로그인حين سمع فؤاد زياد يقول إن نخاع ياسمين العظمي مهم جدًا بالنسبة إليه، خرج منه سؤالٌ دون تفكير: "هل أنت من تحتاجه؟"لكن ما إن طرح السؤال حتى تمنى لو أنه صفع فمه بيده، ما الذي يهذي به بحق؟كان زياد يبدو قوي البنية كالثور، فالحاجة إلى نخاع العظم تعني بلا شك الإصابة بأحد أمراض الدم، أي أن الشخص مريض.وزياد لا يمت بصلة إلى صورة المريض بأي شكل من الأشكال.ظل زياد يحدق في عقب السيجارة المنطفئ تمامًا داخل المنفضة، وقد غرق قاع عينيه في ظلمة كثيفة، ولم يجب عن سؤال فؤاد.منذ صغره وحتى الآن، كان أكثر ما يمقته فؤاد في زياد هو عناده الشديد وإعراضه الدائم عن الكلام. فإذا كانت الأخبار سارة، فيمكنه على الأقل البوح بها صراحة. أما إذا كانت سيئة، فيصمت ولا ينبس ببنت شفة، بل يخبئ كل شيء في صدره، ويتولى الأمور وحده في صمت.وفي الغالب، لا يلمس الآخرون حتى أمارات الخطر، وإذا به يكون قد دبر الأمر وفرغ منه دون أن يدري به أحد.حتى إن فؤاد كان يقلق أحيانًا من أن يكبت زياد كل شيء في داخله إلى أن يصاب بالمرض يومًا ما.انتقامه من عائلة الحسيني، ونخاع ياسمين العظمي... أمور لم يكن ليتخيَّلها حتى. فمن كان يتخيل أن زياد ي
كان لا يزال يبتسم ابتسامته الساخرة، لكنه ما إن لاحظ أن مزاج زياد لم يكن على ما يرام حتى أخفى ابتسامته فورًا، وتبعه إلى الطابق السفلي.وما إن وصلا إلى الأسفل، حتى تأكد من أن من في الطابق العلوي لن يسمعه، ثم خفض صوته وسأل: "ياسمين استأجرت قاتلة لقتل شهد، ولولا أن ياسين تلقى الضربة بدلًا منها، لربما ماتت شهد. هل تنوي حقًا حماية ياسمين؟"أشعل زياد سيجارة. وبعد أن غُسلت آثار الدم عن وجهه، لم يبقَ على ملامحه الحادة سوى برودة قاتمة.لم يقل كلمة واحدة، واكتفى بالتدخين في صمت.وبعد لحظات، أطفأ السيجارة بين أصابعه وقال بعبارة غامضة يصعب سبر أغوارها: "نخاع ياسمين العظمي مهم جدًا بالنسبة إليّ."تجمد فؤاد في مكانه....بعد أن غادر زياد حي درب الأماني برفقة شهد، أرسلت عائلة منير حراسها لمحاصرة الحي. وبقوة عائلة منير، لم يكن انتزاع ياسمين من هناك أمرًا صعبًا.لكن عندما وصل رجالهم إلى حي درب الأماني، كان المكان قد خلا من الجميع.اتصل الحراس على الفور وأبلغوا عباس.جاء صوت عباس عبر الهاتف ثابتًا وهادئًا، دون أدنى عجلة: "يبدو أن زياد مصمم حقًا على حماية ياسمين."من دون أدنى شك، كان زياد قد نقل ياسمين إل
نصف شهر قبل أن يسمح لها بالرحيل...قبضت شهد فجأة على ملاءة السرير تحتها بقوة، كأنها غريق على وشك الهلاك، وقد أمسك بقشة تنقذه من الموت.أرادت أن تتظاهر بأنها لم تسمع، وأن تتجاهل كلام زياد.لكن كلماته ظلت تلتف حول عقلها، فلم تستطع في النهاية منع نفسها من التفكير فيها، ثم عادت تهديداته إلى ذهنها من جديد.قالت بصوت يحمل شيئًا من الإرهاق والصراع: "هل تنوي احتجازي هنا قسرًا؟"في اليوم الأول من السنة الجديدة، عندما أُحضرت إلى هنا، لم يكن زياد قد أخذ هاتفها بعد، بل اصطحبها لتناول الطعام في الخارج، وترك لها بعض المساحة.أما اليوم، فمن الواضح أنه لا ينوي السماح لها بالتواصل مع العالم الخارجي، وهذا احتجاز قسري بكل معنى الكلمة."فناء التوليب مساحته تعادل مساحة ثلاثين ملعب كرة سلة بالحجم القياسي، وهذا يكفي لتتحركي بحرية." نظر إلى تقوس الغطاء، الذي ارتفع مع كلماته ثم تجمد قليلًا.لم ينفِ ما وصفته به من "احتجاز".سخرت في نفسها بمرارة.يا له من أمرٍ مضحك!هل لأن مساحة القفص كبيرة ومرافقه متكاملة، لم يعد يُسمى هذا احتجازًا؟أدارت ظهرها للرجل، وقالت بسخرية باردة: "إذا كنت تريد حماية ياسمين، فلماذا تحتاج
حتى يومنا هذا، ما زالت تتذكر شعورها في ذلك اليوم.سحبت شهد يدها فجأة، ورفعت الغطاء ثم نهضت من السرير.وطأت قدماها العاريتان الأرض، وأصدرت خطواتها فوق الأرضية الخشبية صوتًا خفيفًا. مشت حتى الباب، وأمسكت بمقبضه وضغطت عليه إلى الأسفل، لكنه لم يتحرك قيد أنملة.أدركت في الحال أن هناك شخصًا يقف خلف الباب.في فناء التوليب، كان هناك شخص واحد فقط يستطيع، بمجرد نظرة من زياد، أن يتعاون معه بانسجام تام، كأنهما رفيقا سلاح أمضيا سنوات طويلة معًا.كان جمال هو من يقف خلف الباب.لكن في اللحظة التي أدارت فيها رأسها نحو النافذة، كان زياد قد اقترب منها دون أن تشعر. وضع إحدى يديه على ظهرها، وانحنى ليمد يده الأخرى تحت ركبتيها، ثم حملها وأعادها إلى السرير الكبير.انحنى فوقها، مستندًا بكلتا يديه إلى جانبيها، حتى كاد جبينه يلامس جبينها، وقد أدرك ما يدور في ذهنها.قال ببرود: "تريدين القفز من النافذة؟ إذًا من الأفضل أن تكسري ساقيك، حتى لا تتمكني من الذهاب إلى أي مكان، وتبقي هنا إلى الأبد."أدارت شهد وجهها لتتفادى أنفاسه، وقالت ببرود: "إن كنت تملك الشجاعة، فأغلق جميع النوافذ، واحبسني هنا كأنني سجينة!"كانت طوابق
ضغطت يد قوية على معصمها وثبّتته فوق الوسادة.فقدت شهد توازنها وسقطت مجددًا على الوسادة.وحين التقت عيناها بعيني زياد السوداوين القاتمتين، رأت فيهما ظلالًا داكنة تتحرك بخفوت كغيوم سوداء متراكمة، فيما كان خده الأيسر لا يزال ملطخًا بدمها الداكن المحمر. كان في هيئته كلها شيء من التعلق الهوسي الذي يبعث على القشعريرة.قال بصوت خافت أجش: "دعيني أضع لكِ الدواء أولًا."سحبت شهد يدها بقوة، لكنها لم تنجح في تحريرها. فرفعت قدمها وركلت زياد، لكنه أمسك بفخذها بيده الأخرى.جعلته هذه الوضعية ينحني فوق شهد، بينما حجبت كتفاه العريضتان نصف الضوء، وبدت ملامحه عميقة قاتمة في مواجهة الضوء.قال بصوت منخفض: "دعيني أضع لك الدواء أولًا.""إن كنت تملك الجرأة، فأطلق النار علي، ولا تضع لي أي دواء!"كانت عينا شهد لا تزالان حمراوين بشدة وهي تقول: "يا للأسف يا زياد، ألم تكن بارعًا جدًا في التصويب؟ استطعت أن تفجّر رأس الخاطف برصاصة واحدة من تلك المسافة البعيدة على متن المروحية، فلماذا انحرفت الرصاصة عندما صوبت نحوي؟ لماذا لم تستطع قتلي برصاصة واحدة؟"وكلما واصلت الكلام، ازدادت كلماتها قسوة ولسعًا، واختنق صوتها بالبكاء
لمح بطرف عينه ياسمين وهي ترفعها الخادمة وتعيدها إلى كرسيها المتحرك، فقال بصوت بارد: "خذيها إلى الداخل. ولا يُسمح لياسمين بمغادرة هذا الباب ولو لخطوة واحدة من دون أمري!"أحكم ذراعه حول خصر شهد، وأجبرها على مغادرة حي درب الأماني.في السيارة، وبعد أن قاومت شهد بعنف، أظلمت الدنيا أمام عينيها، وبدأ وعيها ينسحب تدريجيًا، ثم ارتخى جسدها وفقدت وعيها.وأخيرًا، انهمرت الدموع التي ظلت تتراقص على حافة عينيها رغم محاولتها كبحها، وانزلقت من زاويتي عينيها متتابعة.أحاطت ذراعا زياد المتصلبتان بجسدها النحيل وضمّته إلى صدره.لف إحدى يديه حول كتفها، وأسند رأسها إلى صدره، بينما أمسكت يده الأخرى بيدها اليمنى الملطخة بالدماء، وكانت عيناه السوداوان تفيضان بظلال باردة قاتمة.انطلقت السيارة مسرعة مبتعدة عن حي درب الأماني، متجهة نحو فناء التوليب.على السرير الكبير في غرفة النوم الرئيسية، كانت شهد مستلقية بلا وعي، وجسدها غارقٌ في نعومة الفراش، فيما بدا وجهها الصغير أصلًا أكثر شحوبًا وفقدانًا للون.بعد أن أنهى الطبيب فحصها، قال للرجل الجالس بجانب السرير ذي الملامح الباردة الهادئة: "سيد زياد، لا تعاني السيدة من شي
تشبثت المرأة الجالسة على الكرسي المتحرك بمسندي الكرسي فجأة بقوة، وتجمدت ملامحها. رفعت نظرها بجمود إلى الرجل الواقف أمامها."زياد، لم أكن أعلم أن مروان ضرب شهد."لم يرفع زياد رأسه حتى، بل ألقى نظرة خاطفة على ساعته.توقفت الموسيقى في الحفل في وقت ما، ولم يبقَ سوى عدد قليل من الأضواء الملونة تومض.وقف
شعرت شهد في تلك اللحظة وكأن شيئًا ما يضغط على صدرها.عندما استيقظت بعد ظهر اليوم، جعلها رداء النوم الذي ترتديه والمرهم المدهون على وجنتها تشعر بالحيرة، وظنت للحظة أن زياد ربما يشعر بقليل من الشفقة تجاهها.أما الآن فهي متأكدة تمامًا، لا يوجد شيء من هذا القبيل.فزياد لا يشعر تجاهها بأي شفقة على الإطلا
قبضت على أصابعها المرتجفة بشدة، ونزفت راحتاها.كان الهدوء مرعبًا."شهد، شهد..."نادى رئيس التحرير ماهر باسم شهد، وقد عقد حاجبيه.ظلت جامدة كتمثال جليدي، ولم تتحرك شفتاها المتصلبتان إلا بعد برهة طويلة، وظل تعبيرها هادئًا: "تكلمي من فضلك."لما رآها لا تبكي ولا تثير ضجة، انتاب رئيس التحرير قلق شديد، خش
اعتدل زياد من اتكائه على الأريكة، ووجهه عابس وهو يلقي نظرة خاطفة على شهد المنكمشة في الزاوية. التقط هاتفه، وسحب الشاشة، وأجاب على المكالمة.قال المتصل شيئًا ما لا تعرفه."الأهم أن تعتني بصحتك أولًا، أما بالنسبة لأي شيء آخر، فاطلبي من أحدهم التواصل مع جمال الريان."كانت نبرته لطيفة وصبورة.على عكس تم







