Share

ما بين الجبال

last update publish date: 2026-08-22 11:42:35

# الفصل الثاني: مابين الجبال

كانت قرية العم طه تختبئ بين وديان الجبال الوعرة، حتى إن الطريق إليها بدا وكأنه ينتهي عند الصخور قبل أن يلتف فجأةً ليكشف عن البيوت الحجرية المبعثرة بين الأشجار.

توقّف راكان يتأمل الأسوار الجديدة والأوتاد المغروسة حول أطراف القرية. لم تكن هناك من قبل.

ابتسم حين رأى العم طه يخرج لاستقباله. تعانقا طويلًا، ثم ابتعد الشيخ خطوة وهو يبتسم.

"أرى أنكم حصّنتم القرية هذه المرة."

ضحك العم طه. "أخيرًا بدأت تلاحظ."

"شيءٌ يدعو إلى الاطمئنان."

نظر إليه الشيخ لحظة، فاختفت ابتسامته.

"قل لي... ماذا جاء بك؟"

تنهد راكان. "الملك في طريقه إلى الوادي. أبي يطلب حضورك قبل وصوله."

ساد صمتٌ قصير.

"لم تطأ قدماه هذه الأرض منذ سنوات."

"ليست أرضه." أجاب راكان ببرود.

التفت إليه الشيخ. "بل هي أرضه. شاء الناس أم أبوا، فقد اعترف له الوادي بالملك قبل أن ترى النور."

شدّ راكان قبضته. "لن نسمح له بأن يأخذ المزيد منا."

حدّق فيه العم طه لحظة أطول من اللازم، كأنه يقرأ في وجهه شيئًا لم يُقَل.

"أنت تتكلم بيقين رجلٍ يملك خطة، لا رجلٍ يملك غضبًا فقط."

لم يعقّب راكان. أشاح بنظره نحو الخيول، وكأن السؤال لم يُطرح.

تنهد العم طه. "يا بني، عندما يريد الملوك شيئًا فإنهم يأخذونه، وإن احترق الجميع في الطريق."

ثم رفع صوته نحو رجال القرية: "استعدوا للرحيل."

وبينما كان الرجال يجهزون خيولهم، أخذ راكان يفتش بنظره بين الوجوه.

"أين أنس؟ لم أره."

ابتسم العم طه ابتسامةً خافتة وهو يمتطي فرسه. "الجيل الجديد لم يعد يصغي للشيوخ كما كنا نفعل."

نظر إليه راكان باستغراب.

"هذا الوادي يغلي من الداخل." تابع الشيخ. "زيارة الملك لن تكون خطرًا علينا وحدنا، بل على العالم كله."

انعقد حاجبا راكان. "العالم كله؟ ظننت أننا وحدنا من يدفع الثمن."

حرّك العم طه فرسه ببطء. "حين تبدأ العجلة بالدوران، فإنها لا تميز بين راعٍ وملك. ستسحق الجميع."

صمت قليلًا، ثم أضاف بصوتٍ أخفت: "وأظن أن عمران يعرف ذلك. لهذا جاء بنفسه."

"بعد الهدنة مع إيلار... ربما يريد أن يخفف قبضته عن الوادي." تردد لحظة. "أو ربما يريد شيئًا آخر، لا يعرفه أحد بعد."

لم يجب راكان. اكتفى بالنظر نحو الجبال، وكأنها تخفي شيئًا أكبر من ملك، وأكبر من وادٍ بأكمله.

انحدر أسر بين أزقة الوادي الضيقة، والغضب لا يزال يسري في عروقه كنارٍ لم تجد ما تحرقه بعد.

لم يكد يبتعد خطوات حتى بدأت الأصوات تناديه من كل جانب.

"أسر! هل صحيح أن الملك قادم؟"

توقفت امرأة عجوز كانت تحمل جرة ماء، ووضعتها جانبًا لتضع يدها على ذراعه.

"لا تدعهم يأخذون المزيد منا يا بني... أنت الوحيد الذي يسمعنا."

ابتسم لها أسر ابتسامةً متعبة، لكنها صادقة.

"لن أدعهم، يا خالتي. أعدك."

قبل أن يكمل طريقه، لحقه صبيان يركضان، يتشاجران على من سيحمل قربته.

"أسر! أخبرنا... هل ستقاتل الملك حقًا؟"

جثا أسر على ركبتيه، ووضع يده على كتف أحد الصبيين.

"لن أقاتل الملك اليوم." ابتسم.

خيّبت الإجابة الصغير.

"لكن اليوم سيأتي." أضاف بنبرةٍ أخف.

ربّت أسر على رأسه، ونهض، وأكمل طريقه بين الأزقة.

كان الناس يراقبونه من خلف الأبواب والنوافذ، كأنهم ينتظرون منه كلمةً تعيد إليهم شيئًا من الأمل الذي فقدوه منذ سنوات.

عند أطراف الوادي، حيث تبدأ الغابة، كان رجل يستند إلى جذع شجرة، رفع رأسه حين لمح أسر يقترب.

"تأخرت."

"وأنت ما زلت سيئ الطباع يا أنس." ابتسم أسر.

تصافحا بصمت.

"وصلني خبر زيارة الملك."

"ولهذا جئت." أومأ أسر.

تقدما بين الأشجار حتى بلغا سهلاً صغيرًا تحيط به الصخور، حيث كان أكثر من عشرين رجلاً يحملون الأقواس والرماح، يتدربون بصمتٍ يشبه صمت من اعتاد أن يُخفي وجوده.

رفع أحدهم رأسه. "أسر."

ابتسم الباقون، ثم عادوا إلى التدريب دون أن يتوقفوا طويلاً.

"كما ترى، ازداد عددنا." تفحّص أنس الرجال بعينيه.

تأملهم أسر طويلًا. بعضهم أعلن الوادي نفسه وفاته منذ سنوات بعد انهيارات المناجم. آخرون سُجّلوا على أنهم ابتلعتهم الوحوش.

لكن الحقيقة كانت غير ذلك. زُيّفت وفاتهم بترتيبٍ من راكان وأنس وأسر نفسه، بعيدًا عن علم العم طه، وبعيدًا عن علم وليد أيضًا، ليختفوا عن أعين المملكة ويعملوا في فرق الصيد السرية التي تحرس حدود الوادي.

"الصيادون القدامى."

"وليسوا صيادين فقط." أومأ أسر.

"بل النواة الأولى." ابتسم أنس ابتسامةً خفيفة.

اقترب رجل عريض الكتفين، تتناثر الندوب على وجهه.

"أنا جابر." وأشار إلى رجل أشيب خلفه. "وهذا فارس." ثم إلى شابٍ طويل يحمل قوسًا أسود. "وهذا سالم."

"وهناك نعيم، وقيس، وعروة، ومروان." أضاف أنس. "رجال أعلنت المملكة موتهم، وما زالوا يتنفسون."

نظر أسر إلى الوجوه من حوله. لم يرَ صيادين، بل رأى جيشًا لم يولد بعد.

"من اليوم، لن نتدرب على مطاردة الوحوش فقط." قال بصوتٍ هادئ.

ساد الصمت.

"سنتدرب على مطاردة الرجال أيضًا."

تبادل الصيادون النظرات. لم يبتسم أحد.

لكن شيئًا واحدًا تغيّر في تلك اللحظة: لأول مرة منذ سنوات، لم يعودوا يشعرون أنهم مجرد ناجين، بل أصبحوا مشروع قوةٍ تنتظر يومها.

## الليلة الكاملة

بعد ظهيرة ذلك اليوم، وبينما كان صدى هجوم الوحوش على معسكر الملك لا يزال حديثًا لم يبرد، وصل الرسول إلى الليلة الكاملة، حاملًا أمرًا يحمل ختم الملك.

دخل الرسول الملكي قصر آل البدر.

اقترب أحد الحراس من خالد البدر، الذي كان جالسًا بين وفودٍ قادمة من الشمال، يستمع أكثر مما يتكلم، وعيناه تتنقلان بين الوجوه وكأنه يزن كل كلمة تُقال قبل أن يسمح لنفسه بالرد عليها.

"سيدي، هناك أمرٌ عليك أن تطّلع عليه شخصيًا."

لم يستفسر خالد عن التفاصيل أمام ضيوفه. ابتسم فقط، ابتسامة رجلٍ اعتاد ألا يُظهر شيئًا قبل أوانه.

"بعد إذنكم." نهض ببطء محسوب. "لن أطيل عليكم الغياب. خذوا راحتكم، كأنكم في بيوتكم."

أوصد الباب خلفه، وتغيّر وجهه فور اختفاء الضيوف عن ناظريه.

"ماذا هناك؟"

"مبعوثٌ من الملك يحمل رسالة لك، سيدي."

"وحده؟ أم معه حراسة؟"

تردد الحارس. "وحده، سيدي."

فكّر خالد لحظة في هذا التفصيل قبل أن يتحرك، ثم أومأ لنفسه كأنه وجد فيه ما يريد معرفته.

"أين هو؟"

"في الباحة الأمامية."

تقدم خالد نحو الباحة بخطى لا تكشف استعجالاً ولا قلقًا، رغم أن يده، خلف ظهره، كانت تشتد على نفسها.

"سيدي، تفضل." انحنى المبعوث الملكي.

أخذ خالد الرسالة، ولم يفضّ ختمها فورًا. قلّبها بين أصابعه أولاً، تفحّص الختم عن قرب، ثم رفع نظره إلى المبعوث.

"متى غادر الملك موقعه عند النهر؟"

"صباح اليوم، سيدي."

هزّ خالد رأسه ببطء، وكأن هذا الجواب وحده يستحق التفكير أكثر من الرسالة نفسها.

فضّ الختم أخيرًا، وقرأها بصوتٍ يسمعه من في الباحة:

"من الملك عمران، إلى يده في أراضي الجنوب الغربي، السيد بدر: أما الآن وقد سكنت الأرض ومن عليها، وتراجع الأعداء إلى مواطنهم، فإن لدينا ما نُسوّيه من خلافاتٍ مع جيرانك. المملكة لن تتحمل هذه التوترات أكثر. أنا الآن في طريقي إلى الجسر العظيم. أريدك أن تجمع رجالك، وتكون قبلي هناك."

طوى الرسالة ببطء، وبقي صامتًا لحظة أطول مما يستدعيه أي أمر ملكي عادي.

"الجسر العظيم..." كرر الاسم لنفسه، لا للمبعوث.

التفت إلى الحارس دون أن ينظر إليه مباشرة.

"جهّز الرجال. وأرسل من يحضر لي خرائط الجنوب... كلها."

ثم، وحده، بقي واقفًا في الباحة لحظة، وعيناه على الأفق، كأنه يرى في دعوة الملك شيئًا أكبر بكثير مما كُتب في السطور.

---

## عودة إلى وادي العقيق

وصل العم طه وراكان إلى وادي العقيق مع ثلاثة رجال من القرية.

وما إن عبروا البوابة الغربية حتى انطلقت طفلة صغيرة تركض بين الأزقة، تصيح بفرح:

"راكان!"

ابتسم، وقفز عن ظهر فرسه قبل أن يتوقف تمامًا. انحنى نحوها، وهمس لها بشيءٍ لم يسمعه أحد، فضحكت بصوتٍ عالٍ. حملها بين ذراعيه وانطلق يركض بها بين البيوت، وضحكاتها تتردد في أنحاء الوادي.

تابع العم طه المشهد بابتسامة خافتة، ثم رفع بصره يتأمل الوادي. دار بعينيه بين البيوت الحجرية، والطرقات الضيقة، والجبال المحيطة، وكأنه يراه للمرة الأولى.

كان كل شيء مألوفًا. ومع ذلك بدا مختلفًا، كأن الوادي ينتظر شيئًا لا يعرف كيف يستقبله.

"راكان!" رفع صوته.

لكن الشاب لم يلتفت.

هزّ العم طه رأسه مبتسمًا، وتابع طريقه مع الرجال نحو بيت وليد.

دخل العم طه القاعة الصخرية. كان وليد واقفًا أمام النافذة، شاردًا في الجبال.

التفت عند وقع الأقدام، وما إن وقعت عيناه على العم طه حتى تبدلت ملامحه. تقدم نحوه سريعًا.

"يا ابن أخي..."

تعانقا طويلًا، حتى بدا كأن السنوات التي فرقت بين لقاءاتهما اختفت في لحظة واحدة.

ابتعد العم طه قليلًا، يتأمل وجه وليد.

"ما الذي حلّ بك؟ انظر إلى نفسك... ألا تنام؟"

ابتسم وليد ابتسامةً متعبة. "دعك مني. لدينا الكثير لنتحدث عنه." أشار إلى المقاعد الحجرية. "ما زال أمامنا يومان قبل وصول الملك."

جلس العم طه يراقب صديقه.

"أعلم. لكن أخبرني أولاً، ما الذي أثقل قلبك هكذا؟"

أطرق وليد برأسه.

"كلما خرجنا من مصيبة، وجدنا أنفسنا في ما هو أسوأ." رفع عينيه إليه. "هل سندفع ثمن أخطاء أجدادنا إلى الأبد؟"

تنهد العم طه. "هوّن عليك يا وليد. نهضنا من كوارث أشد من هذه، وسننهض مرة أخرى."

هزّ وليد رأسه ببطء. "هذه المرة مختلفة."

"كيف؟"

"الحرب انتهت." صمت لحظة. "لن يأتي الملك ليطلب رجالًا، ولا موارد مضاعفة."

ابتسم العم طه. "إذن ما الذي تخشاه؟"

اقترب وليد من النافذة. "حدسي." استدار إليه. "يقول لي إنه قادم ومعه أمرٌ سيغيّر مستقبل الوادي."

ارتفع حاجبا العم طه. "ولعلها فرصة."

ضحك وليد بمرارة. "أنت من يقول هذا يا عم." ثم أضاف: "وتعلم أن خالد البدر سيأتي معه."

اختفت ابتسامة الشيخ.

"محال أن يزدهر الوادي ما دامت أرضنا تحت وصاية ذلك الوغد." خفض وليد صوته. "لا أعلم إلى متى سأمنع هذا الوادي من الانفجار، وسحب الجميع معه إلى الهاوية."

وقبل أن يجيب العم طه، فُتح باب القاعة.

دخل راكان مسرعًا، وآثار الطريق الطويل بادية عليه، لكن عينيه كانتا تحملان بريقًا لم يحاول إخفاءه. اتجه مباشرة نحو والده ليحتضنه بقوة.

"لقد أصبحت جدًا يا أبي."

تجمد وليد للحظة، ثم ابتعد خطوة ليتأمل وجه ابنه. "ماذا تقول؟"

"ندى وضعت الليلة نفسها التي غادرت فيها إلى قرية العم طه." ابتسم راكان رغم التعب الذي أثقل ملامحه. "ولدٌ يا أبي. بخير، وهي بخير."

ساد الصمت لثوانٍ. ثم انفرج وجه وليد، واختفى عنه التعب الذي لازمه منذ أيام. احتضن ابنه مرة أخرى، وربّت على كتفه وهو يضحك لأول مرة منذ زمن.

"مبارك يا ابن أخي." ابتسم العم طه. "لهذا السبب إذن لم يكن راكان يسمعني عندما ناديته."

ضحك الثلاثة.

"سأذهب لأخبر أسر." اتجه راكان نحو الباب، وخرج مسرعًا.

تابعه العم طه بنظره وهو يبتعد، ثم ابتسم.

"انظر إليه، من شدة فرحه لم يخبرنا حتى أهو حفيد أم حفيدة." ضحك حتى غلبه السعال.

هدأت ملامحه، ونظر إلى وليد بجدية.

"أكره أن أراك حزينًا." صمت لحظة. "لكن ما يقلقني حقًا هو أسر... وأنس."

انعقد حاجبا وليد.

"لا أريدهما أن يفسدا ما سنبنيه في المفاوضات." اقترب من وليد، وخفض صوته. "اسمعني جيدًا. إن جاءك الملك بعرضٍ يبدو جيدًا، فلا تتعجل قبوله. صبرنا طويلاً، ويمكننا الانتظار قليلًا بعد."

نظر وليد إليه باستغراب.

"حديدنا صنع انتصارهم على إيلار." قال العم طه بثقة. "ولأول مرة، نحن من يملك ورقة الضغط." صمت لحظة. "وابنك أسر ذكي. اجعله إلى جانبك في المفاوضات. أعرف أن ما يجمعه بأنس يقلقني، لكن إبعاده سيجعله أخطر."

رفع الشيخ بصره نحو النافذة، حيث كانت الجبال تغرق في ضوء المغيب.

"أسأل الله فقط أن يمرّ هذا الأسبوع على خير."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • صفير الجبال    النداء

    # الفصل الثامن: النداءبدأ المطر قبل أن يصل الصفير إلى ذروته، كأن السماء نفسها تستجيب لنداءٍ لم تسمعه القرية من قبل. لم يكن مطرًا عاديًا؛ كان ثقيلًا، باردًا، يضرب الأرض بعنفٍ يمحو كل أثرٍ ويُصمّ كل صوتٍ آخر تقريبًا — كل صوتٍ سوى الصفير."إلى مواقعكم!" صرخ أنس، وصوته يكاد يضيع بين هدير المطر. "لا أحد يتحرك من مكانه!"لكن الصفير لم يعد يتردد من بعيد. كان يقترب من جهاتٍ عدة في آنٍ واحد، وكأن دوائر من الظلام تضيق حول القرية ببطءٍ محسوب.ثم جاء الصوت.لم يكن صراخًا بشريًا. كان تمزّقًا — خشب بابٍ يتحطم عند الطرف الشمالي للقرية، يتبعه صوتٌ عميق، رطب، أقرب إلى زفيرٍ من صدرٍ ضخمٍ لا يتنفس كما يتنفس البشر.استدار الجميع نحو الصوت في اللحظة التي أضاء فيها البرق السماء لجزءٍ من ثانية.كفى ذلك الجزء.رأى أنس، ورأى رجاله معه، شبحًا يعبر ما تبقى من الباب المحطم: طويلًا، منتصبًا كإنسان، لكن كل شيءٍ آخر فيه يصرخ بأنه ليس كذلك. جلده رمادي متشقق يلمع تحت المطر كطينٍ جاف، وفكّه ممتدٌّ أكثر مما يحتمله أي وجهٍ بشري، وعيناه — حين أضاء البرق مجددًا — بلا بياضٍ فيهما، سوداوان بالكامل، ثابتتان في اتجاه أول حرك

  • صفير الجبال    الحصار

    # الفصل السابع: الحصارقبل ذلك بقليل، عند الجسر العظيم، لم يكن الملك عمران قد أتم بعد نصف الطريق إلى الوادي.استقبله خالد البدر عند مدخل خيمته المؤقتة، منحنيًا الانحناء اللائق بمقام الملك، لا أكثر ولا أقل، ثم أشار بيده نحو الداخل حيث فُرشت السجادات الثقيلة وأُعدّت الكؤوس.جلس عمران أولاً، وجلس خالد بعده، وبينهما تلك المسافة المحسوبة التي يعرفها كل من تعامل مع الملوك: قريبة بما يكفي لتبدو ثقة، بعيدة بما يكفي لتبقى احترامًا."سمعت أنك عدت إلى الجنوب الغربي منذ أسابيع فقط." بدأ عمران، وهو يتأمل الكأس أمامه دون أن يلمسها. "وها أنت هنا مجددًا، تاركًا أراضيك دون إشراف.""أراضٍ لا تُدار بحضوري وحده، جلالتك." أجاب خالد بهدوء. "لكن دعوتك لا تُترك دون إجابة."ابتسم عمران ابتسامة لا تحمل دفئًا. "دائمًا مهذب. حتى حين لا يكون المديح في محله."لم يعلّق خالد. كان يعرف أن الملك لم يستدعه ليتبادلا الثناء."لديّ قرار بشأن وادي العقيق." قال عمران أخيرًا، بنبرةٍ تحوّلت من المجاملة إلى شيء أكثر جدية. "سأعيد إليهم جزءًا من الأراضي الزراعية التي أُخذت منهم قبل 27 عامًا."جمد وجه خالد للحظة، ثم استعاد هدوءه

  • صفير الجبال    ثمن الولاء

    # الفصل السادس: ثمن الولاءانحنى وليد بالقدر المحسوب نفسه الذي أتقنه على مدى عشرين عامًا. "جلالتك يشرّف أرضنا بحضوره."ابتسم عمران تلك الابتسامة التي لا تصل إلى عينيه أبدًا. "وليد الرعد. سمعت أن رجالك ما زالوا يستخرجون الحديد بالكفاءة نفسها، رغم كل شيء.""رغم كل شيء، جلالتك، الوادي لا يعرف طريقةً أخرى للبقاء."لم يُعلّق الملك. نظر إلى راكان، ثم إلى أسر الذي وصل قبل لحظاتٍ فقط، أنفاسه أسرع مما ينبغي لرجلٍ لم يفعل شيئًا سوى المشي. توقفت عينا عمران عليه قليلًا أطول من اللازم."وهذان ابناك.""أسر وراكان، جلالتك."أومأ الملك برأسه دون اهتمامٍ ظاهر، لكن أسر لاحظ، كما يلاحظ دائمًا، أن شيئًا في تلك النظرة كان يزن لا يُحيّي."سنتحدث في القصر." قالها عمران، وتحرك دون أن ينتظر ردًّا.جلس الملك في صدر القاعة، ووليد أمامه، وعن يمينه أسر وراكان، وخلفه وقف سيف الضياء صامتًا كعادته."لنبدأ بما هو بسيط." قال عمران، وهو يتأمل كأس الماء أمامه دون أن يشربه. "الحديد. أنتجتم هذا العام أقل مما أنتجتموه في العام الماضي.""المناجم الشرقية انهارت جزئيًا في الشتاء، جلالتك. نعمل على إعادة فتحها.""وكم سيستغرق ذل

  • صفير الجبال    خارج الاسوار

    # الفصل الخامس: خارج الأسوار## حقول آل البدرفي حقول آل البدر، أو الأراضي المغتصبة كما يُطلق عليها أهل الوادي، جاء وكيل الأراضي أدهم البدر، ابن أخ خالد البدر، ومعه مزارعون — أو عبيدٌ جدد — ليساعدوا في توسعة الحقول.استقبل الخدم الوكيل أدهم بانحناءاتٍ سريعة وترتيبٍ متعجل. فأدهم، الذي بلغ الثامنة والعشرين من عمره، لا يشبه عمّه خالدًا في شيء ظاهر: مهذب اللسان، متعلم، يخاطب أصغر الخدم بالأدب نفسه الذي يخاطب به كبار الضيوف. لا يرفع صوته أبدًا مهما بلغ غضبه. لكن هذا الهدوء نفسه هو ما يخيف العمال أكثر من أي صراخ؛ فكلما اشتدّ غضب أدهم، ازدادت نبرته لينًا لا حدّة، وتباطأت كلماته وكأنه يزن كل حرفٍ قبل أن يُطلقه — وقلّ من رأى ذلك الهدوء يتحول إلى عقابٍ ونجا دون أن يحمل الدرس بقية حياته.استقبله الخادم: "مرحبًا سيدي." واستدار أدهم لينزع عنه الخادم رداءه، ذلك المعطف الأسود الذي لا يرتديه إلا رجلٌ فاحش الثراء.ردّ التحية على خادمه. فُتحت العربة لينزل العمال الجدد، فلفت الأنظار غلامٌ نحيل في السابعة عشرة من عمره نزل من عندها. ثيابه رثة بالكاد تصدّ برد الصباح، وشعره أشعث كأن يدًا لم تلمسه بعناية منذ

  • صفير الجبال    الجسر العظيم

    # الفصل الرابع: الجسر العظيموصل خالد البدر إلى الجسر العظيم قبل الجميع بيوم كامل.وقف عند الطرف الشرقي، يتأمل الجنود وهم يصطفون على جانبي الطريق، والقوافل المحمّلة تعبر ببطء، وأكوام الحديد القادم من الوادي مكدّسة على الضفة كأنها جبالٌ صغيرة من ظلٍّ معدني.اقترب أحد قادته، ينفض التراب عن درعه."كل شيء جاهز يا سيدي."لم يلتفت خالد إليه فورًا. كان بصره لا يزال على القوافل، يعدّ عرباتها دون أن يبدو عليه أنه يعدّ شيئًا."لا يوجد شيء جاهز." قال أخيرًا. "عندما يكون عمران حاضرًا."نظر القائد إليه مستغربًا، لكنه لم يسأل. تعلّم منذ سنوات أن أسئلة خالد البدر تأتي حين يقرر هو، لا حين يُستفزّ.سار خالد على طول الجسر ببطء، يتفحص كل شيء: عدد الحراس عند كل بوابة، اتجاه الرايات مع الريح، الوجوه المتعبة للجنود الذين قدِموا من معسكر الملك بعد ليلة الوحوش، والصمت الغريب الذي كان يخيّم على الجميع كلما ذُكر ما حدث هناك.توقف عند كومة الحديد، ومدّ يده ليلمس قطعة خام، يقلّبها بين أصابعه."من أين هذا؟""من الوادي، سيدي. آخر شحنة قبل وصول جلالته."هزّ خالد رأسه ببطء، وأعاد القطعة إلى مكانها.لم يقل شيئًا آخر.

  • صفير الجبال    ما لا يقال

    # الفصل الثالث: ما لا يُقال## تدريب الصيادينتوقف التدريب حين رفع راكان صوته، محاولاً كسر صمت أرهقه."لا يكفي أن نكون صيادين بعد اليوم." نظر إلى الرجال المصطفين حوله. "يجب أن نتحول إلى جيش."أومأ أنس. "المملكة لن تمنحنا وقتًا لنتردد."استمع أسر دون أن يقاطع، عيناه تنتقلان بين الوجوه المتحمسة من حوله بهدوء لا يشبه حماسهم، كأنه يزن كلامهم قبل أن يسمح لنفسه بالرد."كم رجلاً لدينا؟" سأل أخيرًا."مئة وعشرون." أجاب راكان بثقة، وكأن الرقم بحد ذاته كان إنجازًا.كان العدد قد تضاعف أكثر من مرة منذ أول لقاء في ذلك السهل الصغير؛ كل شهر يصل رجلٌ جديد أعلنت المملكة موته، أو شابٌّ سئم مشاهدة أبيه يعود من المنجم أضعف مما ذهب."وكم رجلاً يملك الملك؟"تردد راكان. "آلاف."صمت أسر لحظة، ثم سأل، بصوتٍ لم يرتفع ولم ينخفض:"إذًا لماذا تريد جيشًا من مئة وعشرين رجلاً؟"لم يجب أحد.نظر أسر إلى الرجال المحيطين به، رجال قضوا سنوات يُظنون أمواتًا، ولم يشعر للحظة أن ثقتهم به عبء أخف مما هي عليه."إذا قاتلنا اليوم، سنموت." قالها ببساطة من اعتاد قول الحقائق المرة دون تجميل. "إذا اختبأنا، سنجوع. وإذا بقينا كما نحن،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status