LOGINخيوط الشك في عتمة القصركانت عواصف الخوف والذهول تضرب عقول الجميع في مدينة الفولاذ، لكن الهدوء الوحيد الذي كان يسود مكان1ً واحداً، هو ذلك القصر الواسع العائد لعائلة مهران.في قاعة الجلوس الواسعة، كانت رغد جالسة وحدها، تحيط بها أوراق حساباتها المفلسة وشاشات هاتفها التي لا تتوقف عن عرض أخبار الزلزال الاقتصادي المدمر: «إفلاس عائلة الزعفران التام في دقائق... ظهور غامض لمؤسسة 'بروتون' العالمية تبتلع السوق...»كلمة "بروتون" ظلت تتردد في رأسها مراراً وتكراراً. شعرت برعشة خفيفة تسري في عروقها. قبل خمس سنوات، كانت عائلة بروتون هي الإمبراطورية التي دُمّرت في تلك الليلة الدموية المشؤومة، واليوم، تظهر ذات المؤسسة من أعمق نقاط الظل لتسحق أعداء عائلة مهران وتتركهم على أطلال الإفلاس! كيف يُعقل أن تظهر قوة بهذا الجبروت دون أن يلاحظها أحد؟في تلك اللحظة، فتح باب القاعة بهدوء، ودخل فارس. كان يرتدي ملابسه البسيطة المعتادة، ويحمل بيده صينية صغيرة عليها كوب من الشاي الساخن الذي اعتاد إحضاره لها بصمت، مظهرًا ذلك الوجه الخنوع والمستسكن الذي طالما استهزأت به.رفعت رغد رأسها ببطء، وتسمرت عيناها على وجهه. ولأو
أوهام النصر المؤقت كانت أضواء مدينة الفولاذ تتلألأ باهتة عبر زجاج مكتب "عائلة الزعفران"، حيث كان "خالد الزعفران"، رئيس مجلس الإدارة ورئيس العائلة، يقف واضعاً كفيه خلف ظهره، يتأمل أضواء المدينة من الطابق الأربعين بابتسامة نصر صفراء وغرور مطلق. أمامه على المكتب الفاخر، كانت تقارير الاستحواذ المالي تؤكد سقوط 90% من أصول شركة "مهران للتجارة". لقد تحقق الحلم الذي لطالما خططوا له منذ خمس سنوات؛ تدمير عائلة مهران ووضع أيديهم على آخر معاقل الاقتصاد المحلي. "يبدو أن رغد مهران قد تلقت الضربة القاضية اليوم ولن تقم لها قائمة بعد الآن"، قال خالد بصوت يقطر بالشماتة، وهو يحتسي كاساً من النبيذ الفاخر. "لقد كانت تعتقد أن بإمكانها الوقوف في وجهنا، فإذا بها تنتهي منهارة ومفلسة خلال ساعات معدودة." اقترب منه مساعده الخاص بحذر، وقال بصوت منخفض ومتردد: "سيدي، ورغم أن شركة مهران انهارت بالكامل، إلا أن هناك تقارير أمنية واقتصادية غير رسمية تشير إلى أن جهة مجهولة وضخمة جداً هي من قامت بشراء الديون وتجميد الأصول من الخلف... لم نستطع حتى الآن معرفة هوية المشتري الحقيقي." لوّح خالد بيده باستهزاء، غير مبالٍ
طيف الدماء القديمة لم تكن قسوة رغد مهران نابعة من فراغ، ولم تكن كراهيتها لفارس مجرد نزوة لامرأة متغطرسة؛ بل كانت بناءً متكاملاً شيدته عائلة مهران فوق أكوام من الأكاذيب والمصالح السياسية الملطخة بالدماء قبل خمس سنوات. في ذلك الجناح المظلم من القصر، حيث لا تصل أضواء المدينة الصاخبة، جلس فارس على كرسيه الجلدي، وأمامه جهاز لوحي صغير يعرض صوراً قديمة ومحفوظة بسرية تامة. كانت الصورة تظهر طفلاً صغيراً يقف بجانب عائلة يملؤها الدفء والفرح، عائلة كانت تمتلك إمبراطورية "بروتون" الاقتصادية قبل أن تتعرض لمذبحة مدبرة ليلة رأس السنة قبل خمس سنوات. تتبعت أصابع فارس ملامح والده الراحل على الشاشة. تذكر تلك الليلة المرعبة، رائحة البارود، صوت الرصاص الذي أودى بحياة أسرته بأكملها، وتلك الخيانة الكبرى التي قادتها عائلة مهران بالتعاون مع حلفائهم للإيقاع بعائلة "بروتون" وسرقة أملاكهم وتاريخهم بالكامل. لم ينجُ في تلك الليلة سوى فارس، الذي أقسم وهو يزحف بين دماء أهله أن يعود يوماً، لا ليأخذ بثأره بالرصاص، بل ليجعل كل من شارك في تلك المجزرة يجثو صاغراً تحت قدميه، يتوسل الموت فلا يجدونه. وعندما اكتشف أ
لم تكن الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلاً، ومع ذلك بدا قصر آل مهران أشبه بقلعة مهجورة يلفها صمت مطبق، لا يقطعه سوى صوت ارتطام قطرات المطر العنيف بزجاج النوافذ البانورامية الكبيرة.في الجناح العلوي، كان مكتب رغد مهران يضج بالفوضى المنظمة. الأوراق المالية، وميزانيات الشركات الربع سنوية، والتقارير القانونية المتعلقة باتفاقيات الاستحواذ المتعثرة، كانت متناثرة فوق المكتب الخشبي الفاخر المصنوع من خشب البلوط الداكن. جلست رغد على كرسيها الجلدي، تدلك صدغيها بأصابع ترتجف قليلاً من الإرهاق والصداع المزمن الذي بات رفيقها الدائم.فتح باب المكتب بهدوء، ودخل فارس بخطوات بطيئة وخفيفة كظلٍ صامت. كان يحمل بيده صينية فضية صغيرة عليها كوب من القهوة الداكنة يتصاعد منه بخار خفيف، وإلى جانبه قطعة صغيرة من الشوكولاتة المرة.اقترب من المكتب بحذر شديد، ووضع الصينية برفق فوق حافته الجانبية، ملقياً نظرة سريعة على وجه رغد الشاحب الذي تعلوه علامات التوتر والإحباط."القهوة جاهزة... كما طلبتِ تماماً يا رغد." قال صوته بنبرة منخفضة ومطيعة، تفتقر إلى أي حيوية أو كبرياء.رفعت رغد رأسها ببطء، وتسمرت عيناها الحادتان على
لم يكن المطر في تلك الليلة مجرد قطرات تضرب زجاج نافذة قصر "آل مهران"، بل كان أشبه بقرع طبول جنائزية بعيدة، تذكّر "فارس" بأن الوقت يمضي، وأن السنوات الخمس التي انقضت منذ تلك الليلة الدموية لم تكن سوى ومضة برق في سجل انتقامه الطويل.وقف فارس أمام حوض غسيل الأطباق في مطبخ القصر، يفرك إناءً زجاجياً بعناية بالغة. يرتدي مئزراً مطبخياً بسيطاً، ويبدو في أعيُن الناظرين صهراً عاطلاً عن العمل، لصقته عائلة مهران كوصمة عار على جبين ابنتهم الكبرى، الرئيسة التنفيذية المتعجرفة. لم يكن أحد، ولا حتى زوجته التي تشاركه السقف ذاته، يعلم أن الأصابع التي تنظف هذا الإناء الرخيص، هي ذاتها التي تضغط على أزرار البورصة العالمية وتُسقط إمبراطوريات مالية بجرة قلم.فتح باب المطبخ بقوة، ودخلت "رغد مهران". كانت ترتدي بدلة رسمية سوداء اللون، تعكس صرامة منصبها وهيبتها الطاغية في عالم الأعمال. وجهها الشاحب كان يحمل آثار إرهاق معركة شرسة خاضتها طوال اليوم في مجلس الإدارة، وعيناها الحادتان كالصقر استقرتا على فارس ببرود مطلق يخلو من أي مشعر إنساني."ألم تنتهِ بعد من هذه التفاهات؟" قالت رغد بصوت جاف وحاد كشفرة سكين، وهي تخل