. أخرجتُ الكيس الذي يحتوي على تلك البلورات البيضاء، ووضعتُ عينة مجهرية منها تحت العدسة.

​بتركيزٍ حاد، بدأتُ عملية التحليل الكيميائي. استخدمتُ جهاز الاستشراب الغازي، وراقبتُ بصبر نبضات الرسم البياني وهي ترتسم على الشاشة العتيقة. قارنتُ النتائج بالمعادلات المحفوظة في ذاكرتي، وسرعان ما برزت الحقيقة أمام عيني.

​لقد وجدتُ العلة.

​المركب كان ملوثاً بشوائب تصل نسبتها إلى 18%، وهي ناتجة عن تفاعل جانبي طفيلي بسبب تذبذب درجات الحرارة أثناء التحضير. تلك الشوائب اللعينة هي المسؤولة عن الغثيان والصداع الفتاك.

​فتحتُ دفتري، ودونتُ بصرامة:

​"الحل: تبريد الخليط وصولاً إلى 5 درجات مئوية قبل إضافة المحفز. هذا الإجراء سيمنع التفاعلات الجانبية. النقاء المتوقع: 98%."

​شرعتُ في العمل فوراً. سحبتُ العبوات من الرفوف: أسيتون، إيثر، وحمض الهيدروكلوريك. ارتديتُ قفازاتي المطاطية، وأشعلتُ الموقد ليتراقص لهبه الأزرق في عتمة القبو. كنتُ في حالة من التركيز المطلق؛ يداي تتحركان بدقة جراح، وعيناي لا ترمشان. في تلك اللحظة، لم أكن اللاجئ، ولا الغريب، ولا يوسف المحطم.. كنتُ الكيميائي الذي يطوع المادة. هنا فقط، في هذا المختبر، يوجد نظام ومنطق يمكن التحكم فيهما.. على عكس البشر تماماً.

​بعد ساعتين من العمل الدؤوب، استقرت بين يدي بلورات جديدة.

​كانت أنقى بمراحل؛ بيضاء ناصعة كالثلج، لكنها تملك بريقاً زجاجياً غامضاً. وضعتُ ذرة صغيرة منها على طرف لساني لاختبارها. في البداية، اجتاحتني مرارة لاذعة، سرعان ما استسلمت لحلاوة خفيفة. بعد دقيقة واحدة، شعرتُ بدفء مريح ينتشر في صدري؛ لم تكن نشوة صاخبة، بل كانت شعوراً بالسكينة، كرشفة كاكاو ساخنة في ليلة شتاء قاسية. استمر المفعول لعشر دقائق، ثم تلاشى بهدوء دون ترك أي أثر للاضطراب.

​دون في دفتري:

"المركب المؤقت: سيبيريت-1. المدة: 10-15 دقيقة. الأعراض الجانبية: منعدمة. درجة النقاء: 97%. إمكانية الإدمان: قيد الدراسة."

​غمرتني موجة من الرضا، رغم علمي بأن هذه ليست سوى الخطوة الأولى؛ فالتأثير لا يزال قصيراً جداً، ويحتاج إلى مضاعفة زمنه.

​عندما غادرتُ القبو، كان الليل قد بسط رداءه على "يوغرا"، والثلج يتساقط بغزارة صامتة. مشيتُ نحو السكن الجامعي وأنفاسي تتصاعد كالدخان الأبيض في الهواء المتجمد. في تلك اللحظة، ولأول مرة منذ غادرتُ حلب، شعرتُ أن لي قيمة؛ أنني لست مجرد رقم في سجلات اللاجئين، بل شخصاً يصنع شيئاً فريداً.

​في الغرفة، وجدتُ نيكولاي ينتظرني على أحر من الجمر. ناولته العينة بصمت، فوضع القليل منها على لسانه وراقبته وهو ينتظر. بعد دقيقة، زفر بعمق واتسعت عيناه بذهول.

​"يوسف.. هذا مذهل! لا غثيان، لا صداع.. فقط هدوء مطبق."

"إنه مجرد نموذج أولي،" قلتُ ببرود، "المدة قصيرة جداً."

"سنطوره.. معاً،" أجاب بحماس وهو يستخرج زجاجة فودكا من تحت وسادته.

​فتح الزجاجة وتجرع منها مباشرة، ثم مدها نحوي بابتسامة نصر: "اشرب.. اليوم نستحق الاحتفال."

ترددتُ لثانية واحدة، ثم أخذت الزجاجة وتجرعتُ رشفة كبيرة. كان حرق الكحول هذه المرة أقل وطأة، كأن جسدي بدأ يتأقلم مع السموم.

​"أرأيت؟" قال نيكولاي، "أنت تتغير يا صديقي. يوماً بعد يوم، تصبح أكثر روسية."

"وهل هذا مدعاة للفخر؟"

"هذا هو طوق النجاة الوحيد هنا،" خفض صوته وأردف بجدية: "في روسيا، إما أن تصبح واحداً منا، أو تبتلعك الأرض. لا خيار ثالث."

​نظرتُ عبر النافذة إلى البياض الذي غطى كل شيء. تذكرتُ تحذير أولغا: "لا تثق به". تذكرتُ صلوات أمي، ورماد حلب.. ثم رفعتُ الزجاجة وشربتُ رشفة أخرى.

​في تلك الليلة، زارني حلم غريب؛ حلمتُ أنني أحلق فوق ثلوج سيبيريا، خفيفاً كالريشة، قبل أن أهوي فجأة نحو الهاوية. استيقظتُ قبل الارتطام، والبرد يلسع وجهي. كانت النافذة مغلقة بإحكام، لكن الصقيع كان ينبعث من داخلي هذه المرة.. برد صنعته يداي، ولم يأتِ من الخارج قط.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سيبيريت   مارينا – حليفة الهروب

    استيقظتُ في صباح اليوم التالي وأنا أشعر بثقلٍ جاثم في جفوني، كأن النوم لم يكن سوى جولة أخرى من التعب. لم أنم جيداً على الإطلاق؛ كانت أفكاري تدور في حلقة مفرغة ومضطربة حول "رسلان"، ذلك المنافس التتاري الشرس الذي عقدتُ العزم على أن أبيع له "سيبيريت-2". كان حجم الخطر الذي أُلقي بنفسي فيه هائلاً؛ فإذا اكتشف فيكتور بطرقه الملتوية أنني أبيع منتجه وابتكاري لمنافسيه المباشرين، فسأكون جثة هامدة قبل أن أتمكن من نطق كلمة "سيبيريا". لكن تلك المخاطرة، برغم مرارتها، كانت ضرورية وحتمية؛ فالمال وحده لم يعد كافياً لشرائي حريتي، كنتُ بحاجة ماسة إلى حلفاء أقوياء من خارج دائرة نفوذ فيكتور الضيقة.. وكان رسلان هو الباب الوحيد المفتوح أمامنا. ​نيكولاي كان قد استبقني في الاستيقاظ كعادته. كان يجلس على الأرض، يرتشف قهوته السوداء المرة وينفث دخان سيجارته الصباحية، ونظر إليّ بعينين حمراوين أرهقهما السهر الطويل. سألني باقتضاب: "هل أجريتَ الاتصال برسلان؟" "ليس بعد.. سأتصل به في هذه اللحظة." ​أخرجتُ هاتفي، وكان الرقم الذي زودتني به مارينا محفوظاً باسم مستعار "مورد" للتمويه. ضغطتُ على زر الاتصال وقلبي يقرع ف

  • سيبيريت   تفعيل الخطة

    استيقظتُ في صباح اليوم التالي لقرارنا الانتحاري بالهروب، وأنا أشعر بشيءٍ غريب لم يطرق باب صدري منذ أشهر طويلة: الأمل. لكنه لم يكن ذلك الأمل الوديع للطالب الخائف الذي يترقب منحة دراسية لتنقذه، ولا أمل اللاجئ البائس الذي يبحث عن رقعة أمانٍ صغيرة. كان أملاً من نوعٍ مغاير تماماً؛ أمل المنتقم الذي حدد هدفه، أمل السجين الذي يخطط للخروج من الجحيم بعد أن أحرق بيده كل الجسور التي تربطه بالماضي. ​كان نيكولاي في مكانه المعتاد، جالساً على الأرض الصلبة، يرتشف قهوته السوداء المرة وينفث دخان سيجارته الصباحية. نظر إليّ بعينين ذابلتين ومنتفختين؛ كان من الواضح أنه لم يذق طعم النوم جيداً، حاله كحالي تماماً. ​سألني بصوتٍ أجش: "يوسف.. هل أنت متأكد تماماً مما نحن مقبلون عليه؟" "متأكد من ماذا بالضبط؟" "من كل شيء.. من فكرة الهروب، من قتل فلاديمير، من مواجهة المجهول." حدقتُ في عينيه طويلاً قبل أن أجيب: "هل بدأتَ تتراجع يا نيكولاي؟" "لا، لم أتراجع،" أخذ نفساً عميقاً وتابع: "لكنني أحتاج لسماعك تقولها مرة أخرى بوعيٍ تام، لأتأكد أن هذا القرار نابعٌ من عقلك، وليس تحت تأثير فودكا الليلة الماضية أو سكرات سيبير

  • سيبيريت   قبل أن أتحول كلياً

    استيقظتُ في الصباح التالي لحفلة الدماء المشؤومة، وأنا أشعر بثقلٍ غريب وجاثم يطبق على صدري. لم يكن وجعاً جسدياً يمكن مداواته، بل كان شعوراً مريراً بأنني فقدتُ شيئاً جوهرياً مني، شيئاً ضاع في زحام الدماء والرخام، دون أن أدرك كنهه تماماً. جلستُ على حافة سريري الضيق داخل المختبر؛ فقد أصبحتُ أقضي معظم لياليّ سجيناً هنا بين هذه الجدران الباردة. نظرتُ حولي أتأمل ملامح حياتي الجديدة: القوارير الزجاجية، الأنابيب الملتوية، البلورات البيضاء التي تلمع بغواية، المسدسان اللذان ينامان تحت وسادتي كحارسين للموت، وكاميرات المراقبة التي ترصد صمتي وتحصي أنفاسي. هذا هو عالمي الآن؛ لا غرف دافئة تضم أيقونات مسيحية تمنح الطمأنينة، ولا رائحة شمع الفانيليا، ولا أولغا، ولا ذكريات حلب البعيدة. فقط هذا القبو المتجمد، ورائحة الأسيتون النفاذة، وظلال الموت التي تحوم في الأركان. ​نهضتُ بتثاقل، ومشيتُ نحو الحمام الصغير القابع في زاوية المختبر. وقفتُ أمام المرآة المكسورة المعلقة على الحائط ونظرتُ إلى الانعكاس الذي أمامي. رأيتُ شخصاً غريباً تماماً لا تربطني به صلة؛ عيناي كانتا غائرتين في محجريهما، داكنتين، وتحيط بهما ه

  • سيبيريت   حفلة الدماء

    بعد مرور ثلاثة أيام على الزيارة المباغتة التي قامت بها أولغا للمختبر، تلك الزيارة التي قلبت كياني وتركتني في صراع مع أشباح الماضي، تلقيتُ دعوة شخصية من "فيكتور". لم تكن مجرد دعوة عادية لمناسبة اجتماعية؛ بل كانت أمراً صريحاً مغلّفاً بطبقة رقيقة وزائفة من المجاملة. اتصل بي فيكتور بنفسه، وهو أمر نادر الحدوث، مما جعل قلبي ينقبض توجساً. ​"يوسف، غداً مساءً، سأقيم حفلة كبرى في قصري الخاص. أريدك أن تحضر أنت ونيكولاي.. لا مجال للاعتذار." سألتُه بحذر، محاولاً جس نبضه: "وما المناسبة لهذه الحفلة؟" أجاب بصوته الذي يشبه صرير الجليد: "لا توجد مناسبة محددة. فقط أرغب في أن يرى شركائي المكان الذي أعيش فيه، وأيضاً... هناك بعض الأمور الهامة التي أريدك أن تعاينها وتراها بنفسك." ​كان صوته بارداً كالعادة، هادئاً لدرجة تثير الرعب. لكنني شعرتُ بشيء ما يختبئ تحت ذلك البرود؛ شعرت بتهديد خفي، برسالة مشفرة لم أستطع فك رموزها، لكنها كانت كافية لتجعل القشعريرة تسري في كامل جسدي. ​أخبرتُ نيكولاي بالأمر فوراً. ساد صمت طويل بيننا، كان ينظر إلى الفراغ ويفكر بعمق، ثم قال بنبرة حذرة: "سأذهب معك. لكن استمع إليّ جيداً

  • سيبيريت   زيارة غير متوقعة

    بعد حادثة الاختطاف المريرة التي تعرض لها نيكولاي، صار الحذر هو القانون الوحيد الذي يحكم تحركاته. لم يعد يجرؤ على مغادرة أي مكان وحده؛ فكان يجر خلفه رجلين ضخمين من حرس "فكتور" المدججين بالسلاح في كل رحلة توصيل يقوم بها. بل إنه هجر غرفته في سكن الطلاب تماماً، وأصبح ينام فوق أرضية المختبر الصلبة، مسكوناً بخوفٍ دائم من العودة إلى الأماكن المفتوحة. كان يشرب أقل من المعتاد، ويدخن بصمتٍ مطبق، ويتحدث بكلماتٍ مقتضبة كأن الكلام أصبح عبئاً عليه. لقد غيره الخوف جذرياً؛ غير ملامح روحه وجعله نسخةً باهتةً مني، يشبهني في ذلك البرود الذي استوطنني. ​أما أنا، فلم يكن الخوف هو ما يحركني في تلك الأيام، بل كان الغضب.. غضبٌ عارم يشتعل في صدري ضد فلاديمير، وضد فيكتور، وضد نفسي أولاً وأخيراً. كنتُ أرغب بشدة في الانتقام، كنتُ أتوق لاستعادة ذلك الشعور الزائف بالقوة؛ أردتُ أن أكون الشخص الذي يثير الرعب في قلوب الآخرين، لا الشخص الذي يرتعد في الزوايا. ​في أحد الأيام، كنتُ جالساً في المختبر وحدي تماماً. كان نيكولاي قد خرج لتوصيل شحنة جديدة تحت حراسة مشددة، وديمتري كان قد أخذ إجازته المعتادة. لم يكن يشاركني المكا

  • سيبيريت   نيكولاي في خطر

    كانت الأيام التي تلت تهديد فلاديمير الصريح كأنها كابوس ممتد لا ينتهي. أصبحتُ أنام وعيناي مفتوحتان كطريدة يطاردها الموت، وأستيقظ كل صباح وأنا أتحسس عنقي، متوهماً أن رأسي سيفصل عن جسدي ويُلقى على وسادة أخرى. لم يكن فلاديمير يطلق تهديدات جوفاء؛ بل سرعان ما تجسدت وعوده في رجال يرتدون بدلات سوداء قاتمة، يتجولون كظلال مشؤومة حول المختبر، وحول سكن الطلاب، وفي كل زاوية أطأها. كانوا يراقبونني ببرودٍ مرعب، ينتظرون سقطة واحدة أو لحظة غفلة لينقضوا. ​قال لي نيكولاي بنبرة غلب عليها القلق الحقيقي: "أنت بحاجة ماسة إلى حراسة مشددة يا يوسف، لا تخرج من الآن وصاعداً وحدك أبداً." سألتُه بسخرية مريرة: "ومن تراه سيحميني؟ أنت؟" أجاب بجدية: "لدي أصدقاء قدامى، رجال سابقون في الجيش السوفيتي، مقاتلون يبيعون ولاءهم لمن يدفع.. يمكنهم مرافقتك كظلك." "وبكم يثمنون هذا الولاء؟" "ألف دولار في اليوم الواحد." ضحكتُ ضحكة جافة ومرة: "أدفع ألف دولار يومياً لمجرد أن أضمن استمرار أنفاسي؟" هز رأسه ببرود وقال: "هذا هو سعر البقاء على قيد الحياة في سيبيريا." رفضتُ عرضه بكبرياء أحمق؛ كنتُ أظن واهماً أنني أستطيع حماية نفسي،

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status