LOGINالفصل الثالث: الـظُّـهُـورُ الأَوَّلُ وَجَـمْـرُ الـغِـيـرَةِ
لم يكن جناح كاميليا في قصر سليم مجرد غرفة للنوم، بل كان بمثابة الحصن الذي تعيد فيه ترتيب أوراقها المبعثرة. أمضت الساعات الأولى من الصباح في دراسة الملفات التي نقلتها سراً، واضعةً خطتها الانتقامية في قوالب زمنية دقيقة. لكن الهدوء لم يدم طويلاً؛ فمع حلول العصر، طرقت رئيسة التدبير المنزلي الباب لتعلن أن الليلة هي موعد "حفل العشاء السنوي لرابطة رجال الأعمال والشركاء"، وهو الغطاء الشرعي لأعتى زعماء المافيا والنفوذ في البلاد، وحيث سيتم إعلان زواجهما رسمياً أمام الملأ. كانت التوجيهات الصادرة من جناح سليم صارمة: "تأنقي بما يليق بمكانة السيدة الأولى للإمبراطورية". لم تكن كاميليا بحاجة إلى نصائح؛ فالانتقام يتطلب مظهرًا يبعث الخوف والإعجاب في آن واحد. عند الساعة الثامنة مساءً، تقف كاميليا أمام المرآة الكبيرة. اختارت فستاناً مخملياً باللون الأحمر القاني (الخمري الدافئ)، مكشوف الكتفين بقصة كلاسيكية ضيقة تبرز قوامها الممشوق وتجر خلفها ذيلاً قصيراً يفيض كبرياءً. رفعت شعرها الأسود الغجري في كعكة ملكية أنيقة، تاركة بعض الخصلات المتمردة تداعب عنقها. لم تبالغ في المساحيق، بل ركزت على أحمر شفاه دافئ ونظرة عينين حادتين كالنصل. وفي عنقها، وضعت عقداً ماسياً بسيطاً كان ملكاً لوالدتها الراحلة؛ تذكيرها الدائم بالسبب الذي من أجله باعت حريتها لسليم. طُرق الباب، ودخل سليم. كان يرتدي بدلة رسمية سوداء (توكسيدو) حيكت خصيصاً له في إيطاليا، بقميص أبيض ناصع وربطة عنق سوداء. كان يبدو كإله إغريقي غارق في الظلام. توقفت خطواته فجأة عند عتبة الغرفة. تلاقت عيناهما في المرآة، ولأول مرة منذ لقائهما، اهتز برود سليم المنطقي. تفرّس في تفاصيلها، وشعر بضربة خفيفة في صدره؛ لم تكن جميلة فحسب، بل كانت تشع بهالة من القوة والخطورة تجعل الانحناء لها أمراً حتمياً. استعاد جموده بسرعة، وتقدم نحوها بخطوات بطيئة، ثم وقف خلفها مباشرة. أنزل يده إلى جيبه وأخرج علبة مخملية سوداء، فتحها ليظهر بداخلها خاتم ماسي نادر يتوسطه فص من الزمرد الأخضر النقي. التقط يدها برفق لكن بقوة، وأنزلق الخاتم في إصبعها. أحست كاميليا ببرودة المعدن، لكن دفء أصابعه جعل نبضها يتسارع رغماً عنها. انحنى سليم قليلاً ليصبح هامساً بجانب أذنها، وشعرت بأنفاسه الحارة تلامس بشرتها: — "هذا الخاتم ليس للزينة يا كاميليا. هذا الزمرد يحمل شعار عائلتي. منذ هذه اللحظة، أنتِ ملكيتي الخاصة أمام العالم. تذكري دوركِ جيداً، ولا تبتعدي عن نظري الليلة، فالذئاب في الحفل جائعة، والعيون كلها ستحاول قراءة ما وراء هذا الزواج المفاجئ". نظرت إلى انعكاسه في المرآة، والتفتت إليه ببطء، واضعة يدها فوق صدره المغطى بالقماش الفاخر، وقالت بنبرة متحدية: — "لا تقلق بشأن دوري يا سيد سليم، فأنا أتقن اللعب على المسارح الكبيرة. لكن تذكر أنت أيضاً.. أنا شريكتك في الصفقة، ولستُ قطعة أثاث تملكها في قصرك". ابتسم سليم ابتسامته الغامضة، وقدم لها ذراعه: — "لننطلق إذاً.. زوجتي العزيزة". في قاعة الحفل: لدغة ذئب واستيقاظ الهوس أقيم الحفل في الفندق الأضخم الذي يمتلكه سليم في قلب العاصمة. كانت القاعة تعج بالشخصيات المرموقة: رجال سياسة، كبار رجال الأعمال، وزعماء عائلات المافيا المنافسة والحليفة. الأضواء ساطعة، والموسيقى الكلاسيكية تعزف بنعومة، لكن الأجواء كانت مشحونة بالهمسات والترقب. الكل كان يتساءل عن هوية المرأة التي استطاعت ترويض "الزعيم البارد" ودفعته لتوقيع عقد الزواج. انفتحت الأبواب الضخمة، وأعلن المذيع الداخلي وصول السيد والسيدة سليم. خيم الصمت على القاعة للحظات، واتجهت مئات العيون نحو المدخل. تقدم سليم وبجانبه كاميليا التي كانت تمشي برأس مرفوع وابتسامة واثقة ساحرة، وكأنها ولدت لتبتلع الأضواء. خطوتها المتزنة وهيبتها جعلت الجميع يتراجع خطوة إلى الوراء احتراماً وخوفاً. تناولا كأساً من العصير وبدأ سليم في تقديمها لبعض الشركاء المهمين ببروده المعتاد، مصوراً علاقتهما كقصة حب جارفة حدثت خلف الكواليس. كانت كاميليا تجاريه في الحديث بذكاء خارق، ترد على الأسئلة المبطنة بدبلوماسية شرسة وتثبت للجميع أنها ليست مجرد وجه جميل، بل عقل مدبر يليق بزوجة سليم. أثناء الحفل، اضطر سليم للابتعاد لعدة دقائق لمناقشة أمر عاجل وطارئ مع أحد حلفائه الإقليميين في زاوية خاصة. استغلت كاميليا الفرصة ووقفت بالقرب من الشرفة الكبيرة المطلة على أنوار المدينة، تأخذ نفساً عميقاً. في تلك اللحظة، اقترب منها رجل في أواخر الثلاثينيات، يتمتع بوسامة خبيثة وعينين تشعان مكراً. كان هذا هو "طارق"، زعيم العائلة المنافسة الأكبر لإمبراطورية سليم، والرجل الذي طالما حاول كسر هيبة سليم في السوق. وقف طارق بجانبها، ونظر إلى المدينة ثم التفت إليها بابتسامة لزجة: — "السيدة كاميليا.. أو يجب أن أقول الجميلة الغامضة التي خطفت عقل الصخرة؟ أتعلمي، لم أكن أؤمن بالمعجزات حتى رأيتكِ الليلة. سليم رجل محظوظ.. لكنه بارد جداً ولا يعرف كيف يقدر الجواهر الثمينة مثلكِ". نظرت إليه كاميليا ببرود يضاهي برود سليم، وقالت بنبرة جافة: — "السيد طارق، على ما أظن؟ في عالم الأعمال، نحن لا نهتم بالدفء أو المشاعر، بل نهتم بالقوة والولاء. ومكانتي بجانب سليم ليست مجالاً لتقييمك". ضحك طارق بخفة، واقترب منها خطوة إضافية، متجاوزاً حدود الأدب، ورفع يده ببطء محاولاً ملامسة خصلة من شعرها المنسدل على كتفها: — "الولاء يمكن أن يتغير يا جميلة.. وإذا شعرتِ يوماً بالملل من صقيع سليم، فجدران عائلتي دائماً دافئة ومستعدة لاستقبال ملكة مثلكِ.. وبشروط أفضل بكثير". قبل أن تلمس أصابع طارق خصلة شعرها، وقبل أن تنطق كاميليا بكلمة، ظهرت يد قوية كالقيد الحديدي، قبضت على معصم طارق بعنف أرعب الحاضرين القريبين. كان سليم. كانت ملامح وجهه قد تحولت إلى كتلة من الغضب المكتوم، وعيناه الصقريتان تشعان بشرر قاتل لم يره أحد فيه من قبل. ضغط على معصم طارق حتى كادت عظام الأخير تتحطم، وانحنى نحوه بصوت منخفض كفحيح الأفعى، لكنه يحمل قوة الزلزال: — "طارق.. إذا فكرت يوماً، مجرد التفكير، في أن ترفع عينيك نحو زوجتي، أو تمد يدك القذرة نحو ما يخصني.. فأقسم لك بدم عائلتي، سأبيد إمبراطوريتك عن بكرة أبيها، وسأجعل اسمك مجرد ذكرى سيئة في تاريخ هذه المدينة. ارحل من أمامي الآن قبل أن أفقد المنطق الذي أتعامل به". تراجع طارق خطوة إلى الوراء وهو يمسك معصمه المتألم، وعلامات الصدمة والخوف واضحة على وجهه. لم يكن يتوقع أن تثير هذه المرأة كل هذا الغضب والوحشية في رجل كأنه صنم من ثلج. انسحب طارق بسرعة ململماً ما تبقى من كبريائه الجريح. التفت سليم نحو كاميليا. كان صدره يعلو ويهبط بأنفاس متسارعة. تملكته غيرة شرسة وهوس حقيقي لم يفهمه؛ فكرة أن رجلاً آخر حاول لمسها أو التقرب منها أشعلت في داخله ناراً كادت تحرق القاعة بأكملها. أدار عينيها نحوها، وقبض على خصرها بعنف خفيف وسحبها نحو جسده لدرجة أنهما كادا يتلاحمان، وقال بصوت يرتجف من الغضب والهوس: — "ألم أخبركِ ألا تبتعدي عن نظري؟ اللعنة يا كاميليا.. أنتِ لي! صفقة أو غير صفقة، اسمكِ ارتبط باسمي، ولن أسمح لأي مخلوق على وجه الأرض أن يظن ولو لثانية واحدة أن بإمكانه الاقتراب منكِ". نظرت كاميليا إلى عينيه المشعّتين بالهوس والتملك. شعرت بخوف طفيف، لكنه امتزج بانتصار داخلي غريب؛ الزعيم البارد، الذي لا تحركه العواطف، قد انكسر منطقه أمامها في الليلة الأولى. لقد انقلب السحر على الساحر بسرعة تفوق توقعاتها، وبدأت شروط الامتلاك الفعلي تُكتب بالغيرة لا بالحبر.الجزء الخامس والثلاثون: مَحَاقُ الأَقْنِعَةِ وَنَذِيرُ العَهْدِ الدَّمَوِيِّ الجَدِيد جمدَ الصقيعُ الأمريكيُّ الدماءَ في الأوردةِ المشحونةِ، وانشطرَ فضاءُ الطابقِ المئةِ في ناطحةِ سحابِ وول ستريت إلى شظايا نفسيةٍ حارقةٍ تخطَّتْ أهوالَ معاركِ الجسدِ. الأمُّ الروحيةُ.. الملاذُ الدافئُ الوحيدُ الذي تلمّستْ فيهِ كاميليا طهرَ الحياةِ بعيداً عن بركِ دماءِ المافيا، هي العقلُ المدبرُ القديمُ لمنظمةِ الأقنعةِ الذهبيةِ؟! هي من نسجتْ خيوطَ المقصلةِ التي حصدتْ إمبراطوريةَ ليلى وصخرِ الصخرِ؟! انفتقتْ بؤرةُ الغدرِ عن حقيقةٍ بربريةٍ قاسيةٍ جعلتْ كبرياءَ النمرةِ الغجريةِ يتداعى كأوراقِ الخريفِ تحتَ ضرباتِ هاد الإفلاسِ العاطفيِّ الكونيِّ، بينما ظلَّ العدادُ التنازليُّ لـ بروتوكولِ "القيامةِ الرقميةِ" يبثُّ تكاتِهِ الأخيرةَ والمميتةَ؛ خمسٌ وخمسونَ ثانيةً تفصلُ العرشَ الصخريَّ عن التحولِ إلى غبارٍ يحترقُ في سماءِ مانهاتن. لم يكنْ لدى سليم ثانيةٌ واحدةٌ ليرتدَّ فيها طرفُهُ أو يهتزَّ فيها يقينُهُ الهوسيُّ؛ فالشرائعُ بالنسبةِ لزعيمِ آل الصخرِ تُصنعُ بالحديدِ والنارِ، والكونُ الذي لا يتمحورُ حولَ تملُّ
الجزء الرابع والثلاثون: صَخَبُ المَانْهَاتِن وَمَحْرَقَةُ الأَقْنِعَةِ الذَّهَبِيَّةِ المَلْعُونَةِ شقتِ الطائرةُ النفاثةُ العابرةُ للقاراتِ جدارَ الضبابِ الكثيفِ الممتدِ فوقَ المحيطِ الأطلسيِّ، لتبصقَ وحشَ إمبراطوريةِ الصخرِ ونمرتَهُ الغجريةَ في سماءِ نيويورك، حيثُ تتطاولُ ناطحاتُ سحابِ مانهاتن كخناجرَ إسمنتيةٍ باردةٍ تطعنُ وجهَ السماءِ. الخيانةُ هاد المرةَ لم تأتِ من قاعِ الجريمةِ المعتادِ، بل ارتدتْ ثوبَ السُّلطةِ والنفوذِ الدوليِّ؛ الجنرالُ غالي، الحليفُ الذي عهدوا إليهِ بأسرارِ حركتِهم، خلعَ قناعَ الولاءِ العسكريِّ ليرتدي قناعَ "الأقنعةِ الذهبيةِ" الملعونِ، واضعاً يدَهُ القذرةَ على رَقَبَةِ "الأمِ الروحيةِ".. المرأةِ التي شكّلتْ حِصنَ كاميليا العاطفيَّ وملاذَ أنوثتِها الجريحةِ. فكرةُ أنَّ تلك السيدةَ العجوزَ تُسامُ سوءَ العذابِ في معاقلِ النفوذِ الأمريكيِّ أشعلتْ في عروقِ النمرةِ غريزةَ إبادةٍ لا ترحمُ، بينما تحوَّلَ هوسُ سليم التملكيُّ إلى طاقةٍ بربريةٍ قادرةٍ على دَكِّ قلاعِ نيويورك الماليةِ فوقَ رؤوسِ قاطنيها. في الجناحِ السريِّ الفاخرِ للطائرةِ، والتي هبطتْ في مدرجٍ مهجو
الفصل الثالث والثلاثون: صَخَبُ الأَنْفَاسِ المَثْقُوبَةِ وَسِيَادَةُ العَرْشِ المَفْتُوحغادرتْ طائرةُ الشحنِ النفاثةُ العابرةُ للقاراتِ الأجواءَ الروسيةَ المُتجمّدةَ، مخلفةً وراءَها رمادَ "قصرِ الثلجِ الأسودِ" وجثةَ الفلاديمير بتروف التي تجمّدتْ قبلَ أن ترتدَّ في قاعِ المنحدرِ السيبيري. انتهتْ معركةُ الرصاصِ السريعِ، لكنَّ الجحيمَ النفسيَّ والدراما العائليةَ الحادّةَ التي فجّرتها وثائقُ النَّسَبِ المشبوهِ كانتْ لا تزالُ تغلي كالحممِ البركانيةِ داخلَ الجناحِ الملكيِّ الطائرِ. كانتِ الأجواءُ هاد الليل يلفّها غموضٌ كونيٌّ قاتمٌ؛ فالأمطارُ التي تحوّلتْ إلى بلوراتِ ثلجٍ خلفَ النوافذِ الكريستاليةِ للطائرةِ، كانتْ تعكسُ عُمقَ الشكِ الوجوديِّ الذي أصابَ روحَ كاميليا المتمردةِ بعدَ معرفةِ أنَّ دماءَ ليلى المنصوري وبتروف قد تكونُ القاسمَ المشتركَ بينَها وبينَ وحشِها وآسرِ قلبِها سليم.في ركنِ الجناحِ المحميِّ بنظامِ تكييفٍ حراريٍّ دافئٍ، كانَ الصغيرُ "سيف" نائماً في مهدِهِ الإلكترونيِّ الجديدِ، ونبضاتُ قلبِهِ المستقرةُ تُسجّلُ على الشاشاتِ الرقميةِ باللونِ الأخضرِ الفاتنِ. ورغمَ استعادةِ الض
فصل الثاني والثلاثون: مَذْبَحَةُ الحَقِيقَةِ المَلْعُونَةِ وَأَنْفَاسُ الجَحِيمِ الأَخِيرنزلتْ صدمةُ النَّسَبِ المشبوه كصخرةٍ صمَّاءَ هوتْ من أعالي السمواتِ لتسحقَ ما تبقَّى من عقلِ سليم وكاميليا في ذلك القبوِ السيبيري المظلم. ليلى المنصوري وبتروف هما الوالدان الحقيقيان لهما الاثنين؟! أخوةٌ بالدمِ والروحِ وعشاقٌ بالجسدِ والشهوةِ المرضية؟! الفكرةُ وحدها كانتْ كفيلةً بنسفِ شرعيةِ العرشِ الكوني الذي بنياه، وتدميرِ نقاءِ دماءِ طفلِهما سيف الذي يربطه الموتُ الآن بقنابلَ موقوتةٍ على بُعدِ طوابقَ قليلةٍ منهما. لكنَّ هوسَ التملُّكِ الشرسَ وجنونَ العشقِ الذي تحدَّى القاراتِ لا يعرفُ التراجعَ؛ فالشرائعُ تنهارُ والنظرياتُ الجينيةُ تسقطُ حين يثورُ وحشُ صخرةِ آل الصخرِ دفاعاً عن مهدِ أنثاه وضناه.التفتَ سليم نحو كاميليا التي كانتْ أنفاسُها الغجريةُ تتصاعدُ لاهثةً، وعيناها الفاتنتان تشعَّان بذعرٍ كونيٍّ ودموعِ ذهولٍ جمدَّتْ ملامحَها الساحرةَ. قبضَ على كتفيها العاريين بقوةٍ بربريةٍ عاتيةٍ، ساحباً إياها بعنفٍ لاهثٍ نحو صلابةِ صدرِهِ العاري الملطخِ بدماءِ قائدِ الأشباحِ البيضاءِ، ونظرَ في عينيها بع
الجزء الحادي والثلاثون: صَقِيعُ مُوسْكُو وَمَحْرَقَةُ الشَّبَقِ العَائِلِيِّ الثَّائِرِ لم تكن السموات الاسكتلندية التي ابتلعت طائرة الشحن الروسية الخاطفة سوى ستارة سوداء أُسدلت على جحيم "جزيرة سكاي" لتفتح جحيماً قادماً من قلب القارة العجوز. الخيانة هاد المرة لم تكن رصاصة طائشة، بل كانت طعنة جينية ونفسية مسمومة شطرت كيان كاميليا وسليم؛ "سيف"، مهد تلاحمهما الجسدي الخالد، طار في جنح الليل نحو موسكو، ليكون القربان والرهينة الكبرى تحت يد زعيم المافيا الروسية الأكبر والوالد المفترض لسليم. غريزة الأمومة الكاسرة لدى النمرة الغجرية تحولت إلى بركان مستعر مستعد لإشعال الثلوج السيبيرية، بينما انطلق هوس سليم التملكي ليخترق حاجز الجنون؛ فكرة أن ابنه في قبضة رجل يدّعي أبوّته ويريد تفكيك عرشه جعلت ملامحه الفولاذية تتحول إلى قناع من الدم والوعيد الحتمي. على متن الطائرة النفاثة الأسرع من الصوت، والمعزولة كلياً ضد الرادارات العسكرية للدول، كانت الأجواء تفيض بـزمهرير عاطفي حاد وشغف جارف امتزج بحمى الانصهار التي تسبق المجازر. كانت كاميليا تقف أمام منضدة التخطيط اللولبية، وجسدها الممشوق ملفوف ببدلتها
الفصل الثلاثون: هِيَامُ الرَّجْفَةِ المَلْعُونَةِ وَحِصَارُ الشَّمَالِ العَاتِينزلتْ كلماتُ مريم المنصوري فوق المنحدر الصخري لاسكتلندا كصواعقَ من الجمر الحارق، لتشطر سماء "جزيرة سكاي" وتذيب كبرياء العرش الهوسي الذي بناه سليم الصخر بالدم والحديد. الرعد صمّ الآذان، لكن الصدى الأكثر رعباً كان يدوي في عروق كاميليا التي شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها الفاتنتين. سليم.. الوحش الذي استسلمت لشهوته التملكية الشرسة، والرجل الذي طبعت شفتيه خريطة نفوذها، ليس ابناً لـ "صخر الصخر"؟ بل هو سليل زعيم المافيا الروسية القابع في صقيع موسكو؟ الشك عاد ليتسلل كالأفعى بين شظايا عشقهم المرضي، مهدداً بتحويل ليالي الشغف والانصهار الجسدي إلى خطيئة دولية كبرى دبرتها أصابع "ذئاب الشمال".كان سليم يقف بكامل ضخامته وقامته الهائلة وسط الأمطار الغزيرة، وعيناه الصقريتان تشتعلان ببريق وحشي أحمر كاد يخترق الضباب الكثيف المحيط بالقلعة. لم ترف له عين، ولم يتراجع إنشاً واحداً أمام عودة "أولاف الفايكينج" وشقيقة أنثاه مريم، لكن عروق عنقه وجبينه برزت كحبال غليظة تنضح بغضب بربري تملكي منفلت. فكرة أن نسبه هويته، وحتى دماء العا