Share

بين القوه والوحده

last update publish date: 2026-05-26 18:48:57

الفصل العاشر — بين القوة والوحدة

ذهب وليد مع ممدوح بيه ليتفقدا جزءًا آخر من الموقع، وبقيت شروق واقفة مع مازن وسط أصوات العمال والمعدات.

كانت ما تزال تشعر بالضيق مما حدث قبل قليل.

لكن قبل أن تتكلم…

سبقها مازن قائلاً بسرعة:

— شروق… أنا آسف.

نظرت له باستغراب.

فأكمل وهو يحاول الظهور بمظهر المظلوم:

— حصل سوء تفاهم.

سكت لحظة ثم أشار ناحية ممدوح بيه:

— أنا كنت باشرحله التعديلات… فافتكر إني أنا اللي عاملها، وقال لي برافو عليك.

خفض صوته قليلًا:

— وقبل ما أوضحله إننا عملناها سوا… أو بالأصح إن معظمها أفكارك… لقيته جاله تليفون.

ثم تنهد وهو ينظر لها:

— وبعدها إنتوا وصلتوا وأنا ماعرفتش أتصرف.

ظلت شروق تنظر له للحظات.

ثم بدأت تسترجع المشهد داخل عقلها.

هو فعلًا كان يتكلم عن التعديلات قبل وصولهم.

وربما… ربما كان صادقًا.

قال أخيرًا:

— آسف مرة تانية.

هزت شروق رأسها بهدوء.

— خ… خلاص.

ابتسم مازن براحة داخلية.

بينما الحقيقة…

أنه استغل الموقف بالكامل لصالحه منذ البداية.

كان يريد أن يظهر أمام الإدارة والعميل كشخصية أساسية بالمشروع.

خصوصًا بعد ظهور شروق المفاجئ الذي سرق الأضواء منه.

---

بدأ الاثنان متابعة العمل بالموقع.

كانت شروق تراجع الرسومات وتقارنها بالتنفيذ، بينما يتحرك مازن وسط العمال بثقة وصوت عالٍ.

لكن شيئًا أزعجها سريعًا.

نظرات بعض العمال.

كانوا يراقبونها كلما تكلمت.

وبمجرد ظهور التهتهة في كلامها…

تظهر على وجوههم ابتسامات خفيفة أو نظرات استهزاء حاولوا إخفاءها.

شعرت شروق بالتوتر فورًا.

وتراجعت خطواتها قليلًا.

لاحظ مازن ذلك سريعًا.

فاقترب منها وقال بصوت منخفض:

— سيبي العمال عليا أنا.

نظرت له بصمت.

فأكمل:

— الشغل هنا محتاج تعامل معين… وأنا أقدر أسيطر عليهم أكتر.

بدت كلماته وكأنها حماية لها من نظرات العمال.

لكن الحقيقة…

أنه كان يستمتع أكثر بفرض سيطرته على المكان وإثبات نفسه كقائد للمشروع.

أما شروق…

فشعرت بالراحة قليلًا لأنها لن تضطر للكلام كثيرًا أمام الجميع.

فاكتفت بالمتابعة الصامتة من بعيد.

---

ومع غروب الشمس…

انتهى يوم العمل الطويل.

وصل وليد أخيرًا بسيارته ليعيد شروق للمنزل.

لكنها بمجرد أن رأته قالت بسرعة:

— ل… لا، هامشي لوحدي.

استغرب:

— ليه؟ أوصلك عادي.

— ع… عاوزة أشتري شوية حاجات وأنا راجعة.

كان واضحًا أنها لا تريد الحديث.

حاول وليد أن يقول شيئًا آخر…

لكنها سبقته ومشت.

وظل واقفًا ينظر خلفها بحيرة.

---

رجعت شروق إلى العمارة مرهقة نفسيًا أكثر من جسديًا.

كانت خطواتها بطيئة فوق السلم.

لكن فجأة…

سمعت صوت خالد، زوج خالتها، يصرخ بعنف داخل الشقة.

وصوت سهام تحاول تهدئته.

توقفت شروق تلقائيًا.

وشعرت بالاختناق يعود مرة أخرى.

ثم تذكرت فجأة المرأة التي حاولت مساعدتها صباحًا، وكيف وقفت تدافع عن زوجها ضدها.

وقفت للحظة تفكر.

ثم تراجعت ببطء.

— لا…

همست بها لنفسها.

— مش هدخل.

استدارت لتنزل من جديد.

لكن قبل أن تصل لباب العمارة…

فُتح باب شقة خالتها بعنف.

ونزل فريد مسرعًا على السلم.

كان وجهه متوترًا… ويبدو وكأنه تعرض للضرب.

رآها فتوقف فجأة.

أما شروق فقالت بسرعة:

— ت… تعالى.

نظر خلفه بخوف.

ثم دخل شقتها سريعًا قبل أن يراه أحد.

---

جلس فريد على الأريكة وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة.

دخلت شروق المطبخ وعادت بكوب ليمون بارد وضعته أمامه.

— اشرب.

أخذ الكوب بصمت.

ثم بدأ يهدأ تدريجيًا.

جلست أمامه تنظر له بقلق.

— م… مالك؟

ضحك بسخرية مريرة:

— زي كل مرة… أبويا شايفني فاشل.

خفض عينيه ثم أكمل:

— علشان سبت الشغل اللي جابهولي.

سألته بهدوء:

— س… سيبته ليه؟

تنهد فريد:

— مش حاسس نفسي فيه.

سكت قليلًا ثم قال بإحباط:

— أنا معايا دبلوم… وكل شوية أروح شغل وأسيبه. مش لاقي نفسي في حاجة.

ظلت شروق تستمع له بهدوء.

ثم قالت بصوت ناعم:

— ط… طب اهدى الأول.

رفع عينيه نحوها.

فأكملت:

— ونبدأ نفكر… إنت حابب إيه فعلًا.

نظر لها وكأنه يسمع هذا السؤال لأول مرة في حياته.

لكن فجأة…

انتفض بخوف.

— لو أبويا عرف إني عندك… هيموتني.

قام بسرعة مرتبكة.

— لازم أمشي.

حاولت منعه:

— ف… فريد استنى—

لكنه خرج سريعًا قبل أن يكمل كلامه.

وأغلق الباب خلفه.

---

وقفت شروق للحظات تنظر للباب بحزن.

كان فريد يومًا أقرب أصدقائها.

والآن…

أصبح مجرد شخص خائف.

مثلها تمامًا.

تنهدت ببطء.

ثم همست لنفسها:

— خلاص…

شعرت أن قلبها يتعب من الناس.

من الخذلان.

من نظرات الشفقة.

لذلك قررت شيئًا واضحًا داخلها.

هي لا تحتاج الحب.

ولا تحتاج أصدقاء جدد.

نهال وحدها تكفي.

---

دخلت غرفتها ببطء.

ثم اتجهت نحو باب صغير مغلق دائمًا في آخر الغرفة.

فتحته بالمفتاح.

فظهر خلفه ماكيت ضخم لمشروع هندسي كبير تعمل عليه منذ سنوات.

مشروع مختلف تمامًا عن أي شيء آخر.

كانت تخفيه عن الجميع.

اقتربت منه ولمست تفاصيله بحنان.

وكلما نظرت إليه…

تشعر أن حزنها يختفي قليلًا.

ابتسمت وهي تنظر لصورة أمها المعلقة بعيدًا.

ثم همست بصوت منخفض:

— مسيري يا أمي… هاعمله.

— زي ما وعدتك.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • شروق بين الماضي والمستقبل   انا اشبهك وانت تشبهنى

    ساد الصمت للحظات… ثم ابتسمت شروق ابتسامة خافتة وقالت: — هل تعلم… كم مرة سقطت؟ ثم هزت رأسها قليلًا وأضافت: — لا أعتقد أنني أستطيع عدّها. كنت في كل مرة أظن أنني وصلت للنهاية… ثم أجد شيئًا صغيرًا يجعلني أتمسك من جديد. أمل. شخص. حلم. أي شيء يمنعني من الاستسلام. كنت أُحبط… ثم أنهض. أتعثر… ثم أحاول مرة أخرى. ومع الوقت فهمت أن السقوط لا يعني النهاية. ظل علي ينظر إليها قليلًا ثم قال بهدوء: — أحيانًا أنسى أنكِ… رغم هدوئك… مررتِ بأشياء أصعب مما أتصور. تردد للحظة ثم قال: — هل يمكنني أن أسألك سؤالًا؟ ولو لا تريدين الإجابة… لا بأس. رفعت شروق عينيها إليه وقالت بهدوء: — لا… لم يعد الأمر يؤلمني كما كان. بفضل دكتورة ريهام… أصبحت أستطيع أن أتحدث دون أن أهرب. سألها بهدوء: — لماذا أنتِ وحدك؟ أين بقية عائلتك؟ سكتت شروق قليلًا. ثم قالت: — بعد كل ما حدث… كانت أمي الشيء الوحيد الذي كنت أنتظره. كنت أعد الأيام… وأقول لنفسي إن أول ما أخرج سأجدها. ثم عادت بذاكرتها بعيدًا… كنت أقف أمام هاتف دار الرعاية… وأتصل بخالتي سهام. وما إن سمعت صوتها حتى سأ

  • شروق بين الماضي والمستقبل   هل سينتصر اليأس

    في صباح اليوم التالي…استيقظت شروق مبكرًا.بقيت تنظر قليلًا إلى السقف.كانت تعرف أن اليوم لن يكون سهلًا.أمس خسروا المشروع…لكن ما كان يؤلمها أكثر هو شكل علي وهو يغادر.أمسكت هاتفها واتصلت بنهال.ردت نهال بعد لحظات:— صباح الخير.ابتسمت شروق وقالت:— صباح النور… هل ستأتين إلى المكتب معي؟ردت نهال:— عندي مشوار مع ماما، سأُنهيه وأمر عليكم.— حسنًا… سننتظرك.أغلقت شروق الهاتف.ثم خرجت.وفي الطريق توقفت أمام محل زهور.وقفت للحظات…ثم اشترت باقة صغيرة.ليست فخمة.مجرد زهور هادئة بألوان بسيطة.ثم ذهبت إلى المكتب.كان المكان هادئًا.لا أحد وصل بعد.دخلت من الباب الجانبي المؤدي مباشرة إلى مساحة العمل.كانت قد تعمدت الوصول مبكرًا.لا لشيء…فقط شعرت أن المكان يحتاج أن يعود كما كان.خلعت حقيبتها.وبدأت تجمع الأوراق المبعثرة.ترتب الملفات.تعيد الأقلام إلى أماكنها.تغلق الأدراج المفتوحة.ثم وضعت باقة الزهور على مكتب علي.ونظرت إليها لحظة.ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.وعادت تكمل الترتيب.أثناء تنظيف الأرض…وجدت بقايا كوب مكسور.انحنت تجمع القطع.لكن إحدى القطع جرحت يدها.سحبت يدها بسرعة.ظهر خط أحمر

  • شروق بين الماضي والمستقبل   حين لا يكفي الاجتهاد

    جاء اليوم المنتظر. اجتمعت الشركات المشاركة داخل القاعة. شاشات العرض تعمل. الملفات أمام الجميع. ووجوه تحمل خليطًا من التوتر والثقة. جلس علي إلى جوار وليد وشروق. أما نهال فجلست خلفهم تتابع بصمت. نظر علي أمامه للحظات. لم يكن يشعر بالقلق… بل بشيء أقرب إلى اليقين. ليس غرورًا. لكن شعور بأن كل ما مروا به خلال الأسابيع الماضية… لا بد أن ينتهي بشيء يستحق. نظر إلى شروق وقال بهدوء: — مهما كانت النتيجة… أنا فخور باللي عملناه. ابتسمت شروق وقالت: — وأنا أيضًا. بدأت اللجنة تتحدث. شرح طويل. معايير تقييم. قدرة تنفيذ. استدامة. تكلفة. سجل الشركات. وكل دقيقة كانت تمر… يزداد معها الترقب. ثم جاء الإعلان. قال رئيس اللجنة: — وبعد دراسة جميع العروض المقدمة… ونظرًا لعدة اعتبارات مرتبطة بالتنفيذ والإمكانات… تم اختيار… شركة الريان. ساد الصمت. لثانية واحدة فقط. لكنها كانت كافية. شعرت شروق وكأن الصوت أصبح بعيدًا. أما علي… فبقي ينظر للأمام. بهدوء غريب. ثم التفت ببطء. على الطاولة المقابلة… كان حمدي الريان جالسًا. وإلى جواره وفاء. نظرت وفاء نحوه للحظة. لم تبتسم. لكن نظرته

  • شروق بين الماضي والمستقبل   العزيمه سر النجاح

    بينما كانوا منشغلين بمراجعة الرسومات وتبادل الأفكار… رن جرس الباب. رفع علي رأسه باستغراب وقال: — لا أعتقد أن أحدًا سيأتي الآن. اتجه إلى الباب وفتحه. فتوقف لثوانٍ. كان وليد يقف أمامه. لكن هذه المرة لم يكن يحمل ملفات أو يبدو كعادته داخل الشركة… بل كان يقف مبتسمًا وكأنه اتخذ قرارًا مهمًا. دخل ونظر حوله قليلًا. ثم قال بهدوء: — يبدو أنني وصلت في الوقت المناسب. نظر إليه علي باستغراب وقال: — وليد؟ ماذا تفعل هنا؟ ابتسم وليد وقال: — قدمت استقالتي. وجئت لأعمل معكم. ساد الصمت للحظات. نظرت شروق إلى نهال بدهشة. أما علي فبقي ينظر إليه وكأنه لم يستوعب ما سمعه. ثم قال: — استقلت؟ لكن… كيف عرفت أصلًا؟ أنا بدأت الإجراءات اليوم فقط. ابتسم وليد ابتسامة صغيرة وقال: — يبدو أنك نسيت أين كنت تعمل. ثم أردف بهدوء: — الخبر وصل إلى الشركة كلها. وأنت تعرف أن حمدي بيه… لا يفوته شيء. سكت قليلًا ثم أكمل: — لديه أشخاص يعرف من خلالهم كل ما يحدث. نظر إليه علي بصمت. ثم قال: — لكن لماذا تركت عملك؟ نحن حتى الآن لا نملك مكتبًا جاهزًا. ولا فريقًا. ولا يوجد أي ضمان أن الأمر سينجح. ابتسم و

  • شروق بين الماضي والمستقبل   قرارات لا تنتظر

    في صباح اليوم التالي… استيقظ علي مبكرًا على غير عادته. ظل مستلقيًا للحظات ينظر إلى السقف. ثم نهض فجأة وكأن القرار الذي اتخذه بالأمس لم يكن مجرد فكرة عابرة. أمسك هاتفه وبدأ يجري عدة اتصالات متتالية. مكتب محاسبة. إجراءات قانونية. أحد معارفه في التراخيص. مهندس تشطيبات. ثم شخص آخر يثق به في تجهيز المكاتب. كل شيء كان يتحرك بسرعة. وكأن هذه الخطوة لم تولد بالأمس… بل كانت تنتظر فقط اللحظة المناسبة. بعد ساعات… كان يقف داخل شقته. شقة كبيرة لم يعد إليها منذ فترة طويلة. فتح النوافذ ودخل ضوء الصباح. تأمل المكان بهدوء. ثم أخرج ورقة وبدأ يرسم بعض الخطوط والأفكار. توقف فجأة. ثم أمسك هاتفه واتصل بشروق. ردّت بعد لحظات: — أهلًا. قال مباشرة: — ستأتين في أي ساعة؟ سكتت قليلًا ثم قالت باستغراب: — آتي إلى أين؟ قال وكأن الأمر محسوم: — إلى الشقة. سنبدأ العمل. نراجع التصميم ونرى كيف سنعيد تقسيم المكان. ضحكت شروق وقالت: — لحظة… ألم نتفق أننا سنفكر أولًا؟ أجاب بهدوء: — أنا انتهيت من التفكير. بدأت بالفعل في الإجراءات. وسنحتاج تعديل بعض الأشياء في الشقة. وعندي أكثر من تصور. و

  • شروق بين الماضي والمستقبل   بدايات لاتشبه الامس

    في مساء اليوم التالي… ذهب وليد إلى منزل علي ليطمئن عليه. فتح له علي الباب، وكان يبدو أكثر هدوءًا مما توقع. جلسا قليلًا، ثم قال وليد مباشرة: — ما الذي تنوي فعله الآن؟ جلس علي أمامه، وظل لحظة يفكر قبل أن يجيب: — لديّ فكرة. نظر له وليد باهتمام: — فكرة ماذا؟ ابتسم علي ابتسامة خفيفة وقال: — إذا نجحت… سأثبت لهم أنني لا أحتاج إلى أحد. عقد وليد حاجبيه: — تقصد الشركة؟ نظر علي بعيدًا وقال: — حين تكتمل الفكرة… سأخبرك. فهم وليد أن الحديث انتهى عند هذا الحد. فنهض وقال: — فقط لا تجعل الغضب يتخذ القرار بدلًا منك. أومأ علي دون أن يرد. بعد خروج وليد… أخرج علي هاتفه واتصل بنهال. ردّت بعد لحظات: — أهلًا. قال مباشرة: — هل أنتِ مشغولة؟ تنهدت وقالت باعتذار: — للأسف… عندنا ضيوف اليوم ولن أستطيع الخروج. سكت لحظة ثم قال: — لا بأس. ثم أضاف بهدوء: — سأمر على شروق. تغير صوت نهال فورًا: — شروق؟ هل حدث شيء؟ ابتسم وقال: — لا… لا تقلقي. عندي فكرة فقط… وعندما نلتقي سأخبرك. هدأت قليلًا وقالت: — حسنًا… وخذ بالك من نفسك. أغلق الهاتف. ثم أخذ مفاتيحه وغادر. وصل إلى المكان الذي اعتاد

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status