Home / Mystery/Thriller / شهر عسل / الفصل الخامس : بداية الاختراق

Share

الفصل الخامس : بداية الاختراق

Author: Osama Ebrahim
last update publish date: 2026-08-26 19:11:32

 بداية الاختراق

تقدمَ يوسفُ بخطواتٍ بطيئةٍ نحوها، وقلبُهُ يخفقُ بعنفٍ كأنه يقرع طبولَ الفزع، ومدَّ يدَهُ المرتجفةَ ليلامسَ كتفها بحذرٍ شديد، وهو ينادي بصوتٍ خفيضٍ يغلبُهُ القلق: ـ نادية... حبيبتي، هل أنتِ بخير؟

كأن صوته كان التعويذةَ التي أنهت ذلك السحرَ الأسودَ؛ فجأةً، وبحركةٍ مباغتةٍ تشبه انتفاضةَ النائمِ، اهتزَّ جسدُها، وزالت تلك التصلباتُ المرعبةُ عن ملامحِها... التفتتْ إليه بابتسامةٍ هادئةٍ وعاديةٍ تماماً، وقالت بصوتها الطبيعي... هل انتهيتَ من إعدادِ الفطور بهذه السرعة ؟

وقف يوسف مسمَّراً مكانه، يحدقُ فيها بذهولٍ قاتل؛ مع اختفاء آثار الرعبِ في عينيها، وكل أثر لتلك الابتسامةِ الميتةِ التي كانت ترافقُ انعكاسَها في المرآةِ قبل ثوانٍ معدودة. حاول أن يبتسمَ بتكلفٍ ليخفي اضطرابَهُ، وقال بصوتٍ متحشرج: ـ ن... نعم، الفطور جاهز.

مرَّ ذلك اليومُ بثقلٍ مذهلٍ على أعصابِ يوسف، كان يراقبُ كلَّ حركةٍ تقومُ بها، وكل نظرةٍ ترمقُها عيناها، بينما كانت هي تتعاملُ بصورةٍ طبيعيةٍ تماماً وكأن شيئاً لم يكن... ومع حلولِ المساء، وحين خلعتْ حذاءها واستغرقتْ في النومِ المتقطع، تسللَ يوسفُ بهدوءٍ إلى الشرفةِ البعيدةِ، وأخرجَ هاتفه ليدقَّ رقمَ الدكتورِ مراد. أجابَهُ الصوتُ الهادئُ للطبيب، ليقولَ يوسف بصوتٍ يرجفُ: ـ دكتور مراد... أرجوك، نحتاجُ موعداً عاجلاً في عيادتِك غداً... الأمرُ لم يعد مجرد نوباتِ هدوءٍ وصمت، لقد رأيتُ اليومَ ما لا يمكن لعقلٍ بشريٍّ أن يصدقَه.

في مساءِ اليومِ التالي، اقتربَ يوسفُ منها بابتسامةٍ هادئةٍ، وقال بنبرةٍ خفيفةٍ خاليةٍ من أيِّ توترٍ:

ما رأيكِ أن نخرجَ قليلاً لنشمَّ بعضَ الهواءِ العليلِ ونكسرَ مللَ البيتِ؟ وفي طريقِنا، سنمرُّ على صديقي القديمِ الدكتورِ مراد، فهو يخفي عنا مفاجأةً من العيارِ الثقيلِ تخصُّ الآثارَ التي تحبينها.

نظرتْ إليهِ لثانيةٍ واحدةٍ بهدوءٍ، ثم هزَّتْ رأسَها بالموافقةِ دونَ اعتراضٍ، وتحركتْ بخطواتٍ بطيئةٍ لتلتقطَ معطفَها وترتديهِ قبلَ أن يخرجا معاً.

وصلا إلى العيادةِ، واستقبلهما الدكتورُ مراد بترحابٍ بالغٍ وابتسامةٍ دافئةٍ، وجلسوا جميعاً في غرفةِ الاستقبالِ يتجاذبونَ أطرافَ الحديثِ العاديِّ عن الأيامِ الماضيةِ وأحوالِ الطقسِ. بعد قليلٍ، نهضَ مرادُ وقال بابتسامةٍ مهذبةٍ:

يا أصدقائي، لقد أحضرتُ معي للتوِّ مجموعةً نادرةً من الكتبِ والمخطوطاتِ الأثريةِ في مكتبي الخاصِّ بالداخلِ، والتي أعلمُ جيداً مدى عشقِكِ لها يا نادية. ما رأيكُما أن تروها وتخرباني برأيكُما فيها؟

نهضَ يوسفُ مع ناديةَ، ودخلا معاً إلى المكتبةِ الداخليةِ، حيث تناولَ مرادُ كتاباً قديماً ووضعه بين يدي ناديةَ، مشيراً إلى إحدى الصفحاتِ باهتمامٍ:

اقرئي هذه الصفحةَ يا نادية، وسأعودُ إليكِ حالاً أنا ويوسفُ لنرَ بقيةَ الكتبِ.

ابتسمتْ لهُ ببساطةٍ وبدأتْ تقرأُ، فاستأذنَ مرادُ واصطحبَ يوسفَ للخارجِ، وأغلقَ بابَ الغرفةِ خلفَهُ بإحكامٍ، ثم جلسَ الاثنانِ في غرفةِ الاستقبالِ، ومالَ مرادُ برأسهِ نحو يوسفَ ليخفضَ صوتَه إلى همسٍ جادٍ:

استمعْ إليَّ جيداً يا يوسفُ، ما ترويهِ لي وما رأيتهُ أنتَ بنفسِكِ يؤكدُ أننا تجاوزنا مرحلةَ الصدمةِ العاديةِ أو حتى الاكتئابِ المؤقتِ. عقلُها الباطنُ قد انغلقَ تماماً خلفَ درعٍ دفاعيٍّ خطيرٍ، ولن تفيدَ معها الأدويةُ التقليديةُ أو الجلساتُ الكلاميةُ التي تعودُ لتخفي خلفها ما لا تدركهُ.

عقدَ يوسفُ حاجبيهِ بقلقٍ بالغٍ، وقال بصوتٍ مرتجفٍ: ـ نحن من شهورٍ نتابع وهي تأخذُ العلاجَ والحالةُ تزدادُ سوءاً يا دكتور! أنت تعلم جيداً أنى لا أؤمنُ بالخرافاتِ، لكنى صرتُ أفكرُ حقاً أن أوقفَ العلاجَ وأذهبَ بها إلى شيخٍ لعل وعسى...

تأملَهُ مرادُ بعمقٍ ثم ردَّ بهدوءٍ وثباتٍ: ـ العلاجُ بالقرآنِ حقٌّ وموجودٌ ولا يستطيعُ عاقلٌ أن ينكرهُ، فهو شفاءٌ للنفوسِ، لكنَّ الحالةَ هنا تحتاجُ أولاً أن يقولَ العلمُ كلمتَهُ لنعرفَ جذورَ الداءِ وكيف نتعاملُ معهُ، وحينها لن يتعارضَ الإيمانُ مع العلاجِ النفسيِّ أبداً.

تنفسَ يوسفُ بعمقٍ وهو يصارعُ يأسهُ، ثم قال بلهفةِ المحبِّ الخائفِ: ـ وما الحلُّ إذن يا دكتور؟ إنها تتصرفُ أحياناً أمامي كأنها طبيعيةٌ تماماً، وأحياناً أخرى تضيعُ من بين يديَّ!

أجابَهُ مراد بنبرةٍ حاسمةٍ وصارمةٍ: ـ الحلُّ الوحيدُ هو أن نبدأَ فوراً وفي أقربِ وقتٍ جلساتِ العلاجِ بالتنويمِ المغناطيسيِّ العميقِ، لكي نستطيعَ الغوصَ في أعمقِ طبقاتِ عقلِها الباطنِ ونعرفَ بالضبطِ ما الذي يسيطرُ على روحِها.

نظرَ إليه يوسفُ بذهولٍ، وقال: ـ ولكن... هل ينجحُ ذلك دون علمِها؟

بل يجبُ أن يكونَ دون علمِها الكاملِ؛ لأن وعيَها الحاليَّ سيرفضُ المقاومةَ أو سيغلقُ الأبوابَ مجدداً إذا شعرتْ بأيِّ محاولةٍ لاختراقِ دفاعاتِها... وإلا فإننا سنفقدُها للأبدِ داخلَ ذلك العالمِ الذي اختارت أن تعيشَ فيه وحدها.

نظرَ يوسفُ إلى الأرضِ بلحظةِ ترددٍ وتفكيرٍ عميقٍ، ثم رفعَ رأسه وأومأ بقوةٍ وثباتٍ، وقال بصوتٍ حازمٍ:

موافق يا مراد... افعل ما تراه مناسباً لأنقذها.

أطبقَ مرادٌ كفيهِ بارتياحٍ، وأمعنَ النظرَ في يوسف الذي كان يرتجفُ خوفاً عليها، ثم قال بصوتٍ خفيضٍ ومطمئنٍ:

سنبدأُ اليومَ. سأدخلُ إليها الآن وأدّعي أنني أريدُ إجراءَ اختبارٍ بسيطٍ لمدى استجابةِ الذاكرةِ للصورِ الأثريةِ، وهو أمرٌ طبيعيٌّ جداً بالنسبةِ لمجالِ تخصصِها. لكن الخطةَ كلها تعتمدُ عليكَ يا يوسف، سأحتاجُك داخلَ الغرفةِ كعنصرِ أمانٍ؛ وجودُك بجانبِها سيجعلُ دفاعاتِها العقليةَ في أدنى مستوياتِها، وستشعرُ بالأمانِ الكافي لتستسلمَ للجلسةِ دون مقاومةٍ مرعبةٍ.

نهضَ مرادُ وتوجهَ إلى مكتبه، وتبعهُ يوسفُ بقلبٍ يضطربُ في صدرِهِ. وكانت نادية مازالت جالسةً تتصفحُ الكتاب، وعندما رأتهم، رفعتْ رأسَها بابتسامةٍ هادئة.

قال مرادُ بنبرةٍ مهنيةٍ مريحةٍ: ـ ناديةُ، كنتُ أتحدثُ مع يوسفِ حولَ فكرتي في الربطِ بين الصورِ والذاكرةِ، وهو رشحكِ إلى هذه التجربةِ لخبرتكِ في مجالِ التمثيلاتِ الطينيةِ... فهل تسمحينَ لي بتجربتِها؟ الأمرُ لا يستغرقُ سوى بضعِ دقائقٍ من الاسترخاءِ التامِ، وهو عبارةٌ عن بعضِ التوجيهاتِ الصوتيةِ.

رفعتْ حاجبها باهتمامٍ وابتسمتْ بخفةٍ ثم قالت بصوتٍ مرحٍ: ـ أتريدون اتخاذي فأرَ تجاربَ يا دكتور؟

ضجَّتِ الغرفةُ بضحكاتٍ خفيفةٍ ومتبادلةٍ رفعت شيئاً من ثقلِ التوترِ المستبدِّ بالمكانِ، لكنَّ ناديةَ سرعان ما التفتتْ بعينيها نحو يوسفَ، فرأتْ في وجهِهِ نظراتِ الرجاء والترجي الخفيِّ لمساعدة صديقة .

ترددتْ لحظةً قصيرةً، ثم هزتْ رأسَها بالموافقةِ المطمئنةِ قائلةً: ـ إذا كان ذلك يخدمُ البحثَ، فلا مانعَ أبداً.

أشارَ مرادُ إلى مقعدٍ مريحٍ في زاويةِ الغرفةِ الهادئةِ، حيثُ الإضاءةُ الخافتةُ والموسيقى الكلاسيكيةُ التي بدأتْ تملأُ المكانَ بهدوءٍ، ثم أردفَ بلهجةٍ هادئةٍ وواثقةٍ: ـ أغمضي عينيكِ، استندي إلى الخلفِ بكلِّ ثقلكِ، وتنفسي بعمقٍ..

وأشارَ بيدهِ الخفيةِ إلى يوسفَ، فتقدمَ الأخيرُ بهدوءٍ ليجلسَ بجانبِها، وأمسكَ كفَّها الباردةَ بين كفيهِ، ليكونَ مرساتَها الوحيدةَ في هذا العالمِ أثناء العبورِ.

اقتربَ يوسفُ، وجلسَ بقربِها، وحين وضعتْ يدَها في يدِهِ، شعرَ ببرودةٍ غريبةٍ تسري في أصابعِها، بينما بدأ صوتُ مرادٍ الرخيمِ ينسابُ في الغرفةِ كأنَّهُ موجٌ من الصمتِ الممتد: ـ ركزي على دقاتِ قلبك يا نادية، اتركي العالمَ الخارجيَّ يتلاشى، ولا يبقى سوى صوتي.. وصوتِ ذكرياتِكِ التي تودُّ أن تتحرر.

شعرَ يوسفُ بيدِ نادية ترتخي ببطءٍ بين كفيهِ، وبدأتْ جفونُها ترتجفُ خفيفةً قبلَ أن تغرقَ في سكونٍ تامٍّ، وكأنَّ الروحَ بدأتْ تنسحبُ من قشرتِها الهادئةِ لتواجهَ الحقيقةَ الغامضة .

***

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • شهر عسل    الفصل الثامن: ظلال المجهول

    ظلال المجهولهبطَتْ ناديةُ إلى مقعدِها ببطءٍ غريبٍ، وأغمضتْ عينَيْها كأنها لم تفعلْ شيئاً، بينما كان الدكتورُ مراد واقفاً يلهثُ بعنفٍ، يفركُ كفَّيه المرتجفتينِ كمن شاهدَ شبحاً ينشقُّ عن الأرضِ، ولم يجدْ ما يقولهُ أمامَ هذا الانهيارِ الكاملِ لكلِّ قوانينِ الطبِّ والعقلِ. أما يوسفُ، فقد وقفَ منتصباً، وقد تلاشتْ من عينيهِ كلُّ نظراتِ الترددِ والرجاء، ليحلَّ محلَّها جمودٌ حادٌّ كالنصلِ.اقتربَ منه مراد بخطواتٍ متعثرةٍ، وقال بصوتٍ متحشرجٍ يكادُ يضيعُ في صمتِ الغرفةِ:يوسفُ... أعلمُ أن ما رأيناه يعجزُ العقلُ عن استيعابِهِ، ولعلهُ تفريغٌ عصبيٌّ حادٌّ... لكننا يجب أن نستمرَّ في الجلساتِ لنعرفَ كيف نوقفُ هذا الانجرافَ...قاطعه يوسفُ بصوتٍ جافٍ يقطرُ يأساً ومرارةً، كأنما ينحتُ الكلماتِ من صخرٍ:كفى يا دكتور مراد! انتهى الأمر. أيُّ طبٍّ هذا الذي نتحدثُ عنه بعد ما رأيناه؟ العقلُ نفسه عاجز امام هذا ! انا بدأت أصل إلى حافةِ الجنونِ، ولن أترددَ بعد اليومِ في طرقِ أيِّ بابٍ.. سأبحثُ عن شيخٍ، عن عارفٍ، أو حتى عن ساحرٍ إن كان في هذا سيبقيها على قيدِ الحياةِ! لن أتركها فريسةً لهذا العذابِ.التفتَ إليه

  • شهر عسل    الفصل السابع: نداء الظلام

    نداء الظلامقبلَ إذنِ قمرِ بدقائقَ معٍ، طيرَ يوسفُ في فراشِهِ بحثتاً عن دفءِ ناديةَ كعودهِ، لكن كفَّهُ لم تلمسْ بضعة سادةِ جمعتِ الجمعةَ وخاويةٍ... فتحَ روجِ دفعةً واحدةً، وانتفضَ من مكانِهِ وقد سبقَ قلبُهُ جسمَهُ إلى خوفِ، فتلقى نظرة سريعاً في الغرفةِ فلاشقةِ في العتمة فلم تجدْها، ثم خرجَ مسرعاًُ. بين أرجاء المنشأة، حتى تتوقف عند دخولِ.كانت ناديةُ وحدَها في قلبِ الظلامِ، ساكنةً بصورةٍ عكستِ الرعبَ في صدرِهِ، تحدقُ بثباتٍ غريبٍ في التمثالٍ الفرعونيٍّ المستقرِّ فوق سطحِِ، ولا تراهُ بعينيها فقط، بل انتظرُ منه شيئاً لا يعرفهُ.اقتربَ منها يوسفُ بحذرٍ، هناك أنفاسُهُ توجعُ كلما اقتربَ أكثرَ، ثم مدَّهِ ناجيٍ ووضعَها كتفها علىِها المرتجفِ، وقال بصوتٍ خفيضٍ يغلبُهُ القلقُ: ـ ناديةُ... حبيبتي، ماذا تفعلين هنا وحدكِ في هذا الوقتِ؟لم تجبهُ فوراً، وظلتْ عيناها حديثتينِ بالمثالِ، ثم انتفضَ جسدُها فجأةً ونهضتْ بحركةٍ لامعةٍ غيرِ طبيعتِها، وتتفتتْ إليه كما لو أنها تسمعُه للمرة الأولى صوت، عيناها مفتوحتين لكنهما خاليتانِ من أيِّ تعبيرٍ، قبل أن تقولَ بصوتٍ أجشَّ خافتٍ: ـ تفضل... تنادي علي...الجوائ

  • شهر عسل    الفصل السادس: أبواب الذاكرة

    أبواب الذاكرةكانَ صمتُ الغرفةِ أثقلَ من أن تحتملَهُ الجدران. جلسَ يوسفُ إلى جوارِ نادية، يحتضنُ كفَّها الباردةَ بين يديه، بينما وقفَ الدكتورُ مراد أمامها يراقبُ انتظامَ أنفاسِها، وينتظرُ اللحظةَ التي تستقرُّ فيها ذاكرتُها خلفَ ذلك السكون.قال بصوتٍ هادئٍ: ـ ناديةُ... هل تسمعينني؟ ـ نعم. ـ هل تعرفين أين أنتِ؟ ـ في عيادةِ الدكتورِ مراد. ـ جيدُ... لا تحاولي التفكيرَ في شيءٍ. فقط اتركي الذكرياتِ تأتي وحدها... أريدُ منكِ أن تعودي إلى آخرِ مكانٍ شعرتِ فيهِ بالسعادةِ مع يوسفَ... المكانِ الذي تتذكرينه بوضوحٍ.ساد الصمتُ، وتحركتْ جفونُها تحتَ عينيها المغلقتين، ثم ارتسمتْ على شفتيها ابتسامةٌ خفيفةٌ: ـ كنا مسافرين.لم يتحرك مراد، بل تابع بنبرة إنسيابية: ـ إلى أين؟ تنفستْ ببطءٍ: ـ الصحراءُ. ـ هل تتذكرين متى؟ صمتت لحظةً، ثم قالت: ـ شهرُ العسلِ وبدأت ملامحها تتغير .تبادلَ مرادُ ويوسفُ نظرةً سريعةً، لكنَّ الطبيبَ لم يسمح لدهشتهِ أن تظهرَ، بل واصلَ ببرودٍ مهنيٍّ: ـ خذي وقتكِ... لا تبحثي عن شيءٍ. فقط أخبريني بما ترينه الآن.بقيت نادية ساكنةً برهةً، ثم قالت بصوتٍ أكثرِ وضوحًا: ـ الطريقُ. ـ أي طريقٍ؟

  • شهر عسل    الفصل الخامس : بداية الاختراق

    بداية الاختراقتقدمَ يوسفُ بخطواتٍ بطيئةٍ نحوها، وقلبُهُ يخفقُ بعنفٍ كأنه يقرع طبولَ الفزع، ومدَّ يدَهُ المرتجفةَ ليلامسَ كتفها بحذرٍ شديد، وهو ينادي بصوتٍ خفيضٍ يغلبُهُ القلق: ـ نادية... حبيبتي، هل أنتِ بخير؟كأن صوته كان التعويذةَ التي أنهت ذلك السحرَ الأسودَ؛ فجأةً، وبحركةٍ مباغتةٍ تشبه انتفاضةَ النائمِ، اهتزَّ جسدُها، وزالت تلك التصلباتُ المرعبةُ عن ملامحِها... التفتتْ إليه بابتسامةٍ هادئةٍ وعاديةٍ تماماً، وقالت بصوتها الطبيعي... هل انتهيتَ من إعدادِ الفطور بهذه السرعة ؟وقف يوسف مسمَّراً مكانه، يحدقُ فيها بذهولٍ قاتل؛ مع اختفاء آثار الرعبِ في عينيها، وكل أثر لتلك الابتسامةِ الميتةِ التي كانت ترافقُ انعكاسَها في المرآةِ قبل ثوانٍ معدودة. حاول أن يبتسمَ بتكلفٍ ليخفي اضطرابَهُ، وقال بصوتٍ متحشرج: ـ ن... نعم، الفطور جاهز.مرَّ ذلك اليومُ بثقلٍ مذهلٍ على أعصابِ يوسف، كان يراقبُ كلَّ حركةٍ تقومُ بها، وكل نظرةٍ ترمقُها عيناها، بينما كانت هي تتعاملُ بصورةٍ طبيعيةٍ تماماً وكأن شيئاً لم يكن... ومع حلولِ المساء، وحين خلعتْ حذاءها واستغرقتْ في النومِ المتقطع، تسللَ يوسفُ بهدوءٍ إلى الشرفةِ

  • شهر عسل    الفصل الرابع : بداية المطر

    الفصل الرابع : بداية المطرلم تتأخرْ في الاستجابةِ لندائهِ؛ بل وصلتْ إليهِ وباتتِ ابتسامتُها الهادئةُ تسبقُ خطواتِها، وسألتهُ بنبرةٍ طبيعيةٍ تخلو من أيِّ توجسٍ:ماذا بك يا حبيبي، هل ناديتني؟عقدَ حاجبيْه بذهولٍ، ومدَّ يدَهُ ليشيرَ إلى الدرجِ المفتوحِ، وسألَها بصوتٍ مشحونٍ بالقلقِ:أين السكاكينُ التي كانت هنا؟ لا يوجدُ شيءٌ في الدرجِ على الإطلاقِ!أطلقتْ ضحكةً خفيفةً، رقيقةً، ثم نظرتْ إليهِ بعينينِ تلمعانِ ببريقٍ غامضٍ وقالت بتهكمٍ هادئٍ:أمسِ كنا ننظفُ المطبخَ يا حبيبي، وكلُّ الأشياءِ موجودةٌ في الدولابِ الكبيرِ بالأسفلِ.أدارتْ ظهرَها ببطءٍ، وتركتْهُ واقفاً بمفردهِ في منتصفِ المطبخِ بطريقةٍ مثيرةٍ ومريبةٍ، وكأنها تتركهُ يصارعُ أفكارَهُ وحدَهُ في هذه المتاهةِ الجديدةِ.اخرج يوسفُ نفس قوى وتمتم فى سره هل اصابنى انا الاخر التوتر من اى شئ حولى ، وعادَ إلى المطبخ ليكملَ إعدادَ الفطور، لكنَّ يديه ظلّتا تتحركانِ بصورةٍ آلية، بينما كان ذهنه قد ابتعدَ تمامًا عن المكان، وعادَ به إلى سنواتٍ بعيدة، إلى يومٍ لم يكن يعرف فيه نادية، ولم يكن يعرف أن فتاةً تدخل قاعةَ المحاضرات متأخرةً في صباحٍ ممطر

  • شهر عسل    الفصل الثالث : الهدوء الغامض

    الفصل الثالث : الهدوء الغامضالتقط يوسف أنفاسه بصعوبة بالغة، وتصلب جسده في منتصف الرواق المظلم، لكنه لم يكن من الرجال الذين يهابون الظلال أو يستسلمون للذعر الخفى فهو لا يأمن بوجود قوة خارقة . لهذا ظل عقله يرفض الاستسلام للوهم، مؤمناً بأن الرعب الحقيقى داخل النفس البشرية ولا يوجد شئ بدون تفسير .وبحركه واثقة وثابتة، تقدم نحو المطبخ المظلم بخطوات بطيئة، وأضاء النور بينما كان صوت الاحتكاك المعدني الخافت مازال يتكرر بانتظام مزعج، نظر الى كل شئ حولة فلم يكن هناك اى شئ غير عادى وأدوات المطبخ ثابتة .اقترب ... ومد يده بحسم وفتح شباك المطبخ المطل على الشارع، ليتدفق هواء الليل البارد محاملاً بصوت حفيف خشن؛ وإذا به يكتشف أن ما ظنه حركة يد أو ظل كائن غريب، لم يكن سوى أغصان الشجرة القديمة المجاورة للنافذة، والتي كانت تضرب الزجاج وتتحرك بحدة مع كل هبوب الريح .تنفس يوسف الصعداء بابتسامة ساخرة من نفسه، وأغلق الشباك محكماً إغلاقه، مدركاً أن إرهاقه العصبي وقلقه المستمر على نادية قد بدأ يصنعان له أوهاماً مشابهة لكوابيسها، وعاد بخطوات هادئة نحو غرفة المعيشة مزمجراً بصمت: لا شيء يستحق الهلع.توجّه يوسف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status