Share

صفير الجبال
صفير الجبال
Author: حارس الميثاق

ما تحت الرماد

last update publish date: 2026-08-22 11:41:40

# الفصل الأول: ما تحت الرماد

## مقدمة

كلُّ حكايةٍ تبدأ من نقطةٍ واحدة: رجلٌ يظنُّ أنه يستطيع حماية من يحب.

يظنُّ أن الحب يكفي، وأن الصبر يكفي، وأن الصمت، إذا طال بما يكفي، قادرٌ على شراء الأمان.

لكن العالم لا يُصغي لمن يتوسلون بهدوء. يُصغي لمن يملكون الجرأة على كسر شيءٍ لا يمكن إصلاحه.

وبين رجلٍ يحاول أن يحمي، ورجلٍ يجرؤ أن يكسر، تُكتب الحكايات الكبرى.

وهذه... واحدةٌ منها.

## وادي العقيق

"ابدأ حيث يبدو كل شيءٍ ساكنًا، وقف حيث يسير العالم في الاتجاه المعاكس."

"هل سنقف متفرجين وهم يلتهموننا؟" اشتعل الغضب في صوت أسر. "إلى متى يا أبي؟"

رفع وليد بصره إليه بهدوء.

"أنا أسمعك."

أشار أسر إلى الوادي الممتد أمامهما بيدٍ مرتجفة.

"كم رجلاً دفنّا هذا الشهر وحده؟ وهو لا يزال يطلب المزيد."

قطع وليد كلامه بنبرة حازمة:

"سئمت هذا التذمر. ماذا تريد؟ حربًا؟ حصارًا؟ أم موتًا محتومًا؟"

ساد صمتٌ ثقيل، ثم خفض وليد عينيه إلى الأرض.

"اعرف حجمك... واعرف حجم هذا الوادي. عشرون عامًا في هذا المنصب، وما مرّ عليّ صباحٌ ولا مساء إلا وفكرت في كل حرفٍ تقوله الآن."

تنهد بصوتٍ أثقل من الجبال:

"وفي كل مرة، النتيجة نفسها: أي قرارٍ متهور يعني موت آلافٍ في هذا الوادي."

قال أسر دون أن يخفض عينيه:

"إذًا سيكونون شهداء. لن يذهب دمهم سدى."

تجمد وليد في مكانه. التفت إليه ببطء، وكانت في عينيه نارٌ لو خرجت لأحرقت الميثاق بأكمله.

أمسك بمؤخرة رأس أسر بعنف، وجذبه حتى كادت جباههما تتلامس.

"اسمعني جيدًا." همس بصوتٍ أشد رهبة من الصراخ. "أقسمتُ أن أحمي شعبي. لست بحاجة أن أموت بطلاً، بل أن يعيش شعبي يومًا آخر."

صمت لحظة، ثم خفتت نبرته:

"يؤسفني أنك لن تفهم هذا الآن."

أفلت رأسه، ودفعه خطوة إلى الخلف، ثم انفجر كل ما كان يكتمه:

"اغرب عن وجهي!"

استدار أسر وغادر القاعة بخطواتٍ غاضبة.

لم يكن أسر رجل الصوت العالي. من عرفه صغيرًا يعرف أن غضبه، حين يظهر، لا يشبه غضب الآخرين --- لا يأتي كل يوم، لكنه حين يأتي، لا يترك خلفه شيئًا سليمًا.

دخل راكان في اللحظة التي تجاوز فيها أسر العتبة.

ضاقت عيناه وهو يراقبه يبتعد، وشدّ فكّه لحظة، ثم التفت إلى أبيه بوجهٍ هادئ مصطنع.

"ماذا حدث له؟"

حاول وليد استعادة هدوئه.

"دعه... وتعال. كنت أبحث عنك."

اقترب راكان.

"أريدك أن ترسل في طلب العم طه. أريده هنا بأسرع وقت."

"وهل أرسل في طلب شيوخ القرى الأخرى أيضًا؟"

هزّ وليد رأسه.

"لا. العم طه يكفيني. غدًا."

حبس راكان نفَسًا قصيرًا، ونظر إلى الأرض لحظة قبل أن يجيب.

"حاضر."

وقبل أن يكمل وليد حديثه، اندفع أحد الحراس إلى القاعة، منحنيًا باحترام.

"سيدي وليد، اعذرني على المقاطعة."

"تحدث."

"وصل أحد حراس الحدود الشرقية. يقول إنه رأى قوافل تقترب من عبور النهر."

تغيرت ملامح وليد.

"أي رايات؟"

ابتلع الحارس ريقه.

"رايات السيوف الثمانية... رايات الملك."

ساد الصمت. التفت وليد نحو النافذة، يحدق في الوادي الممتد أمامه، وهمس بكلماتٍ لم يسمعها أحد سواه:

"ماذا تُخفي لنا هذه المرة؟"

انحنى راكان برأسه ثم غادر، وأغلق الباب خلفه بهدوء.

بقي وليد وحده، يحدق من النافذة في الوادي الذي حمل اسمه، وحمل همومه معًا.

كان وادي العقيق مكانًا لا يعرف الرحمة. تحيط به الجبال من كل جانب كأنها أسوارٌ عملاقة سجنت من وُلد فيه، فلا يرى العالم إلا من خلال ممراتٍ ضيقة تشقّ الصخور.

في أعماق تلك الجبال نامت عروق الحديد والنحاس، ومنها عاش أهل الوادي عشرات السنين، ومنها أيضًا بدأ هلاكهم.

قبل شروق الشمس، كانت صفارات المناجم توقظ الرجال. يهبطون إلى باطن الأرض، ولا يعودون إلا مع حلول الليل، يحملون على أكتافهم خام الحديد، وتحمل أجسادهم آثار تعبٍ لا يراه أحد.

كان الموت في المناجم أمرًا مألوفًا: صخرة تنهار، أو نفق يختنق، أو جسدٌ لم يعد يحتمل يومًا آخر من العمل. ومن نجا من ظلمة المناجم، فقد ينتظره الموت خارجها؛ ففي الغابات المحيطة بالوادي كانت الوحوش المتحورة تجوب الأرض مع حلول الليل، حتى أصبح خروج الصيادين رحلةً لا يعود منها الجميع.

ورغم كل ذلك، لم تتوقف مطالب المملكة. كل شهرٍ تزداد الضرائب، وكل عامٍ يُطلب حديدٌ أكثر، حتى أصبح أهل الوادي يعملون ليبقوا أحياء، لا ليعيشوا.

لم يكن وليد الرعد يخشى الفقر، ولا الوحوش، ولا حتى الجبال. كان يخشى اليوم الذي يدرك فيه شعبه أن الموت قد يصبح، في نظرهم، أهون من الحياة.

## الجانب الآخر من النهر

على الجانب الآخر من النهر، حيث تبعد المسافة عن الوادي مسيرة يومٍ ونصف، توقف الملك وحاشيته للتخييم، إذ سبقهم الليل إلى الوادي.

"اللعنة عليكم!"

دوّى صوت العجوز في ذلك المساء، حتى ارتد صداه بين الجبال.

"لن يغفر لكم الرب! سيكون الجحيم داركم الأبدي!"

كان الرجل قد حاول الفرار من الوادي مع بناته الثلاث، لكن حراس الميثاق أدركوه قبل أن يبلغ النهر.

ابتسم همام ابتسامةً باردة، واستل سيفه.

"الفرار من الواجب... عقابه معروف."

انغرس النصل في صدر العجوز. تهاوى جسده على الأرض، بينما انطلقت صرخات بناته تمزق سكون الوادي.

التفت سيف الضياء نحو همام بغضبٍ عارم:

"يا همام! ماذا فعلت أيها المتغطرس؟"

رفع همام كتفيه بلا اكتراث.

"نفذت واجبي. هرب من الحفر، فأرسلته إلى مكانٍ لن يحفر فيه بعد اليوم."

اقتربت الابنة الكبرى بخطواتٍ مرتجفة، وبصقت في وجه همام.

"اللعنة عليكم وعلى الملك! هذه أرضنا، وأنتم مجرد غزاةٍ يقفون فوقها!"

تغير وجه سيف الضياء. استل سيفه بسرعةٍ خاطفة، كأنه شقّ الضباب نفسه، ولم تمضِ سوى لحظة حتى تدحرج رأس الفتاة على التراب.

أما البنتان الأخريان، فلم تمنحهما سيوف همام ورجاله فرصة للصراخ طويلًا.

دخل سيف الضياء خيمة الملك بعدما نظّف سيفه من الدماء.

"سيدي الملك..." انحنى احترامًا. "قيل لي إنها المرة الثالثة عشرة هذا الشهر."

كان الملك جالسًا وحده في الظلمة، وكأنه يجد فيها ما لا يجده في أي مكانٍ آخر. نهض ببطء.

"لطالما كان وليد متساهلًا. أظن أن لدينا الكثير لنتحدث عنه معه هذه المرة."

أخذ نفسًا عميقًا.

"لا أظن أهل الوادي نسوا بعد ما جرى قبل سبعةٍ وعشرين عامًا. حان الوقت أن نرخي القبضة قليلًا."

"سيدي، ألا يجب أن نفكر بطريقةٍ تجعل أهل الوادي يتخلصون من الشياطين التي تتسلل من واديهم؟"

تحرك الملك نحو درعه.

"تعال إلى هنا يا سيف، لا تقف بعيدًا، وأشعل هذا السراج."

تقدم سيف وأشعل السراج، بينما كان الملك يكتب رسالة.

"أريدك أن ترسل هذا الأمر إلى والدك. أريده هنا غدًا قبل المغيب."

"أمرك، يا جلالة الملك."

وبينما كان الملك وحارسه يتحدثان، كان ظلٌّ خفيف يتحرك في أرجاء الخيمة بخفةٍ لا يلحظها أحد.

"أريد زيارة الوادي هذه المرة. سأكون رحيمًا بهم، خاصة أنهم ساعدونا كثيرًا في الفترات الماضية."

"أنت أعلم مني يا جلالتك..."

استقر الليل على المعسكر، والنيران تتراقص بهدوء بين الخيام، حين بدأ شيء ما يتغيّر في الصمت نفسه.

توقف صهيل الخيول فجأة. لم يعد هناك صوت حشرات، ولا حفيف ريح، كأن الوادي نفسه حبس أنفاسه.

لاحظ أحد الحراس الأمر أولاً. توقف في مكانه، وأدار رأسه ببطء نحو الظلام خلف آخر خيمة.

"هل سمع أحدكم ذلك؟"

لم يجبه أحد. ثم جاء الصوت: صفير خافت، بعيد، يتردد بين الصخور وكأنه يبحث عن اتجاه.

"إنهم الظلال! تشكلوا... بسرعة!"

انطلق الصراخ، وبدأ الحراس يتجمعون بفوضى قبل أن تكتمل صفوفهم. بعضهم لم يجد وقتًا ليلبس درعه كاملاً، وبعضهم أمسك سيفه بيدٍ ترتجف.

استدار سيف بسرعة، فإذا بغلامٍ صغير يقف عند مدخل الخيمة، عيناه فارغتان كأنهما لا تريان شيئًا أمامهما. لم يدرك ما يحدث إلا بعدما اندفع الغلام نحوه بسكين، فأصاب قدمه.

نظر الملك بصدمة، بينما سحب الغلام سكينه محاولًا توجيه ضربةٍ ثانية قاتلة، لكن سيف أمسك نصل السكين بيده العارية رغم الألم، وحدّق في الفتى بعينٍ غاضبة، وأغمض الأخرى من شدة الوجع.

لم يجد الفتى سوى الفرار، مختفيًا بين الخيام بسرعة لا تشبه سرعة طفل.

"احموا الملك! تجمّعوا!"

بالكاد اكتمل الجدار البشري حول خيمة الملك حين انشق الظلام عن أول الوحشين.

لم يكن ما رآه الجنود شكلاً واضحًا في البداية؛ ظلٌّ طويل يتحرك بسرعة غير طبيعية بين الخيام، يقلب كل ما يعترض طريقه. ثم، في ومضة ضوء النار، ظهر الوجه: بشري في أصله، لكن الفك ممتد أكثر مما ينبغي، والعينان بلا بياض.

اصطدم بالجدار البشري بقوةٍ كأن شجرةً عملاقة سقطت عليهم. تناثر الجنود كأوراقٍ أمام عاصفة، وسقط ثلاثة منهم دفعة واحدة، أحدهم لم ينهض ثانية.

أطلق الوحش صفيرًا حادًا يخترق الأذن، وكأنه ينادي شيئًا آخر.

جاءه الرد من الجهة المقابلة: صفير ثانٍ، أعمق، أقرب.

"إنه ليس وحيدًا!" صرخ أحد الجنود، وهو يتراجع بخطواتٍ مرتبكة.

اندفع همام بسيفه نحو الوحش الأول، لكنه راوغه بخفة لم يتوقعها أحد، والتف خلفه في أقل من ثانية. لم يجد همام وقتًا للالتفاف قبل أن تنغرس مخالب الوحش في كتفه، فصرخ وتراجع، والدم يسيل بين أصابعه.

"استل سيفه!" صاح حكمت، محاولًا تنظيم الصفوف المتناثرة. "لا تتركوه يقترب!"

لكن الفوضى كانت أسرع من الأوامر. جندي حاول الهرب فداسته أقدام رفاقه. آخر أطلق سهمه في الظلام دون أن يميز هدفًا، فأصاب كتف رفيقه بدلاً من الوحش.

استل سيف الضياء سيفه، ورغم الألم في قدمه، اندفع نحو الوحش الأول، وغرسه في قلبه بضربة واحدة حاسمة. تجمد الوحش للحظة، وكأن الموت تأخر ليتأكد من نفسه، قبل أن ينهار، ليكتشف الجميع أن تحت ذلك الوجه المشوّه كان إنسانًا.

لم يكن هناك وقت للصدمة.

الوحش الثاني كان قد وصل إلى فرقة همام، ولم يترك منها من يقف على قدميه.

"أيها الرماة، أطلقوا!" صرخ حكمت.

انطلقت السهام كالمطر، لكنها لم تصبه؛ كان يقفز من خيمةٍ إلى أخرى بسرعةٍ خاطفة، يمزق القماش، ويسقط خيامًا بأكملها فوق من بداخلها.

انتزع سيف الضياء رمحًا من أحد الجنود الساقطين، وألقاه بكل قوته، ليستقر في صدر الوحش. توقف الوحش لحظة فقط، لحظة ظن فيها الجميع أن الأمر انتهى، ثم رفع رأسه، وأطلق صرخةً مدوية هزّت المعسكر بأكمله، قبل أن يندفع نحو أقرب جندي بسرعة تفوق قدرة العين على التتبع.

لم يجد الجندي وقتًا للصراخ. غرس الوحش أنيابه في عنقه، وسال الدم بغزارة، وسقط بلا حراك، بينما وقف من حوله مذهولين، عاجزين حتى عن رفع أسلحتهم.

في تلك اللحظة، وبينما كانت الفوضى في ذروتها، والصراخ يتقاطع مع صليل السيوف وصهيل الخيول الهاربة، خرج الملك عمران من خيمته.

لم يصرخ. لم يتراجع.

التقط السراج المشتعل بيدٍ ثابتة، وسار نحو الوحش بخطى لا تشبه خطى رجلٍ يواجه الموت، بل خطى رجلٍ تعب من الانتظار.

قذف السراج في وجه الوحش.

اشتعلت النيران في جسده دفعة واحدة، وارتفع صراخه فوق كل صوت آخر في المعسكر، صراخ لم يعد فيه شيء من الوحش ولا من الإنسان الذي كانه، حتى سقط أخيرًا، والنار تلتهم ما تبقى منه.

ساد صمت ثقيل، لا يقطعه سوى أنين الجرحى وفحيح النار.

استدار الملك، ودخل خيمته بهدوء، ثم قال بصوتٍ أخذ يعلو مع كل كلمة حتى امتزج بالغضب والصراخ:

"نظّفوا فوضى وليد...

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • صفير الجبال    دماء الغابة

    الفصل الرابع والعشرون: دماء الغابةفي فجر اليوم التالي، كان الضباب لا يزال معلقاً فوق قرية العم طه حين خرج أنس من خيمته، ومشى بين الرجال النائمين. لم يكن قد نام أكثر من ساعتين، لكن جسده اعتاد على هذا النوع من التعب. توقف عند النار التي كانت قد تحولت إلى رماد، ونظر إلى الغابة البعيدة التي كانت لا تزال مظلمة.كان قد اتخذ قراره قبل أن تشرق الشمس. سيختار عشرة رجال، لا أكثر. لن يأخذ جيشاً، لأن الجيش يجذب الانتباه. سيأخذ من يعرف كيف يصمت، ومن يعرف كيف ينتظر.مرّ بين الخيام، ونظر إلى الوجوه النائمة. كان بعضهم قد جرح في المعركة السابقة، وبعضهم كان لا يزال يحمل آثار الحروق. توقف عند رجل كان جالساً بعيداً عن النار، يصقل سيفه بحجر."لم تنم؟" سأل أنس.رفع الرجل رأسه. كان في الثلاثين، نحيلاً، بعينين هادئتين لا تكشفان شيئاً."لا أحب النوم قبل المعركة." قال الرجل."ما اسمك؟""زيد."جلس أنس بجانبه، ونظر إلى السيف."ستأتي معي."لم يسأل زيد إلى أين، ولا لماذا. فقط أومأ، وأعاد السيف إلى غمده.---في خيمة أخرى، كان أسر قد استيقظ قبل الفجر. خرج، ووجد أنس يقف عند حافة القرية."اخترت الرجال." قال أنس دون أن

  • صفير الجبال    النار والقمح

    الفصل الثاني والعشرون: أثر النار والقمحخرج أسر من قاعة الحكم وهو لا يزال يشعر بثقل كلمات والده في صدره. المشي في أروقة القصر لم يكن يساعد على التخلص من ذلك الإحساس الغريب الذي تركته نظرة وليد الأخيرة، تلك النظرة التي حملت أكثر من اعتذار. كانت تحمل شيئاً لم يستطع تسميته، كأن والده كان ينظر إليه وفي عينيه حزنٌ لشخصٍ لم يعد موجوداً.في الفناء الخلفي، وقف أسر للحظة، ورفع وجهه إلى السماء. كانت غائمة، والهواء بارد، ورائحة التراب المبلل تشي بأن المطر قادم. أغمض عينيه للحظة، وحاول أن يرتب الأفكار التي كانت تتزاحم في رأسه.الجيش في قرية العم طه. أنس وفيصل يقودانه. والده يعتذر من دون سبب واضح. راكان يرسل القمح والتمر من الأراضي المسترجعة. والجبال... الجبال لا تزال صامتة، منتظرة.فتح عينيه، وقراره كان قد تشكل في تلك اللحظة: لن ينتظر. سيذهب إلى قرية العم طه بنفسه. ليس ليقاتل، بل ليرى بأم عينيه ما يحدث. وليرى أنساً، ويتأكد من أنه بخير.لكن قبل أن يتحرك، مرّت بباله فكرة أخرى: أمينة. تذكر البيت الصغير عند طرف السوق، والمرأة التي كانت تنظر إليه من النافذة. لم يعرف لماذا توقف عند بيتها، لكن شيئاً في

  • صفير الجبال    ما وراء الحجر

    الفصل الحادي والعشرون: ما وراء الحجر---لمن يرغب في متابعة رحلة أدهم وعابس بالتفصيل، وما سبق أن حدث لهما قبل دخولهما إلى درب القاطع، وما سيحدث لهما بعد ذلك، يمكنه قراءة أحداثهما كاملة في رواية «الحديد واللحم».---جلس وليد في قاعة الحكم، والضوء الخافت يتسلل من النوافذ العالية، يرسم خطوطاً طويلة على أرضية الحجر الباردة. كان وجهه أقل شحوباً مما كان عليه قبل أسابيع، لكن يديه ما زالتا ترتجفان فوق ذراعي الكرسي. جلس أسر أمامه، ينظر إلى والده بعينين تقرآن ما لا يقوله."لقد سمعت أن الجيش وصل إلى قرية العم طه." قال وليد، صوته أضعف مما كان، لكنه واضح."نعم." قال أسر. "أنس وفيصل يقودانهم.""وهل تعتقد أنهم مستعدون؟"فكر أسر قبل أن يجيب. كان يعرف أن والده لا يسأل عن الاستعداد العسكري فقط."مستعدون بقدر ما يستطيعون." قال أسر. "لكن الاستعداد لا يكفي أحياناً."نظر وليد إلى ابنه طويلاً، ثم قال:"أنت تتحدث كأنك تعرف شيئاً لا أعرفه.""لا." قال أسر. "لكنني بدأت أفهم أن ما لا نعرفه قد يكون أخطر مما نعرفه."صمت وليد لحظة، ثم تنهد. نظر بعيداً نحو النافذة التي تطل على طرف السوق، حيث كان البيت الصغير. توقف ن

  • صفير الجبال    ما تبقى منا

    الفصل العشرون: ما تبقى منالم يتحرك أدهم.وقف هناك، يده على مقبض سيفه، وعيناه على قائد قطاع الطرق الذي كان يقف على بعد خطوات قليلة، وسيفه مسلول، ووجهه يتقلب بين التهديد والتردد. كان الهمس قد خفت، لكن أثره بقي معلقاً في الهواء، كأن الصخور نفسها كانت تتنفس بصعوبة."ألقوا أسلحتكم." كرر قائد قطاع الطرق، لكن صوته لم يعد يحمل الثقة نفسها.نظر أدهم إلى رجاله. رأى الخوف في عيون بعضهم، والترقب في عيون آخرين. رأى عابس واقفاً إلى جانبه، سيفه نصف مسلول، وعيناه ثابتتان على العدو، لا ترتجفان.ثم نظر أدهم إلى الممر الضيق، إلى الصخور التي تحيط بهم، إلى الطريق الذي لا يبدو أن له نهاية."لا." قال أدهم، بصوت هادئ، ثم سحب سيفه في حركة واحدة.لم ينتظر رداً. اندفع نحو قائد قطاع الطرق قبل أن يكمل تفكيره، وسيفه يرسم قوساً في الهواء الضيق. اصطدم النصل بنصل آخر، وارتد الصوت بين الصخور كأنه طلق ناري."الآن!" صرخ أدهم، ورجاله تحركوا كجسد واحد.كان الممر ضيقاً، لا يتسع لأكثر من رجلين أو ثلاثة في آن واحد. هذه الميزة، التي كانت تهديداً في البداية، أصبحت الآن سلاح أدهم. قطاع الطرق لم يستطيعوا التقدم كلهم دفعة واحدة،

  • صفير الجبال    درب القاطع

    الفصل التاسع عشر: درب القاطعكانت آثار النار لا تزال دافئة حين وضع أدهم يده فوق الرماد. انحنى، وفرك بقايا الفحم بين أصابعه، ثم رفع عينيه نحو الممر المظلم أمامهم."منذ كم؟" سأل أحد الرجال."يومين، ربما ثلاثة." قال أدهم، وهو يمسح يديه من السواد. "ليست قديمة."وقف، ونظر حوله. إلى جانب بقايا النار، كانت هناك آثار أقدام متجهة إلى الأمام، وإلى الخلف أيضاً. وكأن من كانوا هنا قد ترددوا قبل أن يختاروا طريقهم."ربما مسافرون مثلنا." قال رجل آخر."مسافرون لا يتركون رماداً دافئاً دون أن يطفئوه." قال أدهم. "هؤلاء كانوا في عجلة، أو لم يهتموا إن عُثر عليهم."صمت الرجال. كان الجو بارداً، والهمس الذي سمعوه عند المدخل لم يعد، لكن شيئاً آخر حل محله: صمت أثقل، كأن الجبال نفسها كانت تنتظر.وقف أحد الرجال، واقترب من كومة صغيرة من الحجارة على جانب الممر. ركلها برفق، فانكشفت تحتها قطعة قماش ممزقة، ملطخة ببقعة داكنة.رفعها، ونظر إليها، ثم إلى أدهم."دم."اقترب أدهم، وتفحص القطعة. الدم لم يكن قديماً تماماً. مدّ أصابعه على حافة القماش، وشعر بأنها لا تزال رطبة قليلاً من برد الجبال."هم قريبون." قال أحمد، بصوته ال

  • صفير الجبال    ما تخفيه الجبال

    الفصل الثامن عشر: ما تخفيه الجبال استيقظ أدهم على صوت ضحك.لم يكن ضحكاً عالياً، بل خافتاً، كمن يحاول أن يخفي فرحته ولا يستطيع. فتح عينيه فرأى أحمد جالساً على صخرة قريبة، ينظر إلى سنجاب صغير يتسابق مع غصن يتدلى من شجرة، ووجهه — وللمرة الأولى منذ أن عرفه — ليس متجمداً في تلك الكآبة المعتادة."إنه يلعب." قال أحمد، صوته يحمل دهشة طفل. "السنجاب يلعب مع الغصن."نهض أدهم واقترب منه، ووقف إلى جانبه. نظر إلى السنجاب، ثم إلى أحمد."أتعلم؟" قال أدهم، وهو يمسح الغبار عن ثوبه. "ظننت أن الجبال فقط هي التي تجعلك تبتسم.""الجبال لا تجعلني أبتسم." قال أحمد، وعيناه لا تفارقان السنجاب. "لكن هذا... هذا مختلف."وقف أدهم صامتاً لحظة. كان يعرف أن هذه اللحظة الصغيرة، التي تبدو عادية، هي في الحقيقة علامة على شيء أكبر: أن أحمد بدأ يرى العالم ليس فقط كألم، بل كشيء يمكن أن يكون جميلاً أيضاً."هيا." قال أدهم، وربت على كتفه. "الطريق طويل، والسنجاب سيبقى هنا حين نعود."لم يتحرك أحمد. ظل ينظر إلى السنجاب حتى اختفى بين الأغصان، ثم نهض أخيراً، وتبعه إلى حيث كان الرجال يجهزون الخيول.---كان الطريق شمالياً، يمر بين تل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status