登入تابع إسلام تحذيراته المعتادة وخوفه الأبوي يسيطر عليه: "ملوكة.. أوعي تمشي مع حد تاني خالص مهما حصل، ولو حد من زمايلك ضايقك أو ضايق مروة بلغي المستر فوراً، وخلي بالك من نفسك كويس يا حبيبتي".
ابتسمت ملك بحنان وقالت: "حاضر يا أبيه، في عيني.. مع السلامة". رد بنبرة دافئة: "سلام يا حبيبي.. خلي بالك من نفسك". انطلق إسلام بسيارته بسرعة نحو المستشفى؛ فاليوم يبدو صعباً للغاية ومشحوناً بالتوتر. كانت هناك تجهيزات استثنائية في المشفى لوجود حالة مرضية شديدة الخطورة والأهمية السياسية في البلد. استعدادات طاقم الأطباء والإدارة نفسها كانت مختلفة تماماً ومشددة، ويسود المكان حالة من الصمت والوجوم والترقب. دلف إسلام إلى قسم الطوارئ وهو يشعر بـانقباضة غريبة وشيء غير مريح في صدره. التقى بالطبيب المعالج المسؤول عن الحالة، وبدأ يستمع منه بتركيز شديد إلى التقارير الطبية والمعلومات الصحية الدقيقة للمريض المنتظر؛ فرغم الهالة السياسية والضجة المحيطة بالشخصية، إلا أن إسلام كطبيب تخدير مخلص، كان يضع دائماً نصب عينيه قاعدة واحدة لا تتغير: لا يهمه اسم المريض، ولا نفوذه، ولا وضعه الاجتماعي، بقدر ما يهمه أنها "حياة إنسان" بريئة، بين يديه أمانة، وواجبُه المهني والأخلاقي يحتم عليه إنقاذها ومساعدتها بكل ما أوتي من قوة وعلم، بصرف النظر عن أي شيء آخر... وجد إسلام أن المريض يعاني من ورم كبير ومعقد في مكان شديد الحساسية والخطورة بالدماغ، وهو ما يتطلب دقة متناهية وشديدة في التخدير للحفاظ على استقرار علاماته الحيوية طوال ساعات الجراحة الطويلة. تنحنح إسلام وأخذ نفساً عميقاً، ثم بدأ يرتب أدواته وأمبولات التخدير بمعاونة مساعديه وطاقم التمريض الذين كانوا يتحركون حوله كالآلات الصامتة. ساد الغرفة صوت الأجهزة المنتظم، ورفع إسلام رأسه نحو الأعلى وراح يدعو الله في سره بنبضات قلب متسارعة أن تمر هذه العملية الحرجة بسلام، وأن يشفي هذا الرجل ويلهمه الصواب في كل خطوة. ومن فرط التشديدات الأمنية المحيطة بالجناح، والتوتر المشحون الذي خيّم على غرفة العمليات لساعات متواصلة، غرق إسلام تماماً في واجبه المهني ونسي أمر شقيقته ملك نهائياً، وكأن عقله قد فُصل عن العالم الخارجي. ولم يستفق من هذه الدوامة إلا عندما التفت إلى ساعة الحائط، فصعق عندما وجد العقارب قد تجاوزت منتصف الليل بكثير! تملك الرعب أركانه، واهتزت يداه وهو يخرج هاتفه المحمول من جيب معطفه ليرى ما إذا كانت قد اتصلت به. ركبته الوساوس والتساؤلات: "تُرى ماذا حدث لها في هذا الوقت المتأخر؟ وكيف تركتها كل هذه الساعات؟". بدأ يرن على رقمها بلهفة وخوف حقيقي، لكن الهاتف كان يشير إلى أنه يجمع دون أي استجابة من الطرف الآخر. كرر المحاولة مراراً وتكراراً والنظام الصامت يجيبه، فضغط على جبهته بحيرة وعجز وهو يناجي ربه بصوت مخنوق: "يارب جيب العواقب سليمة يا رب.. مش بترد ليه دي؟ مش هينفع أبداً أسيب الحالة في الأوضة وهي لسه مفاقتش من البنج تماماً.. يارب استرها معاها واحفظها، أنا ماليش غيرها". اضطر لدخول الغرفة مرة أخرى، وجلس بجوار الفراش يراقب مؤشرات الأجهزة الموصولة بجسد المريض، منتظراً اللحظة التي يسترد فيها وعيه بالكامل ليطمئن قلبه كطبيب. في تلك اللحظات الساكنة من الليل، أخذ إسلام يتأمل ملامح الرجل الراقد أمامه؛ شعر فجأة بأن هذا الوجه مألوف له بشكل غريب، وأن هناك خطوطاً في وجهه قد رآها من قبل، لكن ذاكرته المجهدة وتحت وطأة التعب الشديد لم تسعفه ليتذكر أين أو متى رأى هذا الرجل! سرعان ما انمحت الفكرة من عقله عندما هاجمته وساوس الخوف على أخته الصغرى مرة ثانية، فأغمض عينيه ووضع رأسه بين كفيه وتمتم بضعف: "يارب.. أنا سبتها أمانة عندك، وأنت خير الحافظين.. احفظها لي يارب من كل سوء". بعد بضع ساعات أليمة وممتدة من الانتظار، بدأ الرجل يستعيد وعيه تدريجياً، وفتح عينيه بثقل ونظر حوله حتى استقرت رؤيته على إسلام الجالس بجواره. علم الرجل من الممرضين أن الطبيب الشاب لم يغادر غرفته طيلة الليل وظل ساهراً على راحته، فابتسم بضعف شديد ونطق بصوت متحشرج يشكره على حسن رعايته وأمانته الفائقة. أومأ إسلام بود واحترام، واقترب من الفراش يفحص حدقتي عينيه ونبضه قائلاً: "الحمد لله على سلامتك يا فندم، وربنا يتمم شفاك على كل خير ويقّومك بالسلامة.. أنا كدا اطمنت على وضعك الصحي واستقرار الحالة، ولازم أستأذن حضرتك حالا عشان أروح البيت أطمن على أختي الصغيرة لأن بالي مشغول عليها جداً، وأول ما أرجع المستشفى في الشيفت الجاي هجيلك فوراً". نظر إليه الرجل بامتنان وقال بصوت هادئ ومجهد: "وأنا مستنيك يا إسلام.. شكراً ليك". استدار إسلام ليتوجه نحو الباب، لكن خطوة ما في عقله جعلته يتوقف مكانه. لف جسده ورجع إلى فراش المريض مرة أخرى، وحك جبينه بإحراج طفيف ثم قال: " الصراحة.. أنا لسه معرفش اسم حضرتك بالكامل إيه، بس مش عارف ليه حاسس إن وشك مألوف جداً بالنسبة ليا، كأني شفتك قبل كدا.. يمكن قلقي الزايد على أختي طول الليل موترني ومخليني مش مجمع ومشتت، بس عموماً لينا قعدة طويلة مع بعض وحضرتك لسه مش خارج من المستشفى دلوقتي.. هرجعلك أول ما أطمن عليها". ابتسم له الرجل بود حقيقي وعميق، وعقب بنبرة هادئة حملت الكثير من الوقار: "روح اطمن على أختك الأول يا ابني.. وأنا مستنيك هنا ومش هطير". مضى إسلام بسرعة الصاروخ، وقع على دفتر الانصراف في مكتب الإدارة دون أن ينظر حوله، واستقل سيارته وقادها بسرعة رهيبة وجنونية وسط شوارع الصباح الباكر وخيوط الفجر الأولى. كان قلبه يدق بعنف في صدره كطبول الحرب؛ فأخته لم تجب على اتصالاته منذ البارحة، وهو أمر لم تعتده منه أبداً. وصل أسفل البناية، وصعد الدرج يلهث، وراح يخبط على الباب بقوة وتوتر. بعد دقائق مرت عليه كالسنين، فُتح الباب ببطء لتظهر من ورائه "أم سارة"؛ تلك السيدة الخمسينية الفاضلة ذات الملامح الأمومية الدافئة، والتي تأتي دائماً لتجلس مع شقيقته ملك وتؤنس وحدتها منذ أن تزوج أبناؤها واستقلوا بحياتهم ومات زوجها. كثيراً ما عرض عليها إسلام بامتنان أن تنتقل للعيش الدائم معهما في الشقة وتصبح فرداً من العائلة؛ فهو يعزها ويعتبرها بمثابة أم ثانية له بعد وفاة والدته، لكنها كانت ترفض بلطف وتكتفي بتقسيم الأيام بين شقتهما وبيتها القديم، حتى يستطيع أبناؤها زيارتها هناك دون أي حرج أو قيود. فاق إسلام من شروده وذكرياته وهو يراها تغلق الباب وتدعو له بالسلامة. تخطى العتبة ودخل الصالة بخطوات متعثرة، ثم جلس على الأريكة بتعب شديد وألقى برأسه للخلف، ونظر إلى ملك التي كانت تجلس في المقابل بملامح منكمشة، وقال بنبرة مجهدة يملؤها العتاب والقلق: "مبترديش على تليفونك ليه يا ملك من إمبارح؟ أنا كنت هموت من القلق عليكي بره والوساوس أكلت دماغي في المستشفى!". نظرت إليه ملك بإحراج شديد، وارتسمت على وجهها أمارات الحزن والضيق من نفسها، وقالت بنبرة خجولة: "أنا آسفة جداً يا أبيه.. والله غصب عني. أصل إمبارح الفون ضاع مني فجأة ومش عارفة راح فين بالظبط! وفضلت أرن عليه أنا كمان من تليفون طنط أم سارة ومحدش رد خالص.. المشكلة إني كنت عاملاه 'سايلنت' فمش سامعة له صوت، ومش عارفة بقا هو وقع مني في عربيتك وأنت بتوصلني، ولا نسيتُه في السنتر وسط البنات، ولا في حد سرقه مني وأنا خارجة في الزحمة!".بعد أن انتهت ياسمين من كلماتها الشجاعة المؤثرة، والتي اختتمتها بالآية الكريمة: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) وهي تنظر في اتجاه الرجل المقعد على الكرسي المتحرك... كان ذلك الرجل ينكس رأسه إلى الأسفل، وعيناه تفيضان بالدموع، وجسده المنهك يرتجف انكساراً وندماً. لم يكن ذلك الرجل سوى والد سيف، الرجل الذي كان في يوم من الأيام يملك النفوذ والقوة والتجبر، وظلم ياسمين وتجبر عليها واستغل سلطته لدهس حقها! ودار الزمان دورته.. وأصبح المقعد الضعيف الذي لا يستطيع الحركة بمفرده، بينما تقف هي أمامه في قمة نجاحها وقوتها وشرفها، كالعلم الشامخ الذي يصفق له الجميع! وفي تلك اللحظة.. دخل سيف القاعة بخطوات ثقيلة ومترددة. كان سيف يرتدي بدلة أنيقة، لكن ملامح وجهه كانت تحمل ذلاً واضحاً وحزناً غائراً. تحرك بخطوات بطيئة نحو الكرسي المتحرك الذي يجلس عليه والده. التفتت إليه ياسمين بنظرة ثاقبة وهادئة، بينما نظر سيف إليها بعيون متوسلة ملؤها الخجل والندم، لا يستطيع حتى أن يرفع عينيه في عينها القويتين. اقترب سيف من والده، وانحنى على الكرسي ليضع يده على كتفه، فقال الأب بصوت متهدج ومختنق
ردت ياسمين بابتسامة خافتة ورسمية: — "ميرسي." — "ألف مبروك على النجاح." قالت بتواضع: — "دا لسه الافتتاح!" ابتسم علي وأوضح لها: — "قصدي نجاحك أنتِ.. الكلية!" تنهدت وقالت: — "اه.. الله يبارك فيك.." سألها باهتمام: — "ناوية على إيه؟" ردت بنظرة طموحة رغم الحزن: — "السلك الدبلوماسي.. بس مش عارفة هتقبل وأنجح في الاختبارات ولا لأ." قال علي علي سبيل المزاح وهو يشير بطرفه إلى القاعة: — "أظن كارت واحد من أصغر اسم في الناس اللي جوه دي ينجحك في أي اختبار!" التفتت إليه ياسمين بسرعة، وقالت بصلابة وكبرياء نقي: — "مش عوزة أنجح بالواسطة.. أفضل أسقط أحسن ما أنجح بالواسطة! عوزة أنجح علشان إمكانياتي وكفاءتي، وإني أستاهل المكان اللي أروحه.." تطلع علي إليها بإكبار شديد، وقال وابتسم في ثقة: — "تستاهلي وهتنجحي!" انتهى الحفل بسلام، وعادت ياسمين إلى منزلها مرة أخرى وإلى إيقاع حياتها الهادئ. وبعد يومين.. أضاء هاتفها برسالة رسمية من الجامعة تُبلغها بموعد حفل التخرج والتكريم؛ الموعد الذي طالما انتظرته طويلاً وحلمت به طوال سنوات دراستها واجتهادها! جهزت نفسها جلياً لهذا اليوم
أمام منزل سمر.. كانت تقف تمسك بهاتفها بقلة صبر، تنتظر بخيلاء وثقة أن تسمع خبر القبض على فارس، أو خبر انهيار ياسمين التام. ابتسامة الشماتة لم تفارق شفتيها، حتى لمحت ظل خطوات سريعة تقترب منها بقوة.. رفعت رأسها لتجد إسلام يقف أمامها! في تلك اللحظة، لم يكن إسلام ذلك الشاب المخدوع أو المتردد.. كانت عيناه كأنها الجمر المشتعل، وملامحه جامدة كالصخر تقطر غضباً وازدراءً. ابتلعت سمر ريقها بتوتر مفاجئ، لكنها حاولت رسم ابتسامة مرتبكة وادعاء البراءة كعادتها: — "إسلام؟! خير يا حبيبي.. في حاجة؟ أنت كويس؟!" خطا إسلام خطوة واحدة نحوها، فترجعت هي خطوتين للخلف رعباً من هيئته. قال بصوت خافت، هادئ بشكل يخيف العظام، ويحمل قسوة أشد من الصراخ: — "كنت فاكر إن الحقد بيعمي العيون بس.. طلع بيعمي النفوس وبيحول البني آدم لحيوان مبيفكرش غير في الأذية!" تصبب العرق البارد من جبهة سمر، وقالت بنبرة متلعثمة تتصنع الذهول: — "أنت.. أنت بتقول إيه يا إسلام؟! أنا عملت إيه؟! أنا كل اللي عملته إني حذرتك وحافظت على أختك وعلى سُمْعتك!" ضحك إسلام ضحكة سخرية ممرورة هزت المكان، ثم اقترب منها حتى صار على بعد خطوات
أطرقت ملك رأسها بخوف وقالت: — "حاضر اتفضل.." في غرفة ملك.. كان الهواء مشبعاً بالخوف والترقب، إسلام يقف كالجبل الغاضب وأصابعه تقبض على هاتف ملك بقسوة. وفجأة.. أضاءت الشاشة، وارتفع صوت نغمة الهاتف تعلن عن اتصل من ياسمين! نظرت ملك إلى الاسم المكتوب على الشاشة بلهفة وشوق، بينما تحجرت عينا إسلام، وسحبت الغيرة والغضب الأعمى عاطفته. فتح المكالمة بنفسه دون مقدمات، ووضع الهاتف على أذنه. على الناحية الأخرى، كان صوت ياسمين ينطلق كالعصفور الشادي، مفعماً بالبهجة والأمل: — "باركيييلي يا ملوووكااا.. باركيلي!" لكن إسلام لم يترك لها مساحة للتنفس، بل عاجلها بصوت كأنه صاعقة هادمة يقطر قسوة وازدراء: — "تبارك لك على إيه?! على غشك وخداعك?! عوزة مننا إيه؟! ابعدي بقى عننا.. مش كفاية نقص وكدب بقى?!" وقبل أن تستوعب كلماته، أغلق الخط في وجهها بحدة! التفت إسلام إلى ملك، ألقى الهاتف على الأرض ليتناثر أجزاءً، وصرخ بوجهها بعيون حارقة وصوت هز أركان الغرفة: — "هي السبب مش كده?! كنتِ بتكذبي عليا! مين فارس دا?! هي اللي زقته عليكِ?! كلام سمر طلع صح! بتكذبي عليا ليه?! وهي.. هي إزاي خدعتني فيها كده?
تنهد مروان بقلب مكلوم، وانسكبت الدموع من عينيه وهو يتكلم لأول مرة بعفوية: — "معرفش إذا كنت بشوفها فيكي ولا بشوف نفسي! عندك حق.. كل واحد فينا جواه شخص بيعاني ومحتاج مساعدة، حتى لو كان دكتور!" ابتسمت ياسمين في هدوء وتفهم عميق. تحدث مروان كثيراً، أفرغ كل ما في صدره من ألم وذنب وحسرة.. شعر بروحه تتحرر أخيراً من حمل ثقيل حبسه داخله لسنوات طوال! لم يكن يريد حتى إظهار المعاناة للناس؛ فكيف يكون الطبيب والمريض في آن واحد؟! كان الجميع يظنون أن كونه طبيباً نفسياً يجعله قادراً على علاج نفسه بسهولة.. لا أحد يعلم أنه كان يغرق أكثر وأكثر، حتى هو لم يكن يعلم ذلك! في وقت لاحق.. كانت المواجهة المحتومة! وقفت ياسمين أمام "سمر"، ونظرت إليها بجمود وقوة استجمعتهما لمواجهة هذا الشر. سألتها سمر بتوتر ومكابرة: — "قُلتِ عوزة تقابليني ضروري.. في إيه؟" ردت ياسمين بثبات وهي تجلس أمامهما بنبرة حادة: — "لا مفيش.. كنت عوزة أعرف بس عوزة مني إيه؟ وشاغلة دماغك بيا ليه؟ وجيت بنفسي بدل اللف والدوران!" نظرت سمر إليها بصدمة وشحوب، وبلعت ريقها بتوتر ظهَرَ جلياً على ملامحها وهي تحاول إخفاء ارتباكها وادعاء
لمح دراجة نارية تفر مسرعة.. لقد صدمها سائقها بقوة وهو يقود بطيش ولم يتوقف حتى للرؤية! بدأ الناس يتجمعون حولهما في ذعر، بينما هو يجثو على ركبتيه ويحضن جسدها بتملك وصدمة ذهول.. منظر الدماء التي أغرقت ثيابها وثيابه لا يغادر مخيلته ولا يغيب عن عينيه حتى هذه اللحظة! وصلت سيارة الإسعاف التي لحسن الحظ كانت قريبة جداً من موقع الحادث، خلص المسعفون جسدها من بين يديه بصعوبة بالغة وهو يصرخ ويرفض ترك يدها المعلقة بيده، فركب جوارها في السيارة. فتحت منار عينيها بضعف أنفاسها الأخيرة، وهمست له بكلمات متقطعة.. اقترب منها والدموع تغرق وجهه ليسمع ما تقوله: — "مش هتسيبني؟" هز رأسه بعنف ودموع حارقة: — "لا!" تطلعت فيه بعيون تذبل: — "بتحبني؟.. بتحبني?!" هز رأسه بالإيجاب، كأنه فقد القدرة على النطق من هول الفاجعة! همست بمنتهى الضعف: — "متسيبنيش.. متزعلش.. هتلاقيني.. هتلاقيني فيها.. في عينيها.. متسيبنيش.. بحبك.." رجع صوته أخيراً بالصراخ والبكاء والمرارة: — "مش هتمشي! مش هتسيبيني! هتبقي كويسة!" غلب صوته البكاء والشهيق، بينما كانت آخر كلمات نطقتها منار بعد أن تلفظت بالشهادتين بصوت خافت







