Home / Mystery/Thriller / شهر عسل / الفصل السابع: نداء الظلام

Share

الفصل السابع: نداء الظلام

Author: Osama Ebrahim
last update publish date: 2026-08-28 20:38:28

 نداء الظلام

قبلَ إذنِ قمرِ بدقائقَ معٍ، طيرَ يوسفُ في فراشِهِ بحثتاً عن دفءِ ناديةَ كعودهِ، لكن كفَّهُ لم تلمسْ بضعة سادةِ جمعتِ الجمعةَ وخاويةٍ... فتحَ روجِ دفعةً واحدةً، وانتفضَ من مكانِهِ وقد سبقَ قلبُهُ جسمَهُ إلى خوفِ، فتلقى نظرة سريعاً في الغرفةِ فلاشقةِ في العتمة فلم تجدْها، ثم خرجَ مسرعاًُ. بين أرجاء المنشأة، حتى تتوقف عند دخولِ.

كانت ناديةُ وحدَها في قلبِ الظلامِ، ساكنةً بصورةٍ عكستِ الرعبَ في صدرِهِ، تحدقُ بثباتٍ غريبٍ في التمثالٍ الفرعونيٍّ المستقرِّ فوق سطحِِ، ولا تراهُ بعينيها فقط، بل انتظرُ منه شيئاً لا يعرفهُ.

اقتربَ منها يوسفُ بحذرٍ، هناك أنفاسُهُ توجعُ كلما اقتربَ أكثرَ، ثم مدَّهِ ناجيٍ ووضعَها كتفها علىِها المرتجفِ، وقال بصوتٍ خفيضٍ يغلبُهُ القلقُ: ـ ناديةُ... حبيبتي، ماذا تفعلين هنا وحدكِ في هذا الوقتِ؟

لم تجبهُ فوراً، وظلتْ عيناها حديثتينِ بالمثالِ، ثم انتفضَ جسدُها فجأةً ونهضتْ بحركةٍ لامعةٍ غيرِ طبيعتِها، وتتفتتْ إليه كما لو أنها تسمعُه للمرة الأولى صوت، عيناها مفتوحتين لكنهما خاليتانِ من أيِّ تعبيرٍ، قبل أن تقولَ بصوتٍ أجشَّ خافتٍ: ـ تفضل... تنادي علي...

الجوائزَ ​​أن تكملَ عبارتَها أو نهائيَ يوسفُ كنهَ الكارثةِ، شقَّ سكون الليلِ نداءُ أذانِ القمرِ، فارتفعَ الصوتُ من بعيدٍ بشكل واضح ومهيباً: " الله أكبر... الله أكبر " . ارتعشَ جسمُ ناديةَ بعنفٍ عند سماع النداء، وتبدلتْ ملامحُها في لحظةٍ، أنتَّ الصوتَ انتزعَها من مكانٍ بعيدٍ كانت غارقةً فيهِ، الإنجازْ أن تتكلمَ، فتحركَ فمُها دون أن يخرجَ منهُ بعد صوتٍ مختنقٍ، ثم نشرتْ بعدي بين رأسي يوسفَ قبل أن تطوعَ فهمَ ما يحدثُ، فاحتواها وهو كادُ دُولُكم، وبقي للحصواتٍ عصرُها. في هذه الأثناء، بينما كان الأذان يملأ المكانَ ويترك في داخله سؤالاً لم يجدْ جواباً له.

حملاها إلى غرفة النومِ ووضعَها على سريرِ المتحدثِ، ثم جلسَ إلى جوارِها وظلَّ يراقبُ وجهَها الشحبَ، وعيناهُ تِ وأخيراً بالدموعِ التي حاولَ عبثاً أن تمنعَها. لم يعد نهائياً كيف يحكمها، ولا إلى أيَّ مدى ذهب بها عقلها المريضُ، كان لديهم وهو أهلاً لا يستطيعُ فعل شيءٍ لإنقاذها.

بعد لحظات طويلةٍ، نهضَ وَ دموعَهُ بيديهِ المرتجفةِ، واتجهَ نحو الحمام ليتوضأَ، ثم فرشَ سجادة الصلاة في النزهة، ووقفَ بين يدي اللهِ بقلبٍ أثقله الحيرةُ... يلتهمُ حياتهما يومًا بعد يومٍ.

ومع إشراقةِ الصباحِ، اتصلَ يوسفُ عملهِ وطلبَ إجازة مؤقتة لمدة أسبوعٍ كاملٍ، وأمرَهُ بألا أوراقَ ناديةََهَا مهمٌّ سجلَ... وعندما نقرتْ بعد ساعاتٍ، ستشعرُ بإرهاقٍ شديدٍ لم تمْماً أصلاً، وتوصلت لخبرها لتجدَ يوسفَ فقط إلى جوارِها بابتسامةٍٍ وملامحَ صمتٍ أخفى خلفَها كلَّ ما عاشهُ في التنزيلِ. ونظرْ إلى حيثِ ثم ابتسمتْ، ولم يظهرْ عليها أيُّـمساهمٍ لما حدثَ، أنتَّ الليلَ مر عليها دون أن تتركَ في ذاكرتها شيئًا.

مراح النهارُ تخفيفاً على غير عادتهِ، وعندما اقتربَ موعدُ زيارةِ الدكتورِ مراد، ارتدي يوسفُ معطفَهُ والتفتَ منها بابتسامةٍ حاولَ أن تجعلَها طبيعياً: ـ ما رأيك أن نخرجَ نسبياً بعد أن ننتهي من زيارةِ الدكتورِ مراد؟

رفعتْ ناديةُ عينيها باسمِ، ثم كتبتْ بطرفِ فمها بمكرٍ: ـ آهٍ... لقد أصبحتِ خروجةُ مصلحةًًً وطبيباً يا سيد يوسفُ؟ هل مساعدة صديقك هو شرطَ الخروجِ مع زوجتكِ الآن؟

ضحك يوسفُ، وانطلقتْ منها ضحكةٌفرٌكسرتْ شيئاً من الثقلِ الذي منذ ذلك الحين منذ أيامٍ، ثم قالت وهي تقتربُ منه: ـ لا يهمُّ... المهمّ سنخرج معاً، وأن أكون بقربِكَ.

نظرَها يوسفُ سريعةً أصغرَ مما ينبغي، ثم مدَّهِها، وخرجا معاً متجهينِ إلى عيادة الدكتورِ مراد، بينما ظلَّ في داخلهِ ذلك المشهد المفاجئ الذي رآه قبلَ اجتياحه.

استقبلهما الدكتور مراد بابتسامةٍ مريحةٍ، وأجلسهما في منطقة الزاوية الهادئة داخل الإضاءةالخافتة. لم يضيعَا وقتاً؛ فما إن أغمضتْ ناديةُ عينَيهَا واستسْلَمتْ فقطِ النهائيِ تأثيرِ التوجيهات الصوتية تحتِ الناعمةِ، ووضعَ يوسفُ كَّهُ بارد فوق كفِّها كونهَ مرساتَها تهذيبةَ، حتى عبرتْ بواباتِ الوعيِ الخفيِّ لتعود من حيثْ لاْ في الجلسةِ الآنِ.

قال مرادُ بصوتهِ الرخيمِ الهادئِ: ـ ناديةُ...عودي إلى الطيرانِ. لا تبحثي عن شيءٍ آخرَ، فقط تابعي الطريقَ عندما وجدت النقش انت ويوسف ... ماذا حدث بعد ذلك؟

استرخى وجهُها أكثرَ، وتحركتْ أنفاسُها النينجا، فقالت بصوتٍ منسدِلٍ كانه قادمٌ من بعيدٍ: ـاتصالنا المباشر عبرَ المحطاتِ الجديدةِةِ لِ... قطعنا الصحراءَ المظلمة بتلالِها البركانيةِ صوتِ، مرنا بجبلِ كريستالِ... وتقطعت الكلمات... وصمت الصمت... وبصوت اقوى قال الدكتور ماذا كان هناك... كان يلم تحتَِِكه منجمٌ من السحرِ، ثم انتقلنا إلى تحديدات منطقة تحديد مواعيد ومتاهاتها محددة.

تابع مرادُ بنبرةٍ تشجيعيةٍ تنويهٍ: ـ ترغب بعد يا ناديةُ؟ إلى أين أخذكما الطريقُ؟

قالت بصوتٍ مشدودٍ بالحنينِ والترقبِ: ـ مع غروبِ شمسِ اليومِ الأخيرِ، نهائياً إلى عمقِ حمايةِ الصحراءِ البيضاءِ... حيثُ نصب الخيمةَ وسطَ تلكَ العشاتِ الطباشيريةِ الضخمةِ التيْ تحت ضوءِ القمرِ الساطعِ إلى وأوبٍ سرياليةٍ غريبةٍ نوعُ أطلالَ مدينةٍ مهجورةٍ.

عقدَ يوسفُ حاجبيْهِ بقلقٍ وهو يمسكُ يدَها يدخلها، بينما واصلَ الدكتور مراد سؤاله بدقةٍ: ـ وكيف كانتِ الليلة هناك؟ ماذا انتهى حولَ المخيمِ؟

بعدْ على ملامحها علاماتُ الرهبةِ المكتومةِ: ـ أشعلنا النار بجوار المخيم، وجلسنا حولَها... ومعدِ تحريرِِ الحرارةِ وبرودةِ الصحراءِ القارسةِ، غلب النعاسُ يوسفَ عَ رأسَهُ على قدمي ونامَ ٍ. بقيت وحدي أراقب سكون الليلِ وجمالَ المنعكسة على بلاكِ الطباشيرية، لكنْ...

لذلك قررتْ، وبدأت جسمها ينتفضُ برعشةٍ ثقةٍ، فاقتربَ مرادُ بصوتٍ هامٍ: ـ لكنْ ماذا نادي يا ةُ؟ ماذا رأيت؟

.

وما إن وصلتْ من كلماتها، حتى فتحتْ عينيها فجأة باتساعٍ مرعبٍ؛ في عيناها محمرتينِ بدءٍ كالدمِ، وهي تحدقُ في وجهِ الدكتورِ الدكتور مراد الذي يمتلكهُ فزعٌ عارمٌ بلاهُ يرتدُّ إلى الخلف ويسقطُ عن مقعدهِ من دانِ الذعرِ.

وفي تلك اللحظةِ، حدث ما لم يتعرض له العقلٌ؛ بدأ جسدُ ناديةَ الصعودُ قليلاً عن الصدرِ ليبقى معلقاً في الهواءِ بلا سببٍ، بينما نشطتْ شفتاها بتمتاماتٍ سريعةٍ بلغٍٍ قديمةٍ غير مفهومة.

تجمَّدَ الدمُ في عروقِ يوسفَ لبرهةٍ، لكنَّ غريزةَ الخوفِ على حبيبتهِ غالبتْ كلَّ شيءٍ؛ فالقى بجسدِهِ فوقها بلا ترددٍ ليثبتَها بقوةٍ ويمنعَها من الارتفاعِ، وفي نفسِ اللحظةِ وثبَ الدكتورِ مراد مذهولاً شاركَهِ بل ليشاركَ بها بكلِّ ما أوتي من قوةٍ، بينما هي مستمرةٌ في ثمماتِها الغامضةِ التي تملأُ المكانَ ببرودةٍ واثقةٍ.

وبعد لحظاتٍ معدودةٍ من الصراعِ المربكِ، خمدتْ تلكُ الطاقة الخفيةُ فجأةً، وهبتْ ناديةُ قريبٍ لتعودَ إلى مكانِها على الصدرِ، وأغمضتْ عينيْها بسكون تامٍ ولم يكن هناك شيءٌ.

ووسطَ ذهولِ الصمتِ المخيفِ الذي قسمَ على علىِ، تمالكِ الدكتور مراد نفسَهُ بصعوبةٍ واٍٍ، ومسحَ العرقَ المتصبب من جبينهِ، ثم تقدمَ بخطواتٍ مرتعشةٍ ليبدأَ فوراً في أدركها توقفِ رسمياً، محاولاً إيقاف السيطرة قبل أن يبتلعَهُما المجهولُ.

***

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • شهر عسل    الفصل الثامن: ظلال المجهول

    ظلال المجهولهبطَتْ ناديةُ إلى مقعدِها ببطءٍ غريبٍ، وأغمضتْ عينَيْها كأنها لم تفعلْ شيئاً، بينما كان الدكتورُ مراد واقفاً يلهثُ بعنفٍ، يفركُ كفَّيه المرتجفتينِ كمن شاهدَ شبحاً ينشقُّ عن الأرضِ، ولم يجدْ ما يقولهُ أمامَ هذا الانهيارِ الكاملِ لكلِّ قوانينِ الطبِّ والعقلِ. أما يوسفُ، فقد وقفَ منتصباً، وقد تلاشتْ من عينيهِ كلُّ نظراتِ الترددِ والرجاء، ليحلَّ محلَّها جمودٌ حادٌّ كالنصلِ.اقتربَ منه مراد بخطواتٍ متعثرةٍ، وقال بصوتٍ متحشرجٍ يكادُ يضيعُ في صمتِ الغرفةِ:يوسفُ... أعلمُ أن ما رأيناه يعجزُ العقلُ عن استيعابِهِ، ولعلهُ تفريغٌ عصبيٌّ حادٌّ... لكننا يجب أن نستمرَّ في الجلساتِ لنعرفَ كيف نوقفُ هذا الانجرافَ...قاطعه يوسفُ بصوتٍ جافٍ يقطرُ يأساً ومرارةً، كأنما ينحتُ الكلماتِ من صخرٍ:كفى يا دكتور مراد! انتهى الأمر. أيُّ طبٍّ هذا الذي نتحدثُ عنه بعد ما رأيناه؟ العقلُ نفسه عاجز امام هذا ! انا بدأت أصل إلى حافةِ الجنونِ، ولن أترددَ بعد اليومِ في طرقِ أيِّ بابٍ.. سأبحثُ عن شيخٍ، عن عارفٍ، أو حتى عن ساحرٍ إن كان في هذا سيبقيها على قيدِ الحياةِ! لن أتركها فريسةً لهذا العذابِ.التفتَ إليه

  • شهر عسل    الفصل السابع: نداء الظلام

    نداء الظلامقبلَ إذنِ قمرِ بدقائقَ معٍ، طيرَ يوسفُ في فراشِهِ بحثتاً عن دفءِ ناديةَ كعودهِ، لكن كفَّهُ لم تلمسْ بضعة سادةِ جمعتِ الجمعةَ وخاويةٍ... فتحَ روجِ دفعةً واحدةً، وانتفضَ من مكانِهِ وقد سبقَ قلبُهُ جسمَهُ إلى خوفِ، فتلقى نظرة سريعاً في الغرفةِ فلاشقةِ في العتمة فلم تجدْها، ثم خرجَ مسرعاًُ. بين أرجاء المنشأة، حتى تتوقف عند دخولِ.كانت ناديةُ وحدَها في قلبِ الظلامِ، ساكنةً بصورةٍ عكستِ الرعبَ في صدرِهِ، تحدقُ بثباتٍ غريبٍ في التمثالٍ الفرعونيٍّ المستقرِّ فوق سطحِِ، ولا تراهُ بعينيها فقط، بل انتظرُ منه شيئاً لا يعرفهُ.اقتربَ منها يوسفُ بحذرٍ، هناك أنفاسُهُ توجعُ كلما اقتربَ أكثرَ، ثم مدَّهِ ناجيٍ ووضعَها كتفها علىِها المرتجفِ، وقال بصوتٍ خفيضٍ يغلبُهُ القلقُ: ـ ناديةُ... حبيبتي، ماذا تفعلين هنا وحدكِ في هذا الوقتِ؟لم تجبهُ فوراً، وظلتْ عيناها حديثتينِ بالمثالِ، ثم انتفضَ جسدُها فجأةً ونهضتْ بحركةٍ لامعةٍ غيرِ طبيعتِها، وتتفتتْ إليه كما لو أنها تسمعُه للمرة الأولى صوت، عيناها مفتوحتين لكنهما خاليتانِ من أيِّ تعبيرٍ، قبل أن تقولَ بصوتٍ أجشَّ خافتٍ: ـ تفضل... تنادي علي...الجوائ

  • شهر عسل    الفصل السادس: أبواب الذاكرة

    أبواب الذاكرةكانَ صمتُ الغرفةِ أثقلَ من أن تحتملَهُ الجدران. جلسَ يوسفُ إلى جوارِ نادية، يحتضنُ كفَّها الباردةَ بين يديه، بينما وقفَ الدكتورُ مراد أمامها يراقبُ انتظامَ أنفاسِها، وينتظرُ اللحظةَ التي تستقرُّ فيها ذاكرتُها خلفَ ذلك السكون.قال بصوتٍ هادئٍ: ـ ناديةُ... هل تسمعينني؟ ـ نعم. ـ هل تعرفين أين أنتِ؟ ـ في عيادةِ الدكتورِ مراد. ـ جيدُ... لا تحاولي التفكيرَ في شيءٍ. فقط اتركي الذكرياتِ تأتي وحدها... أريدُ منكِ أن تعودي إلى آخرِ مكانٍ شعرتِ فيهِ بالسعادةِ مع يوسفَ... المكانِ الذي تتذكرينه بوضوحٍ.ساد الصمتُ، وتحركتْ جفونُها تحتَ عينيها المغلقتين، ثم ارتسمتْ على شفتيها ابتسامةٌ خفيفةٌ: ـ كنا مسافرين.لم يتحرك مراد، بل تابع بنبرة إنسيابية: ـ إلى أين؟ تنفستْ ببطءٍ: ـ الصحراءُ. ـ هل تتذكرين متى؟ صمتت لحظةً، ثم قالت: ـ شهرُ العسلِ وبدأت ملامحها تتغير .تبادلَ مرادُ ويوسفُ نظرةً سريعةً، لكنَّ الطبيبَ لم يسمح لدهشتهِ أن تظهرَ، بل واصلَ ببرودٍ مهنيٍّ: ـ خذي وقتكِ... لا تبحثي عن شيءٍ. فقط أخبريني بما ترينه الآن.بقيت نادية ساكنةً برهةً، ثم قالت بصوتٍ أكثرِ وضوحًا: ـ الطريقُ. ـ أي طريقٍ؟

  • شهر عسل    الفصل الخامس : بداية الاختراق

    بداية الاختراقتقدمَ يوسفُ بخطواتٍ بطيئةٍ نحوها، وقلبُهُ يخفقُ بعنفٍ كأنه يقرع طبولَ الفزع، ومدَّ يدَهُ المرتجفةَ ليلامسَ كتفها بحذرٍ شديد، وهو ينادي بصوتٍ خفيضٍ يغلبُهُ القلق: ـ نادية... حبيبتي، هل أنتِ بخير؟كأن صوته كان التعويذةَ التي أنهت ذلك السحرَ الأسودَ؛ فجأةً، وبحركةٍ مباغتةٍ تشبه انتفاضةَ النائمِ، اهتزَّ جسدُها، وزالت تلك التصلباتُ المرعبةُ عن ملامحِها... التفتتْ إليه بابتسامةٍ هادئةٍ وعاديةٍ تماماً، وقالت بصوتها الطبيعي... هل انتهيتَ من إعدادِ الفطور بهذه السرعة ؟وقف يوسف مسمَّراً مكانه، يحدقُ فيها بذهولٍ قاتل؛ مع اختفاء آثار الرعبِ في عينيها، وكل أثر لتلك الابتسامةِ الميتةِ التي كانت ترافقُ انعكاسَها في المرآةِ قبل ثوانٍ معدودة. حاول أن يبتسمَ بتكلفٍ ليخفي اضطرابَهُ، وقال بصوتٍ متحشرج: ـ ن... نعم، الفطور جاهز.مرَّ ذلك اليومُ بثقلٍ مذهلٍ على أعصابِ يوسف، كان يراقبُ كلَّ حركةٍ تقومُ بها، وكل نظرةٍ ترمقُها عيناها، بينما كانت هي تتعاملُ بصورةٍ طبيعيةٍ تماماً وكأن شيئاً لم يكن... ومع حلولِ المساء، وحين خلعتْ حذاءها واستغرقتْ في النومِ المتقطع، تسللَ يوسفُ بهدوءٍ إلى الشرفةِ

  • شهر عسل    الفصل الرابع : بداية المطر

    الفصل الرابع : بداية المطرلم تتأخرْ في الاستجابةِ لندائهِ؛ بل وصلتْ إليهِ وباتتِ ابتسامتُها الهادئةُ تسبقُ خطواتِها، وسألتهُ بنبرةٍ طبيعيةٍ تخلو من أيِّ توجسٍ:ماذا بك يا حبيبي، هل ناديتني؟عقدَ حاجبيْه بذهولٍ، ومدَّ يدَهُ ليشيرَ إلى الدرجِ المفتوحِ، وسألَها بصوتٍ مشحونٍ بالقلقِ:أين السكاكينُ التي كانت هنا؟ لا يوجدُ شيءٌ في الدرجِ على الإطلاقِ!أطلقتْ ضحكةً خفيفةً، رقيقةً، ثم نظرتْ إليهِ بعينينِ تلمعانِ ببريقٍ غامضٍ وقالت بتهكمٍ هادئٍ:أمسِ كنا ننظفُ المطبخَ يا حبيبي، وكلُّ الأشياءِ موجودةٌ في الدولابِ الكبيرِ بالأسفلِ.أدارتْ ظهرَها ببطءٍ، وتركتْهُ واقفاً بمفردهِ في منتصفِ المطبخِ بطريقةٍ مثيرةٍ ومريبةٍ، وكأنها تتركهُ يصارعُ أفكارَهُ وحدَهُ في هذه المتاهةِ الجديدةِ.اخرج يوسفُ نفس قوى وتمتم فى سره هل اصابنى انا الاخر التوتر من اى شئ حولى ، وعادَ إلى المطبخ ليكملَ إعدادَ الفطور، لكنَّ يديه ظلّتا تتحركانِ بصورةٍ آلية، بينما كان ذهنه قد ابتعدَ تمامًا عن المكان، وعادَ به إلى سنواتٍ بعيدة، إلى يومٍ لم يكن يعرف فيه نادية، ولم يكن يعرف أن فتاةً تدخل قاعةَ المحاضرات متأخرةً في صباحٍ ممطر

  • شهر عسل    الفصل الثالث : الهدوء الغامض

    الفصل الثالث : الهدوء الغامضالتقط يوسف أنفاسه بصعوبة بالغة، وتصلب جسده في منتصف الرواق المظلم، لكنه لم يكن من الرجال الذين يهابون الظلال أو يستسلمون للذعر الخفى فهو لا يأمن بوجود قوة خارقة . لهذا ظل عقله يرفض الاستسلام للوهم، مؤمناً بأن الرعب الحقيقى داخل النفس البشرية ولا يوجد شئ بدون تفسير .وبحركه واثقة وثابتة، تقدم نحو المطبخ المظلم بخطوات بطيئة، وأضاء النور بينما كان صوت الاحتكاك المعدني الخافت مازال يتكرر بانتظام مزعج، نظر الى كل شئ حولة فلم يكن هناك اى شئ غير عادى وأدوات المطبخ ثابتة .اقترب ... ومد يده بحسم وفتح شباك المطبخ المطل على الشارع، ليتدفق هواء الليل البارد محاملاً بصوت حفيف خشن؛ وإذا به يكتشف أن ما ظنه حركة يد أو ظل كائن غريب، لم يكن سوى أغصان الشجرة القديمة المجاورة للنافذة، والتي كانت تضرب الزجاج وتتحرك بحدة مع كل هبوب الريح .تنفس يوسف الصعداء بابتسامة ساخرة من نفسه، وأغلق الشباك محكماً إغلاقه، مدركاً أن إرهاقه العصبي وقلقه المستمر على نادية قد بدأ يصنعان له أوهاماً مشابهة لكوابيسها، وعاد بخطوات هادئة نحو غرفة المعيشة مزمجراً بصمت: لا شيء يستحق الهلع.توجّه يوسف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status