LOGINطيف الدماء القديمة
لم تكن قسوة رغد مهران نابعة من فراغ، ولم تكن كراهيتها لفارس مجرد نزوة لامرأة متغطرسة؛ بل كانت بناءً متكاملاً شيدته عائلة مهران فوق أكوام من الأكاذيب والمصالح السياسية الملطخة بالدماء قبل خمس سنوات. في ذلك الجناح المظلم من القصر، حيث لا تصل أضواء المدينة الصاخبة، جلس فارس على كرسيه الجلدي، وأمامه جهاز لوحي صغير يعرض صوراً قديمة ومحفوظة بسرية تامة. كانت الصورة تظهر طفلاً صغيراً يقف بجانب عائلة يملؤها الدفء والفرح، عائلة كانت تمتلك إمبراطورية "بروتون" الاقتصادية قبل أن تتعرض لمذبحة مدبرة ليلة رأس السنة قبل خمس سنوات. تتبعت أصابع فارس ملامح والده الراحل على الشاشة. تذكر تلك الليلة المرعبة، رائحة البارود، صوت الرصاص الذي أودى بحياة أسرته بأكملها، وتلك الخيانة الكبرى التي قادتها عائلة مهران بالتعاون مع حلفائهم للإيقاع بعائلة "بروتون" وسرقة أملاكهم وتاريخهم بالكامل. لم ينجُ في تلك الليلة سوى فارس، الذي أقسم وهو يزحف بين دماء أهله أن يعود يوماً، لا ليأخذ بثأره بالرصاص، بل ليجعل كل من شارك في تلك المجزرة يجثو صاغراً تحت قدميه، يتوسل الموت فلا يجدونه. وعندما اكتشف أن رغد، ابنة عائلة مهران الكبرى، هي من أُجبرت على الزواج منه كجزء من صراع داخلي على السلطة وضمانات وهمية للجد، قرر ألا يقتلها أو يدمرها فوراً... بل أراد أن يخترق حياتها من القاعدة، أن يجعلها تعتمد عليه، أن يتغلغل في تفاصيل قسوتها، ليكون هو الملاذ الوحيد حين ينهار عالمها الذي تبنيه على الدم والغرور. ارتجف هاتفه المشفر فجأة، قاطعاً خلوته بذكريات الماضي. أضاء الشاشة بهدوء، ليظهر تقرير عاجل من رجله الأول: "سيدي، مجموعات 'الزعفران' بدأت تحركاتها الاستباقية في بورصة الصباح. لقد ضخوا سيولة ضخمة لمحاولة حماية أسهمهم من الانهيار الذي أعددناه." ظهرت ابتسامة جانبية على شفتي فارس، ابتسامة تشبه نظرة مفترس يرى فريسته تسير بكامل إرادتها نحو الهاوية. رد بصوت منخفض وحازم يقطر ثقة مطلقة: "دعهم يضخون ما يشاؤون من أموال. افتح لهم الباب على مصراعيه، واجعلهم يشعرون بالانتصار الكاذب للساعة الأولى... ثم، مع ضربة منتصف النهار، اسحقهم تماماً وأغلق عليهم كل أبواب الخروج. لا أريد أن أبقي لهم حتى حجراً يحتمون به." "أمرك يا سيدي!" أغلق فارس الهاتف، ووقف باتجاه النافذة الزجاجية الكبيرة التي تنعكس عليها أضواء المطر والبرق الخافت. أخذ نفساً عميقاً، وشعر بطيف العاصفة القادمة تقترب من قصر آل مهران. في تلك اللحظة بالذات، وفي الغرفة المجاورة، كانت رغد تقلب أوراقها المبعثرة وهي تشعر بصداع يمزق رأسها، غير مدركة تماماً أن الرجل الذي تستحقر وجوده كل يوم، والذي تنظف أخطاءه بكلمات مهينة، هو الإله الخفي الذي يمسك بزمام حياتها ومصير عائلتها بين أصابعه، وأن الوقوع في فخ حبه وعشقه لن يكون سوى الثمن الأبدي لقسوتها المفرطة. جرس الموت في البورصة تدق ساعة اليد الكلاسيكية الفاخرة معلنة التاسعة صباحاً. في القاعة الرئيسية لبورصة المدينة الفولاذية، كانت الشاشات الرقمية الضخمة تتلألأ بالأحمر والأخضر، تعكس صراعات الأموال الطائلة والشركات الكبرى التي تتحكم بمصير الملايين. في الطابق العلوي، داخل قاعة الاجتماعات الزجاجية الفخمة لشركة "مهران للتجارة"، كانت رغد مهران تقف ببدلتها السوداء الحادة، تعقد ساعديها أمام صدرها وتتابع بقلق واكتئاب مؤشرات أسهم عائلتها. إلى جانبها كان يقف مدير المبيعات وكبار المستثمرين، ووجوههم ترتسم عليها علامات الهلع والتوتر. "الآنسة رغد!" صاح مساعدها الرئيسي بصوت يقطره الخوف وهو يهرول نحوها حاملاً جهازه اللوحي. "كارثة... أسهم مجموعة 'الزعفران' والمتحالفين معنا تشهد هبوطاً حاداً غير مسبوق في هذه اللحظة! لقد فقدنا أكثر من ثلاثين بالمئة من قيمتها السوقية خلال دقائق معدودة!" شاح وجه رغد، واتسعت عيناها ذعراً. تقدمت نحو الشاشة لتراقب الأرقام وهي تنهار كالزجاج المهشم: "كيف يُعقل هذا؟! لقد ضخينا سيولة طائلة بالأمس لحماية الأسهم! من الذي يمتلك هذه القوة الضاربة ليخترق جدارنا المالي بهذه البساطة؟!" في تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت رغد تغرق في عرق البارد وشبح الإفلاس يلوح في أفق عائلة مهران، كان فارس يجلس على مقعده الجلدي في المطبخ الخارجي للقصر، يحتسي كوباً هادئاً من الشاي الساخن، بينما يرتدي ملابسه البسيطة وكأن شيئاً لا يعنيه. أخرج هاتفه المشفر من جيبه، وضغط على الزر لتصلك رسالة نصية قصيرة من رجله الأول: "سيدي، خط الدفاع الأول لمجموعة الزعفران انهار بالكامل، وعائلة مهران تتخبط في رعب تام. هل نطبق الحصار النهائي ونستحوذ على ما تبقى من أصولهم؟" رفع فارس زاوية شفتيه بابتسامة باردة وواثقة، ورد باختصار شديد: "ليس بعد... دعهم يتذوقون طعم الخوف الحقيقي أولاً. أريدهم أن يعلموا أن جدار حمايتهم الوهمي أوهن من بيت العنكبوت. عندما أرفع يدي، لن يبقى لهم اسم في هذه المدينة." أعاد الهاتف إلى جيبه، ووقف بهدوء، مستعداً لحمل صينية الفطور إلى غرفة الطعام، متمتعاً بكل ثانية من مشهد انهيار الإمبراطورية التي سحقت عائلته يوماً، بينما تبقى زوجته المتغطرفة عاجزة تماماً عن إيقاف العاصفة التي أطلقها رجل تعتبره أسخف المخلوقات تحت سقفها. شباك العنكبوت تضيق كانت الساعة تجاوزت منتصف النهار بقليل، لكن الأجواء داخل القاعة الرئيسية لشركة "مهران للتجارة" كانت أشبه بساحة إعدام كبرى. الشاشات الإلكترونية تومض باللون الأحمر القاني، ومؤشرات الأسهم واصلت السقوط الحر نحو الهاوية بلا أي توقف. رغد مهران كانت تقف مسمرة في مكانها، عيناها متسعتان من هول الصدمة، وأصابعها ترتجف وهي تعجز حتى عن الرد على اتصالات كبار المستثمرين الغاضبين الذين خسروا ملايين الدولارات في غضون ساعات. "الآنسة رغد! لقد تلقت مؤسسة الزعفران ضربة قاصمة أخرى!" صرخ مساعدها بصوت مبحوح يحمل طابع الرعب الخالص. "السيولة انهارت، والبنوك ترفض إقراضنا أي مبلغ إضافي، وحصتنا في سوق المقاولات سقطت بالكامل لصالح جهة مجهولة وغير معروفة في السوق!" سقطت الأوراق من يد رغد لتتناثر فوق الأرضية الرخامية اللامعة. شعرت أن الأرض تدور تحت قدميها. سنوات من العمل، الإمبراطورية التي بنتها عائلتها، هيبتها وسلطتها التي كانت تتفاخر بها أمام الجميع... كل ذلك يتبخر أمام عينيها دون أن تستطيع فعل أي شيء لإيقافه. همست لنفسها بصوت منهار ومختنق: "من يكون... من يمتلك هذه القوة لتدميرنا بهذه السهولة المطلقة؟ هل هي نهاية آل مهران حقاً؟" في تلك الأثناء، وفي إحدى الزوايا الهادئة خارج القاعة الكبرى، بعيداً عن أعين الموظفين والمنهارين، كان فارس يقف ببرود تام. كان يرتدي ملابسه المعتادة البسيطة، ويده اليوادي في جيبه، بينما يمسك بهاتفه المشفر. تلقى اتصالاً قصيراً من رجله الأول الذي قال بصوت يحمل أعلى درجات التبجيل: "سيدي، تم إغلاق الطوق المالي بالكامل على عائلة مهران ومجموعة الزعفران. لم يتبقَ لهم أي متنفس. الأصول أصبحت تحت سيطرتنا بنسبة سبعين بالمئة. هل نعلن عن هويتنا ونستولي على القصر وممتلكاتهم الآن؟" رسم فارس ابتسامة باردة وغامضة على شفتيه، وقال بصوت هادئ يشبه فحيح الأفعى: "ليس بعد... دع الخوف يحفر عميقاً في قلوبهم أولاً. أريد لرغد أن تدرك جيداً معنى العجز التام، وأن تتيقن أن كل غرورها وقسوتها لم تكن سوى أوهام على رمال متحركة. عندما تسقط تماماً وتصل إلى قاع اليأس... سأظهر أنا لأمدّ لها يدي، لأرى بعيني كيف يتحول احتقارها إلى رعب وذعر مطلقين." "أمرك يا سيدي، التنفيذ مستمر بدقة متناهية." أغلق فارس الهاتف، ورفع نظره ببطء نحو الأفق البعيد حيث تتجمع سحب العاصفة فوق المدينة الفولاذية، مدركاً تماماً أن الساعة الحاسمة لانكشاف الحقيقة الكبرى واقتراب المذبحة التاريخية باتت قاب قوسين أو أدنى. إليك الفصل السادس، لنزيد من خنق الطوق المالي وندفع "رغد" نحو حافة الهاوية، بينما يراقب "فارس" انهيار إمبراطوريتها ببرود تام استعداداً للضربة القاضية: حافة الهاوية لم تكن الساعة قد تجاوزت الثالثة عصراً، لكن ظلال الغروب المبكر بدت وكأنها تغطي مبنى شركة "مهران للتجارة" بعباءة سوداء ثقيلة. الهواتف لم تكن تتوقف عن الرنين، وصرخات الموظفين والمستثمرين المتجمهرين في الممرkات كانت تعكس حالة الفوضى العارمة التي ضربت أركان الشركة. داخل مكتبها الفسيح، كانت رغد مهران جالسة على حافة أريكتها الجلدية، تضم ركبتيها إلى صدرها بيدين ترتجفان بعنف. المكياج على وجهها تلطخ بدموع قهر كتمتها طويلاً، وشعرها الأسود المنسدل بدا مبعثراً تماماً كأفكارها التي تحطمت على صخرة الواقع المرير. انفتح باب المكتب بقوة، واندفع مساعدها الرئيسي بوجه أصفر شاحب لاصق عليه الرعب: "الآنسة رغد... كارثة جديدة! البنوك الكبرى جمدت أرصدتنا بالكامل، والشركات التي كنا نتعامل معها فسخت العقود بشكل جماعي ودون سابق إنذار! نحن... نحن مفلسون رسمياً!" صرخت بأعلى صوت : يا لك من وجه نحس وبائس أخبارك كلها مثل وجهك أغرب عن وجهي . ثم صمتت قليلا كلمة "مفلسون" وقعت على آذان رغد كصاعقة رعدية مزقت بقايا صمودها. رفعت رأسها ببطء، وعيناها المحمرتان تنطقان باليأس المطلق. إمبراطورية عائلة مهران التي استغرقت عقوداً لبنائها، والتي لطالما تباهت بقوتها وسيطرتها على السوق... انهارت في أقل من يوم واحد، كأنها قصر من كرتون في مواجهة عاصفة هوجاء. همست بصوت متهدج ومبحوح، يكاد لا يُسمع: "من... من خلف هذا؟ أي شيطان يجرؤ على تدميرنا هكذا؟ أين عائلة الزعفران؟ لماذا تخلوا عنا؟" "لا نعلم يا سيدتي!" أجاب المساعد بصوت مرتعش. "الجهة التي قامت بعملية الاستحواذ مجهولة تماماً، وتتخفى خلف واجهات استثمارية وهمية... لكن قوتهم المالية تتجاوز حتى اقتصاد الدولة!" عضّت رغد على شفتها حتى سيل الدم الخفيف منها. شعرت ببرد قارص يسري في عروقها؛ لأول مرة في حياتها، أدركت معنى الضعف المطلق، ومعنى أن تكون بلا حماية. تذكرت فجأة، وبشكل غريب وساخر، وجه زوجها "فارس" الهادئ وهو يودعها صباحاً قبل خروجها إلى العمل. تذكرت كيف كانت تزجره وتهينه، وكيف كان يقابل إهاناته بالصمت والانكسار الظاهري. "يا له من محظوظ..." فكرت في نفسها بمرارة وسخرية سوداء. "على الأقل هو أفقر من أن يخسر شيئاً... لن يفهم أبداً معنى أن تفقد كل شيء في لحظة." في تلك الأثناء، وعلى بعد طوابق قليلة، وفي زاوية مظلمة بالقرب من المصعد الخدمي للشركة، كان فارس يقف بملابسه العادية وبدلة عمل بسيطة، ويداه داخل جيوبه. كان يراقب من خلال هاتفه تفاصيل الانهيار التام لعائلة مهران عبر الشاشات الذكية لرجال ظله. رن هاتفه اتصالاً مباشراً من رجله الأول، فجاء الصوت محملاً بالولاء المطلق: "سيدي، تم الاستحواذ على 90% من أصول شركة مهران. عائلة مهران أصبحت على حافة الإفلاس التام، ولم يتبقَ لهم سوى القصر القديم كأصل أخير." ظهرت ابتسامة جانبية باردة ومظلمة على شفتي فارس، عكست انعكاس أضواء المدينة الفولاذية من النافذة الزجاجية الضخمة. رد بصوت منخفض، يقطر ثقة وخطورة: "جيد جداً... لقد تلقوا التمهيد الكافي. الآن، ابدأوا في تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة. راقبوا كل تحركاتهم، واجعلوا 'الزعفران' يشعرون بأنهم المنتصرون الجدد لفترة قصيرة... قبل أن أطبق عليهم الحصار الأخير في اللحظة المناسبة." "أمرك يا سيدي!" أغلق فارس الخط، ورفع بصره باتجاه الطابق العلوي حيث تجلس زوجته منهارة بين أطلال إمبراطوريتها. تحدث بصوت خافت لا يسمعه سوى صدى الممر الفارغ: "انهضي واصرخي قدر ما شئتِ يا رغد... هذا مجرد غيض من فيض. قريباً جداً، حين يحيط بكِ الظلام من كل جانب، سأكون أنا الوحيد الذي يملك مفتاح نجاتك... أو ربما، مفتاح هلاكك الأبدي."خيوط الشك في عتمة القصركانت عواصف الخوف والذهول تضرب عقول الجميع في مدينة الفولاذ، لكن الهدوء الوحيد الذي كان يسود مكان1ً واحداً، هو ذلك القصر الواسع العائد لعائلة مهران.في قاعة الجلوس الواسعة، كانت رغد جالسة وحدها، تحيط بها أوراق حساباتها المفلسة وشاشات هاتفها التي لا تتوقف عن عرض أخبار الزلزال الاقتصادي المدمر: «إفلاس عائلة الزعفران التام في دقائق... ظهور غامض لمؤسسة 'بروتون' العالمية تبتلع السوق...»كلمة "بروتون" ظلت تتردد في رأسها مراراً وتكراراً. شعرت برعشة خفيفة تسري في عروقها. قبل خمس سنوات، كانت عائلة بروتون هي الإمبراطورية التي دُمّرت في تلك الليلة الدموية المشؤومة، واليوم، تظهر ذات المؤسسة من أعمق نقاط الظل لتسحق أعداء عائلة مهران وتتركهم على أطلال الإفلاس! كيف يُعقل أن تظهر قوة بهذا الجبروت دون أن يلاحظها أحد؟في تلك اللحظة، فتح باب القاعة بهدوء، ودخل فارس. كان يرتدي ملابسه البسيطة المعتادة، ويحمل بيده صينية صغيرة عليها كوب من الشاي الساخن الذي اعتاد إحضاره لها بصمت، مظهرًا ذلك الوجه الخنوع والمستسكن الذي طالما استهزأت به.رفعت رغد رأسها ببطء، وتسمرت عيناها على وجهه. ولأو
أوهام النصر المؤقت كانت أضواء مدينة الفولاذ تتلألأ باهتة عبر زجاج مكتب "عائلة الزعفران"، حيث كان "خالد الزعفران"، رئيس مجلس الإدارة ورئيس العائلة، يقف واضعاً كفيه خلف ظهره، يتأمل أضواء المدينة من الطابق الأربعين بابتسامة نصر صفراء وغرور مطلق. أمامه على المكتب الفاخر، كانت تقارير الاستحواذ المالي تؤكد سقوط 90% من أصول شركة "مهران للتجارة". لقد تحقق الحلم الذي لطالما خططوا له منذ خمس سنوات؛ تدمير عائلة مهران ووضع أيديهم على آخر معاقل الاقتصاد المحلي. "يبدو أن رغد مهران قد تلقت الضربة القاضية اليوم ولن تقم لها قائمة بعد الآن"، قال خالد بصوت يقطر بالشماتة، وهو يحتسي كاساً من النبيذ الفاخر. "لقد كانت تعتقد أن بإمكانها الوقوف في وجهنا، فإذا بها تنتهي منهارة ومفلسة خلال ساعات معدودة." اقترب منه مساعده الخاص بحذر، وقال بصوت منخفض ومتردد: "سيدي، ورغم أن شركة مهران انهارت بالكامل، إلا أن هناك تقارير أمنية واقتصادية غير رسمية تشير إلى أن جهة مجهولة وضخمة جداً هي من قامت بشراء الديون وتجميد الأصول من الخلف... لم نستطع حتى الآن معرفة هوية المشتري الحقيقي." لوّح خالد بيده باستهزاء، غير مبالٍ
طيف الدماء القديمة لم تكن قسوة رغد مهران نابعة من فراغ، ولم تكن كراهيتها لفارس مجرد نزوة لامرأة متغطرسة؛ بل كانت بناءً متكاملاً شيدته عائلة مهران فوق أكوام من الأكاذيب والمصالح السياسية الملطخة بالدماء قبل خمس سنوات. في ذلك الجناح المظلم من القصر، حيث لا تصل أضواء المدينة الصاخبة، جلس فارس على كرسيه الجلدي، وأمامه جهاز لوحي صغير يعرض صوراً قديمة ومحفوظة بسرية تامة. كانت الصورة تظهر طفلاً صغيراً يقف بجانب عائلة يملؤها الدفء والفرح، عائلة كانت تمتلك إمبراطورية "بروتون" الاقتصادية قبل أن تتعرض لمذبحة مدبرة ليلة رأس السنة قبل خمس سنوات. تتبعت أصابع فارس ملامح والده الراحل على الشاشة. تذكر تلك الليلة المرعبة، رائحة البارود، صوت الرصاص الذي أودى بحياة أسرته بأكملها، وتلك الخيانة الكبرى التي قادتها عائلة مهران بالتعاون مع حلفائهم للإيقاع بعائلة "بروتون" وسرقة أملاكهم وتاريخهم بالكامل. لم ينجُ في تلك الليلة سوى فارس، الذي أقسم وهو يزحف بين دماء أهله أن يعود يوماً، لا ليأخذ بثأره بالرصاص، بل ليجعل كل من شارك في تلك المجزرة يجثو صاغراً تحت قدميه، يتوسل الموت فلا يجدونه. وعندما اكتشف أ
لم تكن الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلاً، ومع ذلك بدا قصر آل مهران أشبه بقلعة مهجورة يلفها صمت مطبق، لا يقطعه سوى صوت ارتطام قطرات المطر العنيف بزجاج النوافذ البانورامية الكبيرة.في الجناح العلوي، كان مكتب رغد مهران يضج بالفوضى المنظمة. الأوراق المالية، وميزانيات الشركات الربع سنوية، والتقارير القانونية المتعلقة باتفاقيات الاستحواذ المتعثرة، كانت متناثرة فوق المكتب الخشبي الفاخر المصنوع من خشب البلوط الداكن. جلست رغد على كرسيها الجلدي، تدلك صدغيها بأصابع ترتجف قليلاً من الإرهاق والصداع المزمن الذي بات رفيقها الدائم.فتح باب المكتب بهدوء، ودخل فارس بخطوات بطيئة وخفيفة كظلٍ صامت. كان يحمل بيده صينية فضية صغيرة عليها كوب من القهوة الداكنة يتصاعد منه بخار خفيف، وإلى جانبه قطعة صغيرة من الشوكولاتة المرة.اقترب من المكتب بحذر شديد، ووضع الصينية برفق فوق حافته الجانبية، ملقياً نظرة سريعة على وجه رغد الشاحب الذي تعلوه علامات التوتر والإحباط."القهوة جاهزة... كما طلبتِ تماماً يا رغد." قال صوته بنبرة منخفضة ومطيعة، تفتقر إلى أي حيوية أو كبرياء.رفعت رغد رأسها ببطء، وتسمرت عيناها الحادتان على
لم يكن المطر في تلك الليلة مجرد قطرات تضرب زجاج نافذة قصر "آل مهران"، بل كان أشبه بقرع طبول جنائزية بعيدة، تذكّر "فارس" بأن الوقت يمضي، وأن السنوات الخمس التي انقضت منذ تلك الليلة الدموية لم تكن سوى ومضة برق في سجل انتقامه الطويل.وقف فارس أمام حوض غسيل الأطباق في مطبخ القصر، يفرك إناءً زجاجياً بعناية بالغة. يرتدي مئزراً مطبخياً بسيطاً، ويبدو في أعيُن الناظرين صهراً عاطلاً عن العمل، لصقته عائلة مهران كوصمة عار على جبين ابنتهم الكبرى، الرئيسة التنفيذية المتعجرفة. لم يكن أحد، ولا حتى زوجته التي تشاركه السقف ذاته، يعلم أن الأصابع التي تنظف هذا الإناء الرخيص، هي ذاتها التي تضغط على أزرار البورصة العالمية وتُسقط إمبراطوريات مالية بجرة قلم.فتح باب المطبخ بقوة، ودخلت "رغد مهران". كانت ترتدي بدلة رسمية سوداء اللون، تعكس صرامة منصبها وهيبتها الطاغية في عالم الأعمال. وجهها الشاحب كان يحمل آثار إرهاق معركة شرسة خاضتها طوال اليوم في مجلس الإدارة، وعيناها الحادتان كالصقر استقرتا على فارس ببرود مطلق يخلو من أي مشعر إنساني."ألم تنتهِ بعد من هذه التفاهات؟" قالت رغد بصوت جاف وحاد كشفرة سكين، وهي تخل