Home / Mystery/Thriller / شهر عسل / الفصل الثامن: ظلال المجهول

Share

الفصل الثامن: ظلال المجهول

Author: Osama Ebrahim
last update publish date: 2026-08-29 20:26:04

 ظلال المجهول

هبطَتْ ناديةُ إلى مقعدِها ببطءٍ غريبٍ، وأغمضتْ عينَيْها كأنها لم تفعلْ شيئاً، بينما كان الدكتورُ مراد واقفاً يلهثُ بعنفٍ، يفركُ كفَّيه المرتجفتينِ كمن شاهدَ شبحاً ينشقُّ عن الأرضِ، ولم يجدْ ما يقولهُ أمامَ هذا الانهيارِ الكاملِ لكلِّ قوانينِ الطبِّ والعقلِ. أما يوسفُ، فقد وقفَ منتصباً، وقد تلاشتْ من عينيهِ كلُّ نظراتِ الترددِ والرجاء، ليحلَّ محلَّها جمودٌ حادٌّ كالنصلِ.

اقتربَ منه مراد بخطواتٍ متعثرةٍ، وقال بصوتٍ متحشرجٍ يكادُ يضيعُ في صمتِ الغرفةِ:

يوسفُ... أعلمُ أن ما رأيناه يعجزُ العقلُ عن استيعابِهِ، ولعلهُ تفريغٌ عصبيٌّ حادٌّ... لكننا يجب أن نستمرَّ في الجلساتِ لنعرفَ كيف نوقفُ هذا الانجرافَ...

قاطعه يوسفُ بصوتٍ جافٍ يقطرُ يأساً ومرارةً، كأنما ينحتُ الكلماتِ من صخرٍ:

كفى يا دكتور مراد! انتهى الأمر. أيُّ طبٍّ هذا الذي نتحدثُ عنه بعد ما رأيناه؟ العقلُ نفسه عاجز امام هذا ! انا بدأت أصل إلى حافةِ الجنونِ، ولن أترددَ بعد اليومِ في طرقِ أيِّ بابٍ.. سأبحثُ عن شيخٍ، عن عارفٍ، أو حتى عن ساحرٍ إن كان في هذا سيبقيها على قيدِ الحياةِ! لن أتركها فريسةً لهذا العذابِ.

التفتَ إليه مراد بذهولٍ ورفضٍ قاطعٍ:

ماذا تقصدُ؟ هل فقدتَ صوابَكَ لتلجأَ لتلك الطرقِ المبهمةِ؟ إلى أين ستأخذُها وهي على هذا الحالِ؟

نظر اليه والضعف يملئ عينية لا اعرف ....

رغم حدة النقاش واختلافهما الجذري، لم يبتعد مراد أو يتخلَّ عنه؛ فهي صداقةُ سنواتٍ طويلةٍ تضربُ جذورَها في مواقفَ أعمقَ من أن تهزها أزمةٌ علميةٌ، ورفضُه لم يكن تخلّياً، بل كان خوفاً على صديقه وزوجته من السقوطِ في الهاويةِ.

أمسك مراد بكتف يوسف، وظهرت في عينيه نظرةُ تفهمٍ عميقٍ لحجمِ الوجعِ الذي يعتصره، وقال بصوتٍ ملؤه الإخلاصُ:

اسمعني جيداً... أعلمُ أنك غرقتَ في اليأسِ، وأن العقلَ عجزَ أمام ما يجرى، ولن ألومَك على أيِّ خطوةٍ تقرها لإنقاذها. إن كنتَ مصراً على إحضارِ شيخٍ أو من يعينُها بالرقيةِ، فسأكون أولَ الحاضرينَ معك، لأني صديقُك قبل أن أكونَ طبيبَها، ولأني أريدُ أن أطمئنَ عليها مثلك تماماً.

أومأ يوسف برأسه موافقاً...

مرَّتِ الأيامُ الثلاثةُ التاليةُ كثقلِ الجبالِ على صدرِ يوسفَ، وهو يبحثُ في كلِّ مكانٍ عن شيخٍ جليلٍ لا تأخذُهُ الدنيا، حتى دلَّهُ أحدُ الصالحينَ على رجلٍ تقيٍّ عُرف بالعلمِ والورعِ والتبحرِ في أسرارِ الروحانياتِ، وهو الشيخُ عبدُ التوابِ، ذلك العالمُ الجليلُ الذي ذاع صيته في إحدى القرى الهادئةِ بقدرتهِ الفريدةِ على سبر أغوارِ النفوسِ وتفكيكِ العقدِ الخفيةِ التي تعجزُ عنها الكتبُ، شيخٍ لا يقبلُ أجراً ولا يطلبُ مالاً، بل يجعلُ علمه وجهاً للهِ وحده.

اصطحبَ يوسفُ صديقَهُ الدكتورَ مراد، وتوجها معاً إلى قريةِ الشيخِ النائيةِ، حيث التقيا به في خلوتِهِ البسيطةِ. وهناك، أفضى يوسفُ للشيخِ بكلِّ تفاصيلِ الرحلةِ المشؤومةِ إلى تلك الصحراءِ المعزولةِ، وروى له كيف وجدوا ذلك التمثالَ والأثرَ، وكيف انقلبت حياةُ ناديةِ رأساً على عقب، راوياً كلَّ ما جرى من تغيراتٍ فجائيةٍ وانهياراتٍ عصبيةٍ.

استمعَ الشيخُ عبدُ التوابِ بإنصاتٍ عميقٍ ووجومٍ تامٍّ، محدقاً في وجهيهما حتى انتهيا من سردِ المأساةِ، ليطأطئَ رأسَهُ بلحظةِ صمتٍ ثقيلةٍ قبل أن يحدِّدَ لهما موعداً قريباً، متعهدًا بالقدومِ بنفسهِ ليرى الحالةَ عن قربٍ.

وفي مساءِ يومِ الرابعِ، حضرَ الشيخُ عبدُ التوابِ إلى شقتهما... وما إن خطا بقدميه داخل ردهة الشقة حتى توقف فجأةً عن السير، لتعم المكان هيبة صامتة... دار ببصره نحو التمثال الأثري الصغير والقطع التذكارية التي جلبها يوسف من تلك الصحراء المعزولة؛ اقترب منها بخطوات بطيئة، ومدَّ يده العجوز المرتجفة ليلمس الهواء من فوقها دون أن يمسها، وظهرت على ملامحة  قسَماتُ الوجومِ والقبضِ، مستذكراً ما سمعه منهما في قريته، قبل أن يهمس بصوت خافت يكاد لا يُسمع: — اثرُ الصحراءِ الملعونةِ يسكنُ هنا قبل أن يسكنَ في الأجسادِ... هذه القطعُ ..

لكنه صمت والتفت الشيخُ ببطءٍ نحو يوسف ومراد اللذين كانا يراقبان بحبس أنفاس، وتقدم نحو غرفة المعيشة، يكسو وجهَهُ وقارٌ نورانيّ يبعثُ السكينةَ، يمسكُ في يدهِ مصحفاً قديماً ومسبحةً من خشبِ الصندلِ. وكان الدكتور مراد جالساً إلى جوار يوسف في الصالة، يراقب في صمت مشدود، حائراً بين قناعاته العلمية وما يمليه عليه واجبه كصديق مخلص.

جلسَ الشيخُ عبدُ التوابِ، بينما كانت ناديةُ جالسةً أمامه بهدوءٍ تامٍّ، تنظرُ إليهِ بنظراتٍ خاويةٍ لا تحملُ أيَّ تعبيرٍ.

فتحَ الشيخُ عبدُ التوابِ المصحفَ الشريفَ، وبصوتٍ خاشعٍ وناعمٍ كنسيمِ الفجرِ، بدأ يرتلُ آياتٍ من سورةِ البقرةِ، ثم آياتِ السحرِ والعذابِ.

مرَّتِ الدقائقُ الأولى بطيئةً، وناديةُ ثابتةٌ لا تتحركُ، حتى تنفسَ يوسفُ الصعداءَ وظنَّ أن الأمرَ مجردَ وهمٍ نفسيٍّ، لكنَّ هدوءَ الغرفةِ انكسرَ فجأةً.

بدأتْ ملامحُ ناديةُ تنقبضُ بعنفٍ، وانقبضتْ أصابعُها على أريكةِ السريرِ حتى ابيضَّتْ مفاصلُها.

فتحتْ عينيها، وهنا أصابَ الرعبُ قلبَ يوسفَ وقلبَ مراد الذي وقف مشدوداً من مكانه؛ فقد تحولَ سوادُ عينيها إلى احمرارٍ قانٍ فادحٍ كالدماءِ المتساقطةِ.

التفتتْ ناديةُ برأسها نحو الشيخِ عبدُ التوابِ بطريقةٍ غيرِ بشريةٍ، وانطلقَ من جوفِها صوتٌ خشنٌ، ثقيلٌ، يشبهُ احتكاكِ الحجارةِ ببعضِها، يملأُ المكانَ ببرودةٍ قارسةٍ، وهي تتمتمُ بكلماتٍ غيرِ مفهومةٍ بلغةٍ غابرةٍ ميتةٍ.

لم يتراجع الشيخُ أو يرتبكْ، بل تقدم بخطوات ثابتة ووضع يده العجوز المبرأة بقوة وثبات على رأسها، وارتفع صوته بالتلاوة أضعافاً، محتدماً بعزمِ اليقينِ ليزيدَ القراءةَ إلحاحاً واشتعالاً، متمعناً في تفحصِ وميض عينيها وانعكاس تلك اللغة الميتة على جدران روحها، حتى استقر في يقينه المطلق أن ما يواجهه ليس شيئاً عادياً ، بل بل قوة سوداء مفادها أن جسدها قد غدا وعاءً لروح قديمة هبطت من عوالم المجهول.

توقّفَ الشيخُ عبدُ التوابِ عن القراءةِ، وأغلقَ المصحفَ بحزمٍ، وقد شحبَ وجهُه وملئت عينيْه مسحةٌ ثقيلةٌ من القلقِ والوجومِ، ثم رفعَ بصرهُ ليستقرَ في عينيْ يوسفَ ومراد اللذين كانا شاردينِ في هلعٍ مطبقٍ، وقال بصوتٍ متحشرجٍ ينوءُ بثقلِ الحقيقةِ المرهقةِ: — ليتهُ كان جانّاً يا بنيّ... فزوجتُكَ ليست ممسوسةً بجانٍّ عارضٍ يمكنُ صرفُهُ بآياتِ الحرقِ!

انتفضَ يوسفُ من مكانهِ غيرَ مصدقٍ، وقال بصوتٍ يرجفُ ذلعاً: — ليست ممسوسةً؟! وكيف تفسرُ ما تراهُ عيناكَ الآن يا شيخ عبد التواب؟ احمرارُ العينينِ، وتلك الكلماتُ، وارتفاعُ جسدِها قبل أيامٍ... أليس هذا جناً؟!

هزَّ الشيخُ عبدُ التوابِ رأسَهُ ببطءٍ بالغٍ، وقد زادَ وجهُهُ تجهماً وقلقاً، وقال بصوتٍ عميقٍ يخترقُ الصمتَ وكأنه يفتحُ أبواباً في التاريخِ المنسيِّ: — الجانُ مخلوقاتٌ نعرفها من كتابِ اللهِ، ونعرفُ كيف نداويها بكلامِهِ، وأمرُهُم هيّنٌ قياساً بما أراهُ.

لكن ما يسكنُ في روحِ هذه المسكينةِ ليس جناً عارضاً، بل هو أثرُ سحرٍ أسودَ عظيمٍ ومربوطٌ بإرادةِ ساحرٍ حيٍّ يمدُّ هذا العارضَ بالطاقةِ باستمرارٍ! القرآنُ الكريمُ يبطلُ السحرَ ويهدئُ الروعةَ، لكنَّ العقدةَ لن تُفكَّ نهائياً، ولن تبرأَ زوجتكَ تماماً، إلا إذا قطعنا هذا المددَ ووصلنا إلى مصدرِ هذا السحرِ لنبطله من جذورهِ!

سرتْ صاعقةٌ في عروقِ يوسفَ، بينما نظر مراد إلى الأرض بذهول عارم وكأن علمه كله قد انهار في ثانية واحدة، وتراجع يوسف بخطواتٍ بطيئةٍ حتى اصطدمَ بالحائطِ، بينما واصلَ الشيخُ عبدُ التوابِ بنبرةٍ حاسمةٍ لا تقبلُ الشكَّ وتفيضُ بالتحذيرِ: — العلاجُ هنا لن يكونَ بالرقيّةِ المعتادةِ لطردِ الجنِّ والعفاريتِ؛ فهذهِ الروحُ لصقتْ بقرينها وامتزجتْ بذاكرتها، وتحتاجُ إلى طريقٍ آخرَ طويلٍ وصعبٍ.. طريقٍ يعيدُ ربطَ روحِها التائهةِ بجسدِها، ويغلقُ تلك البوابةَ التي فتحتوها بأيديكم في ذلك المكانِ الذي لا يظهرُ على أيِّ خريطةٍ.

أطبقَ يوسفُ كفَّيهِ على وجهِهِ، وانفجرَ الدمعُ ساخناً من عينيهِ، بينما استمرَّتْ ناديةُ في مقعدِها، تطلقُ ضحكةً حادةً ومظلمةً ملأت أرجاءَ الشقةِ، معلنةً بدايةَ المعركةِ الحقيقيةِ ضدَّ المجهولِ.

***

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • شهر عسل    الفصل الثامن: ظلال المجهول

    ظلال المجهولهبطَتْ ناديةُ إلى مقعدِها ببطءٍ غريبٍ، وأغمضتْ عينَيْها كأنها لم تفعلْ شيئاً، بينما كان الدكتورُ مراد واقفاً يلهثُ بعنفٍ، يفركُ كفَّيه المرتجفتينِ كمن شاهدَ شبحاً ينشقُّ عن الأرضِ، ولم يجدْ ما يقولهُ أمامَ هذا الانهيارِ الكاملِ لكلِّ قوانينِ الطبِّ والعقلِ. أما يوسفُ، فقد وقفَ منتصباً، وقد تلاشتْ من عينيهِ كلُّ نظراتِ الترددِ والرجاء، ليحلَّ محلَّها جمودٌ حادٌّ كالنصلِ.اقتربَ منه مراد بخطواتٍ متعثرةٍ، وقال بصوتٍ متحشرجٍ يكادُ يضيعُ في صمتِ الغرفةِ:يوسفُ... أعلمُ أن ما رأيناه يعجزُ العقلُ عن استيعابِهِ، ولعلهُ تفريغٌ عصبيٌّ حادٌّ... لكننا يجب أن نستمرَّ في الجلساتِ لنعرفَ كيف نوقفُ هذا الانجرافَ...قاطعه يوسفُ بصوتٍ جافٍ يقطرُ يأساً ومرارةً، كأنما ينحتُ الكلماتِ من صخرٍ:كفى يا دكتور مراد! انتهى الأمر. أيُّ طبٍّ هذا الذي نتحدثُ عنه بعد ما رأيناه؟ العقلُ نفسه عاجز امام هذا ! انا بدأت أصل إلى حافةِ الجنونِ، ولن أترددَ بعد اليومِ في طرقِ أيِّ بابٍ.. سأبحثُ عن شيخٍ، عن عارفٍ، أو حتى عن ساحرٍ إن كان في هذا سيبقيها على قيدِ الحياةِ! لن أتركها فريسةً لهذا العذابِ.التفتَ إليه

  • شهر عسل    الفصل السابع: نداء الظلام

    نداء الظلامقبلَ إذنِ قمرِ بدقائقَ معٍ، طيرَ يوسفُ في فراشِهِ بحثتاً عن دفءِ ناديةَ كعودهِ، لكن كفَّهُ لم تلمسْ بضعة سادةِ جمعتِ الجمعةَ وخاويةٍ... فتحَ روجِ دفعةً واحدةً، وانتفضَ من مكانِهِ وقد سبقَ قلبُهُ جسمَهُ إلى خوفِ، فتلقى نظرة سريعاً في الغرفةِ فلاشقةِ في العتمة فلم تجدْها، ثم خرجَ مسرعاًُ. بين أرجاء المنشأة، حتى تتوقف عند دخولِ.كانت ناديةُ وحدَها في قلبِ الظلامِ، ساكنةً بصورةٍ عكستِ الرعبَ في صدرِهِ، تحدقُ بثباتٍ غريبٍ في التمثالٍ الفرعونيٍّ المستقرِّ فوق سطحِِ، ولا تراهُ بعينيها فقط، بل انتظرُ منه شيئاً لا يعرفهُ.اقتربَ منها يوسفُ بحذرٍ، هناك أنفاسُهُ توجعُ كلما اقتربَ أكثرَ، ثم مدَّهِ ناجيٍ ووضعَها كتفها علىِها المرتجفِ، وقال بصوتٍ خفيضٍ يغلبُهُ القلقُ: ـ ناديةُ... حبيبتي، ماذا تفعلين هنا وحدكِ في هذا الوقتِ؟لم تجبهُ فوراً، وظلتْ عيناها حديثتينِ بالمثالِ، ثم انتفضَ جسدُها فجأةً ونهضتْ بحركةٍ لامعةٍ غيرِ طبيعتِها، وتتفتتْ إليه كما لو أنها تسمعُه للمرة الأولى صوت، عيناها مفتوحتين لكنهما خاليتانِ من أيِّ تعبيرٍ، قبل أن تقولَ بصوتٍ أجشَّ خافتٍ: ـ تفضل... تنادي علي...الجوائ

  • شهر عسل    الفصل السادس: أبواب الذاكرة

    أبواب الذاكرةكانَ صمتُ الغرفةِ أثقلَ من أن تحتملَهُ الجدران. جلسَ يوسفُ إلى جوارِ نادية، يحتضنُ كفَّها الباردةَ بين يديه، بينما وقفَ الدكتورُ مراد أمامها يراقبُ انتظامَ أنفاسِها، وينتظرُ اللحظةَ التي تستقرُّ فيها ذاكرتُها خلفَ ذلك السكون.قال بصوتٍ هادئٍ: ـ ناديةُ... هل تسمعينني؟ ـ نعم. ـ هل تعرفين أين أنتِ؟ ـ في عيادةِ الدكتورِ مراد. ـ جيدُ... لا تحاولي التفكيرَ في شيءٍ. فقط اتركي الذكرياتِ تأتي وحدها... أريدُ منكِ أن تعودي إلى آخرِ مكانٍ شعرتِ فيهِ بالسعادةِ مع يوسفَ... المكانِ الذي تتذكرينه بوضوحٍ.ساد الصمتُ، وتحركتْ جفونُها تحتَ عينيها المغلقتين، ثم ارتسمتْ على شفتيها ابتسامةٌ خفيفةٌ: ـ كنا مسافرين.لم يتحرك مراد، بل تابع بنبرة إنسيابية: ـ إلى أين؟ تنفستْ ببطءٍ: ـ الصحراءُ. ـ هل تتذكرين متى؟ صمتت لحظةً، ثم قالت: ـ شهرُ العسلِ وبدأت ملامحها تتغير .تبادلَ مرادُ ويوسفُ نظرةً سريعةً، لكنَّ الطبيبَ لم يسمح لدهشتهِ أن تظهرَ، بل واصلَ ببرودٍ مهنيٍّ: ـ خذي وقتكِ... لا تبحثي عن شيءٍ. فقط أخبريني بما ترينه الآن.بقيت نادية ساكنةً برهةً، ثم قالت بصوتٍ أكثرِ وضوحًا: ـ الطريقُ. ـ أي طريقٍ؟

  • شهر عسل    الفصل الخامس : بداية الاختراق

    بداية الاختراقتقدمَ يوسفُ بخطواتٍ بطيئةٍ نحوها، وقلبُهُ يخفقُ بعنفٍ كأنه يقرع طبولَ الفزع، ومدَّ يدَهُ المرتجفةَ ليلامسَ كتفها بحذرٍ شديد، وهو ينادي بصوتٍ خفيضٍ يغلبُهُ القلق: ـ نادية... حبيبتي، هل أنتِ بخير؟كأن صوته كان التعويذةَ التي أنهت ذلك السحرَ الأسودَ؛ فجأةً، وبحركةٍ مباغتةٍ تشبه انتفاضةَ النائمِ، اهتزَّ جسدُها، وزالت تلك التصلباتُ المرعبةُ عن ملامحِها... التفتتْ إليه بابتسامةٍ هادئةٍ وعاديةٍ تماماً، وقالت بصوتها الطبيعي... هل انتهيتَ من إعدادِ الفطور بهذه السرعة ؟وقف يوسف مسمَّراً مكانه، يحدقُ فيها بذهولٍ قاتل؛ مع اختفاء آثار الرعبِ في عينيها، وكل أثر لتلك الابتسامةِ الميتةِ التي كانت ترافقُ انعكاسَها في المرآةِ قبل ثوانٍ معدودة. حاول أن يبتسمَ بتكلفٍ ليخفي اضطرابَهُ، وقال بصوتٍ متحشرج: ـ ن... نعم، الفطور جاهز.مرَّ ذلك اليومُ بثقلٍ مذهلٍ على أعصابِ يوسف، كان يراقبُ كلَّ حركةٍ تقومُ بها، وكل نظرةٍ ترمقُها عيناها، بينما كانت هي تتعاملُ بصورةٍ طبيعيةٍ تماماً وكأن شيئاً لم يكن... ومع حلولِ المساء، وحين خلعتْ حذاءها واستغرقتْ في النومِ المتقطع، تسللَ يوسفُ بهدوءٍ إلى الشرفةِ

  • شهر عسل    الفصل الرابع : بداية المطر

    الفصل الرابع : بداية المطرلم تتأخرْ في الاستجابةِ لندائهِ؛ بل وصلتْ إليهِ وباتتِ ابتسامتُها الهادئةُ تسبقُ خطواتِها، وسألتهُ بنبرةٍ طبيعيةٍ تخلو من أيِّ توجسٍ:ماذا بك يا حبيبي، هل ناديتني؟عقدَ حاجبيْه بذهولٍ، ومدَّ يدَهُ ليشيرَ إلى الدرجِ المفتوحِ، وسألَها بصوتٍ مشحونٍ بالقلقِ:أين السكاكينُ التي كانت هنا؟ لا يوجدُ شيءٌ في الدرجِ على الإطلاقِ!أطلقتْ ضحكةً خفيفةً، رقيقةً، ثم نظرتْ إليهِ بعينينِ تلمعانِ ببريقٍ غامضٍ وقالت بتهكمٍ هادئٍ:أمسِ كنا ننظفُ المطبخَ يا حبيبي، وكلُّ الأشياءِ موجودةٌ في الدولابِ الكبيرِ بالأسفلِ.أدارتْ ظهرَها ببطءٍ، وتركتْهُ واقفاً بمفردهِ في منتصفِ المطبخِ بطريقةٍ مثيرةٍ ومريبةٍ، وكأنها تتركهُ يصارعُ أفكارَهُ وحدَهُ في هذه المتاهةِ الجديدةِ.اخرج يوسفُ نفس قوى وتمتم فى سره هل اصابنى انا الاخر التوتر من اى شئ حولى ، وعادَ إلى المطبخ ليكملَ إعدادَ الفطور، لكنَّ يديه ظلّتا تتحركانِ بصورةٍ آلية، بينما كان ذهنه قد ابتعدَ تمامًا عن المكان، وعادَ به إلى سنواتٍ بعيدة، إلى يومٍ لم يكن يعرف فيه نادية، ولم يكن يعرف أن فتاةً تدخل قاعةَ المحاضرات متأخرةً في صباحٍ ممطر

  • شهر عسل    الفصل الثالث : الهدوء الغامض

    الفصل الثالث : الهدوء الغامضالتقط يوسف أنفاسه بصعوبة بالغة، وتصلب جسده في منتصف الرواق المظلم، لكنه لم يكن من الرجال الذين يهابون الظلال أو يستسلمون للذعر الخفى فهو لا يأمن بوجود قوة خارقة . لهذا ظل عقله يرفض الاستسلام للوهم، مؤمناً بأن الرعب الحقيقى داخل النفس البشرية ولا يوجد شئ بدون تفسير .وبحركه واثقة وثابتة، تقدم نحو المطبخ المظلم بخطوات بطيئة، وأضاء النور بينما كان صوت الاحتكاك المعدني الخافت مازال يتكرر بانتظام مزعج، نظر الى كل شئ حولة فلم يكن هناك اى شئ غير عادى وأدوات المطبخ ثابتة .اقترب ... ومد يده بحسم وفتح شباك المطبخ المطل على الشارع، ليتدفق هواء الليل البارد محاملاً بصوت حفيف خشن؛ وإذا به يكتشف أن ما ظنه حركة يد أو ظل كائن غريب، لم يكن سوى أغصان الشجرة القديمة المجاورة للنافذة، والتي كانت تضرب الزجاج وتتحرك بحدة مع كل هبوب الريح .تنفس يوسف الصعداء بابتسامة ساخرة من نفسه، وأغلق الشباك محكماً إغلاقه، مدركاً أن إرهاقه العصبي وقلقه المستمر على نادية قد بدأ يصنعان له أوهاماً مشابهة لكوابيسها، وعاد بخطوات هادئة نحو غرفة المعيشة مزمجراً بصمت: لا شيء يستحق الهلع.توجّه يوسف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status