Home / التشويق / الإثارة / صهر تحت المجهر / ظل على مائدة العشاء

Share

صهر  تحت المجهر
صهر تحت المجهر
Author: ملك الرومانسية

ظل على مائدة العشاء

last update publish date: 2026-09-20 00:05:58

لم يكن المطر في تلك الليلة مجرد قطرات تضرب زجاج نافذة قصر "آل مهران"، بل كان أشبه بقرع طبول جنائزية بعيدة، تذكّر "فارس" بأن الوقت يمضي، وأن السنوات الخمس التي انقضت منذ تلك الليلة الدموية لم تكن سوى ومضة برق في سجل انتقامه الطويل.

وقف فارس أمام حوض غسيل الأطباق في مطبخ القصر، يفرك إناءً زجاجياً بعناية بالغة. يرتدي مئزراً مطبخياً بسيطاً، ويبدو في أعيُن الناظرين صهراً عاطلاً عن العمل، لصقته عائلة مهران كوصمة عار على جبين ابنتهم الكبرى، الرئيسة التنفيذية المتعجرفة. لم يكن أحد، ولا حتى زوجته التي تشاركه السقف ذاته، يعلم أن الأصابع التي تنظف هذا الإناء الرخيص، هي ذاتها التي تضغط على أزرار البورصة العالمية وتُسقط إمبراطوريات مالية بجرة قلم.

فتح باب المطبخ بقوة، ودخلت "رغد مهران". كانت ترتدي بدلة رسمية سوداء اللون، تعكس صرامة منصبها وهيبتها الطاغية في عالم الأعمال. وجهها الشاحب كان يحمل آثار إرهاق معركة شرسة خاضتها طوال اليوم في مجلس الإدارة، وعيناها الحادتان كالصقر استقرتا على فارس ببرود مطلق يخلو من أي مشعر إنساني.

"ألم تنتهِ بعد من هذه التفاهات؟" قالت رغد بصوت جاف وحاد كشفرة سكين، وهي تخلع ساعتها الثمينة وتلقيها بعنف فوق طاولة المطبخ. "أنت لا تكلف عائلة مهران شيئاً سوى المساحة التي تشغلها ومصاريف طعامك التافهة، ومع ذلك تبدو عاجزاً حتى عن إبقاء المطبخ نظيفاً قبل عودتي."

توقف فارس عن الحركة لثانية واحدة. وميض خافت وبرد القطب الشمالي مرّ في عينيه، لكنه أخفاه بسرعة فائقة، مستعيداً قناع "الصهر الحقير" الذي أتقن ارتداءه طوال عامين من الزواج المدبر. استدار ببطء، وابتسم ابتسامة باهتة ومستسكنة، تماماً كما يتوقع منه الجميع:

"أنا آسف يا رغد... تأخرت قليلاً اليوم بسبب ازدحام السير، لكن كل شيء سيكون جاهزاً فوراً."

أطلقت رغد ضحكة ساخرة، مليئة بالازدراء والاحتقار. اقتربت منه خطوة، ومالت برأسها نحوه، لترسخ في ذهنه مكانته الحقيقية في هذا البيت:

"ازدحام سير؟ يا لك من كائن بائساً. بينما أنا أحارب طوال اليوم لإنقاذ عقود الشركة من الانهيار، وتثبيت أقدام عائلة مهران في قمة السوق، تفكر أنت في ازدحام السير وتضييع الوقت. لولا وصية جدي اللعينة، لما بقيت دقيقة واحدة تحت سقف واحد مع شخص مثلك. تذكر دائماً، أنت لست زوجاً حقاً... أنت مجرد دمية قبيحة اشتريناها لتبقي أفواه الصحافة غائبة عن مشاكل العائلة."

لم يتردد فارس في ابتلاع الإهانة. بل بالعكس، رسم على وجهه ملامح الانكسار والضعف، وأومأ برأسه في خنوع مزيف:

"حاضر... كما ترين يا رغد."

تنهدت رغد بعمق من شدة الإحباط واليأس منه، والتفتت مغادرة المطبخ وهي تلعن حظها العاثر. صاحت من بعيد وهي تصعد الدرج المؤدي إلى الجناح الرئيسي:

"جهّز لي قهوة ساخنة واصعد بها إلى مكتبي خلال خمس دقائق. وإياك أن تسكبها هذه المرة!"

بقي فارس وحيداً في المطبخ الواسع. تدريجياً، تلاشت ملامح الانكسار عن وجهه، وتحولت عيناه إلى حفرتين من الجليد الصافي. استقام بظهر واقٍ وصلب، ومسح يديه بمنشفة بهدوء مخيف.

أخرج هاتفاً مشفراً وخاصاً جداً من جيبه، لا يعلم وجوده أحد على وجه الأرض سوى رجاله الألف الأوفياء. ضغط على زر واحد، واتصل برقم سري للغاية.

جاء الصوت من الطرف الآخر فوراً، محملاً بأعلى درجات الاحترام والولاء المطلق، كمن يخاطب إلهاً في معبده:

"سيدي... نحن بانتظار إشارتك. المدينة بأكملها تحت السيطرة، وكل تحركات أعداء عائلة مهران تقع تحت مجهرنا."

تحدث فارس بصوت هادئ، منخفض، ولكنه يحمل طاقة تزلزل الجبال:

"اللعبة في السوق وصلت إلى ذروتها، ولعبتي الخاصة هنا بدأت تؤتي ثمارها. راقبوا كل شبر تحيط بـ رغد مهران... شعرة واحدة من رأسها إن أصابها مكروه، أقسم أنني لن أجعل عائلة 'الزعفران' أو أي شخص شارك في مذبحة عائلتي يرى نور الشمس مرة أخرى. ابقوا في الجوار... الوقت يقترب."

أغلق الهاتف، ووضع كوب القهوة الساخنة على الصينية، مستعداً للصعود إلى عرش الجلاد الذي تعيش فيه زوجته، غير مدرك أن العواصف القادمة لن ترحم أحداً، وأن نقطة ضعفه الوحيدة قد ولدت رسمياً في تلك اللحظة بالذات.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • صهر تحت المجهر    السيطرة المطلقة على المدينة

    خيوط الشك في عتمة القصركانت عواصف الخوف والذهول تضرب عقول الجميع في مدينة الفولاذ، لكن الهدوء الوحيد الذي كان يسود مكان1ً واحداً، هو ذلك القصر الواسع العائد لعائلة مهران.في قاعة الجلوس الواسعة، كانت رغد جالسة وحدها، تحيط بها أوراق حساباتها المفلسة وشاشات هاتفها التي لا تتوقف عن عرض أخبار الزلزال الاقتصادي المدمر: «إفلاس عائلة الزعفران التام في دقائق... ظهور غامض لمؤسسة 'بروتون' العالمية تبتلع السوق...»كلمة "بروتون" ظلت تتردد في رأسها مراراً وتكراراً. شعرت برعشة خفيفة تسري في عروقها. قبل خمس سنوات، كانت عائلة بروتون هي الإمبراطورية التي دُمّرت في تلك الليلة الدموية المشؤومة، واليوم، تظهر ذات المؤسسة من أعمق نقاط الظل لتسحق أعداء عائلة مهران وتتركهم على أطلال الإفلاس! كيف يُعقل أن تظهر قوة بهذا الجبروت دون أن يلاحظها أحد؟في تلك اللحظة، فتح باب القاعة بهدوء، ودخل فارس. كان يرتدي ملابسه البسيطة المعتادة، ويحمل بيده صينية صغيرة عليها كوب من الشاي الساخن الذي اعتاد إحضاره لها بصمت، مظهرًا ذلك الوجه الخنوع والمستسكن الذي طالما استهزأت به.رفعت رغد رأسها ببطء، وتسمرت عيناها على وجهه. ولأو

  • صهر تحت المجهر    الاحتفالات والأفراح تعم عائلة الزعفران

    أوهام النصر المؤقت كانت أضواء مدينة الفولاذ تتلألأ باهتة عبر زجاج مكتب "عائلة الزعفران"، حيث كان "خالد الزعفران"، رئيس مجلس الإدارة ورئيس العائلة، يقف واضعاً كفيه خلف ظهره، يتأمل أضواء المدينة من الطابق الأربعين بابتسامة نصر صفراء وغرور مطلق. أمامه على المكتب الفاخر، كانت تقارير الاستحواذ المالي تؤكد سقوط 90% من أصول شركة "مهران للتجارة". لقد تحقق الحلم الذي لطالما خططوا له منذ خمس سنوات؛ تدمير عائلة مهران ووضع أيديهم على آخر معاقل الاقتصاد المحلي. "يبدو أن رغد مهران قد تلقت الضربة القاضية اليوم ولن تقم لها قائمة بعد الآن"، قال خالد بصوت يقطر بالشماتة، وهو يحتسي كاساً من النبيذ الفاخر. "لقد كانت تعتقد أن بإمكانها الوقوف في وجهنا، فإذا بها تنتهي منهارة ومفلسة خلال ساعات معدودة." اقترب منه مساعده الخاص بحذر، وقال بصوت منخفض ومتردد: "سيدي، ورغم أن شركة مهران انهارت بالكامل، إلا أن هناك تقارير أمنية واقتصادية غير رسمية تشير إلى أن جهة مجهولة وضخمة جداً هي من قامت بشراء الديون وتجميد الأصول من الخلف... لم نستطع حتى الآن معرفة هوية المشتري الحقيقي." لوّح خالد بيده باستهزاء، غير مبالٍ

  • صهر تحت المجهر    خطة محكمة من فارس

    طيف الدماء القديمة لم تكن قسوة رغد مهران نابعة من فراغ، ولم تكن كراهيتها لفارس مجرد نزوة لامرأة متغطرسة؛ بل كانت بناءً متكاملاً شيدته عائلة مهران فوق أكوام من الأكاذيب والمصالح السياسية الملطخة بالدماء قبل خمس سنوات. في ذلك الجناح المظلم من القصر، حيث لا تصل أضواء المدينة الصاخبة، جلس فارس على كرسيه الجلدي، وأمامه جهاز لوحي صغير يعرض صوراً قديمة ومحفوظة بسرية تامة. كانت الصورة تظهر طفلاً صغيراً يقف بجانب عائلة يملؤها الدفء والفرح، عائلة كانت تمتلك إمبراطورية "بروتون" الاقتصادية قبل أن تتعرض لمذبحة مدبرة ليلة رأس السنة قبل خمس سنوات. تتبعت أصابع فارس ملامح والده الراحل على الشاشة. تذكر تلك الليلة المرعبة، رائحة البارود، صوت الرصاص الذي أودى بحياة أسرته بأكملها، وتلك الخيانة الكبرى التي قادتها عائلة مهران بالتعاون مع حلفائهم للإيقاع بعائلة "بروتون" وسرقة أملاكهم وتاريخهم بالكامل. لم ينجُ في تلك الليلة سوى فارس، الذي أقسم وهو يزحف بين دماء أهله أن يعود يوماً، لا ليأخذ بثأره بالرصاص، بل ليجعل كل من شارك في تلك المجزرة يجثو صاغراً تحت قدميه، يتوسل الموت فلا يجدونه. وعندما اكتشف أ

  • صهر تحت المجهر    صدى الأكواب المكسورة

    لم تكن الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلاً، ومع ذلك بدا قصر آل مهران أشبه بقلعة مهجورة يلفها صمت مطبق، لا يقطعه سوى صوت ارتطام قطرات المطر العنيف بزجاج النوافذ البانورامية الكبيرة.في الجناح العلوي، كان مكتب رغد مهران يضج بالفوضى المنظمة. الأوراق المالية، وميزانيات الشركات الربع سنوية، والتقارير القانونية المتعلقة باتفاقيات الاستحواذ المتعثرة، كانت متناثرة فوق المكتب الخشبي الفاخر المصنوع من خشب البلوط الداكن. جلست رغد على كرسيها الجلدي، تدلك صدغيها بأصابع ترتجف قليلاً من الإرهاق والصداع المزمن الذي بات رفيقها الدائم.فتح باب المكتب بهدوء، ودخل فارس بخطوات بطيئة وخفيفة كظلٍ صامت. كان يحمل بيده صينية فضية صغيرة عليها كوب من القهوة الداكنة يتصاعد منه بخار خفيف، وإلى جانبه قطعة صغيرة من الشوكولاتة المرة.اقترب من المكتب بحذر شديد، ووضع الصينية برفق فوق حافته الجانبية، ملقياً نظرة سريعة على وجه رغد الشاحب الذي تعلوه علامات التوتر والإحباط."القهوة جاهزة... كما طلبتِ تماماً يا رغد." قال صوته بنبرة منخفضة ومطيعة، تفتقر إلى أي حيوية أو كبرياء.رفعت رغد رأسها ببطء، وتسمرت عيناها الحادتان على

  • صهر تحت المجهر    ظل على مائدة العشاء

    لم يكن المطر في تلك الليلة مجرد قطرات تضرب زجاج نافذة قصر "آل مهران"، بل كان أشبه بقرع طبول جنائزية بعيدة، تذكّر "فارس" بأن الوقت يمضي، وأن السنوات الخمس التي انقضت منذ تلك الليلة الدموية لم تكن سوى ومضة برق في سجل انتقامه الطويل.وقف فارس أمام حوض غسيل الأطباق في مطبخ القصر، يفرك إناءً زجاجياً بعناية بالغة. يرتدي مئزراً مطبخياً بسيطاً، ويبدو في أعيُن الناظرين صهراً عاطلاً عن العمل، لصقته عائلة مهران كوصمة عار على جبين ابنتهم الكبرى، الرئيسة التنفيذية المتعجرفة. لم يكن أحد، ولا حتى زوجته التي تشاركه السقف ذاته، يعلم أن الأصابع التي تنظف هذا الإناء الرخيص، هي ذاتها التي تضغط على أزرار البورصة العالمية وتُسقط إمبراطوريات مالية بجرة قلم.فتح باب المطبخ بقوة، ودخلت "رغد مهران". كانت ترتدي بدلة رسمية سوداء اللون، تعكس صرامة منصبها وهيبتها الطاغية في عالم الأعمال. وجهها الشاحب كان يحمل آثار إرهاق معركة شرسة خاضتها طوال اليوم في مجلس الإدارة، وعيناها الحادتان كالصقر استقرتا على فارس ببرود مطلق يخلو من أي مشعر إنساني."ألم تنتهِ بعد من هذه التفاهات؟" قالت رغد بصوت جاف وحاد كشفرة سكين، وهي تخل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status