Share

ما بين الجبال

last update publish date: 2026-08-22 11:42:35

# الفصل الثاني: مابين الجبال

كانت قرية العم طه تختبئ بين وديان الجبال الوعرة، حتى إن الطريق إليها بدا وكأنه ينتهي عند الصخور قبل أن يلتف فجأةً ليكشف عن البيوت الحجرية المبعثرة بين الأشجار.

توقّف راكان يتأمل الأسوار الجديدة والأوتاد المغروسة حول أطراف القرية. لم تكن هناك من قبل.

ابتسم حين رأى العم طه يخرج لاستقباله. تعانقا طويلًا، ثم ابتعد الشيخ خطوة وهو يبتسم.

"أرى أنكم حصّنتم القرية هذه المرة."

ضحك العم طه. "أخيرًا بدأت تلاحظ."

"شيءٌ يدعو إلى الاطمئنان."

نظر إليه الشيخ لحظة، فاختفت ابتسامته.

"قل لي... ماذا جاء بك؟"

تنهد راكان. "الملك في طريقه إلى الوادي. أبي يطلب حضورك قبل وصوله."

ساد صمتٌ قصير.

"لم تطأ قدماه هذه الأرض منذ سنوات."

"ليست أرضه." أجاب راكان ببرود.

التفت إليه الشيخ. "بل هي أرضه. شاء الناس أم أبوا، فقد اعترف له الوادي بالملك قبل أن ترى النور."

شدّ راكان قبضته. "لن نسمح له بأن يأخذ المزيد منا."

حدّق فيه العم طه لحظة أطول من اللازم، كأنه يقرأ في وجهه شيئًا لم يُقَل.

"أنت تتكلم بيقين رجلٍ يملك خطة، لا رجلٍ يملك غضبًا فقط."

لم يعقّب راكان. أشاح بنظره نحو الخيول، وكأن السؤال لم يُطرح.

تنهد العم طه. "يا بني، عندما يريد الملوك شيئًا فإنهم يأخذونه، وإن احترق الجميع في الطريق."

ثم رفع صوته نحو رجال القرية: "استعدوا للرحيل."

وبينما كان الرجال يجهزون خيولهم، أخذ راكان يفتش بنظره بين الوجوه.

"أين أنس؟ لم أره."

ابتسم العم طه ابتسامةً خافتة وهو يمتطي فرسه. "الجيل الجديد لم يعد يصغي للشيوخ كما كنا نفعل."

نظر إليه راكان باستغراب.

"هذا الوادي يغلي من الداخل." تابع الشيخ. "زيارة الملك لن تكون خطرًا علينا وحدنا، بل على العالم كله."

انعقد حاجبا راكان. "العالم كله؟ ظننت أننا وحدنا من يدفع الثمن."

حرّك العم طه فرسه ببطء. "حين تبدأ العجلة بالدوران، فإنها لا تميز بين راعٍ وملك. ستسحق الجميع."

صمت قليلًا، ثم أضاف بصوتٍ أخفت: "وأظن أن عمران يعرف ذلك. لهذا جاء بنفسه."

"بعد الهدنة مع إيلار... ربما يريد أن يخفف قبضته عن الوادي." تردد لحظة. "أو ربما يريد شيئًا آخر، لا يعرفه أحد بعد."

لم يجب راكان. اكتفى بالنظر نحو الجبال، وكأنها تخفي شيئًا أكبر من ملك، وأكبر من وادٍ بأكمله.

انحدر أسر بين أزقة الوادي الضيقة، والغضب لا يزال يسري في عروقه كنارٍ لم تجد ما تحرقه بعد.

لم يكد يبتعد خطوات حتى بدأت الأصوات تناديه من كل جانب.

"أسر! هل صحيح أن الملك قادم؟"

توقفت امرأة عجوز كانت تحمل جرة ماء، ووضعتها جانبًا لتضع يدها على ذراعه.

"لا تدعهم يأخذون المزيد منا يا بني... أنت الوحيد الذي يسمعنا."

ابتسم لها أسر ابتسامةً متعبة، لكنها صادقة.

"لن أدعهم، يا خالتي. أعدك."

قبل أن يكمل طريقه، لحقه صبيان يركضان، يتشاجران على من سيحمل قربته.

"أسر! أخبرنا... هل ستقاتل الملك حقًا؟"

جثا أسر على ركبتيه، ووضع يده على كتف أحد الصبيين.

"لن أقاتل الملك اليوم." ابتسم.

خيّبت الإجابة الصغير.

"لكن اليوم سيأتي." أضاف بنبرةٍ أخف.

ربّت أسر على رأسه، ونهض، وأكمل طريقه بين الأزقة.

كان الناس يراقبونه من خلف الأبواب والنوافذ، كأنهم ينتظرون منه كلمةً تعيد إليهم شيئًا من الأمل الذي فقدوه منذ سنوات.

عند أطراف الوادي، حيث تبدأ الغابة، كان رجل يستند إلى جذع شجرة، رفع رأسه حين لمح أسر يقترب.

"تأخرت."

"وأنت ما زلت سيئ الطباع يا أنس." ابتسم أسر.

تصافحا بصمت.

"وصلني خبر زيارة الملك."

"ولهذا جئت." أومأ أسر.

تقدما بين الأشجار حتى بلغا سهلاً صغيرًا تحيط به الصخور، حيث كان أكثر من عشرين رجلاً يحملون الأقواس والرماح، يتدربون بصمتٍ يشبه صمت من اعتاد أن يُخفي وجوده.

رفع أحدهم رأسه. "أسر."

ابتسم الباقون، ثم عادوا إلى التدريب دون أن يتوقفوا طويلاً.

"كما ترى، ازداد عددنا." تفحّص أنس الرجال بعينيه.

تأملهم أسر طويلًا. بعضهم أعلن الوادي نفسه وفاته منذ سنوات بعد انهيارات المناجم. آخرون سُجّلوا على أنهم ابتلعتهم الوحوش.

لكن الحقيقة كانت غير ذلك. زُيّفت وفاتهم بترتيبٍ من راكان وأنس وأسر نفسه، بعيدًا عن علم العم طه، وبعيدًا عن علم وليد أيضًا، ليختفوا عن أعين المملكة ويعملوا في فرق الصيد السرية التي تحرس حدود الوادي.

"الصيادون القدامى."

"وليسوا صيادين فقط." أومأ أسر.

"بل النواة الأولى." ابتسم أنس ابتسامةً خفيفة.

اقترب رجل عريض الكتفين، تتناثر الندوب على وجهه.

"أنا جابر." وأشار إلى رجل أشيب خلفه. "وهذا فارس." ثم إلى شابٍ طويل يحمل قوسًا أسود. "وهذا سالم."

"وهناك نعيم، وقيس، وعروة، ومروان." أضاف أنس. "رجال أعلنت المملكة موتهم، وما زالوا يتنفسون."

نظر أسر إلى الوجوه من حوله. لم يرَ صيادين، بل رأى جيشًا لم يولد بعد.

"من اليوم، لن نتدرب على مطاردة الوحوش فقط." قال بصوتٍ هادئ.

ساد الصمت.

"سنتدرب على مطاردة الرجال أيضًا."

تبادل الصيادون النظرات. لم يبتسم أحد.

لكن شيئًا واحدًا تغيّر في تلك اللحظة: لأول مرة منذ سنوات، لم يعودوا يشعرون أنهم مجرد ناجين، بل أصبحوا مشروع قوةٍ تنتظر يومها.

## الليلة الكاملة

بعد ظهيرة ذلك اليوم، وبينما كان صدى هجوم الوحوش على معسكر الملك لا يزال حديثًا لم يبرد، وصل الرسول إلى الليلة الكاملة، حاملًا أمرًا يحمل ختم الملك.

دخل الرسول الملكي قصر آل البدر.

اقترب أحد الحراس من خالد البدر، الذي كان جالسًا بين وفودٍ قادمة من الشمال، يستمع أكثر مما يتكلم، وعيناه تتنقلان بين الوجوه وكأنه يزن كل كلمة تُقال قبل أن يسمح لنفسه بالرد عليها.

"سيدي، هناك أمرٌ عليك أن تطّلع عليه شخصيًا."

لم يستفسر خالد عن التفاصيل أمام ضيوفه. ابتسم فقط، ابتسامة رجلٍ اعتاد ألا يُظهر شيئًا قبل أوانه.

"بعد إذنكم." نهض ببطء محسوب. "لن أطيل عليكم الغياب. خذوا راحتكم، كأنكم في بيوتكم."

أوصد الباب خلفه، وتغيّر وجهه فور اختفاء الضيوف عن ناظريه.

"ماذا هناك؟"

"مبعوثٌ من الملك يحمل رسالة لك، سيدي."

"وحده؟ أم معه حراسة؟"

تردد الحارس. "وحده، سيدي."

فكّر خالد لحظة في هذا التفصيل قبل أن يتحرك، ثم أومأ لنفسه كأنه وجد فيه ما يريد معرفته.

"أين هو؟"

"في الباحة الأمامية."

تقدم خالد نحو الباحة بخطى لا تكشف استعجالاً ولا قلقًا، رغم أن يده، خلف ظهره، كانت تشتد على نفسها.

"سيدي، تفضل." انحنى المبعوث الملكي.

أخذ خالد الرسالة، ولم يفضّ ختمها فورًا. قلّبها بين أصابعه أولاً، تفحّص الختم عن قرب، ثم رفع نظره إلى المبعوث.

"متى غادر الملك موقعه عند النهر؟"

"صباح اليوم، سيدي."

هزّ خالد رأسه ببطء، وكأن هذا الجواب وحده يستحق التفكير أكثر من الرسالة نفسها.

فضّ الختم أخيرًا، وقرأها بصوتٍ يسمعه من في الباحة:

"من الملك عمران، إلى يده في أراضي الجنوب الغربي، السيد بدر: أما الآن وقد سكنت الأرض ومن عليها، وتراجع الأعداء إلى مواطنهم، فإن لدينا ما نُسوّيه من خلافاتٍ مع جيرانك. المملكة لن تتحمل هذه التوترات أكثر. أنا الآن في طريقي إلى الجسر العظيم. أريدك أن تجمع رجالك، وتكون قبلي هناك."

طوى الرسالة ببطء، وبقي صامتًا لحظة أطول مما يستدعيه أي أمر ملكي عادي.

"الجسر العظيم..." كرر الاسم لنفسه، لا للمبعوث.

التفت إلى الحارس دون أن ينظر إليه مباشرة.

"جهّز الرجال. وأرسل من يحضر لي خرائط الجنوب... كلها."

ثم، وحده، بقي واقفًا في الباحة لحظة، وعيناه على الأفق، كأنه يرى في دعوة الملك شيئًا أكبر بكثير مما كُتب في السطور.

---

## عودة إلى وادي العقيق

وصل العم طه وراكان إلى وادي العقيق مع ثلاثة رجال من القرية.

وما إن عبروا البوابة الغربية حتى انطلقت طفلة صغيرة تركض بين الأزقة، تصيح بفرح:

"راكان!"

ابتسم، وقفز عن ظهر فرسه قبل أن يتوقف تمامًا. انحنى نحوها، وهمس لها بشيءٍ لم يسمعه أحد، فضحكت بصوتٍ عالٍ. حملها بين ذراعيه وانطلق يركض بها بين البيوت، وضحكاتها تتردد في أنحاء الوادي.

تابع العم طه المشهد بابتسامة خافتة، ثم رفع بصره يتأمل الوادي. دار بعينيه بين البيوت الحجرية، والطرقات الضيقة، والجبال المحيطة، وكأنه يراه للمرة الأولى.

كان كل شيء مألوفًا. ومع ذلك بدا مختلفًا، كأن الوادي ينتظر شيئًا لا يعرف كيف يستقبله.

"راكان!" رفع صوته.

لكن الشاب لم يلتفت.

هزّ العم طه رأسه مبتسمًا، وتابع طريقه مع الرجال نحو بيت وليد.

دخل العم طه القاعة الصخرية. كان وليد واقفًا أمام النافذة، شاردًا في الجبال.

التفت عند وقع الأقدام، وما إن وقعت عيناه على العم طه حتى تبدلت ملامحه. تقدم نحوه سريعًا.

"يا ابن أخي..."

تعانقا طويلًا، حتى بدا كأن السنوات التي فرقت بين لقاءاتهما اختفت في لحظة واحدة.

ابتعد العم طه قليلًا، يتأمل وجه وليد.

"ما الذي حلّ بك؟ انظر إلى نفسك... ألا تنام؟"

ابتسم وليد ابتسامةً متعبة. "دعك مني. لدينا الكثير لنتحدث عنه." أشار إلى المقاعد الحجرية. "ما زال أمامنا يومان قبل وصول الملك."

جلس العم طه يراقب صديقه.

"أعلم. لكن أخبرني أولاً، ما الذي أثقل قلبك هكذا؟"

أطرق وليد برأسه.

"كلما خرجنا من مصيبة، وجدنا أنفسنا في ما هو أسوأ." رفع عينيه إليه. "هل سندفع ثمن أخطاء أجدادنا إلى الأبد؟"

تنهد العم طه. "هوّن عليك يا وليد. نهضنا من كوارث أشد من هذه، وسننهض مرة أخرى."

هزّ وليد رأسه ببطء. "هذه المرة مختلفة."

"كيف؟"

"الحرب انتهت." صمت لحظة. "لن يأتي الملك ليطلب رجالًا، ولا موارد مضاعفة."

ابتسم العم طه. "إذن ما الذي تخشاه؟"

اقترب وليد من النافذة. "حدسي." استدار إليه. "يقول لي إنه قادم ومعه أمرٌ سيغيّر مستقبل الوادي."

ارتفع حاجبا العم طه. "ولعلها فرصة."

ضحك وليد بمرارة. "أنت من يقول هذا يا عم." ثم أضاف: "وتعلم أن خالد البدر سيأتي معه."

اختفت ابتسامة الشيخ.

"محال أن يزدهر الوادي ما دامت أرضنا تحت وصاية ذلك الوغد." خفض وليد صوته. "لا أعلم إلى متى سأمنع هذا الوادي من الانفجار، وسحب الجميع معه إلى الهاوية."

وقبل أن يجيب العم طه، فُتح باب القاعة.

دخل راكان مسرعًا، وآثار الطريق الطويل بادية عليه، لكن عينيه كانتا تحملان بريقًا لم يحاول إخفاءه. اتجه مباشرة نحو والده ليحتضنه بقوة.

"لقد أصبحت جدًا يا أبي."

تجمد وليد للحظة، ثم ابتعد خطوة ليتأمل وجه ابنه. "ماذا تقول؟"

"ندى وضعت الليلة نفسها التي غادرت فيها إلى قرية العم طه." ابتسم راكان رغم التعب الذي أثقل ملامحه. "ولدٌ يا أبي. بخير، وهي بخير."

ساد الصمت لثوانٍ. ثم انفرج وجه وليد، واختفى عنه التعب الذي لازمه منذ أيام. احتضن ابنه مرة أخرى، وربّت على كتفه وهو يضحك لأول مرة منذ زمن.

"مبارك يا ابن أخي." ابتسم العم طه. "لهذا السبب إذن لم يكن راكان يسمعني عندما ناديته."

ضحك الثلاثة.

"سأذهب لأخبر أسر." اتجه راكان نحو الباب، وخرج مسرعًا.

تابعه العم طه بنظره وهو يبتعد، ثم ابتسم.

"انظر إليه، من شدة فرحه لم يخبرنا حتى أهو حفيد أم حفيدة." ضحك حتى غلبه السعال.

هدأت ملامحه، ونظر إلى وليد بجدية.

"أكره أن أراك حزينًا." صمت لحظة. "لكن ما يقلقني حقًا هو أسر... وأنس."

انعقد حاجبا وليد.

"لا أريدهما أن يفسدا ما سنبنيه في المفاوضات." اقترب من وليد، وخفض صوته. "اسمعني جيدًا. إن جاءك الملك بعرضٍ يبدو جيدًا، فلا تتعجل قبوله. صبرنا طويلاً، ويمكننا الانتظار قليلًا بعد."

نظر وليد إليه باستغراب.

"حديدنا صنع انتصارهم على إيلار." قال العم طه بثقة. "ولأول مرة، نحن من يملك ورقة الضغط." صمت لحظة. "وابنك أسر ذكي. اجعله إلى جانبك في المفاوضات. أعرف أن ما يجمعه بأنس يقلقني، لكن إبعاده سيجعله أخطر."

رفع الشيخ بصره نحو النافذة، حيث كانت الجبال تغرق في ضوء المغيب.

"أسأل الله فقط أن يمرّ هذا الأسبوع على خير."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • صفير الجبال    دماء الغابة

    الفصل الرابع والعشرون: دماء الغابةفي فجر اليوم التالي، كان الضباب لا يزال معلقاً فوق قرية العم طه حين خرج أنس من خيمته، ومشى بين الرجال النائمين. لم يكن قد نام أكثر من ساعتين، لكن جسده اعتاد على هذا النوع من التعب. توقف عند النار التي كانت قد تحولت إلى رماد، ونظر إلى الغابة البعيدة التي كانت لا تزال مظلمة.كان قد اتخذ قراره قبل أن تشرق الشمس. سيختار عشرة رجال، لا أكثر. لن يأخذ جيشاً، لأن الجيش يجذب الانتباه. سيأخذ من يعرف كيف يصمت، ومن يعرف كيف ينتظر.مرّ بين الخيام، ونظر إلى الوجوه النائمة. كان بعضهم قد جرح في المعركة السابقة، وبعضهم كان لا يزال يحمل آثار الحروق. توقف عند رجل كان جالساً بعيداً عن النار، يصقل سيفه بحجر."لم تنم؟" سأل أنس.رفع الرجل رأسه. كان في الثلاثين، نحيلاً، بعينين هادئتين لا تكشفان شيئاً."لا أحب النوم قبل المعركة." قال الرجل."ما اسمك؟""زيد."جلس أنس بجانبه، ونظر إلى السيف."ستأتي معي."لم يسأل زيد إلى أين، ولا لماذا. فقط أومأ، وأعاد السيف إلى غمده.---في خيمة أخرى، كان أسر قد استيقظ قبل الفجر. خرج، ووجد أنس يقف عند حافة القرية."اخترت الرجال." قال أنس دون أن

  • صفير الجبال    النار والقمح

    الفصل الثاني والعشرون: أثر النار والقمحخرج أسر من قاعة الحكم وهو لا يزال يشعر بثقل كلمات والده في صدره. المشي في أروقة القصر لم يكن يساعد على التخلص من ذلك الإحساس الغريب الذي تركته نظرة وليد الأخيرة، تلك النظرة التي حملت أكثر من اعتذار. كانت تحمل شيئاً لم يستطع تسميته، كأن والده كان ينظر إليه وفي عينيه حزنٌ لشخصٍ لم يعد موجوداً.في الفناء الخلفي، وقف أسر للحظة، ورفع وجهه إلى السماء. كانت غائمة، والهواء بارد، ورائحة التراب المبلل تشي بأن المطر قادم. أغمض عينيه للحظة، وحاول أن يرتب الأفكار التي كانت تتزاحم في رأسه.الجيش في قرية العم طه. أنس وفيصل يقودانه. والده يعتذر من دون سبب واضح. راكان يرسل القمح والتمر من الأراضي المسترجعة. والجبال... الجبال لا تزال صامتة، منتظرة.فتح عينيه، وقراره كان قد تشكل في تلك اللحظة: لن ينتظر. سيذهب إلى قرية العم طه بنفسه. ليس ليقاتل، بل ليرى بأم عينيه ما يحدث. وليرى أنساً، ويتأكد من أنه بخير.لكن قبل أن يتحرك، مرّت بباله فكرة أخرى: أمينة. تذكر البيت الصغير عند طرف السوق، والمرأة التي كانت تنظر إليه من النافذة. لم يعرف لماذا توقف عند بيتها، لكن شيئاً في

  • صفير الجبال    ما وراء الحجر

    الفصل الحادي والعشرون: ما وراء الحجر---لمن يرغب في متابعة رحلة أدهم وعابس بالتفصيل، وما سبق أن حدث لهما قبل دخولهما إلى درب القاطع، وما سيحدث لهما بعد ذلك، يمكنه قراءة أحداثهما كاملة في رواية «الحديد واللحم».---جلس وليد في قاعة الحكم، والضوء الخافت يتسلل من النوافذ العالية، يرسم خطوطاً طويلة على أرضية الحجر الباردة. كان وجهه أقل شحوباً مما كان عليه قبل أسابيع، لكن يديه ما زالتا ترتجفان فوق ذراعي الكرسي. جلس أسر أمامه، ينظر إلى والده بعينين تقرآن ما لا يقوله."لقد سمعت أن الجيش وصل إلى قرية العم طه." قال وليد، صوته أضعف مما كان، لكنه واضح."نعم." قال أسر. "أنس وفيصل يقودانهم.""وهل تعتقد أنهم مستعدون؟"فكر أسر قبل أن يجيب. كان يعرف أن والده لا يسأل عن الاستعداد العسكري فقط."مستعدون بقدر ما يستطيعون." قال أسر. "لكن الاستعداد لا يكفي أحياناً."نظر وليد إلى ابنه طويلاً، ثم قال:"أنت تتحدث كأنك تعرف شيئاً لا أعرفه.""لا." قال أسر. "لكنني بدأت أفهم أن ما لا نعرفه قد يكون أخطر مما نعرفه."صمت وليد لحظة، ثم تنهد. نظر بعيداً نحو النافذة التي تطل على طرف السوق، حيث كان البيت الصغير. توقف ن

  • صفير الجبال    ما تبقى منا

    الفصل العشرون: ما تبقى منالم يتحرك أدهم.وقف هناك، يده على مقبض سيفه، وعيناه على قائد قطاع الطرق الذي كان يقف على بعد خطوات قليلة، وسيفه مسلول، ووجهه يتقلب بين التهديد والتردد. كان الهمس قد خفت، لكن أثره بقي معلقاً في الهواء، كأن الصخور نفسها كانت تتنفس بصعوبة."ألقوا أسلحتكم." كرر قائد قطاع الطرق، لكن صوته لم يعد يحمل الثقة نفسها.نظر أدهم إلى رجاله. رأى الخوف في عيون بعضهم، والترقب في عيون آخرين. رأى عابس واقفاً إلى جانبه، سيفه نصف مسلول، وعيناه ثابتتان على العدو، لا ترتجفان.ثم نظر أدهم إلى الممر الضيق، إلى الصخور التي تحيط بهم، إلى الطريق الذي لا يبدو أن له نهاية."لا." قال أدهم، بصوت هادئ، ثم سحب سيفه في حركة واحدة.لم ينتظر رداً. اندفع نحو قائد قطاع الطرق قبل أن يكمل تفكيره، وسيفه يرسم قوساً في الهواء الضيق. اصطدم النصل بنصل آخر، وارتد الصوت بين الصخور كأنه طلق ناري."الآن!" صرخ أدهم، ورجاله تحركوا كجسد واحد.كان الممر ضيقاً، لا يتسع لأكثر من رجلين أو ثلاثة في آن واحد. هذه الميزة، التي كانت تهديداً في البداية، أصبحت الآن سلاح أدهم. قطاع الطرق لم يستطيعوا التقدم كلهم دفعة واحدة،

  • صفير الجبال    درب القاطع

    الفصل التاسع عشر: درب القاطعكانت آثار النار لا تزال دافئة حين وضع أدهم يده فوق الرماد. انحنى، وفرك بقايا الفحم بين أصابعه، ثم رفع عينيه نحو الممر المظلم أمامهم."منذ كم؟" سأل أحد الرجال."يومين، ربما ثلاثة." قال أدهم، وهو يمسح يديه من السواد. "ليست قديمة."وقف، ونظر حوله. إلى جانب بقايا النار، كانت هناك آثار أقدام متجهة إلى الأمام، وإلى الخلف أيضاً. وكأن من كانوا هنا قد ترددوا قبل أن يختاروا طريقهم."ربما مسافرون مثلنا." قال رجل آخر."مسافرون لا يتركون رماداً دافئاً دون أن يطفئوه." قال أدهم. "هؤلاء كانوا في عجلة، أو لم يهتموا إن عُثر عليهم."صمت الرجال. كان الجو بارداً، والهمس الذي سمعوه عند المدخل لم يعد، لكن شيئاً آخر حل محله: صمت أثقل، كأن الجبال نفسها كانت تنتظر.وقف أحد الرجال، واقترب من كومة صغيرة من الحجارة على جانب الممر. ركلها برفق، فانكشفت تحتها قطعة قماش ممزقة، ملطخة ببقعة داكنة.رفعها، ونظر إليها، ثم إلى أدهم."دم."اقترب أدهم، وتفحص القطعة. الدم لم يكن قديماً تماماً. مدّ أصابعه على حافة القماش، وشعر بأنها لا تزال رطبة قليلاً من برد الجبال."هم قريبون." قال أحمد، بصوته ال

  • صفير الجبال    ما تخفيه الجبال

    الفصل الثامن عشر: ما تخفيه الجبال استيقظ أدهم على صوت ضحك.لم يكن ضحكاً عالياً، بل خافتاً، كمن يحاول أن يخفي فرحته ولا يستطيع. فتح عينيه فرأى أحمد جالساً على صخرة قريبة، ينظر إلى سنجاب صغير يتسابق مع غصن يتدلى من شجرة، ووجهه — وللمرة الأولى منذ أن عرفه — ليس متجمداً في تلك الكآبة المعتادة."إنه يلعب." قال أحمد، صوته يحمل دهشة طفل. "السنجاب يلعب مع الغصن."نهض أدهم واقترب منه، ووقف إلى جانبه. نظر إلى السنجاب، ثم إلى أحمد."أتعلم؟" قال أدهم، وهو يمسح الغبار عن ثوبه. "ظننت أن الجبال فقط هي التي تجعلك تبتسم.""الجبال لا تجعلني أبتسم." قال أحمد، وعيناه لا تفارقان السنجاب. "لكن هذا... هذا مختلف."وقف أدهم صامتاً لحظة. كان يعرف أن هذه اللحظة الصغيرة، التي تبدو عادية، هي في الحقيقة علامة على شيء أكبر: أن أحمد بدأ يرى العالم ليس فقط كألم، بل كشيء يمكن أن يكون جميلاً أيضاً."هيا." قال أدهم، وربت على كتفه. "الطريق طويل، والسنجاب سيبقى هنا حين نعود."لم يتحرك أحمد. ظل ينظر إلى السنجاب حتى اختفى بين الأغصان، ثم نهض أخيراً، وتبعه إلى حيث كان الرجال يجهزون الخيول.---كان الطريق شمالياً، يمر بين تل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status