LOGINخيوط الشك في عتمة القصر
كانت عواصف الخوف والذهول تضرب عقول الجميع في مدينة الفولاذ، لكن الهدوء الوحيد الذي كان يسود مكان1ً واحداً، هو ذلك القصر الواسع العائد لعائلة مهران. في قاعة الجلوس الواسعة، كانت رغد جالسة وحدها، تحيط بها أوراق حساباتها المفلسة وشاشات هاتفها التي لا تتوقف عن عرض أخبار الزلزال الاقتصادي المدمر: «إفلاس عائلة الزعفران التام في دقائق... ظهور غامض لمؤسسة 'بروتون' العالمية تبتلع السوق...» كلمة "بروتون" ظلت تتردد في رأسها مراراً وتكراراً. شعرت برعشة خفيفة تسري في عروقها. قبل خمس سنوات، كانت عائلة بروتون هي الإمبراطورية التي دُمّرت في تلك الليلة الدموية المشؤومة، واليوم، تظهر ذات المؤسسة من أعمق نقاط الظل لتسحق أعداء عائلة مهران وتتركهم على أطلال الإفلاس! كيف يُعقل أن تظهر قوة بهذا الجبروت دون أن يلاحظها أحد؟ في تلك اللحظة، فتح باب القاعة بهدوء، ودخل فارس. كان يرتدي ملابسه البسيطة المعتادة، ويحمل بيده صينية صغيرة عليها كوب من الشاي الساخن الذي اعتاد إحضاره لها بصمت، مظهرًا ذلك الوجه الخنوع والمستسكن الذي طالما استهزأت به. رفعت رغد رأسها ببطء، وتسمرت عيناها على وجهه. ولأول مرة، لم تجد في نظراته ذلك البلادة أو الضعف المعتاد؛ بل بدت عيناه الداكنتان ثابتتين بشكل غريب، هادئتين كعمق المحيط وسط العاصفة. أخذت تنظر إليه بتمعن شديد، وكأنها ترا لأول مرة. تساءلت في سرها بذهول: كيف لرجل يشهد انهيار أكبر عائلات المدينة وتشريدهم، ويشهد انهيار إمبراطورية زوجته... ألا يتحرك فيه عرق واحد؟ ألا يظهر على وجهه أي خوف، أو استغراب، أو حتى شماتة؟ وضعت الصينية بهدوء، وقال فارس بصوته المنخفض والمألوف: "الشاي سيفقد حرارته إن لم تشربيه يا رغد... العالم الخارج صاخب، لكن هنا... لا داعي لكل هذا القلق." أمسكت رغد بطرف الطاولة بقوة، وعقدت حاجبيها بارتياب وهي ترمقه بنظرة حادة: "فارس..." قالت بصوت مشدود ومبحوح. "ألا تابعين الأخبار؟ عائلة الزعفران انهارت تماماً في دقيقة واحدة... المدينة بأكملها مرعوبة من الكيان الجديد المسمى 'مؤسسة بروتون'... ألا يشكل هذا أي صدمة لك؟ ألا تخاف أن نفقد ما تبقى لنا ونطرد إلى الشارع؟" توقف فارس عن الحركة لثانية واحدة. وميض بارد كمشرط الجراح مرّ في عينيه الخفيتين، لكنه بسرعة فائقة أعاد ارتداء قناع البرود، ورسم ابتسامة باهتة ومستسكنة على شفتيه: "ماذا عساي أن أقول يا رغد؟ أنا رجل بسيط، لا أملك سوى هذا المطبخ وهذا البيت... إن طردونا إلى الشارع، فسنعيش معاً كما كنا... أليست هذه هي الحياة التي اعتدتِ عليّ فيها؟" جملته تلك، التي أراد بها تهدئة الشكوك، زادت من ريبة رغد وخلقت غصة باردة في حلقها. لم يكن الخنوع الذي تبدى في صوته متناسقاً أبداً مع نظرة الثقة المطلقة التي لمعت في عينيه قبل قليل. شعرت أن خلف هذا الوجه العادي يختبئ وحش ضخم يراقب كل شيء بصمت مطبق. أدارت وجهها عنه ببطء، وهمست لنفسها بصوت خافت: "من أنت حقاً يا فارس؟ وما سر هذا الهدوء الذي يقتلني؟" وفي نفس اللحظة، كان فارس يستدير ويخطو نحو الرواق المظلم، لترتسم على شفتيه ابتسامة جانبية مظلمة، وليقول في نفسه بصوت خافت لا يسمعه أحد: "اقتربي من الحقيقة قدر ما شئتِ يا رغد... فالقناع سيُسقط قريباً، وحين أكشف وجهي الحقيقي، لن تقفي بين الخوف والعشق أبداً." ظلال الشك المتسربة مرت الأيام التالية كأنها دهور ثقيلة على قصر آل مهران. كانت رغد تعيش في دوامة من الأفكار المشتتة؛ فمن جهة، انهارت إمبراطورية عائلتها التجارية وأصبحوا على حافة العوز، ومن جهة أخرى، كان وجه زوجها "فارس" الهادئ يلاحقها في كل زاوية من زوايا البيت كاللغز الذي لا تستطيع حل رموزه. في ليلة باردة، كانت رغد جالسة في مكتبها المظلم، تنظر من نافذة القصر إلى الحديقة الخارجية التي غطاها ضباب الخريف. هاتفها كان ملقى أمامها، وتظهر عليه تفاصيل الأخبار المتلاحقة عن استحواذ "مؤسسة بروتون" على كل مفاصل السوق الاقتصادي، وكيف أن هذه المؤسسة الغامضة تبدو وكأنها تدير المدينة بأكملها من خلف حجاب. تناهى إلى سمعها صوت خطوات خفيفة ومدروسة تقترب من باب المكتب. فتح الباب ببطء، وظهر فارس يحمل صينية صغيرة عليها كوب من الحليب الدافئ، تماماً كما اعتاد أن يفعل كل ليلة منذ سنوات. اقترب بخطوات منكسرة ومستسكنة، واضعاً الصينية على حافة المكتب بهدوء. "الوقت متأخر جداً يا رغد... والصداع سيزيدك تعباً إن لم تحاولي النوم قليلاً." قال صوته بنبرة منخفضة وخنوع معتاد. لم ترد رغد فوراً. رفعت عينيها الحادتان وثبتهما عليه مباشرة. لأول مرة، لم ترغب في إبعاده أو صرخه كما كانت تفعل في السابق. بدلاً من ذلك، تأملت تفاصيل وجهه الهادئ، وتلك العيون التي لم ترتجف يوماً، حتى في أظلم لحظات الإفلاس والدمار. قالت بصوت مشدود ومحمل بشكوك تثقل قلبها: "فارس... ألا تفكر أبداً في شيء؟ ألا تشعر بالخوف وأنت ترينا نتحول إلى مفلسين، بينما المدينة بأسرها تتزلزل تحت أقدام 'مؤسسة بروتون'؟ ألا يراودك شعور بأن هناك خفايا لا نعرفها تدير كل هذه الكوارث؟" لم تتحرك في وجه فارس أي عضلة. حافظ بدقة على ذلك القناع الضعيف، ورسم ابتسامة باهتة ومطمئنة: "الخوف لن يغير شيئاً يا رغد... وأما الكوارث، فهي للكبراء وأصحاب الشركات العظمى. أما نحن، فلا نملك ما نخسره أكثر مما فقدناه. لا تشغلي عقلك بكل هذه الظنون، وكوني قوية كما عهدتك." كلماته كانت هادئة، لكن نبرته... تلك النبرة العميقة والثابتة أكثر من اللازم، جعلت قلب رغد ينبض برعشة غريبة. لم تكن تشك بأنه "الملك الخفي" أو صاحب المليارات، فذلك ما كان عقلها ليرفض تصديقه تماماً بالنظر إلى صورته الضعيفة أمامها لسنوات؛ لكنها شعرت للمرة الأولى، وبشكل قاطع، أن هذا الرجل ليس كما يظهر أبداً. هناك سر مظلم وعميق يختبئ خلف هذا الصمت، سر إذا انكشف يوماً، فسيهز أركان حياتها بالكامل. أدارت رغد وجهها عنه ببطء، وهمست بصوت خافت يعكس حيرتها القاتلة: "أنت تخفي شيئاً يا فارس... أشعر بذلك، وكأنك لست الشخص الذي أعرفه طوال هذه السنوات." وقف فارس صامتاً لثانية واحدة، ثم انحنى بخفة كعادته المذلولة، وقال: "تأخذين قسطاً من الراحة، فهذا أفضل لك." استدار ومشى نحو الباب بخطوات هادئة. وحين أغلق الباب خلفه وتلاشى في عتمة الممر الطويل، ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية باردة ومظلمة، ليهمس لنفسه بهدوء شديد: "بدأتِ تشعرين بالخيط يا رغد... لكن الوقت لم يحن بعد لتري الوجه الحقيقي. ستستمرين في الشك، حتى يأتي اليوم الذي تسقطين فيه في الهاوية، وأكون أنا طوق النجاة الوحيد الذي يمسك بيدك."خيوط الشك في عتمة القصركانت عواصف الخوف والذهول تضرب عقول الجميع في مدينة الفولاذ، لكن الهدوء الوحيد الذي كان يسود مكان1ً واحداً، هو ذلك القصر الواسع العائد لعائلة مهران.في قاعة الجلوس الواسعة، كانت رغد جالسة وحدها، تحيط بها أوراق حساباتها المفلسة وشاشات هاتفها التي لا تتوقف عن عرض أخبار الزلزال الاقتصادي المدمر: «إفلاس عائلة الزعفران التام في دقائق... ظهور غامض لمؤسسة 'بروتون' العالمية تبتلع السوق...»كلمة "بروتون" ظلت تتردد في رأسها مراراً وتكراراً. شعرت برعشة خفيفة تسري في عروقها. قبل خمس سنوات، كانت عائلة بروتون هي الإمبراطورية التي دُمّرت في تلك الليلة الدموية المشؤومة، واليوم، تظهر ذات المؤسسة من أعمق نقاط الظل لتسحق أعداء عائلة مهران وتتركهم على أطلال الإفلاس! كيف يُعقل أن تظهر قوة بهذا الجبروت دون أن يلاحظها أحد؟في تلك اللحظة، فتح باب القاعة بهدوء، ودخل فارس. كان يرتدي ملابسه البسيطة المعتادة، ويحمل بيده صينية صغيرة عليها كوب من الشاي الساخن الذي اعتاد إحضاره لها بصمت، مظهرًا ذلك الوجه الخنوع والمستسكن الذي طالما استهزأت به.رفعت رغد رأسها ببطء، وتسمرت عيناها على وجهه. ولأو
أوهام النصر المؤقت كانت أضواء مدينة الفولاذ تتلألأ باهتة عبر زجاج مكتب "عائلة الزعفران"، حيث كان "خالد الزعفران"، رئيس مجلس الإدارة ورئيس العائلة، يقف واضعاً كفيه خلف ظهره، يتأمل أضواء المدينة من الطابق الأربعين بابتسامة نصر صفراء وغرور مطلق. أمامه على المكتب الفاخر، كانت تقارير الاستحواذ المالي تؤكد سقوط 90% من أصول شركة "مهران للتجارة". لقد تحقق الحلم الذي لطالما خططوا له منذ خمس سنوات؛ تدمير عائلة مهران ووضع أيديهم على آخر معاقل الاقتصاد المحلي. "يبدو أن رغد مهران قد تلقت الضربة القاضية اليوم ولن تقم لها قائمة بعد الآن"، قال خالد بصوت يقطر بالشماتة، وهو يحتسي كاساً من النبيذ الفاخر. "لقد كانت تعتقد أن بإمكانها الوقوف في وجهنا، فإذا بها تنتهي منهارة ومفلسة خلال ساعات معدودة." اقترب منه مساعده الخاص بحذر، وقال بصوت منخفض ومتردد: "سيدي، ورغم أن شركة مهران انهارت بالكامل، إلا أن هناك تقارير أمنية واقتصادية غير رسمية تشير إلى أن جهة مجهولة وضخمة جداً هي من قامت بشراء الديون وتجميد الأصول من الخلف... لم نستطع حتى الآن معرفة هوية المشتري الحقيقي." لوّح خالد بيده باستهزاء، غير مبالٍ
طيف الدماء القديمة لم تكن قسوة رغد مهران نابعة من فراغ، ولم تكن كراهيتها لفارس مجرد نزوة لامرأة متغطرسة؛ بل كانت بناءً متكاملاً شيدته عائلة مهران فوق أكوام من الأكاذيب والمصالح السياسية الملطخة بالدماء قبل خمس سنوات. في ذلك الجناح المظلم من القصر، حيث لا تصل أضواء المدينة الصاخبة، جلس فارس على كرسيه الجلدي، وأمامه جهاز لوحي صغير يعرض صوراً قديمة ومحفوظة بسرية تامة. كانت الصورة تظهر طفلاً صغيراً يقف بجانب عائلة يملؤها الدفء والفرح، عائلة كانت تمتلك إمبراطورية "بروتون" الاقتصادية قبل أن تتعرض لمذبحة مدبرة ليلة رأس السنة قبل خمس سنوات. تتبعت أصابع فارس ملامح والده الراحل على الشاشة. تذكر تلك الليلة المرعبة، رائحة البارود، صوت الرصاص الذي أودى بحياة أسرته بأكملها، وتلك الخيانة الكبرى التي قادتها عائلة مهران بالتعاون مع حلفائهم للإيقاع بعائلة "بروتون" وسرقة أملاكهم وتاريخهم بالكامل. لم ينجُ في تلك الليلة سوى فارس، الذي أقسم وهو يزحف بين دماء أهله أن يعود يوماً، لا ليأخذ بثأره بالرصاص، بل ليجعل كل من شارك في تلك المجزرة يجثو صاغراً تحت قدميه، يتوسل الموت فلا يجدونه. وعندما اكتشف أ
لم تكن الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلاً، ومع ذلك بدا قصر آل مهران أشبه بقلعة مهجورة يلفها صمت مطبق، لا يقطعه سوى صوت ارتطام قطرات المطر العنيف بزجاج النوافذ البانورامية الكبيرة.في الجناح العلوي، كان مكتب رغد مهران يضج بالفوضى المنظمة. الأوراق المالية، وميزانيات الشركات الربع سنوية، والتقارير القانونية المتعلقة باتفاقيات الاستحواذ المتعثرة، كانت متناثرة فوق المكتب الخشبي الفاخر المصنوع من خشب البلوط الداكن. جلست رغد على كرسيها الجلدي، تدلك صدغيها بأصابع ترتجف قليلاً من الإرهاق والصداع المزمن الذي بات رفيقها الدائم.فتح باب المكتب بهدوء، ودخل فارس بخطوات بطيئة وخفيفة كظلٍ صامت. كان يحمل بيده صينية فضية صغيرة عليها كوب من القهوة الداكنة يتصاعد منه بخار خفيف، وإلى جانبه قطعة صغيرة من الشوكولاتة المرة.اقترب من المكتب بحذر شديد، ووضع الصينية برفق فوق حافته الجانبية، ملقياً نظرة سريعة على وجه رغد الشاحب الذي تعلوه علامات التوتر والإحباط."القهوة جاهزة... كما طلبتِ تماماً يا رغد." قال صوته بنبرة منخفضة ومطيعة، تفتقر إلى أي حيوية أو كبرياء.رفعت رغد رأسها ببطء، وتسمرت عيناها الحادتان على
لم يكن المطر في تلك الليلة مجرد قطرات تضرب زجاج نافذة قصر "آل مهران"، بل كان أشبه بقرع طبول جنائزية بعيدة، تذكّر "فارس" بأن الوقت يمضي، وأن السنوات الخمس التي انقضت منذ تلك الليلة الدموية لم تكن سوى ومضة برق في سجل انتقامه الطويل.وقف فارس أمام حوض غسيل الأطباق في مطبخ القصر، يفرك إناءً زجاجياً بعناية بالغة. يرتدي مئزراً مطبخياً بسيطاً، ويبدو في أعيُن الناظرين صهراً عاطلاً عن العمل، لصقته عائلة مهران كوصمة عار على جبين ابنتهم الكبرى، الرئيسة التنفيذية المتعجرفة. لم يكن أحد، ولا حتى زوجته التي تشاركه السقف ذاته، يعلم أن الأصابع التي تنظف هذا الإناء الرخيص، هي ذاتها التي تضغط على أزرار البورصة العالمية وتُسقط إمبراطوريات مالية بجرة قلم.فتح باب المطبخ بقوة، ودخلت "رغد مهران". كانت ترتدي بدلة رسمية سوداء اللون، تعكس صرامة منصبها وهيبتها الطاغية في عالم الأعمال. وجهها الشاحب كان يحمل آثار إرهاق معركة شرسة خاضتها طوال اليوم في مجلس الإدارة، وعيناها الحادتان كالصقر استقرتا على فارس ببرود مطلق يخلو من أي مشعر إنساني."ألم تنتهِ بعد من هذه التفاهات؟" قالت رغد بصوت جاف وحاد كشفرة سكين، وهي تخل







