Home / Mystery/Thriller / شهر عسل / الفصل السادس: أبواب الذاكرة

Share

الفصل السادس: أبواب الذاكرة

Author: Osama Ebrahim
last update publish date: 2026-08-26 19:11:37

 أبواب الذاكرة

كانَ صمتُ الغرفةِ أثقلَ من أن تحتملَهُ الجدران. جلسَ يوسفُ إلى جوارِ نادية، يحتضنُ كفَّها الباردةَ بين يديه، بينما وقفَ الدكتورُ مراد أمامها يراقبُ انتظامَ أنفاسِها، وينتظرُ اللحظةَ التي تستقرُّ فيها ذاكرتُها خلفَ ذلك السكون.

قال بصوتٍ هادئٍ: ـ ناديةُ... هل تسمعينني؟ ـ نعم. ـ هل تعرفين أين أنتِ؟ ـ في عيادةِ الدكتورِ مراد. ـ جيدُ... لا تحاولي التفكيرَ في شيءٍ. فقط اتركي الذكرياتِ تأتي وحدها... أريدُ منكِ أن تعودي إلى آخرِ مكانٍ شعرتِ فيهِ بالسعادةِ مع يوسفَ... المكانِ الذي تتذكرينه بوضوحٍ.

ساد الصمتُ، وتحركتْ جفونُها تحتَ عينيها المغلقتين، ثم ارتسمتْ على شفتيها ابتسامةٌ خفيفةٌ: ـ كنا مسافرين.

لم يتحرك مراد، بل تابع بنبرة إنسيابية: ـ إلى أين؟ تنفستْ ببطءٍ: ـ الصحراءُ. ـ هل تتذكرين متى؟ صمتت لحظةً، ثم قالت: ـ شهرُ العسلِ وبدأت ملامحها تتغير .

تبادلَ مرادُ ويوسفُ نظرةً سريعةً، لكنَّ الطبيبَ لم يسمح لدهشتهِ أن تظهرَ، بل واصلَ ببرودٍ مهنيٍّ: ـ خذي وقتكِ... لا تبحثي عن شيءٍ. فقط أخبريني بما ترينه الآن.

بقيت نادية ساكنةً برهةً، ثم قالت بصوتٍ أكثرِ وضوحًا: ـ الطريقُ. ـ أي طريقٍ؟ ـ طويلٌ... والرمالُ على الجانبينِ. ويوسفُ يقفزُ بالسيارةِ عبرَ الكثبانِ. ـ هل تتذكرين إلى أين كنتم ذاهبينَ؟ ابتسمتْ ملامحها بصفاءٍ: ـ كنا نريدُ أن نرى الأماكنَ التي قرأنا عنها طويلاً.

خفضَ مرادُ صوته أكثرَ ليدفعها أعمقَ في الذاكرةِ: ـ ماذا حدث عندما بدأتِ الرحلةَ؟ فتحتْ ذاكرتها أبوابَها ببطءٍ: ـ خرجنا من الواحاتِ البحريةِ في الصباحِ... تغيرَ تنفسُها قليلاً، وبدأت ملامح وجهها تسترخي: ـ كانت الشمسُ دافئةً... والهواءُ بارداً. ـ ماذا ترين الآن يا ناديةُ؟ ـ النخيلُ... ثم الطريقُ الممتد بلا نهايةٍ. ـ ويوسفُ؟ ـ بجانبي. ـ ماذا كان يفعلُ؟ ابتسمتْ بعمقٍ: ـ كان يتحدثُ عن المكانِ طوالَ الوقتِ بحماسٍ طفوليٍّ. ـ هل كنتِ تستمعين إليهِ؟ ضحكتْ ضحكةً خافتةً: ـ أحياناً. ـ وأحياناً؟ ـ كنتُ أنظرُ إليهِ فقط.

تسللتْ ابتسامةٌ دافئةٌ إلى وجهِ يوسفَ، لكنه سرعان ما أخفاها تحت وطأة القلقِ المتصاعدِ.

واصلَ مرادُ ببطءٍ: ـ ثم ماذا حدثَ؟ اختفتِ الابتسامةُ من وجهِها تدريجياً: ـ وصلنا. ـ إلى أين؟ ـ إلى أولِ موقعٍ أثريٍّ. ـ ماذا رأيتِ؟ رفعتْ ناديةُ ذقنها قليلاً، كأنها تتابعُ المشهدَ أمامَ عينيهَا حياً: ـ حجارةً قديمةً... ونقوشاً غريبةً. ـ هل دخلتما المكانَ؟ ـ نعم. ـ ماذا كان يوسفُ يفعلُ؟ ـ كان سعيداً... سعيداً جداً كأنه وجد ضالته. ـ لماذا؟ ـ لأنه عثر على شيءٍ ما.

فتحَ مرادُ عينيه باهتمامٍ بالغٍ: ـ ماذا وجدَ؟ سكتت ناديةُ، وتحركتْ أصابعُها بعصبيةٍ داخلَ يدِ يوسفَ. ـ لم يكن شيئاً مهماً في البدايةِ. ـ ماذا تقصدينَ؟ ـ كان مجردَ نقشٍ محفورٍ في الصخرِ. ـ وأين كانَ؟ لم تجب، فزحف التوترُ في نبرةِ مرادَ: ـ هل كان على جدارِ الغرفةِ؟ ـ نعم. ـ وماذا كان عليهِ؟ طال صمتُها هذه المرةَ حتى ظنَّ أنها أفلتتْ من الخيطِ، ثم قالت بصوتِ مرتجفٍ: ـ لم أفهمه... لكنه جذب انتباهنا.

اقتربَ مرادُ قليلاً وخفض صوته: ـ ويوسفُ؟ هل فهمه؟ ـ قال إنه لم يرَ مثله من قبلُ. ثم تغير صوتُها وأصبح حاداً ومظلمًا: ـ لكنه... كان يعرفه.

تجمدتْ ملامحُ يوسفَ تماماً، وسرتْ برودةٌ مفاجئةٌ في أطرافِهِ، بينما قال مرادُ بثباتٍ خادعٍ: ـ ماذا تقصدينَ بأنه كان يعرفه؟ فتحتْ ناديةُ عينيها تحت جفنيها ببطءٍ مرعبٍ، كأنها تحاولُ رؤيةَ كابوسٍ بعيدٍ: ـ لا أعرفُ... لكنه توقف طويلاً أمامه. ـ ماذا قال لكِ؟ ـ قال... توقفتْ، وبدا أن الهواءَ قد نفدَ من صدرِها. ـ قال إننا يجبُ أن نكملَ الطريقَ إلى الداخلِ. ـ لماذا؟ ـ لأن هناك مكانًا آخرَ يجبُ أن نراهُ. ـ أي مكانٍ؟ ارتجفتْ شفتاها بقوةٍ: ـ قال إنه قريبٌ. ـ قريبٌ من أين؟ لم تجب، فكرر مراد بصوت صارم: ـ ناديةُ؟

خرج صوتُها هذه المرةَ همساً خافتاً يكاد لا يُسمعُ، لكنه تردد بوضوح في الغرفةِ: ـ من هناك... ـ من أين؟ سكتت طويلاً، ثم همست بكلماتٍ جمّدت الدم في عروقِ يوسفَ: ـ من المكانِ الذي لا يجبُ أن ندخلهُ أبداً.

توقفَ مرادُ عن الكتابةِ تماماً، ورفع رأسه لينظرَ إلى يوسفَ الذي كانت عيناه متسعتينِ في رعبٍ صامتٍ، ثم عاد بعينيه إلى ناديةَ ليسألها بصوتٍ مشحونٍ بالخطرِ: ـ وما اسمُ هذا المكانِ؟

ظلَّت عيناها مغمضتينِ، لكن وجهَها بدأ ينقبضُ شيئاً فشيئاً، وكأن الذكرى التي اقتربَ منها الطبيبُ تحولت إلى جحيمٍ يلاحقها، فقالت بصوتٍ متهدجٍ يقطر رعباً: ـ لم يكن.. على أيِّ خريطةٍ.

بدأتْ ملامحُ ناديةَ تضطربُ بشدةٍ، وتطايرتْ أنفاسُها متسارعةً كأنها تختنقُ في قاعِ بئرٍ مظلمةٍ، وبدأ جسدُها ينتفضُ في مقاومةٍ عصبيَّةٍ عنيفةٍ رفضاً لتلك الذكرى المفزعةِ.

تحركَ الدكتورُ مراد بسرعةٍ وحزمٍ، ومدَّ يدَهُ ليمررها بخفةٍ فوق جبينِها وهو يهمسُ بصوتٍ دافئٍ ومسيطرٍ: ـ انتهى كل شيء يا نادية... أنتِ في أمانٍ معي ومع يوسفَ. عودي إلى هنا... افتحي عينيكِ بهدوءٍ.

تنفسَتْ بعمقٍ، وفتحَتْ عينيها ببطءٍ شديدٍ، لتستعيدَ وعيَها الكاملَ وتجلسَ بذهولٍ وترقبٍ، غيرَ واعيةٍ بالعاصفةِ التي كشفتها للتوِّ.

ابتسمَ مرادُ باحترافيةٍ عاليةٍ ليخفيَ قلقَهُ الشديدَ ويثبتَ على غطائهِ الوهميِّ، وقال بصوتٍ مريحٍ: ـ شكراً لكِ يا ناديةُ على تعاونِكِ الرائعِ معي، لقد كان اختباراً ممتازاً للذاكرةِ والتركيزِ، وخدمَ الجانبَ التطبيقيَّ للأبحاثِ بشكلٍ كبيرٍ. خذي قسطاً من الراحةِ الآن.

ثم استأذنها بابتسامةٍ هادئةٍ، وأشارَ إلى يوسفَ ليخرجا معاً إلى غرفةِ الاستقبالِ المجاورةِ، وأغلقا البابَ خلفهما بإحكامٍ.

وما إن استقرا في الغرفةِ حتى انهارَ قناعُ الهدوءِ عن وجهِ مرادَ، والتفتَ إلى يوسفَ ، وعيناه تضيئان بشكٍّ صريحٍ، فقال بصوتٍ مشحونٍ بالخطورةِ:

استمعْ إلي جيداً يا يوسف... كلُّ ما قالتهُ ناديةُ عن النقوشِ والمكانِ الغامضِ يشيرُ إليكَ أنتَ! لقد قالت إنك كنت تعرفُ المكانَ وتوقفتَ طويلاً أمامه... هل تخفي عني شيئاً؟ ما هي تلك النقوشُ التي تتحدثُ عنها؟

تراجعَ يوسفُ إلى الوراء بذهولٍ قاتلٍ، وعيناه تتسعان ، وقال بصوتٍ يرتجفُ بإنكارٍ تامٍّ:

نقوشٌ؟! أيَّة نقوشٍ يا مراد؟! نحن لم نجدْ أيَّ نقشٍ في تلك الرحلةِ نهائياً! كلُّ ما عثرنا عليهِ هناك كان ذلك تمثالَ فرعونيٍّ وجلبته معها... أقسم لك أنني لا أعرفُ أيَّ مكانٍ غيرِ خريطةِ الصحراءِ العاديةِ!

صمتَ مرادُ ورمقه بنظرةٍ فاحصةٍ طويلةٍ، وكأن عقله يزنُ كل كلمةٍ، ثم قال بصوتٍ خفيضٍ مرعبٍ:

إن لم يكن هناك نقوشٌ... فهذا معناه أن عقلَ ناديةَ لا يستعيدُ ذكريات حقيقيةً فحسب، بل يخلقُ واقعاً مرعباً من العدمِ، أو أن هناك شيئاً حدث في تلك الرحلةِ ولم يرهُ سواها!

إياك ثم إياك أن تتركها وحدها، فالأمرُ أصبح أخطرَ بكثيرٍ مما تخيلنا.

أومأ يوسف برأسه بقلب مثقل بالهموم ورأس يطحنه الصداع، وهو يشعر أن الحبل يلتف حول عنقهما تدريجياً. ولأجل محاولة الهروب من جحيم الأفكار المظلمة، قرر أن يصحبها للخارج؛ وقضيا

معاً أسعدَ اللحظاتِ طوالَ الأمسيةِ، لدرجة ان يوسف نسى كلَّ الهواجسِ المظلمةِ، إلى أن وصل الى البيت وأسدلَ الليلُ ستارَهُ الحريريَّ الهادئَ عليهما، فناما بعمقٍ في أحضانِ السعادةِ والطمأنينةِ، غيرَ عالمينِ بما تخبئهُ لهما عتمةُ الليل .

***

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • شهر عسل    الفصل الثامن: ظلال المجهول

    ظلال المجهولهبطَتْ ناديةُ إلى مقعدِها ببطءٍ غريبٍ، وأغمضتْ عينَيْها كأنها لم تفعلْ شيئاً، بينما كان الدكتورُ مراد واقفاً يلهثُ بعنفٍ، يفركُ كفَّيه المرتجفتينِ كمن شاهدَ شبحاً ينشقُّ عن الأرضِ، ولم يجدْ ما يقولهُ أمامَ هذا الانهيارِ الكاملِ لكلِّ قوانينِ الطبِّ والعقلِ. أما يوسفُ، فقد وقفَ منتصباً، وقد تلاشتْ من عينيهِ كلُّ نظراتِ الترددِ والرجاء، ليحلَّ محلَّها جمودٌ حادٌّ كالنصلِ.اقتربَ منه مراد بخطواتٍ متعثرةٍ، وقال بصوتٍ متحشرجٍ يكادُ يضيعُ في صمتِ الغرفةِ:يوسفُ... أعلمُ أن ما رأيناه يعجزُ العقلُ عن استيعابِهِ، ولعلهُ تفريغٌ عصبيٌّ حادٌّ... لكننا يجب أن نستمرَّ في الجلساتِ لنعرفَ كيف نوقفُ هذا الانجرافَ...قاطعه يوسفُ بصوتٍ جافٍ يقطرُ يأساً ومرارةً، كأنما ينحتُ الكلماتِ من صخرٍ:كفى يا دكتور مراد! انتهى الأمر. أيُّ طبٍّ هذا الذي نتحدثُ عنه بعد ما رأيناه؟ العقلُ نفسه عاجز امام هذا ! انا بدأت أصل إلى حافةِ الجنونِ، ولن أترددَ بعد اليومِ في طرقِ أيِّ بابٍ.. سأبحثُ عن شيخٍ، عن عارفٍ، أو حتى عن ساحرٍ إن كان في هذا سيبقيها على قيدِ الحياةِ! لن أتركها فريسةً لهذا العذابِ.التفتَ إليه

  • شهر عسل    الفصل السابع: نداء الظلام

    نداء الظلامقبلَ إذنِ قمرِ بدقائقَ معٍ، طيرَ يوسفُ في فراشِهِ بحثتاً عن دفءِ ناديةَ كعودهِ، لكن كفَّهُ لم تلمسْ بضعة سادةِ جمعتِ الجمعةَ وخاويةٍ... فتحَ روجِ دفعةً واحدةً، وانتفضَ من مكانِهِ وقد سبقَ قلبُهُ جسمَهُ إلى خوفِ، فتلقى نظرة سريعاً في الغرفةِ فلاشقةِ في العتمة فلم تجدْها، ثم خرجَ مسرعاًُ. بين أرجاء المنشأة، حتى تتوقف عند دخولِ.كانت ناديةُ وحدَها في قلبِ الظلامِ، ساكنةً بصورةٍ عكستِ الرعبَ في صدرِهِ، تحدقُ بثباتٍ غريبٍ في التمثالٍ الفرعونيٍّ المستقرِّ فوق سطحِِ، ولا تراهُ بعينيها فقط، بل انتظرُ منه شيئاً لا يعرفهُ.اقتربَ منها يوسفُ بحذرٍ، هناك أنفاسُهُ توجعُ كلما اقتربَ أكثرَ، ثم مدَّهِ ناجيٍ ووضعَها كتفها علىِها المرتجفِ، وقال بصوتٍ خفيضٍ يغلبُهُ القلقُ: ـ ناديةُ... حبيبتي، ماذا تفعلين هنا وحدكِ في هذا الوقتِ؟لم تجبهُ فوراً، وظلتْ عيناها حديثتينِ بالمثالِ، ثم انتفضَ جسدُها فجأةً ونهضتْ بحركةٍ لامعةٍ غيرِ طبيعتِها، وتتفتتْ إليه كما لو أنها تسمعُه للمرة الأولى صوت، عيناها مفتوحتين لكنهما خاليتانِ من أيِّ تعبيرٍ، قبل أن تقولَ بصوتٍ أجشَّ خافتٍ: ـ تفضل... تنادي علي...الجوائ

  • شهر عسل    الفصل السادس: أبواب الذاكرة

    أبواب الذاكرةكانَ صمتُ الغرفةِ أثقلَ من أن تحتملَهُ الجدران. جلسَ يوسفُ إلى جوارِ نادية، يحتضنُ كفَّها الباردةَ بين يديه، بينما وقفَ الدكتورُ مراد أمامها يراقبُ انتظامَ أنفاسِها، وينتظرُ اللحظةَ التي تستقرُّ فيها ذاكرتُها خلفَ ذلك السكون.قال بصوتٍ هادئٍ: ـ ناديةُ... هل تسمعينني؟ ـ نعم. ـ هل تعرفين أين أنتِ؟ ـ في عيادةِ الدكتورِ مراد. ـ جيدُ... لا تحاولي التفكيرَ في شيءٍ. فقط اتركي الذكرياتِ تأتي وحدها... أريدُ منكِ أن تعودي إلى آخرِ مكانٍ شعرتِ فيهِ بالسعادةِ مع يوسفَ... المكانِ الذي تتذكرينه بوضوحٍ.ساد الصمتُ، وتحركتْ جفونُها تحتَ عينيها المغلقتين، ثم ارتسمتْ على شفتيها ابتسامةٌ خفيفةٌ: ـ كنا مسافرين.لم يتحرك مراد، بل تابع بنبرة إنسيابية: ـ إلى أين؟ تنفستْ ببطءٍ: ـ الصحراءُ. ـ هل تتذكرين متى؟ صمتت لحظةً، ثم قالت: ـ شهرُ العسلِ وبدأت ملامحها تتغير .تبادلَ مرادُ ويوسفُ نظرةً سريعةً، لكنَّ الطبيبَ لم يسمح لدهشتهِ أن تظهرَ، بل واصلَ ببرودٍ مهنيٍّ: ـ خذي وقتكِ... لا تبحثي عن شيءٍ. فقط أخبريني بما ترينه الآن.بقيت نادية ساكنةً برهةً، ثم قالت بصوتٍ أكثرِ وضوحًا: ـ الطريقُ. ـ أي طريقٍ؟

  • شهر عسل    الفصل الخامس : بداية الاختراق

    بداية الاختراقتقدمَ يوسفُ بخطواتٍ بطيئةٍ نحوها، وقلبُهُ يخفقُ بعنفٍ كأنه يقرع طبولَ الفزع، ومدَّ يدَهُ المرتجفةَ ليلامسَ كتفها بحذرٍ شديد، وهو ينادي بصوتٍ خفيضٍ يغلبُهُ القلق: ـ نادية... حبيبتي، هل أنتِ بخير؟كأن صوته كان التعويذةَ التي أنهت ذلك السحرَ الأسودَ؛ فجأةً، وبحركةٍ مباغتةٍ تشبه انتفاضةَ النائمِ، اهتزَّ جسدُها، وزالت تلك التصلباتُ المرعبةُ عن ملامحِها... التفتتْ إليه بابتسامةٍ هادئةٍ وعاديةٍ تماماً، وقالت بصوتها الطبيعي... هل انتهيتَ من إعدادِ الفطور بهذه السرعة ؟وقف يوسف مسمَّراً مكانه، يحدقُ فيها بذهولٍ قاتل؛ مع اختفاء آثار الرعبِ في عينيها، وكل أثر لتلك الابتسامةِ الميتةِ التي كانت ترافقُ انعكاسَها في المرآةِ قبل ثوانٍ معدودة. حاول أن يبتسمَ بتكلفٍ ليخفي اضطرابَهُ، وقال بصوتٍ متحشرج: ـ ن... نعم، الفطور جاهز.مرَّ ذلك اليومُ بثقلٍ مذهلٍ على أعصابِ يوسف، كان يراقبُ كلَّ حركةٍ تقومُ بها، وكل نظرةٍ ترمقُها عيناها، بينما كانت هي تتعاملُ بصورةٍ طبيعيةٍ تماماً وكأن شيئاً لم يكن... ومع حلولِ المساء، وحين خلعتْ حذاءها واستغرقتْ في النومِ المتقطع، تسللَ يوسفُ بهدوءٍ إلى الشرفةِ

  • شهر عسل    الفصل الرابع : بداية المطر

    الفصل الرابع : بداية المطرلم تتأخرْ في الاستجابةِ لندائهِ؛ بل وصلتْ إليهِ وباتتِ ابتسامتُها الهادئةُ تسبقُ خطواتِها، وسألتهُ بنبرةٍ طبيعيةٍ تخلو من أيِّ توجسٍ:ماذا بك يا حبيبي، هل ناديتني؟عقدَ حاجبيْه بذهولٍ، ومدَّ يدَهُ ليشيرَ إلى الدرجِ المفتوحِ، وسألَها بصوتٍ مشحونٍ بالقلقِ:أين السكاكينُ التي كانت هنا؟ لا يوجدُ شيءٌ في الدرجِ على الإطلاقِ!أطلقتْ ضحكةً خفيفةً، رقيقةً، ثم نظرتْ إليهِ بعينينِ تلمعانِ ببريقٍ غامضٍ وقالت بتهكمٍ هادئٍ:أمسِ كنا ننظفُ المطبخَ يا حبيبي، وكلُّ الأشياءِ موجودةٌ في الدولابِ الكبيرِ بالأسفلِ.أدارتْ ظهرَها ببطءٍ، وتركتْهُ واقفاً بمفردهِ في منتصفِ المطبخِ بطريقةٍ مثيرةٍ ومريبةٍ، وكأنها تتركهُ يصارعُ أفكارَهُ وحدَهُ في هذه المتاهةِ الجديدةِ.اخرج يوسفُ نفس قوى وتمتم فى سره هل اصابنى انا الاخر التوتر من اى شئ حولى ، وعادَ إلى المطبخ ليكملَ إعدادَ الفطور، لكنَّ يديه ظلّتا تتحركانِ بصورةٍ آلية، بينما كان ذهنه قد ابتعدَ تمامًا عن المكان، وعادَ به إلى سنواتٍ بعيدة، إلى يومٍ لم يكن يعرف فيه نادية، ولم يكن يعرف أن فتاةً تدخل قاعةَ المحاضرات متأخرةً في صباحٍ ممطر

  • شهر عسل    الفصل الثالث : الهدوء الغامض

    الفصل الثالث : الهدوء الغامضالتقط يوسف أنفاسه بصعوبة بالغة، وتصلب جسده في منتصف الرواق المظلم، لكنه لم يكن من الرجال الذين يهابون الظلال أو يستسلمون للذعر الخفى فهو لا يأمن بوجود قوة خارقة . لهذا ظل عقله يرفض الاستسلام للوهم، مؤمناً بأن الرعب الحقيقى داخل النفس البشرية ولا يوجد شئ بدون تفسير .وبحركه واثقة وثابتة، تقدم نحو المطبخ المظلم بخطوات بطيئة، وأضاء النور بينما كان صوت الاحتكاك المعدني الخافت مازال يتكرر بانتظام مزعج، نظر الى كل شئ حولة فلم يكن هناك اى شئ غير عادى وأدوات المطبخ ثابتة .اقترب ... ومد يده بحسم وفتح شباك المطبخ المطل على الشارع، ليتدفق هواء الليل البارد محاملاً بصوت حفيف خشن؛ وإذا به يكتشف أن ما ظنه حركة يد أو ظل كائن غريب، لم يكن سوى أغصان الشجرة القديمة المجاورة للنافذة، والتي كانت تضرب الزجاج وتتحرك بحدة مع كل هبوب الريح .تنفس يوسف الصعداء بابتسامة ساخرة من نفسه، وأغلق الشباك محكماً إغلاقه، مدركاً أن إرهاقه العصبي وقلقه المستمر على نادية قد بدأ يصنعان له أوهاماً مشابهة لكوابيسها، وعاد بخطوات هادئة نحو غرفة المعيشة مزمجراً بصمت: لا شيء يستحق الهلع.توجّه يوسف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status