Home / Mystery/Thriller / شهر عسل / الفصل الرابع : بداية المطر

Share

الفصل الرابع : بداية المطر

Author: Osama Ebrahim
last update publish date: 2026-08-26 19:11:25

الفصل الرابع : بداية المطر

لم تتأخرْ في الاستجابةِ لندائهِ؛ بل وصلتْ إليهِ وباتتِ ابتسامتُها الهادئةُ تسبقُ خطواتِها، وسألتهُ بنبرةٍ طبيعيةٍ تخلو من أيِّ توجسٍ:

ماذا بك يا حبيبي، هل ناديتني؟

عقدَ حاجبيْه بذهولٍ، ومدَّ يدَهُ ليشيرَ إلى الدرجِ المفتوحِ، وسألَها بصوتٍ مشحونٍ بالقلقِ:

أين السكاكينُ التي كانت هنا؟ لا يوجدُ شيءٌ في الدرجِ على الإطلاقِ!

أطلقتْ ضحكةً خفيفةً، رقيقةً، ثم نظرتْ إليهِ بعينينِ تلمعانِ ببريقٍ غامضٍ وقالت بتهكمٍ هادئٍ:

أمسِ كنا ننظفُ المطبخَ يا حبيبي، وكلُّ الأشياءِ موجودةٌ في الدولابِ الكبيرِ بالأسفلِ.

أدارتْ ظهرَها ببطءٍ، وتركتْهُ واقفاً بمفردهِ في منتصفِ المطبخِ بطريقةٍ مثيرةٍ ومريبةٍ، وكأنها تتركهُ يصارعُ أفكارَهُ وحدَهُ في هذه المتاهةِ الجديدةِ.

اخرج  يوسفُ نفس قوى وتمتم فى سره هل اصابنى انا الاخر التوتر من اى شئ حولى ، وعادَ إلى المطبخ ليكملَ إعدادَ الفطور، لكنَّ يديه ظلّتا تتحركانِ بصورةٍ آلية، بينما كان ذهنه قد ابتعدَ تمامًا عن المكان، وعادَ به إلى سنواتٍ بعيدة، إلى يومٍ لم يكن يعرف فيه نادية، ولم يكن يعرف أن فتاةً تدخل قاعةَ المحاضرات متأخرةً في صباحٍ ممطرٍ ستصبح بعد سنواتٍ المرأةَ التي يستيقظ إلى جوارها كلَّ صباح... والمرأةَ التي سيقفُ يومًا عاجزًا أمام عينيها وهي تنظرُ إلى شيءٍ لا يراه.

ارتسمتْ شبحُ ابتسامةٍ على وجهِهِ واختفتْ، بينما خفتتْ كلُّ الأصواتِ ولم يبقَ سوى صوتٌ قديمٌ يعلو في داخله؛ صوتُ ذلك الصباحِ البعيدِ في قاعةِ المحاضراتِ الكبرى بكليةِ الآثارِ.

كان المطرُ يضربُ النوافذَ بإيقاعٍ متواصلٍ، والضبابُ يغطي الزجاجَ خارجاً، بينما كان يوسفُ يجلسُ في الصفوفِ الأماميةِ، وأمامه ملفٌ سميكٌ من الأوراقِ، يتابعُ الشرحَ بتركيزٍ. وحين انفتحَ بابُ القاعةِ بهدوءٍ، التفتَ بعضُ الطلابِ قبل أن تعودَ الأنظارُ إلى المحاضرِ.

دخلتْ ناديةُ ووقفتْ لحظةً عند البابِ تستعيدُ أنفاسَها بعد صعودِ الدرجِ، وفي يدِها تمثالٌ طينيٌّ صغيرٌ ملفوفٌ بعنايةٍ داخل قطعةِ قماشٍ لتخفيه عن المطرِ... اعتذرتْ للدكتورِ بإشارةٍ خفيفةٍ من رأسِها، ثم راحتْ تبحثُ عن مقعدٍ خالٍ في الصفِّ الجانبيِّ، ووضعتِ التمثالَ أمامها فوق الطاولةِ.

وأثناء الاستماع إلى المحاضرة، هبّتْ ريحٌ خفيفةٌ من النافذةِ المفتوحةِ، فاندفعتْ عدةُ أوراقٍ من فوقِ طاولةِ يوسفِ، وانزلقَتْ إحداها إلى الممرِّ واستقرتْ قربَ قدمي ناديةَ... انحنتْ والتقطتها، وحين لامستْ أصابعُها الورقةَ، تأملتْ خطوطها الدقيقةَ وملاحظاتها المكتوبةَ بعنايةٍ.

رفعتْ عينيها نحو زميلها، فوجدته ينظرُ إليها بهدوءٍ بانتظارِ أن تعيدَها.

ناولته إياها، وقالت بصوتٍ عذبٍ خفيضٍ: تفضّل.

مدَّ يده وأخذها وشعرَ بحرارةٍ خفيفةٍ تسري في أطرافِهِ، فقال بصوتٍ هادئٍ: شكرًا لكِ.

هزّتْ رأسَها بابتسامةٍ هادئةٍ، ثم فتحتْ دفترَها وبدأتْ تكتبُ، وكانت بين الحينِ والآخرِ ترفعُ طرفَ عينيها نحو الأمامِ كأنها تختبرُ إن كان يراها.

انتهتِ المحاضرةُ بعد وقتٍ، وتحركَ الطلابُ نحو البابِ بينما بقي يوسفُ يجمعُ أوراقه ببطءٍ متعمدٍ... وقفتْ ناديةُ عند المخرجِ تحاولُ حمايةَ التمثالِ من المطرِ الشديدِ، ثم خرجتْ إلى الممرِّ، ولحقَ بها يوسفُ بعد دقائقَ.

كان المطرُ قد حوّلَ الساحةَ أمامَ الكليةِ إلى مرآةٍ لامعةٍ. وقفتْ ناديةُ تحتَ المظلةِ الحجريةِ تنظرُ إلى السماءِ بضيقٍ خفيفٍ وتضمُّ التمثالَ إلى صدرِها بحذرٍ... مرَّ يوسفُ بالقربِ منها وتوقفَ بلطفٍ، ثم قال بصوتٍ هادئٍ ينافسُ صوتَ المطرِ:

يبدو مافي يدِكِ شيئاً ثميناً.. تخشين عليهِ من المطرِ أكثرَ من نفسكِ؟

نظرتْ إليهِ للمرةِ الأولى بوضوحٍ، وظهرتْ على شفتيها ابتسامةٌ عفويةٌ وهي تقولُ:

أجل.. إنه تمثالٌ طينيٌّ رقيقٌ، قد يتشققُ إن أصابتهُ هذه المياهُ.

نظرَ إلى التمثالِ لحظةً ثم إلى عينيها، وقال بابتسامةٍ دافئةٍ:

وأنتِ.. ألا تخافين البردَ؟

رفعتْ كتفيها بخفةٍ وقالت بصدقٍ:

وهل هناك أجمال من حبات المطر.. وضحكت لكن الاجمل الان أن أجد مأوىً في مثلِ هذا الجوِّ.

نظرَ إليها بإعجابٍ خفيٍّ، وهومازال يمسك بالورقةَ التي أعادتها إليه قبل قليلٍ، فقال بابتسامةٍ خفيفةٍ:

يبدو أن أوراقي كانت سبباً في تعارفنا السريعِ اليوم.. أعتذرُ عن إزعاجكِ بها.

ضحكتْ ناديةُ ضحكةً رقيقةً، وقالت:

لا تقل هذا.. لم يكن إزعاجاً، بل لفت انتباهي أنك تنشغل بكتابة خواطرك وسط المحاضرة.

نظرَ إليها متعجبًا بهجةً:

هل لاحظتِ ذلك؟

وكيف لا ألاحظ ورقةً كادت تطير شوقاً من النافذة؟

ضحك يوسفُ من قلبِهِ، وفي تلك اللحظةِ هبَّتْ ريحٌ باردةٌ فدفعتْ قطراتِ المطرِ نحوهما، فتراجعتْ ناديةُ خطوةً عفويةً لتتقي المطرَ، فالتصقتْ كتفاهما لثانيةٍ واحدةٍ أحسَّ فيها بدفءٍ غريبٍ.

قال يوسفُ بصوتٍ هادئٍ يشوبهُ الترددُ البسيطُ:

الكافتيريا قريبةٌ وهنا المطرُ شديدٌ.. ما رأيكِ أن نلجأ إليها حتى يهدأ الجو؟

نظرتْ في عينيْه طويلاً كأنها تقرأُ صدقَ دعوتهِ، ثم أجابتْ بصوتٍ هامسٍ:

حسنًا، لنذهبْ.

نزلا درجاتِ المبنى معًا، وما إن ابتعدا حتى غامرا بالركضِ وسطَ المطرِ المنسكبِ بحريةٍ؛ كانت ناديةُ ترفعُ طرفَ حقيبتها فوقَ رأسِها بضحكاتٍ عذبةٍ، بينما كان يوسفُ يركضُ بجانبِها يحميها بكتفِهِ.

وحين وصلا إلى الكافتيريا الخاليةِ، كان كلاهما يلهثُ بفرحةٍ بريئةٍ، وشعرُ ناديةَ قد تناثرتْ خصلاتُهُ المبتلةُ فوقَ وجهِها لتزيده سحراً. جلسا إلى طاولةٍ قريبةٍ من النافذةِ المطريةِ، وضعتْ ناديةُ التمثالَ أمامها بحذرٍ، وأزاحتْ خصلةً عن جبينِها وقالت بدلالٍ هادئٍ:

أنا ناديةُ.

فنظرَ لها وقال بابتسامةٍ صادقةٍ:تشرفت بك يا ناديةُ، وتشرفتُ بيومِ المطرِ كلهِ.

 وأنا يوسفُ... صاحبُ الأوراقِ الطائرةِ.

وضحكا معاً بقلوبٍ تضاهي صفاءَ المطرِ. وكانت هذه اللحظةُ التي أدرك‌ يوسفُ أنه وقع في حبائلِ هذه الابتسامةِ للأبدِ. ومنذُ تلك اللحظةِ، تحولَ المكانُ إلى واحةٍ من الدفءِ؛ ليصبحَ هذا اليومُ العتبةَ الأولى لحياةٍ كاملةٍ ستجمعهما معًا تحتَ سماءٍ واحدةٍ.

عادتْ أصواتُ الحاضرِ لتتسللَ إلى وعيِهِ ببطء... وصوتِ غليانِ الماءِ على الموقدِ وهو يفورُ بصوتٍ خافتٍ أيقظَهُ من غفوتِهِ العميقةِ في طياتِ الماضي.

استعادَ يوسفُ واقعَهُ، وما زالتْ طيفُ تلك الابتسامةِ الدافئةِ مرسوماً على وجهِهِ متأثراً بذكراهما الجميلة. أسرعَ وأطفئَ النارَ، وأعدَّ صينيةَ الفطورِ بحرصٍ، ثم حملها متوجهاً بخطواتٍ هادئةٍ نحو غرفةِ النومِ، وقلبُهُ يغمره شعورٌ حانٍ برغبته في محوِ أيِّ قلقٍ قد يسكن روحها.

فتحَ البابَ برفقٍ... لتتسمَّرَ قدماهِ مكانَهُما وتجمدَ الدمُ في عروقِهِ.

كانت نادية تقفُ أمامَ مرآةِ الطاولةِ في تصلبٍ غريبٍ ومخيف؛ لا ترمشُ ولا تتحركُ، ويداها مفرودتانِ بجانبها كأنهما تمثالانِ حجريانِ لا حياة فيهما.

لكنَّ الرعبَ الحقيقيَّ كان في انعكاسِ وجهِها على زجاجِ المرآةِ؛ حيث كانت عيناها الجاحظتانِ تلمعانِ بنظرةٍ فارغةٍ ومظلمةٍ، بينما ترتسمُ على شفتيها ابتسامةٌ عريضةٌ ميتةٌ لا تشبهُ ملامحَها أبداً، كأن هناك شخصٌ آخر يراقبُها من خلفِ الزجاجِ في صمتٍ مطبقٍ.

***

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • شهر عسل    الفصل الثامن: ظلال المجهول

    ظلال المجهولهبطَتْ ناديةُ إلى مقعدِها ببطءٍ غريبٍ، وأغمضتْ عينَيْها كأنها لم تفعلْ شيئاً، بينما كان الدكتورُ مراد واقفاً يلهثُ بعنفٍ، يفركُ كفَّيه المرتجفتينِ كمن شاهدَ شبحاً ينشقُّ عن الأرضِ، ولم يجدْ ما يقولهُ أمامَ هذا الانهيارِ الكاملِ لكلِّ قوانينِ الطبِّ والعقلِ. أما يوسفُ، فقد وقفَ منتصباً، وقد تلاشتْ من عينيهِ كلُّ نظراتِ الترددِ والرجاء، ليحلَّ محلَّها جمودٌ حادٌّ كالنصلِ.اقتربَ منه مراد بخطواتٍ متعثرةٍ، وقال بصوتٍ متحشرجٍ يكادُ يضيعُ في صمتِ الغرفةِ:يوسفُ... أعلمُ أن ما رأيناه يعجزُ العقلُ عن استيعابِهِ، ولعلهُ تفريغٌ عصبيٌّ حادٌّ... لكننا يجب أن نستمرَّ في الجلساتِ لنعرفَ كيف نوقفُ هذا الانجرافَ...قاطعه يوسفُ بصوتٍ جافٍ يقطرُ يأساً ومرارةً، كأنما ينحتُ الكلماتِ من صخرٍ:كفى يا دكتور مراد! انتهى الأمر. أيُّ طبٍّ هذا الذي نتحدثُ عنه بعد ما رأيناه؟ العقلُ نفسه عاجز امام هذا ! انا بدأت أصل إلى حافةِ الجنونِ، ولن أترددَ بعد اليومِ في طرقِ أيِّ بابٍ.. سأبحثُ عن شيخٍ، عن عارفٍ، أو حتى عن ساحرٍ إن كان في هذا سيبقيها على قيدِ الحياةِ! لن أتركها فريسةً لهذا العذابِ.التفتَ إليه

  • شهر عسل    الفصل السابع: نداء الظلام

    نداء الظلامقبلَ إذنِ قمرِ بدقائقَ معٍ، طيرَ يوسفُ في فراشِهِ بحثتاً عن دفءِ ناديةَ كعودهِ، لكن كفَّهُ لم تلمسْ بضعة سادةِ جمعتِ الجمعةَ وخاويةٍ... فتحَ روجِ دفعةً واحدةً، وانتفضَ من مكانِهِ وقد سبقَ قلبُهُ جسمَهُ إلى خوفِ، فتلقى نظرة سريعاً في الغرفةِ فلاشقةِ في العتمة فلم تجدْها، ثم خرجَ مسرعاًُ. بين أرجاء المنشأة، حتى تتوقف عند دخولِ.كانت ناديةُ وحدَها في قلبِ الظلامِ، ساكنةً بصورةٍ عكستِ الرعبَ في صدرِهِ، تحدقُ بثباتٍ غريبٍ في التمثالٍ الفرعونيٍّ المستقرِّ فوق سطحِِ، ولا تراهُ بعينيها فقط، بل انتظرُ منه شيئاً لا يعرفهُ.اقتربَ منها يوسفُ بحذرٍ، هناك أنفاسُهُ توجعُ كلما اقتربَ أكثرَ، ثم مدَّهِ ناجيٍ ووضعَها كتفها علىِها المرتجفِ، وقال بصوتٍ خفيضٍ يغلبُهُ القلقُ: ـ ناديةُ... حبيبتي، ماذا تفعلين هنا وحدكِ في هذا الوقتِ؟لم تجبهُ فوراً، وظلتْ عيناها حديثتينِ بالمثالِ، ثم انتفضَ جسدُها فجأةً ونهضتْ بحركةٍ لامعةٍ غيرِ طبيعتِها، وتتفتتْ إليه كما لو أنها تسمعُه للمرة الأولى صوت، عيناها مفتوحتين لكنهما خاليتانِ من أيِّ تعبيرٍ، قبل أن تقولَ بصوتٍ أجشَّ خافتٍ: ـ تفضل... تنادي علي...الجوائ

  • شهر عسل    الفصل السادس: أبواب الذاكرة

    أبواب الذاكرةكانَ صمتُ الغرفةِ أثقلَ من أن تحتملَهُ الجدران. جلسَ يوسفُ إلى جوارِ نادية، يحتضنُ كفَّها الباردةَ بين يديه، بينما وقفَ الدكتورُ مراد أمامها يراقبُ انتظامَ أنفاسِها، وينتظرُ اللحظةَ التي تستقرُّ فيها ذاكرتُها خلفَ ذلك السكون.قال بصوتٍ هادئٍ: ـ ناديةُ... هل تسمعينني؟ ـ نعم. ـ هل تعرفين أين أنتِ؟ ـ في عيادةِ الدكتورِ مراد. ـ جيدُ... لا تحاولي التفكيرَ في شيءٍ. فقط اتركي الذكرياتِ تأتي وحدها... أريدُ منكِ أن تعودي إلى آخرِ مكانٍ شعرتِ فيهِ بالسعادةِ مع يوسفَ... المكانِ الذي تتذكرينه بوضوحٍ.ساد الصمتُ، وتحركتْ جفونُها تحتَ عينيها المغلقتين، ثم ارتسمتْ على شفتيها ابتسامةٌ خفيفةٌ: ـ كنا مسافرين.لم يتحرك مراد، بل تابع بنبرة إنسيابية: ـ إلى أين؟ تنفستْ ببطءٍ: ـ الصحراءُ. ـ هل تتذكرين متى؟ صمتت لحظةً، ثم قالت: ـ شهرُ العسلِ وبدأت ملامحها تتغير .تبادلَ مرادُ ويوسفُ نظرةً سريعةً، لكنَّ الطبيبَ لم يسمح لدهشتهِ أن تظهرَ، بل واصلَ ببرودٍ مهنيٍّ: ـ خذي وقتكِ... لا تبحثي عن شيءٍ. فقط أخبريني بما ترينه الآن.بقيت نادية ساكنةً برهةً، ثم قالت بصوتٍ أكثرِ وضوحًا: ـ الطريقُ. ـ أي طريقٍ؟

  • شهر عسل    الفصل الخامس : بداية الاختراق

    بداية الاختراقتقدمَ يوسفُ بخطواتٍ بطيئةٍ نحوها، وقلبُهُ يخفقُ بعنفٍ كأنه يقرع طبولَ الفزع، ومدَّ يدَهُ المرتجفةَ ليلامسَ كتفها بحذرٍ شديد، وهو ينادي بصوتٍ خفيضٍ يغلبُهُ القلق: ـ نادية... حبيبتي، هل أنتِ بخير؟كأن صوته كان التعويذةَ التي أنهت ذلك السحرَ الأسودَ؛ فجأةً، وبحركةٍ مباغتةٍ تشبه انتفاضةَ النائمِ، اهتزَّ جسدُها، وزالت تلك التصلباتُ المرعبةُ عن ملامحِها... التفتتْ إليه بابتسامةٍ هادئةٍ وعاديةٍ تماماً، وقالت بصوتها الطبيعي... هل انتهيتَ من إعدادِ الفطور بهذه السرعة ؟وقف يوسف مسمَّراً مكانه، يحدقُ فيها بذهولٍ قاتل؛ مع اختفاء آثار الرعبِ في عينيها، وكل أثر لتلك الابتسامةِ الميتةِ التي كانت ترافقُ انعكاسَها في المرآةِ قبل ثوانٍ معدودة. حاول أن يبتسمَ بتكلفٍ ليخفي اضطرابَهُ، وقال بصوتٍ متحشرج: ـ ن... نعم، الفطور جاهز.مرَّ ذلك اليومُ بثقلٍ مذهلٍ على أعصابِ يوسف، كان يراقبُ كلَّ حركةٍ تقومُ بها، وكل نظرةٍ ترمقُها عيناها، بينما كانت هي تتعاملُ بصورةٍ طبيعيةٍ تماماً وكأن شيئاً لم يكن... ومع حلولِ المساء، وحين خلعتْ حذاءها واستغرقتْ في النومِ المتقطع، تسللَ يوسفُ بهدوءٍ إلى الشرفةِ

  • شهر عسل    الفصل الرابع : بداية المطر

    الفصل الرابع : بداية المطرلم تتأخرْ في الاستجابةِ لندائهِ؛ بل وصلتْ إليهِ وباتتِ ابتسامتُها الهادئةُ تسبقُ خطواتِها، وسألتهُ بنبرةٍ طبيعيةٍ تخلو من أيِّ توجسٍ:ماذا بك يا حبيبي، هل ناديتني؟عقدَ حاجبيْه بذهولٍ، ومدَّ يدَهُ ليشيرَ إلى الدرجِ المفتوحِ، وسألَها بصوتٍ مشحونٍ بالقلقِ:أين السكاكينُ التي كانت هنا؟ لا يوجدُ شيءٌ في الدرجِ على الإطلاقِ!أطلقتْ ضحكةً خفيفةً، رقيقةً، ثم نظرتْ إليهِ بعينينِ تلمعانِ ببريقٍ غامضٍ وقالت بتهكمٍ هادئٍ:أمسِ كنا ننظفُ المطبخَ يا حبيبي، وكلُّ الأشياءِ موجودةٌ في الدولابِ الكبيرِ بالأسفلِ.أدارتْ ظهرَها ببطءٍ، وتركتْهُ واقفاً بمفردهِ في منتصفِ المطبخِ بطريقةٍ مثيرةٍ ومريبةٍ، وكأنها تتركهُ يصارعُ أفكارَهُ وحدَهُ في هذه المتاهةِ الجديدةِ.اخرج يوسفُ نفس قوى وتمتم فى سره هل اصابنى انا الاخر التوتر من اى شئ حولى ، وعادَ إلى المطبخ ليكملَ إعدادَ الفطور، لكنَّ يديه ظلّتا تتحركانِ بصورةٍ آلية، بينما كان ذهنه قد ابتعدَ تمامًا عن المكان، وعادَ به إلى سنواتٍ بعيدة، إلى يومٍ لم يكن يعرف فيه نادية، ولم يكن يعرف أن فتاةً تدخل قاعةَ المحاضرات متأخرةً في صباحٍ ممطر

  • شهر عسل    الفصل الثالث : الهدوء الغامض

    الفصل الثالث : الهدوء الغامضالتقط يوسف أنفاسه بصعوبة بالغة، وتصلب جسده في منتصف الرواق المظلم، لكنه لم يكن من الرجال الذين يهابون الظلال أو يستسلمون للذعر الخفى فهو لا يأمن بوجود قوة خارقة . لهذا ظل عقله يرفض الاستسلام للوهم، مؤمناً بأن الرعب الحقيقى داخل النفس البشرية ولا يوجد شئ بدون تفسير .وبحركه واثقة وثابتة، تقدم نحو المطبخ المظلم بخطوات بطيئة، وأضاء النور بينما كان صوت الاحتكاك المعدني الخافت مازال يتكرر بانتظام مزعج، نظر الى كل شئ حولة فلم يكن هناك اى شئ غير عادى وأدوات المطبخ ثابتة .اقترب ... ومد يده بحسم وفتح شباك المطبخ المطل على الشارع، ليتدفق هواء الليل البارد محاملاً بصوت حفيف خشن؛ وإذا به يكتشف أن ما ظنه حركة يد أو ظل كائن غريب، لم يكن سوى أغصان الشجرة القديمة المجاورة للنافذة، والتي كانت تضرب الزجاج وتتحرك بحدة مع كل هبوب الريح .تنفس يوسف الصعداء بابتسامة ساخرة من نفسه، وأغلق الشباك محكماً إغلاقه، مدركاً أن إرهاقه العصبي وقلقه المستمر على نادية قد بدأ يصنعان له أوهاماً مشابهة لكوابيسها، وعاد بخطوات هادئة نحو غرفة المعيشة مزمجراً بصمت: لا شيء يستحق الهلع.توجّه يوسف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status