Home / التشويق / الإثارة / صهر تحت المجهر / صدى الأكواب المكسورة

Share

صدى الأكواب المكسورة

last update publish date: 2026-09-20 00:11:09

لم تكن الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلاً، ومع ذلك بدا قصر آل مهران أشبه بقلعة مهجورة يلفها صمت مطبق، لا يقطعه سوى صوت ارتطام قطرات المطر العنيف بزجاج النوافذ البانورامية الكبيرة.

في الجناح العلوي، كان مكتب رغد مهران يضج بالفوضى المنظمة. الأوراق المالية، وميزانيات الشركات الربع سنوية، والتقارير القانونية المتعلقة باتفاقيات الاستحواذ المتعثرة، كانت متناثرة فوق المكتب الخشبي الفاخر المصنوع من خشب البلوط الداكن. جلست رغد على كرسيها الجلدي، تدلك صدغيها بأصابع ترتجف قليلاً من الإرهاق والصداع المزمن الذي بات رفيقها الدائم.

فتح باب المكتب بهدوء، ودخل فارس بخطوات بطيئة وخفيفة كظلٍ صامت. كان يحمل بيده صينية فضية صغيرة عليها كوب من القهوة الداكنة يتصاعد منه بخار خفيف، وإلى جانبه قطعة صغيرة من الشوكولاتة المرة.

اقترب من المكتب بحذر شديد، ووضع الصينية برفق فوق حافته الجانبية، ملقياً نظرة سريعة على وجه رغد الشاحب الذي تعلوه علامات التوتر والإحباط.

"القهوة جاهزة... كما طلبتِ تماماً يا رغد." قال صوته بنبرة منخفضة ومطيعة، تفتقر إلى أي حيوية أو كبرياء.

رفعت رغد رأسها ببطء، وتسمرت عيناها الحادتان على وجه فارس. لم تكن تنظر إليه كبشري، بل كقطعة ديكور مزعجة أو أداة بالية فرضها عليها جدها الراحل في وصيته المشؤومة التي اشترطت بقاءه في العائلة لضمان حصولها على الحصة الأكبر من الإرث.

مدّت يدها بعنف لتلتقط كوب القهوة، لكنها نتيجة توترها الشديد اصطدمت به بغرازة، فانقلب الكوب وسال السائل الأسود الداكن بغزارة فوق الملفات المهمة وتقارير الميزانية المفتوحة فوق المكتب.

اتسعت عينا رغد من الصدمة، وتحول وجهها إلى اللون الأحمر الداكن من شدة الغيظ والفزع. وقفت بسرعة مفاجئة حتى كاد الكرسي يرتطم بالأرض خلفها، وصرخت بصوت حاد يقطر سمّاً:

"أنت! يا لك من فاشل مطلق! حتى إحضار كوب قهوة عاجز عن فعله بشكل صحيح! هل أنت مصاب بالعمى أم أن الغباء جينات متأصلة في دمك؟!"

لم تتحرك عضلات وجه فارس، وبقى واقياً بملامح جامدة ومستسكنة، تماماً كما يتطلب منه قناع "الصهر الحقير". انحنى ببطء شديد ليبدأ بجمع الأوراق المتسخة بالقهوة مستخدماً منشفة ورقية، وقال بصوت خافت يعكس الانكسار الظاهري:

"أنا حقاً آسف يا رغد... لمט أقصد ذلك. سأقوم بتنظيف الطاولة وإعادة طباعة التقارير فوراً."

أمسكت رغد بحافة المكتب بقوة حتى أبيضت أصابعها، ونفثت غضبها الجامح كله في وجهه، متجاهلة تماماً نظراته الهادئة:

"تنظيف؟ هل تنظف سنوات من الفشل الذريع؟ أتعلم كم تستهلك هذه التقارير من وقتي؟ بينما أنا أقاتل بمفردي في السوق لكي لا تبتلعنا الشركات المنافسة، تقف أنت هنا كالشبح تثير الاشمئزاز! اكفف عن إزعاجي واخرج من وجهي حالاً... لا أطيق رؤيتك!"

وقف فارس ببطء، حاملاً الصينية الفارغة بيده، وخفض بصره إلى الأرض بطاعة عمياء:

"حاضر... سأتركك لعملك."

استدار ومشى نحو الباب بخطوات هادئة. وحين أغلق الباب خلفه بهدوء تام، وانعزل في ممر القصر المظلم، حدث التغيير الفوري.

تلاشت تلك الانحناءة الضعيفة من جسده تماماً. استقام بظهر صلب كالفولاذ، وتحولت عيناه الداكنتان إلى حفرتين من الصقيع المطلق. رفع يده البطيئة، وعدل أزرار قميصه بهدوء مرعب، ثم أخرج هاتفه المشفر من جيحه وضغطه على زر الاتصال السريع.

جاء الصوت الفوري من الطرف الآخر، متأهباً وحاداً:

"سيدي؟ هل حدث مكروه؟"

تحدث فارس بصوت همس به بروود يجمد الدم في العروق:

"شركة 'مهران للتجارة' تواجه ضغوطاً مالية هائلة اليوم بسبب تدخل خفي من مجموعة 'الزعفران' وشركائهم في الخفاء... هل انتهيتم من إعداد الفخ؟"

جاء الرد من رجل الظل بثقة مطلقة:

"كل شيء جاهز يا سيدي. الحسابات المالية لمجموعة الزعفران تحت المراقبة التامة، وحصصهم في البورصة على موعد مع الانهيار الكامل مع دق الجرس الأول لجلسة التداول صباح الغد. لن يبقى لهم حجر على حجر."

رسم فارس على شفتيه ابتسامة جانبية باردة ومظلمة، ونظر باتجاه باب مكتب رغد المغلق، ليقول بصوت خافت لا يسمعه سواه:

"لتعربدي قدر ما شئتِ يا رغد خلف أسوار هذا القصر... فقريباً جداً، ستدركين أن من تعاملينه كحشرة ذليلة، هو الإله الذي يمسك بأقدار مدينتكم بأكملها."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • صهر تحت المجهر    السيطرة المطلقة على المدينة

    خيوط الشك في عتمة القصركانت عواصف الخوف والذهول تضرب عقول الجميع في مدينة الفولاذ، لكن الهدوء الوحيد الذي كان يسود مكان1ً واحداً، هو ذلك القصر الواسع العائد لعائلة مهران.في قاعة الجلوس الواسعة، كانت رغد جالسة وحدها، تحيط بها أوراق حساباتها المفلسة وشاشات هاتفها التي لا تتوقف عن عرض أخبار الزلزال الاقتصادي المدمر: «إفلاس عائلة الزعفران التام في دقائق... ظهور غامض لمؤسسة 'بروتون' العالمية تبتلع السوق...»كلمة "بروتون" ظلت تتردد في رأسها مراراً وتكراراً. شعرت برعشة خفيفة تسري في عروقها. قبل خمس سنوات، كانت عائلة بروتون هي الإمبراطورية التي دُمّرت في تلك الليلة الدموية المشؤومة، واليوم، تظهر ذات المؤسسة من أعمق نقاط الظل لتسحق أعداء عائلة مهران وتتركهم على أطلال الإفلاس! كيف يُعقل أن تظهر قوة بهذا الجبروت دون أن يلاحظها أحد؟في تلك اللحظة، فتح باب القاعة بهدوء، ودخل فارس. كان يرتدي ملابسه البسيطة المعتادة، ويحمل بيده صينية صغيرة عليها كوب من الشاي الساخن الذي اعتاد إحضاره لها بصمت، مظهرًا ذلك الوجه الخنوع والمستسكن الذي طالما استهزأت به.رفعت رغد رأسها ببطء، وتسمرت عيناها على وجهه. ولأو

  • صهر تحت المجهر    الاحتفالات والأفراح تعم عائلة الزعفران

    أوهام النصر المؤقت كانت أضواء مدينة الفولاذ تتلألأ باهتة عبر زجاج مكتب "عائلة الزعفران"، حيث كان "خالد الزعفران"، رئيس مجلس الإدارة ورئيس العائلة، يقف واضعاً كفيه خلف ظهره، يتأمل أضواء المدينة من الطابق الأربعين بابتسامة نصر صفراء وغرور مطلق. أمامه على المكتب الفاخر، كانت تقارير الاستحواذ المالي تؤكد سقوط 90% من أصول شركة "مهران للتجارة". لقد تحقق الحلم الذي لطالما خططوا له منذ خمس سنوات؛ تدمير عائلة مهران ووضع أيديهم على آخر معاقل الاقتصاد المحلي. "يبدو أن رغد مهران قد تلقت الضربة القاضية اليوم ولن تقم لها قائمة بعد الآن"، قال خالد بصوت يقطر بالشماتة، وهو يحتسي كاساً من النبيذ الفاخر. "لقد كانت تعتقد أن بإمكانها الوقوف في وجهنا، فإذا بها تنتهي منهارة ومفلسة خلال ساعات معدودة." اقترب منه مساعده الخاص بحذر، وقال بصوت منخفض ومتردد: "سيدي، ورغم أن شركة مهران انهارت بالكامل، إلا أن هناك تقارير أمنية واقتصادية غير رسمية تشير إلى أن جهة مجهولة وضخمة جداً هي من قامت بشراء الديون وتجميد الأصول من الخلف... لم نستطع حتى الآن معرفة هوية المشتري الحقيقي." لوّح خالد بيده باستهزاء، غير مبالٍ

  • صهر تحت المجهر    خطة محكمة من فارس

    طيف الدماء القديمة لم تكن قسوة رغد مهران نابعة من فراغ، ولم تكن كراهيتها لفارس مجرد نزوة لامرأة متغطرسة؛ بل كانت بناءً متكاملاً شيدته عائلة مهران فوق أكوام من الأكاذيب والمصالح السياسية الملطخة بالدماء قبل خمس سنوات. في ذلك الجناح المظلم من القصر، حيث لا تصل أضواء المدينة الصاخبة، جلس فارس على كرسيه الجلدي، وأمامه جهاز لوحي صغير يعرض صوراً قديمة ومحفوظة بسرية تامة. كانت الصورة تظهر طفلاً صغيراً يقف بجانب عائلة يملؤها الدفء والفرح، عائلة كانت تمتلك إمبراطورية "بروتون" الاقتصادية قبل أن تتعرض لمذبحة مدبرة ليلة رأس السنة قبل خمس سنوات. تتبعت أصابع فارس ملامح والده الراحل على الشاشة. تذكر تلك الليلة المرعبة، رائحة البارود، صوت الرصاص الذي أودى بحياة أسرته بأكملها، وتلك الخيانة الكبرى التي قادتها عائلة مهران بالتعاون مع حلفائهم للإيقاع بعائلة "بروتون" وسرقة أملاكهم وتاريخهم بالكامل. لم ينجُ في تلك الليلة سوى فارس، الذي أقسم وهو يزحف بين دماء أهله أن يعود يوماً، لا ليأخذ بثأره بالرصاص، بل ليجعل كل من شارك في تلك المجزرة يجثو صاغراً تحت قدميه، يتوسل الموت فلا يجدونه. وعندما اكتشف أ

  • صهر تحت المجهر    صدى الأكواب المكسورة

    لم تكن الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلاً، ومع ذلك بدا قصر آل مهران أشبه بقلعة مهجورة يلفها صمت مطبق، لا يقطعه سوى صوت ارتطام قطرات المطر العنيف بزجاج النوافذ البانورامية الكبيرة.في الجناح العلوي، كان مكتب رغد مهران يضج بالفوضى المنظمة. الأوراق المالية، وميزانيات الشركات الربع سنوية، والتقارير القانونية المتعلقة باتفاقيات الاستحواذ المتعثرة، كانت متناثرة فوق المكتب الخشبي الفاخر المصنوع من خشب البلوط الداكن. جلست رغد على كرسيها الجلدي، تدلك صدغيها بأصابع ترتجف قليلاً من الإرهاق والصداع المزمن الذي بات رفيقها الدائم.فتح باب المكتب بهدوء، ودخل فارس بخطوات بطيئة وخفيفة كظلٍ صامت. كان يحمل بيده صينية فضية صغيرة عليها كوب من القهوة الداكنة يتصاعد منه بخار خفيف، وإلى جانبه قطعة صغيرة من الشوكولاتة المرة.اقترب من المكتب بحذر شديد، ووضع الصينية برفق فوق حافته الجانبية، ملقياً نظرة سريعة على وجه رغد الشاحب الذي تعلوه علامات التوتر والإحباط."القهوة جاهزة... كما طلبتِ تماماً يا رغد." قال صوته بنبرة منخفضة ومطيعة، تفتقر إلى أي حيوية أو كبرياء.رفعت رغد رأسها ببطء، وتسمرت عيناها الحادتان على

  • صهر تحت المجهر    ظل على مائدة العشاء

    لم يكن المطر في تلك الليلة مجرد قطرات تضرب زجاج نافذة قصر "آل مهران"، بل كان أشبه بقرع طبول جنائزية بعيدة، تذكّر "فارس" بأن الوقت يمضي، وأن السنوات الخمس التي انقضت منذ تلك الليلة الدموية لم تكن سوى ومضة برق في سجل انتقامه الطويل.وقف فارس أمام حوض غسيل الأطباق في مطبخ القصر، يفرك إناءً زجاجياً بعناية بالغة. يرتدي مئزراً مطبخياً بسيطاً، ويبدو في أعيُن الناظرين صهراً عاطلاً عن العمل، لصقته عائلة مهران كوصمة عار على جبين ابنتهم الكبرى، الرئيسة التنفيذية المتعجرفة. لم يكن أحد، ولا حتى زوجته التي تشاركه السقف ذاته، يعلم أن الأصابع التي تنظف هذا الإناء الرخيص، هي ذاتها التي تضغط على أزرار البورصة العالمية وتُسقط إمبراطوريات مالية بجرة قلم.فتح باب المطبخ بقوة، ودخلت "رغد مهران". كانت ترتدي بدلة رسمية سوداء اللون، تعكس صرامة منصبها وهيبتها الطاغية في عالم الأعمال. وجهها الشاحب كان يحمل آثار إرهاق معركة شرسة خاضتها طوال اليوم في مجلس الإدارة، وعيناها الحادتان كالصقر استقرتا على فارس ببرود مطلق يخلو من أي مشعر إنساني."ألم تنتهِ بعد من هذه التفاهات؟" قالت رغد بصوت جاف وحاد كشفرة سكين، وهي تخل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status