تسجيل الدخولاتسعت عينا تالين، وأسرعت تهز رأسها، وكأنها تريد أن تطرد من ذهن سلوى تلك الفكرة قبل أن تستقر فيه. لم تحتمل أن تسمع كلمة الموت وهي تعرف أن نوح لا يزال يقاتل في المستشفى.— لا، جدتي. لا تقولي ذلك.كانت سلوى تحدق فيها بعينين ممتلئتين بالخوف، وكأنها تحاول أن تستمد من ملامح تالين الإجابة التي عجز قلبها عن الوصول إليها.— أخبروني أنه أُصيب برصاصة...أومأت تالين ببطء، ولم تستطع أن تكذب عليها، لكنها حاولت أن تجعل صوتها ثابتًا قدر الإمكان.— نعم، أُصيب.ارتجفت ملامح سلوى أكثر، وكأن مجرد تأكيد الإصابة كان كافيًا لإعادة الخوف إليها بكل قوته. وضعت يدها على صدرها، بينما راحت أنفاسها تتسارع.— إذًا مات؟— لا!قالتها تالين بسرعة، وكأنها تخشى أن تنهار سلوى أمامها إذا تأخرت ثانية واحدة في نفي ذلك.جلست إلى جوارها وأمسكت يديها بين يديها، وضمت أصابعها المرتجفة بين كفيها محاولةً بث شيء من الطمأنينة إليها.كانت تحاول أن تمنحها الطمأنينة التي تحتاج إليها، رغم أن قلبها هي الأخرى كان يرتجف خوفًا على نوح.— نوح حي. أُجريت له عملية جراحية، وانتهت العملية بنجاح.حدقت سلوى فيها طويلًا، ولم تبدُ عليها علامات الاطم
تجمد أدهم. بقيت عيناه ثابتتين عليها، وكأن عقله يحتاج إلى لحظة ليستوعب الكلمة. — حرجة؟ أومأت. — نعم. ظل صامتًا للحظات. ثم جاء السؤال الذي كانت تعرف أنه سيطرحه فورًا. — لهذا لم يستعد وعيه؟ هزت رأسها ببطء. — نعم... لم يفق بعد. أغمض أدهم عينيه للحظات. كان الألم في كتفه لا يزال موجودًا، لكن القلق على نوح طغى عليه تمامًا. ظل صامتًا، يستوعب ما سمعه. ثم فتح عينيه من جديد. — وتالين؟ — لا تزال إلى جواره كما أخبرتك. أغمض أدهم عينيه مرة أخرى، وظهر القلق واضحًا على وجهه. كان يعرف تالين جيدًا. ويعرف ما يعنيه أن تكون واقفة خلف باب العناية المركزة، تنتظر شخصًا تحبه ولا تعرف إن كان سيفتح عينيه من جديد. — إذًا لم يكن بخير كما قلتِ. خفضت جُمان رأسها. شعرت بالذنب لأنها أخفت عنه الحقيقة، لكنها لم تندم تمامًا. فهي لم تكن تريد أن تضيف إلى ألمه خوفًا آخر وهو بالكاد استعاد وعيه. — كنت أحاول ألا أقلقك وأنت ما زلت تتعافى. فتح أدهم عينيه ونظر إليها. — كنتِ مخطئة. ساد الصمت بينهما للحظات. ثم ضغطت جُمان على يده، وكأنها تحاول أن تعيده إلى حقيقة أنه ما زال بحاجة إلى الراحة. — أعرف. ثم ضغ
توقفت جُمان عن الكلام.كانت الجملة بسيطة، لكنها هزت شيئًا عميقًا بداخلها.خفضت عينيها، وانهمرت دمعة أخرى على خدها.لم تعرف ماذا تقول.ربما لأنها كانت تخشى أن تتحدث، فتفضح كل ما حاولت إخفاءه.قال أدهم:— هل أنتِ بخير؟رفعت رأسها إليه باستغراب.— أنا؟— نعم. أنتِ أيضًا مررتِ بما يكفي الليلة.سكتت للحظة.نظرت إليه، ثم إلى يده التي لا تزال بين يديها.لقد كان يسأل عنها رغم أنه هو المصاب.حتى بعد كل ما حدث، كان أول ما يفكر فيه هو ما إذا كانت بخير.مسحت دمعتها سريعًا، ثم قالت:— أنا بخير ما دمت بخير.ظل ينظر إليها.بدت على وجهه ابتسامة هادئة، وكأنه وجد في إجابتها ما كان يبحث عنه.ثم ابتسم.— إذًا ابقي هنا قليلًا.نظرت إليه للحظات، ثم شدّت أصابعها حول يده.— سأبقى.أغمض عينيه للحظة من شدة التعب.لاحظت جُمان ذلك فورًا، فمالت نحوه قليلًا، لكنها لم توقظه.ظلت ممسكة بيده، تراقب تنفسه الهادئ، وتتأكد بين لحظة وأخرى من أنه بخير.لم تكن تريد أن تبتعد عنه.ليس الآن.ليس بعد أن أدركت كم كانت قريبة من فقدانه.كانت جُمان للمرة الأولى منذ سنوات تشعر أن أدهم ما زال إلى جوارها.وأنها كادت تفقده قبل أن تستعي
بعد مرور بعض الوقت، كان الهدوء قد بدأ يعود تدريجيًا إلى ممرات المستشفى.تراجعت حركة الأطباء والممرضين قليلًا، وانخفضت الأصوات التي كانت تملأ المكان خلال الساعات الماضية، لكن آثار تلك الليلة الثقيلة ظلت حاضرة في كل زاوية.كانت جُمان تقف أمام باب الغرفة التي نُقل إليها أدهم بعد انتهاء العملية.منذ أن رأته يسقط أمامها، لم تستطع التخلص من الخوف الذي استقر في صدرها.أخبرها الطبيب أن حالته مستقرة، وأنه بدأ يستعيد وعيه، لكنه أوصاها بألا تجهده، لأن جسده لا يزال بحاجة إلى الراحة بعد الإصابة والعملية.ورغم أن كلماته حملت قدرًا من الطمأنينة، فإن قلبها لم يستطع أن يهدأ تمامًا.ظلت تحدق في الباب لثوانٍ، تتردد بين رغبتها في رؤيته وخوفها مما قد تجده خلفه.ثم أخذت نفسًا عميقًا، ومدت يدها إلى المقبض.فتحت الباب ببطء.دخلت بخطوات هادئة، ثم توقفت عندما رأته.كان أدهم مستلقيًا على السرير، شاحب الوجه، وكتفه مثبت بعناية، بينما كانت بعض الأجهزة الطبية إلى جواره تراقب علاماته الحيوية، وتصدر أصواتًا هادئة ومنتظمة في الغرفة.بدا هادئًا، لكنه كان مختلفًا عن صورته التي اعتادت عليها.أكثر ضعفًا.وأكثر إرهاقًا.تق
توقفت أنفاسها.شعرت بقلبها يخفق بقوة، وكأنها تستعد لمواجهة شيء لا تعرف إن كانت قادرة على احتماله.نظرت إلى تيم للحظة.أومأ لها مشجعًا.ثم تحركت نحو الباب بخطوات مرتجفة.كانت كل خطوة تقربها منه أكثر...لكنها تقربها أيضًا من الحقيقة التي كانت تخشاها منذ اللحظة التي دخل فيها غرفة العمليات.لأول مرة منذ خمس ساعات، ستراه.---داخل العناية المركزةما إن دخلت تالين إلى غرفة العناية المركزة، حتى شعرت بأن خطواتها أصبحت أثقل من أن تحملها.كان المكان هادئًا على نحو مخيف.صوت الأجهزة الطبية يملأ الغرفة بإيقاع منتظم، وشاشة المراقبة تعرض أرقامًا تتحرك باستمرار، بينما كان ضوء الأجهزة الخافت ينعكس على وجه نوح الشاحب.توقفت عند الباب للحظات.كان هو.لكن الرجل الذي أمامها لم يشبه نوح الذي تعرفه.لا تلك النظرة الحادة التي اعتادت مواجهتها.ولا ذلك الصوت البارد الذي كان قادرًا على إخفاء أي مشاعر خلف كلماته.كان مستلقيًا بلا حراك، وعيناه مغمضتان، ووجهه شاحبًا بصورة جعلت قلبها ينقبض.اقتربت منه ببطء.كل خطوة كانت تجعلها تشعر بثقل أكبر في صدرها.حتى وصلت إلى جوار سريره.نظرت إلى يده الموضوعة بجانب جسده، ثم ت
أخبرها الطبيب: — عندما ننقله إلى العناية المركزة، يمكنكِ رؤيته لفترة قصيرة، لكن لا تجهديه ولا تحاولي إيقاظه. أومأت بسرعة. — لن أفعل. ثم سكتت للحظات. بقيت الكلمات عالقة في ذهنها، بينما راحت عيناها تتنقلان بين الطبيب والباب المغلق المؤدي إلى العناية المركزة. كانت تعرف أن نوح لن يكون واعيًا عندما تراه، وربما لن يشعر بوجودها أصلًا، لكن مجرد فكرة أن يفتح عينيه في مكان غريب، وسط الأجهزة والأطباء، ولا يجد أحدًا يعرفه إلى جواره، كانت تؤلمها أكثر مما توقعت. وربما لأنها كانت تعرف جيدًا كيف يمكن للحظات الضعف أن تجعل الإنسان يحتاج إلى وجه مألوف، حتى لو لم يستطع الحديث معه. لذلك سألت بصوت خافت: — هل... سيبقى وحده؟ جاء صوت تيم هذه المرة، ثابتًا وحاسمًا، وكأنه أراد أن يقطع عنها ذلك الخوف قبل أن يكبر داخلها. — لن يكون وحده. نظر الطبيب إليهما، ثم أومأ مطمئنًا. — سأطلب من الممرضة إبلاغكم فور استقراره في العناية المركزة. ثم غادر الممر، تاركًا خلفه ثلاثة أشخاص يحاول كل منهم أن يستوعب ما سمعه. راقبت تالين الطبيب وهو يبتعد، حتى اختفى خلف الباب، ثم عادت بعينيها إلى باب العناية المركزة. كان ج







