تسجيل الدخولسقطت عبارة كارما في أذني كطرد كهرومغناطيسي صعق كامل جهازي العصبي: «هل رأيتَ كل شيء بوضوح... أم أنك تحتاج لتوسيع الشق أكثر؟»
بقيتُ واقفاً في الردهة المظلمة لعدة دقائق بعد أن أُغلق الباب الرئيسي خلفها. أذناي تطنان، ويداي ترتجفان داخل جيبي معطفي. الانكشاف كلي. لم أكن متلصصاً ذكياً يتخفى في الظلال؛ كنت مجرد طعم في مصيدة مصممة بعناية، وهي كانت تعرف مكان كل خطوة وكل خدشة إبرة على ذلك السقف. في اليوم التالي بالمستشفى، كان أدائي مشتتاً إلى حد ملحوظ. أثناء مروري مع د. جاسم في قسم الطوارئ، طلبت مني سارّة تسليم تقرير تخطيط القلب الخاص بأحد المرضى. بدلاً من ذلك، سلمتها ملفاً آخر بغير وعي. توقف د. جاسم، ونظر إليّ من فوق نظارته بحدّة: ـ «دكتور إياد... إذا كان جسدك معنا وعقلك في مكان آخر، فالمستشفى ليس المكان المناسب للمنامة. انتبه لنفسك.» اعتذرتُ بصوت خفيض، بينما رمقتني سارّة بنظرة شفقة واهتمام، وقربت مني في الممر حين ابتعد الدكتور: ـ «إياد، أنت لست بخير على الإطلاق. ما الذي يشغل بالك لهذه الدرجة؟ يمكنك أن تحكي لي... نحن زملائك.» تأملتُ وجهها النقي، وصوتها الدافئ. كان بإمكاني أن أهرب إلى عالم سارّة الواضح، عالم المعاطف البيضاء والتعب الصادق والمشاعر البسيطة. لكن العفن كان قد ضرب جذوري بالفعل. عدتُ إلى الشقة ليلاً، وجسدي يرتجف من الترقب. الخوف الأخلاقي تحول إلى نوع آخر من الرعب المشحون بالإثارة: إنها تعلم أنني أراقبها. دخلتُ الحمام، وسحبت الكرسي الخشبي فوراً. لم يعد هناك داعٍ للحذر الشديد أو التردد؛ الحجاب قد هُتك بيننا. رفعتُ عيني إلى الشق الخرساني. كان هناك شيء مختلف كلياً الليلة. الإضاءة الحمراء الداكنة لم تكن خافتة أو غير مباشرة كالعادة؛ بل كانت موجهة بشكل شعاعي مكثف يضيء الزاوية التي يتيحها الشق تماماً! رأيتُ الأبجورة الخشبية قد نُقلت من مكانها القديم ووُضعت على الطاولة المجاورة لسريرها، بحيث تغمر منطقة الرؤية بضوء كاشف وواضح. والستائر الحريرية التي كانت تحجب أجزاءً من الغرفة رفعت بالكامل. كانت كارما تقف في منتصف المساحة المضاءة. لم تكن ترتدي سوى قميص نوم ناعم من التل الشفاف. كانت تتحرك ببطء درامي متأنٍ، وكأنها تمشي على منصة عرض، أو ضبطت زوايا الإضاءة والظل خصيصاً لعدسة كاميرا مثبتة في الأرضية. رفعت يديها ببطء، وتخللت أصابعها شعرها النبيذي، ثم استدارت بجسدها بالكامل نحو نقطة الشق... نحو عيني مباشرة. رغم أنها لا تستطيع رؤيتي في الظلمة السفلية، إلا أن نظرتها كانت تصوب بدقة متناهية نحو الفتحة. كانت تدرك الزاوية، الارتفاع، والمكان الذي أقف عليه الآن. بدأت تخلع حزام القميص الحريري ببطء، وعيناها مثبتتان على السقف، وشفتان ترسمان ابتسامة غامضة ومستفزة. تسمّرتُ فوق الكرسي، وصدري يعلو ويهبط بأنسام متلاحقة. في تلك اللحظة، انهار إطاري الأخلاقي بالكامل وتحول إلى حطام. أدركت الحقيقة المُرّة والمثيرة في آن واحد: أنا لم أعد متلصصاً يسرق النظرات... أنا أصبحتُ الجمهور المختار لأداء مسرحي تُعدّه هي بيديها، وتدير زوايا إضاءته خصيصاً ليخترق جسدي ورغبتي. انقبضت أصابعي على طرف الكرسي الخشبي حتى ابيضت مفاصلي. خشب الكرسي يئِنّ تحت ثقل جسدي المشدود، لكنني لم أستطع تحريك عضلة واحدة. الهواء في الحمام المظلم أصبح حاراً، خانقاً، ومشبعاً برائحة الرطوبة والماء المتكثف، إلا أن الحواس في جسدي تجمعت كلها في بؤرة واحدة: العين المعلقة على الشق. كانت «كارما» تحث الخطى في الفضاء المضاء ببطء تعذيبي. كل حركة منها كانت محسوبة بدقة مريعة. انزلق القميص الشفاف عن كتفها الأيسر بتمهل، ليكشف عن بياض بشرتها الناعمة الشاهقة التي تعكس الضوء الأحمر الخافت كقطعة من المرجان المتوهج. لم تكن تعطيني ظهرها كما في المرات الأولى؛ بل كانت تواجه الشق بخصرها المنحني وانحناءات جسدها المكشوفة، مفككة أزرار القماش الناعم حبة بحبة. حبست أنفاسي في صدري. شعرت بالدماء تغلي في شراييني، وتتجمع بحرارة حارقة في أسفل بطني. كانت ضربات قلبي عنيفة لدرجة أنني خشيت أن يتسلل صوتها عبر الشق الخرساني ليصل إليها. مدّت يدها ببطء نحو الأبجورة المجاورة للسرير. بلطافة، عدلت زاوية الغطاء الخشبي للضوء، ليصبح الشعاع الأحمر مسلطاً بالكامل على جسدها، وعلى المنطقة السفلية من خصرها وساقيها الملساء. كانت تعدّ المشهد، تبرز الانحناءات، وتصنع الظلال في المكان الذي تعلم تماماً أن عيني مستقرة فيه. أملتُ رأسي قليلاً لأتسع في مجال الرؤية. الشق الصغير الذي وسعته بالمشرط كان يمنحني الآن تفاصيل لم أكن أحلم بها: قطرات عرق خفيفة تلمع على ترقوتها، النفس المتسارع الذي يرفع صدرها ببطء، والبرود الساحر في عينيها الداكنتين وهي تحدق مستقيمة نحو السقف. كانت نظرتها تحدياً صريحاً، عرياً نفسياً أشد قسوة وإغواءً من العري الجسدي. رفعت يدها الثابتة، وبأطراف أصابعها مسحت على طول عنقها، نزولاً إلى خط صدرها البارز، ثم أغمضت عينيها لثوانٍ وهي تستشعر لمستها الخاصة، وكأنها تعرّض جسدها للاشتعال أمامي دون أن توفر لي سبيل المساس به. كنت أرتجف. الرغبة كانت تعصر أحشائي بحرارة لا تطاق، رغبة مظلمة ومحمومة تتجاوز الحدود والمبادئ، تحول الطبيب الذي يقسم على صون الأجساد إلى كائن مسلوب الإرادة، مكبل بالشهوة، يتغذى على الفتات الذي تتكرم به عليه من الأعلى. استدارت بجسدها ببطء شديد، ليتدلى القماش الشفاف بالكامل عن جسدها الممشوق، سارحةً برأسها إلى الخلف ليقع شعرها النبيذي الثقيل على ظهرها. وفجأة، توقفت عن الحركة. رفعَت يدها نحو الأعلى، وبأطراف سبابتها وأبهامها، وأشارت مباشرة نحو الشق الخرساني فوقها... نحو موقع عيني تماماً. ثم فتحت شفتيها المبتلتين، وقالت بصوت همسي خفيض، اخترق الخرسانة ووصل إلى أذني كفحس الأفعى: ـ «هل يُعجبك العرض... أم تريد أن تصعد لتلمس بنفسك؟»مرّت الساعات الباقية من الخفارة كأنها دهر من الجحيم البارد. كنتُ أتحرك في قسم الطوارئ كآلة عمياء؛ أكتب الروشتات، أقرأ صور الأشعة، وأسجل بيانات المرضى بآلية جافة، بينما عقلي معلّق بالكامل عند البقعة الداكنة التي تتسخ بها أرضية الطابق العلوي. كلما مرت «سارّة» بالقرب من مكتبي، كانت تجتنب النظر في عينيّ، تاركةً بيننا صمتاً ثقيلاً يفيض بالخيبة والكسرة. لم تكن تعلم أنها بكسرتها تلك تنقذ نفسها من اللعنة التي استنفدتني حتى النخاع. عندما حلّت الساعة الثانية عشرة ليلاً، خلت الممرات من الضجيج. نزعتُ معطفي الأبيض ورميته على الكرسي الخشبي خلف المكتب دون أن أطويه. لم أعد أحتمل هذا الزيف؛ لم أعد أحتمل القناع الذي أرتديه لأثبت للناس أنني لا أزال ينبض في صدري قلب طبيب. أمسكتُ بحقيبتي الطبية، واستشعرْتُ وزن المسدس الفضي القابع في أسفلها... السلاح الذي بات هو هوية حياتي الجديدة وثمن انتمائي للجحيم. خرجتُ من المستشفى تحت المطر الخفيف الذي يغسل شوارع المدينة العاتمة. كانت خطواتي تقودني تلقائياً، بلا تردد وبلا حاجة لتفكير، نحو ذلك المبنى المتهالك. لم أعد أقاوم الصعود، ولم أعد أتساءل عن المخرج؛ ل
تجمّد المقبض المعدني الدافئ بين أصابعي، وكأنه قطعة من جمر الجحيم وُضعت عنوة في كفي المرتجفة.كانت رائحة البارود المحترق تختلط بعبق الدم الدافئ المنبعث من جثة «الدكتور شريف»، متآلفة في مزيج كابوسي مع المسك والتبغ الثقيل. كانت بصماتي تنغرس بوضوح على معدن المسدس الفضي، بينما كانت أصابع «كارما» الباردة تُحكم قبضتها فوق يدي، تثبت السلاح في كفي وتثبت معه مصيري المظلم.ـ «امسك جيداً يا إياد...» همست في أذني بصوت ناعم ينفث سموماً مخدرة: «... هذا ليس مجرد سلاح، هذا حبل داريتَ به عنقك بيدك. الآن فقط، أصبحتَ تنتمي إلى هذه الغرفة بالكامل.»تأملتُ جثة استادي المنبطحة على السجاد.الرداء الجراحي الأزرق كان قد امتلأ بقعة سوداء واسعة من الدم القاني. أستاذي الذي كان يمثّل القمة في علم الجراحة، يقبع الآن كالجيفة تحت قدميّ، لأن كبرياءه انكسرت أمام نفس الشهوة ونفس الإغواء الذي جرجرتُ قدميّ إليه.رفعتُ رأسي ببطء نحو كارما.كانت تقف أمامي بجمالها الساحر القاتل، الروب الحريري الأسود ينفتح قليلاً ليكشف عن بياض بشرتها الشاهق تحت الضوء الأحمر الداكن. لم يكن في عينيها قطرة واحدة من الندم؛ كانت تنظر إليّ بابتسامة
اهتزت أرجاء الشقة مع كل ضربة عنيفة تتلقاها خشبات الباب المتهالكة.كان الصوت يتردد في أذني كصدمات كهربائية متتالية تقتلع ما تبقى من تخدير اللذة والرغبة المظلمة. كانت «كارما» تقف في منتصف الغرفة، وروبها الحريري الأسود يتحرك مع زفيرها المتسارع، بينما كانت قبضتها على المسدس الفضي تتشنج بصلابة غير معتادة.الضوء الأحمر الداكن، الذي كان قبل لحظات سماءً للإغواء والإذلال، تحول فجأة إلى بقعة من الجحيم المحاصر.ـ «كارما... افتحي الباب!»جاء الصوت من خلف الباب مبحوحاً، مشحوناً بغضب أعمى وصراخ يمزق حبال الحلق.تسمّرتُ في مكتني على الأريكة، وجسدي يرتجف بانهيار كامل. كان الصوت أشبه بصدى مألوف... صوت سمعته من قبل، ولكن تحت إضاءة مختلفة وفي مكان أكثر طهارة ونقاء.انهارت الفتحة الخشبية للباب بضربة حاسمة من قدم ثقيلة، لينخلع القفل ويثبت الباب مفتوحاً على مصراعيه!تطايرت الشظايا الخشبية والغبار الرطب على السجاد الثقيل، ليدخل من خلال الفتحة رجل برداء جراحي أزرق ملوث بالبقع الداكنة، وعيناه المحتقنتان بالدم تجولان في الغرفة كالمجنون.كان «الدكتور شريف»... رئيس قسم الجراحة في المستشفى!الرجل الحازم، ذو الشعر
طبقتُ جفنيّ بقوة، كأنني أحاول اقتلاع تلك المشاهد من مخيلتي، لكن العتمة خلف عينيّ لم تكن سوى شاشة أخرى تعرض نفس الصور ونفس التفاصيل بوضوح مرعب. كان ملمس أصابع «كارما» الناعمة والباردة على صدغي ينساب كقطرات ثلج تذوب فوق جلد مشتعل. لم تكن لمسة مواساة، بل كانت طقساً حاسماً لإتمام السيطرة؛ لمسة صياد يربد على رأس طريدته بعد أن تأكد من إنهاكها الكامل واستسلامها للشبكة. صوت أنفاسها المترددة برائحة المسك الفاخر والتبغ المعتق كان يملأ المساحة الضيقة بين وجهينا. كانت تقف قريبة جداً، بحيث أستطيع الشعور بالدفء الانبعاثي الصادر من جسدها المنساب تحت ثوبها الأسود الرسمي. ـ «افتح عينيك يا إياد...» قالتها بصوت منخفض، ناعم كفحيح أفعى متمرسة، يتردد إيقاعه بتمهل يستنزف ما تبقى من مقاومتي النفسية: «... لا تهرب إلى الظلام الداخلي. أنظر إلى ما صنعتَه بيدك.» فتحتُ جفنيّ المجهدتين ببطء شديد. كانت البقعة الحمراء الداكنة تخيم على الغرفة، والقصاصات الورقية الممزقة لملفي وشاشات المراقبة المهشمة تتناثر حول قدميّ كأشلاء جسد تم تشريحه بلا رحمة. وفي زاوية المكتب، كانت الشاشة المتبقية تواصل بثها الأزرق الخافت،
سمّر المشرط الطبي بيننا، حافته الحادة تعكس البقعة الحمراء الداكنة كالدم المشتعل.كانت كلماتها تتردد في أركان الغرفة بصداها المريع: «إما أن تأخذ هذا المشرط وتنهي هذه المراقبة بيديك... أو تجلس على ذلك الكرسي في الظل، وتصبح المخرج المساعد للضحية القادمة!»تطلعتُ إلى عيني «كارما». لم يكن فيهما ذرة واحدة من التردد أو الشفقة. كانت تنظر إليّ ببرود ملكي، وكأنها حسمت مصيري منذ اللحظة الأولى التي اضطربت فيها أنفاسي فوق الكرسي الخشبي في الحمام.كانت يدي ترتجف بقوة. اقتربت أطراف أصابعي الشاحبة من المقبض المعدني البارد للمشرط.هذا المشرط الذي تعلمتُ أن أستخدمه لبتر الأنسجة الميتة وإنقاذ أجساد المرضى في الطوارئ... أصبح الآن الأداة الوحيدة المطروحة لإعادة تشكيل حياتي المحطمة.ـ «خذ المشرط يا إياد...» همست ببطء شديد، وهي تميل برأسها ليتدلى شعرها النبيذي الثقيل على كتفها الأسود: «... واقطع الحبل الأخير الذي يربطك بماضيك. اقطع صورك، اقطع أوراقك، واقطع كل خط يصلك بـ "سارّة" وبالعالم الخارجي... لتستقر معنا في هذا القاع بشكل أبدي.»امتدت أصابعي وأطبقت على المقبض الصليبي للمشرط.كان ملمس المعدن بارداً، ناع
سقطتُ على أرضية الحمام المبتلة، وصوت ارتطام جسمي بالأرض يتجاوب في أركان الغرفة الضيقة.كان صدى المشهد المريع يتردد خلف جفنيّ المغلقين كالصعقة: الشاشات الثلاث، الضوء الأزرق الباهت المنبعث من العدسات الخفية، ووجه سارّة الصافي المعروض على شاشة المراقبة في شقة كارما، جنباً إلى جنب مع صورتي وأنا أقف مشلولاً أمام حوض التعقيم.كان العرق البارد ينسكب على وجهي ومزيج الشمع الأسود المحفوف يلتصق ببشرتي الشاحبة.أنا لم أكن متلصصاً إذن... ولم أكن زبوناً اختيارياً صعد السلالم بملء إرادته. لقد كنتُ مادة خاماً لبرنامج مراقبة مريض، طريدة تُدرس تحركاتها وتفاعلاتها النفسية لحظة بلحظة، ليتم تشكيل الفخ بالدقة التي تضمن عدم نواتي منه!رفعتُ جسدي ببطء، وجررتُ قدميّ الخاويتين خارج الحمام.الصالة كانت مظلمة بالكامل. كانت الشقة تشبه جثة بعد رحيل «فارس». اتجهتُ نحو النافذة المطلة على الشارع الفرعي، وأزحتُ الستارة القديمة بيد ترتجف بلا انقطاع.تحت ضوء الشارع الباهت، رأيتُ خطوط الضباب تتصاعد من الأسفلت المبتل. وفي أقصى الزاوية المظلمة للمبنى المقابل... كانت هناك سيارة سوداء مجهولة تقف وبداخلها عدسة كاميرا ذات زوم







