LOGINعادت سيليا إلى المنزل قبل الغروب بقليل. كانت تحمل في حقيبتها استمارة التسجيل للمسابقة. ورقة واحدة، لكنها شعرت أنها تحمل مستقبلها كله. فتحت الباب بهدوء. المنزل هادئ كعادته. لا يوجد فيه سوى صوت ساعة الحائط وخطوات ماريا في المطبخ. "أهلاً سيدتي سيليا! هل أضع لكِ العشاء؟" ابتسمت سيليا، لأول مرة منذ وقت طويل ابتسامة حقيقية لماريا. "لا، شكراً ماريا. سأذهب لغرفة البيانو قليلاً." "السيد جونيور لم يعد بعد من الشركة." "حسناً." قالتها ودخلت الممر الطويل المؤدي لآخر المنزل. فتحت باب غرفة البيانو وأغلقته خلفها بهدوء. جلست. لم تكن متعبة. على العكس، كانت مليئة بطاقة غريبة لم تشعر بها منذ سنوات. طاقة الأمل. وضعت استمارة المسابقة على حامل النوتات، كأنها تريد أن تعزف لها هي. أخذت نفساً عميقاً، ورفعت غطاء البيانو. وبدأت. لم تكن تتدرب هذه المرة. كانت تعزف لأنها سعيدة. عزفت نفس مقطوعة شوبان الصباحية، لكن هذه المرة لم تكن خائفة. كانت أصابعها تطير. المقطع السريع الذي كان كابوسها، أصبح لعبتها. نسيت نفسها تماماً. نسيت السجن، ونسيت يدها التي كانت ترتجف، ونسيت والدها، ونسيت حتى جونيور. ابتسمت وهي
استيقظت سيليا على خيط ضوء أبيض يتسلل من بين الستائر الثقيلة.بقيت مستلقية، تحدق في السقف. جسدها ساكن، لكن عقلها لم يتوقف منذ ليلة أمس.المطر.الحديقة.جونيور تحت المطر كرجل تائه.ورأسه... على بطنها.وضعت يدها لا إرادياً فوق بطنها، كأنها تحمي ذكرى قديمة.أغمضت عينيها بقوة.لماذا فعل ذلك؟ ولماذا كان يرتجف؟ هل... هل عرف؟اعتدلت فجأة في سريرها، قلبها ينبض بعنف."يجب أن أعرف."ارتدت ملابسها بسرعة - قميص أبيض بسيط وبنطال داكن - لم تهتم كثيراً بمظهرها. كل ما أرادته هو إجابة واحدة قبل أن يهرب منها كعادته.نزلت إلى الطابق السفلي.كان جونيور في غرفة الطعام كعادته. بدلة سوداء كاملة، قهوة سوداء، وهاتف لا يفارق يده. رجل يبدو أنه لم يتبلل أبداً تحت مطر الأمس. بارد، مرتب، بعيد.رفع عينيه عندما سمع خطواتها."صباح الخير.""صباح الخير." جلست أمامه، على الطرف الآخر من الطاولة الطويلة. المسافة بينهما كانت مقصودة.صمت.هو يتصفح رسائله، وهي تراقب يده التي تمسك الفنجان. يد ثابتة، قوية. على عكس يدها.أخيراً، قطعت الصمت."جونيور.""نعم؟" لم يرفع عينيه.أخذت نفساً. قررت أن تبدأ من بعيد."هل تتذكر عندما... عندم
بقيت سيليا واقفة تحت المطر، والمظلة ملقاة على الأرض بجانبهما.كان جونيور لا يزال منحنيًا أمامها، جبهته مستندة إلى بطنها، وكأن العالم من حولهما قد اختفى.لم تعرف ماذا تفعل.لم يكن ارتباكها بسبب قربه فقط، بل بسبب حالته هو. جونيور الذي تعرفه رجل هادئ، مسيطر على نفسه حد القسوة، لا يسمح لأحد برؤية ما يدور داخله... والآن كان أمامها كرجل فقد شيئًا لا تستطيع هي فهمه.رفعت يدها ببطء عن شعره."جونيور..."لم يجب.نظرت إلى السماء، المطر يزداد، والبرد يتسلل إلى عظامها."علينا أن ندخل."بقي ساكنًا."المطر يتساقط بغزارة."رفع رأسه أخيرًا. التقت عيناه بعينيها، وفي تلك اللحظة بالذات ارتبكت سيليا. لم تستطع تفسير نظرته. كان فيها شيء لم تقرأه من قبل، شيء يشبه الحزن، أو الندم، أو ربما ألمًا أعمق من الاثنين.خفضت عينيها بسرعة.ابتعد جونيور خطوة، انحنى وأخذ المظلة من الأرض ومدها إليها."ادخلي."أمسكتها. "وأنت؟""سأدخل."سارا معًا نحو المنزل دون كلمة. كانت تمشي ببطء، وهو بجانبها، وعند الباب الخلفي فتحه لها. دخلت أولًا، ثم دخل خلفها وأغلق الباب.كانت ملابسه مبللة بالكامل. نظر إلى نفسه للحظة ثم إليها."اذهبي و
خرج جونيور إلى المكتب.بعد لقائه بالسيد ادوار ، قاد سيارته بسرعة جنونية.. إلى المنزل..... ركن السيارة أمام المنزل وخرج.كانت السماء رمادية بشكل مخيف. وفي اللحظة التي أغلق فيها باب السيارة، بدأت أولى قطرات المطر تنزل.ثقيلة. باردة. غزيرة.لم يدخل المنزل.بل مشى مباشرة إلى الحديقة الخلفية، تلك الحديقة التي لم يكن يجلس فيها أحد. جلس على المقعد الحجري المواجه لنافذة غرفتها.في ثوانٍ، ابتلت بدلته بالكامل. شعره، وجهه، قميصه الفاخر. بدا كرجل فقد السيطرة أخيراً.. فتح الملف.تقرير من داخل السجن - شهادة ممرضة."السجينة سيليا إدوار، 19 عاماً. وصلت وهي حامل في الاشهر الاولى . تعرضت لاعتداء متكرر من قبل 3 سجينات في قسم الغسيل. تم تحريضهن من قبل الانسة ايفلين في يوم 14 مارس، تعرضت لضرب شديد في البطن. نزيف حاد. تم نقلها للمستشفى السجن وفقدت الجنين. عند عودتها، اشتكت لوالدها وتوسلت اليه ان يخرجها، لكنه قال لها بالحرف: (تستحقين هذا). عادت إلى زنزانتها."انزل جونيور الهاتف ببطئجونيور لم يتحرك.المطر كان يضرب وجهه بقوة، لكنه لم يشعر به.كل ما كان يراه هو جملة واحدة تتكرر في رأسه.حامل في الأشهر الا
في صباح اليوم التالي، كان جونيور في مكتبه منذ وقت مبكر.لم يكن قد نسي الرسالة التي وصلته من سكرتيره.والد سيليا يريد مقابلتك.منذ أن شاهد التسجيل، لم يعد ينظر إلى ذلك الرجل بالطريقة نفسها.كان يعرف أنه والدها، وكان يعرف أنه اتخذ القرار الذي أدى إلى سجنها، لكنه لم يكن يعرف إن كان سيأتي اليوم معتذرًا، أم محاولًا تبرير ما فعله.ولذلك قرر أن يستمع إليه أولًا.ثم يحكم.كانت الساعة تقترب من العاشرة عندما طرق السكرتير الباب."سيدي، والد الآنسة سيليا وصل."رفع جونيور عينيه عن الملفات."دعه يدخل."بعد لحظات، فُتح الباب.دخل والد سيليا بخطوات هادئة، مرتديًا بدلة رسمية أنيقة.كان يحمل عدة علب فاخرة في يديه، ويبدو على وجهه قدر كبير من الثقة.وضع الهدايا على الطاولة."صباح الخير، سيد جونيور."لم ينهض جونيور.اكتفى بنظرة باردة."صباح الخير."ابتسم الرجل."أعتذر عن إزعاجك في وقت العمل.""اجلس."جلس الرجل أمامه.قال بلطف:"أحضرت بعض الهدايا البسيطة."نظر جونيور إلى العلب."لماذا؟"ضحك الرجل بخفة."مجرد لفتة احترام."بقي جونيور صامتًا.فتح الرجل إحدى العلب قليلًا، فظهرت بداخلها ساعة ثمينة."أردت أن أع
سيليا... أصبحت تقضي معظم وقتها في الغرفة الموجودة في آخر الممر. لم تكن تتدرب لساعات كما كانت تفعل سابقًا، بل كانت تلتزم تمامًا بما قاله الطبيب.دقائق قليلة فقط.حركات بسيطة.ثم راحة.وكانت تلك الدقائق القليلة تبدو لها أحيانًا أطول من ساعات كاملة.في ذلك اليوم، جلست أمام البيانو منذ الصباح.وضعت كتاب النوتات أمامها، واختارت مقطعًا قصيرًا كانت تعرفه جيدًا.لم يكن مقطعًا صعبًا.بل كان من أبسط المقاطع التي عزفتها في الماضي.ومع ذلك، بالنسبة إليها، كان الأمر مختلفًا تمامًا.وضعت يدها على المفاتيح.تنفست ببطء.ثم بدأت.النغمة الأولى.ثم الثانية.ثم الثالثة.كانت أصابعها تتحرك ببطء، بحذر شديد.في البداية، شعرت بتوتر خفيف في يدها.توقفت.نظرت إليها.انتظرت لحظات.لم يحدث شيء.أعادت المحاولة.هذه المرة تابعت.كانت عيناها تتحركان بين النوتات والمفاتيح.لم تكن تريد التفكير في شيء آخر.لا في العملية.ولا في المستشفى.ولا في السنوات الماضية.فقط الموسيقى.نغمة تلو الأخرى.وببطء، بدأت أصابعها تتحرك بحرية أكبر.وصلت إلى منتصف المقطع.توقعت أن يبدأ الارتجاف.انتظرت.لكن يدها بقيت ثابتة.تابعت.ثم وص







