LOGINالفصل الثاني: شروطُ الامتِلاك
كانت المكاتب الفاخرة في أعالي البرج الزجاجي تبدو وكأنها معلقة بين السماء والأرض، تماماً كالعلاقة الشائكة التي بدأت تتشكل بين قطبين لا يعرفان الانحناء. سليم لم يكن رجلاً يعتاد المفاجآت أو يتقبل أن يُملي عليه أحدٌ خطوته التالية، بل كان هو من يصنع الحدث ويترك للآخرين دماء الصدمة ورماد الحيرة. جلس خلف مكتبه الضخم المصنوع من خشب الأبنوس الداكن المطعم بالنحاس، يشبك أصابعه الطويلة وينظر إلى كاميليا التي كانت تجلس أمامه بثبات يحسدها عليه أعتى رجال العصابات الذين مروا من هذا المكتب وخرجوا منه بركب مرتجفة. أخرج سليم سيجاراً فاخراً من علبته الفضية، أشعله ببطء شديد وهو يراقب تصاعد الدخان الرمادي الكثيف في فضاء الغرفة، وعيناه الصقريتان الحادتان لا تفارقان تفاصيل وجهها. كان يدرس كل حركة، كل رمشة عين، وكل نفس تخرجه، يبحث عن ذرة خوف واحدة ترضي غروره كزعيم، لكنه لم يجد سوى هدوء قاتل يسبق العاصفة. قال بصوت رخيم، عميق، يحمل نبرة تهديد مبطنة جعلت الأجواء في المكتب تتجمد: — "كاميليا.. أنتِ لا تطلبين تحالفاً عادياً، أنتِ تلعبين بالنار في حقل ألغام ممتد. عالمي ليس مكاناً للنزهة، وليس ملجأً للمظلومين، ولا ساحة لتصفية حسابات طفولية أو عواطف عابرة. هل تدركين حقاً وبكل وعيكِ ماذا يعني أن تحمّلي اسم 'سليم'؟ هذا الاسم يعني أنكِ أصبحتِ الهدف الأول لكل قناص في هذه المدينة، ويعني أن حريتكِ انتهت منذ اللحظة التي خطت فيها قدمكِ هذا الدور". لم تتزحزح كاميليا في مقعدها ولم يرف لها جفن. رفعت رأسها بكبرياء يفيض بالثقة، ونظرت إليه مباشرة في عينيه الباردتين، عاقدة العزم على ألا تظهر أي ضعف أمام هذا الرجل الذي يرتعد الجميع بمجرد ذكر اسمه. عدلت جلستها وقالت بصوت هادئ، مستقر، وقوي يتردد صداه في أركان المكتب الواسع: — "أعلم جيداً مع من أتعامل يا سيد سليم، وأعلم أن اسمك مكتوب بمداد من هيبة ودماء. لو كنت أبحث عن الأمان أو عن نزهة، لما فكرت يوماً في طرق بابك. أنا أبحث عن درع نفوذ صلب، عن جدار قاسي أحتمي خلفه وأنا أقتلع جذور من غدروا بعائلتي ودمروا حياتي. وفي المقابل، الأوراق والملفات السرية التي أمتلكها، والتي وضعتُ جزءاً منها أمامك الآن، ليست مجرد معلومات.. إنها المفاتيح الحقيقية التي ستجعلك تتربع على عرش هذا السوق بلا منافس وتنهي وجود خصومك بضربة واحدة. إنها صفقة عمل عادلة، منطق مقابل منطق، وقوة تدعم قوة". صمت سليم للحظات، مرت كأنها دهر. كان عقله كآلة حاسبة دقيقة تزن الأرباح والخسائر. الهدوء الذي تظهره هذه الفتاة والجرأة التي تتحدث بها أثارت في داخله شيئاً من الفضول الذي لم يعهده من قبل. ابتسم ابتسامة باردة، ساخرة، لم تصل إلى عينيه اللتين ظلتا تراقبانها كصقر يستعد للانقضاض على فريسته، ثم سحب ورقة بيضاء مصقولة وقلم حبر جاف ذهبي، ووضعهما على الطاولة أمامه بعنف خفيف واثق: — "حسنًا.. إذاً فلنضع الشروط ونكتب هذا العقد. وبما أنكِ أنتِ من تجرأ واقترح هذه اللعبة، فأنا، وأنا فقط، من سيملي القواعد ويحدد خطوطها العريضة. في عالمي، الخروج عن القواعد يعني الموت". بنود من دم وحبر امتدت الجلسة لساعات طوال، غابت فيها الشمس خلف ناطحات السحاب وحل ظلام الليل، بينما كانت الأجواء داخل المكتب مشحونة بصراع خفي وحرب إرادات شرسة بين شخصيتين يرفضان الانكسار. كان سليم يتولى صياغة البنود بنداً بنداً بدقة قانونية وصارمة، وبصوت هادئ يقطر بروداً وصرامة: البند الأول: هذا الزواج هو زواج صوري، رسمي، وقانوني أمام المجتمع، وسائل الإعلام، والأعداء فقط. يمتد لعقد كامل مدته عام واحد غير قابل للتجديد إلا باتفاق الطرفين. لا يحق لأي طرف التدخل في الشؤون الشخصية، العاطفية، أو الأسرار الخاصة بالطرف الآخر خارج نطاق هذه الصفقة. نحن شريكان في العمل، ولا مكان للمشاعر بيننا. البند الثاني: تنتقل السيدة كاميليا فوراً للعيش في القصر الرئيسي التابع لعائلة سليم. ستخضع لحراسة مشددة على مدار أربع وعشرين ساعة. كل تحركاتها، خروجاتها، وزياراتها خارج أسوار القصر يجب أن تكون بعلم مسبق وبإذن مباشر مني شخصياً، حرصاً على الأمن العام للإمبراطورية ومنعاً لأي اختراق من الخصوم. البند الثالث: تلتزم كاميليا بتسليم الدفعة الأولى من الوثائق السرية والملفات المالية التي بحوزتها فور توقيع هذا العقد. وتلتزم بتقديم بقية المعلومات والملفات بالتوازي مع تقدم نفوذها والدعم الذي سأقدمه لها في خطة انتقامها واسترجاع حق عائلتها. البند الرابع والأخير: أي محاولة للخيانة، التلاعب، أو تسريب أي معلومات تخص أعمالي، تحركاتي، أو رجالي لأي جهة كانت، تعني نهاية الصفقة فوراً.. ونهاية حياة من خرقها بدون أي تردد أو مجال للنقاش. عندما نطق سليم بالبند الأخير، خيم هدوء مرعب على الغرفة. رفع عينيه الصقريتين ببطء نحوها ليرى أثر هذا التهديد القاتل في وجهها، منتظراً أن يرى علامات التردد أو التراجع في عينيها. لكن كاميليا فاجأته؛ لم تهتز، ولم تتبدل ملامحها، بل ارتسمت على شفتيها ابتسامة تحدٍ ساخرة وباردة تنافس بروده. أمسكت القلم الذهبي بأصابع ثابتة بلا أي ارتعاش، ونظرت إليه قائلة بنبرة مليئة بالكبرياء: — "شروطك قاسية وتليق بزعيم مافيا يخشى على عرشه.. وأنا أقبلها لأنني أثق في نفسي وفي خطوتي". وقعت كاميليا اسمها بخط عريض، قوي، وحاسم في أسفل الورقة، ثم دفعت الورقة والقلم ببطء نحو جهته وقالت: — "والآن.. حان دورك لتوقع يا سيد سليم، لتصبح هذه الصفقة سارية المفعول، وتتحمل مسؤولية حليفتك الجديدة". التقط سليم القلم ووقع بجرأة وسرعة. كان صوت حك القلم على الورق المصقول في ذلك الصمت يشبه تماماً صوت إطلاق رصاصة الإعلان الفعلي للحرب. ليرتفع الستار عن لعبة خطيرة لا مكان فيها للخطأ. الانتقال إلى القصر: مواجهة تحت سقف واحد في تمام الساعة العاشرة ليلاً، كانت السيارة السوداء الفاخرة والمصفحة من نوع "رينج روفر" تقطع الشوارع السريعة للمدينة المتلألئة بأنوار ناطحات السحاب، متوجهة نحو الضواحي الجبلية الراقية والمعزولة حيث يقع المعقل الرئيسي لإمبراطورية سليم. داخل السيارة، كان الصمت ثقيلاً، خانقاً، ومحملًا بالتوتر. كان سليم يجلس في الخلف بجانب كاميليا، وعيناه مائلتان نحو النافذة يراقب الطريق، لكن عقله كان مشغولاً بتحليل هذه الفتاة التي تجلس بجانبه بكامل كبريائها وهدوئها وكأنها ذاهبة إلى حفلة تكريم وليست إلى عرين أسد مجروح. من جهتها، كانت كاميليا تنظر إلى الأمام بثبات، تجمع شتات أفكارها وتستعد للمرحلة القادمة؛ لقد خطت الخطوة الأولى والآن لا مجال للتراجع. عند وصولهما، تباطأت سرعة السيارة أمام بوابات حديدية عملاقة شاهقة الارتفاع، فُتحت تلقائياً بعد أن تعرّف الحراس على هوية السيارة. كان القصر أشبه بقلعة حصينة من العصور الوسطى ممتزجة بالمعمار الحديث، تحيط به أسوار خرسانية عالية وكاميرات مراقبة تتحرك في كل اتجاه، بالإضافة إلى رجال مدججين بالأسلحة الأوتوماتيكية ينتشرون في كل زاوية من الحديقة الشاسعة. توقفت السيارة أمام المدخل الرئيسي الفخم للقصر. ترجل السائق بسرعة وفتح الباب، فنزل سليم بهيبته المعتادة وتبعته كاميليا بخطوات واثقة، متزنة، مرتدية فستانها الأسود الطويل الذي كان يتمايل مع خطواتها وكأنه يعلن بداية عهد جديد في هذا المكان. دخلا إلى البهو الواسع للقصر، حيث الثريات الكريستالية الضخمة المتدلية من السقف العالي تعكس الضوء الباهر على الأرضيات الرخامية الإيطالية البيضاء المقلمة بالأسود. تقدم أحد الخدم في صمت تام، خلع سليم معطفه الطويل وسلمه له روتينياً، ثم التفت بكامل جسده نحو كاميليا. وضع يديه في جيبي بنطاله، ونظر إليها بنظرة حادة وباردة، ثم قال بصوت مسموع: — "مرحباً بكِ في عالمي الجديد يا كاميليا. هنا ستكونين آمنة من أعدائك، لكن تذكري دائماً قواعد القصر. جناحك الخاص يقع في الطابق العلوي، في نهاية الممر الأيمن، وهو منفصل تماماً ومستقل عن جناحي الخاص الذي يقع في الممر الأيسر. تذكري جيداً ما وقعنا عليه قبل قليل: نحن شركاء وحلفاء خلف هذه الأبواب المغلقة، وزوجان عاشقان أمام الكاميرات، الصحافة، والأعداء الذين يتربصون بنا في الخارج. أي خطأ في تمثيل الدور قد يكلفنا الكثير". نظرت كاميليا حولها، تفحصت المكان بعينيها الذكيتين، واستشعرت الفخامة والقوة التي تنبعث من كل ركن في هذا القصر. ثم التفتت إليه، اقتربت منه خطوة واحدة، ونظرت في عينيه بنبرة صوت حادة وثاقبة كالشفرة: — "لا داعي لتذكيري بالقواعد في كل مناسبة يا سيد سليم. لستُ طفلة ولستُ هنا لأبحث عن دفء عائلي أو حب مفقود. لقد جئت إلى هنا ووقعت على هذه الصفقة لسبب واحد فقط: أخذ ثأر عائلتي وسحق من دمروا حياتي. وطالما أنك تلتزم بحمايتي وتوفير النفوذ لي، سألتزم بدوري وبكل شروط العقد حتى النهاية. لكن لا تظن أبداً أن هذه الجدران أو حراسك يمكنهم أن يقيدوا حريتي أو يكسروا كبريائي". استدارت كاميليا بكل ثقة، وامسكت أطراف فستانها الأسود بيدك، وصعدت الدرج الملكي الرخامي بخطوات ثابتة ورأس مرفوع، دون أن تنظر خلفها ولو لمرة واحدة. وقف سليم في أسفل الدرج، يراقب طيفها وجسدها وهو يبتعد ببطء حتى اختفت في الممر العلوي. ظل واقفاً مكانه لعدة دقائق، ينظر إلى الفراغ بشعور غريب يداعب عقله المنطقي الصارم. هذه الفتاة ليست كباقي النساء اللواتي التقاهن في حياته؛ ليست ضعيفة، لا تبكي، ولا تسعى وراء ماله أو وسامته، بل تملك روحاً متمردة وقوة مرعبة تجذبه نحوها رغماً عن إرادته ومنطقه. لقد بدأت الحرب الباردة والمثيرة تحت سقف واحد، وسليم بدأ يشعر أن هذه الصفقة قد تكلفه أكثر بكثير مما خطط له في أوراقه.الجزء الخامس والثلاثون: مَحَاقُ الأَقْنِعَةِ وَنَذِيرُ العَهْدِ الدَّمَوِيِّ الجَدِيد جمدَ الصقيعُ الأمريكيُّ الدماءَ في الأوردةِ المشحونةِ، وانشطرَ فضاءُ الطابقِ المئةِ في ناطحةِ سحابِ وول ستريت إلى شظايا نفسيةٍ حارقةٍ تخطَّتْ أهوالَ معاركِ الجسدِ. الأمُّ الروحيةُ.. الملاذُ الدافئُ الوحيدُ الذي تلمّستْ فيهِ كاميليا طهرَ الحياةِ بعيداً عن بركِ دماءِ المافيا، هي العقلُ المدبرُ القديمُ لمنظمةِ الأقنعةِ الذهبيةِ؟! هي من نسجتْ خيوطَ المقصلةِ التي حصدتْ إمبراطوريةَ ليلى وصخرِ الصخرِ؟! انفتقتْ بؤرةُ الغدرِ عن حقيقةٍ بربريةٍ قاسيةٍ جعلتْ كبرياءَ النمرةِ الغجريةِ يتداعى كأوراقِ الخريفِ تحتَ ضرباتِ هاد الإفلاسِ العاطفيِّ الكونيِّ، بينما ظلَّ العدادُ التنازليُّ لـ بروتوكولِ "القيامةِ الرقميةِ" يبثُّ تكاتِهِ الأخيرةَ والمميتةَ؛ خمسٌ وخمسونَ ثانيةً تفصلُ العرشَ الصخريَّ عن التحولِ إلى غبارٍ يحترقُ في سماءِ مانهاتن. لم يكنْ لدى سليم ثانيةٌ واحدةٌ ليرتدَّ فيها طرفُهُ أو يهتزَّ فيها يقينُهُ الهوسيُّ؛ فالشرائعُ بالنسبةِ لزعيمِ آل الصخرِ تُصنعُ بالحديدِ والنارِ، والكونُ الذي لا يتمحورُ حولَ تملُّ
الجزء الرابع والثلاثون: صَخَبُ المَانْهَاتِن وَمَحْرَقَةُ الأَقْنِعَةِ الذَّهَبِيَّةِ المَلْعُونَةِ شقتِ الطائرةُ النفاثةُ العابرةُ للقاراتِ جدارَ الضبابِ الكثيفِ الممتدِ فوقَ المحيطِ الأطلسيِّ، لتبصقَ وحشَ إمبراطوريةِ الصخرِ ونمرتَهُ الغجريةَ في سماءِ نيويورك، حيثُ تتطاولُ ناطحاتُ سحابِ مانهاتن كخناجرَ إسمنتيةٍ باردةٍ تطعنُ وجهَ السماءِ. الخيانةُ هاد المرةَ لم تأتِ من قاعِ الجريمةِ المعتادِ، بل ارتدتْ ثوبَ السُّلطةِ والنفوذِ الدوليِّ؛ الجنرالُ غالي، الحليفُ الذي عهدوا إليهِ بأسرارِ حركتِهم، خلعَ قناعَ الولاءِ العسكريِّ ليرتدي قناعَ "الأقنعةِ الذهبيةِ" الملعونِ، واضعاً يدَهُ القذرةَ على رَقَبَةِ "الأمِ الروحيةِ".. المرأةِ التي شكّلتْ حِصنَ كاميليا العاطفيَّ وملاذَ أنوثتِها الجريحةِ. فكرةُ أنَّ تلك السيدةَ العجوزَ تُسامُ سوءَ العذابِ في معاقلِ النفوذِ الأمريكيِّ أشعلتْ في عروقِ النمرةِ غريزةَ إبادةٍ لا ترحمُ، بينما تحوَّلَ هوسُ سليم التملكيُّ إلى طاقةٍ بربريةٍ قادرةٍ على دَكِّ قلاعِ نيويورك الماليةِ فوقَ رؤوسِ قاطنيها. في الجناحِ السريِّ الفاخرِ للطائرةِ، والتي هبطتْ في مدرجٍ مهجو
الفصل الثالث والثلاثون: صَخَبُ الأَنْفَاسِ المَثْقُوبَةِ وَسِيَادَةُ العَرْشِ المَفْتُوحغادرتْ طائرةُ الشحنِ النفاثةُ العابرةُ للقاراتِ الأجواءَ الروسيةَ المُتجمّدةَ، مخلفةً وراءَها رمادَ "قصرِ الثلجِ الأسودِ" وجثةَ الفلاديمير بتروف التي تجمّدتْ قبلَ أن ترتدَّ في قاعِ المنحدرِ السيبيري. انتهتْ معركةُ الرصاصِ السريعِ، لكنَّ الجحيمَ النفسيَّ والدراما العائليةَ الحادّةَ التي فجّرتها وثائقُ النَّسَبِ المشبوهِ كانتْ لا تزالُ تغلي كالحممِ البركانيةِ داخلَ الجناحِ الملكيِّ الطائرِ. كانتِ الأجواءُ هاد الليل يلفّها غموضٌ كونيٌّ قاتمٌ؛ فالأمطارُ التي تحوّلتْ إلى بلوراتِ ثلجٍ خلفَ النوافذِ الكريستاليةِ للطائرةِ، كانتْ تعكسُ عُمقَ الشكِ الوجوديِّ الذي أصابَ روحَ كاميليا المتمردةِ بعدَ معرفةِ أنَّ دماءَ ليلى المنصوري وبتروف قد تكونُ القاسمَ المشتركَ بينَها وبينَ وحشِها وآسرِ قلبِها سليم.في ركنِ الجناحِ المحميِّ بنظامِ تكييفٍ حراريٍّ دافئٍ، كانَ الصغيرُ "سيف" نائماً في مهدِهِ الإلكترونيِّ الجديدِ، ونبضاتُ قلبِهِ المستقرةُ تُسجّلُ على الشاشاتِ الرقميةِ باللونِ الأخضرِ الفاتنِ. ورغمَ استعادةِ الض
فصل الثاني والثلاثون: مَذْبَحَةُ الحَقِيقَةِ المَلْعُونَةِ وَأَنْفَاسُ الجَحِيمِ الأَخِيرنزلتْ صدمةُ النَّسَبِ المشبوه كصخرةٍ صمَّاءَ هوتْ من أعالي السمواتِ لتسحقَ ما تبقَّى من عقلِ سليم وكاميليا في ذلك القبوِ السيبيري المظلم. ليلى المنصوري وبتروف هما الوالدان الحقيقيان لهما الاثنين؟! أخوةٌ بالدمِ والروحِ وعشاقٌ بالجسدِ والشهوةِ المرضية؟! الفكرةُ وحدها كانتْ كفيلةً بنسفِ شرعيةِ العرشِ الكوني الذي بنياه، وتدميرِ نقاءِ دماءِ طفلِهما سيف الذي يربطه الموتُ الآن بقنابلَ موقوتةٍ على بُعدِ طوابقَ قليلةٍ منهما. لكنَّ هوسَ التملُّكِ الشرسَ وجنونَ العشقِ الذي تحدَّى القاراتِ لا يعرفُ التراجعَ؛ فالشرائعُ تنهارُ والنظرياتُ الجينيةُ تسقطُ حين يثورُ وحشُ صخرةِ آل الصخرِ دفاعاً عن مهدِ أنثاه وضناه.التفتَ سليم نحو كاميليا التي كانتْ أنفاسُها الغجريةُ تتصاعدُ لاهثةً، وعيناها الفاتنتان تشعَّان بذعرٍ كونيٍّ ودموعِ ذهولٍ جمدَّتْ ملامحَها الساحرةَ. قبضَ على كتفيها العاريين بقوةٍ بربريةٍ عاتيةٍ، ساحباً إياها بعنفٍ لاهثٍ نحو صلابةِ صدرِهِ العاري الملطخِ بدماءِ قائدِ الأشباحِ البيضاءِ، ونظرَ في عينيها بع
الجزء الحادي والثلاثون: صَقِيعُ مُوسْكُو وَمَحْرَقَةُ الشَّبَقِ العَائِلِيِّ الثَّائِرِ لم تكن السموات الاسكتلندية التي ابتلعت طائرة الشحن الروسية الخاطفة سوى ستارة سوداء أُسدلت على جحيم "جزيرة سكاي" لتفتح جحيماً قادماً من قلب القارة العجوز. الخيانة هاد المرة لم تكن رصاصة طائشة، بل كانت طعنة جينية ونفسية مسمومة شطرت كيان كاميليا وسليم؛ "سيف"، مهد تلاحمهما الجسدي الخالد، طار في جنح الليل نحو موسكو، ليكون القربان والرهينة الكبرى تحت يد زعيم المافيا الروسية الأكبر والوالد المفترض لسليم. غريزة الأمومة الكاسرة لدى النمرة الغجرية تحولت إلى بركان مستعر مستعد لإشعال الثلوج السيبيرية، بينما انطلق هوس سليم التملكي ليخترق حاجز الجنون؛ فكرة أن ابنه في قبضة رجل يدّعي أبوّته ويريد تفكيك عرشه جعلت ملامحه الفولاذية تتحول إلى قناع من الدم والوعيد الحتمي. على متن الطائرة النفاثة الأسرع من الصوت، والمعزولة كلياً ضد الرادارات العسكرية للدول، كانت الأجواء تفيض بـزمهرير عاطفي حاد وشغف جارف امتزج بحمى الانصهار التي تسبق المجازر. كانت كاميليا تقف أمام منضدة التخطيط اللولبية، وجسدها الممشوق ملفوف ببدلتها
الفصل الثلاثون: هِيَامُ الرَّجْفَةِ المَلْعُونَةِ وَحِصَارُ الشَّمَالِ العَاتِينزلتْ كلماتُ مريم المنصوري فوق المنحدر الصخري لاسكتلندا كصواعقَ من الجمر الحارق، لتشطر سماء "جزيرة سكاي" وتذيب كبرياء العرش الهوسي الذي بناه سليم الصخر بالدم والحديد. الرعد صمّ الآذان، لكن الصدى الأكثر رعباً كان يدوي في عروق كاميليا التي شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها الفاتنتين. سليم.. الوحش الذي استسلمت لشهوته التملكية الشرسة، والرجل الذي طبعت شفتيه خريطة نفوذها، ليس ابناً لـ "صخر الصخر"؟ بل هو سليل زعيم المافيا الروسية القابع في صقيع موسكو؟ الشك عاد ليتسلل كالأفعى بين شظايا عشقهم المرضي، مهدداً بتحويل ليالي الشغف والانصهار الجسدي إلى خطيئة دولية كبرى دبرتها أصابع "ذئاب الشمال".كان سليم يقف بكامل ضخامته وقامته الهائلة وسط الأمطار الغزيرة، وعيناه الصقريتان تشتعلان ببريق وحشي أحمر كاد يخترق الضباب الكثيف المحيط بالقلعة. لم ترف له عين، ولم يتراجع إنشاً واحداً أمام عودة "أولاف الفايكينج" وشقيقة أنثاه مريم، لكن عروق عنقه وجبينه برزت كحبال غليظة تنضح بغضب بربري تملكي منفلت. فكرة أن نسبه هويته، وحتى دماء العا