Share

فرسان الرماد

last update publish date: 2026-11-01 17:25:00

رأيتهم قبل أن أسمعهم: سبعة فرسان على السفح الشرقي، يخرجون من الضباب واحدًا بعد واحد كأن الضباب نفسه يلدهم. دروعهم رمادية بلا بريق، بلون الرماد الذي يسقط من نار انطفأت، يغطي وجوههم قماش أسود، وخيولهم ضخمة سوداء لا تصهل، تمشي بخطوات منتظمة كأن قائدًا واحدًا يحرّك أرجلها كلها. ولا شعار على راياتهم إلا ثلاث دوائر وسهم.

أسقطت المعول وركضت إلى الإسطبل، وقلبي يخبط في صدري. كانت الفرس البيضاء واقفة على قوائمها رغم جرحها، تنظر إلى الباب بأذنين منتصبتين، كأنها كانت تنتظرهم منذ البداية. لم أفهم كيف استطاعت النهوض، ولا كيف عرفت.

— لن تحمليني وأنتِ هكذا، قلت لها.

لكنها اقتربت، وعضّت طرف كمّي بلطف، وسحبتني نحو سرجها. ثم لاحظتُ للمرة الأولى ما كان خافيًا بين خصلات عرفها: خيط أحمر مجدول بإتقان، تتخلله عقدة صغيرة لا تعقدها إلا يد تعرف ما تفعل، ولا تشبه عقد رجال الوادي ولا نسائه. لمسته بإصبعي فارتجفت الفرس ارتجافة خفيفة، كمن تذكّر وجهًا غاب عنه طويلًا.

لم يكن عندي وقت لأسأل من عقدها.

سحبت سيفي من علّاقته، وهو سيف أبي الذي صقلته بيدي ولم أستعمله إلا في التدريب. كان أثقل مما أذكر، وكان نصله بارد البرودة التي تسبق المعارك. وضعت الحجر في الكيس وربطته إلى صدري بإحكام حتى شعرت بنبضه ينبض فوق نبضي، ثم صعدت على ريح، وتركت الفرس البيضاء تتبعني حرّة.

وصلنا إلى مدخل الوادي في اللحظة التي كانت الحوافر السوداء تدقّ فيها الأرض دقًّا يهزّ الحصى. وهناك، وسط الطريق، كانت جدتي تقف وحدها، متكئة على عصاها، شعرها الأبيض يتطاير في الريح، ووجهها نحو الفرسان لا يرتجف.

— عودي يا جدتي!

— اذهب شرقًا إلى حيث جاءت الفرس! لا تلتفت!

لوّحت بعصاها كأنها تصدّ ريحًا، وصاح الفارس الأول بصوت مكتوم من خلف القماش: "اقتلوا العجوز، وأمسكوا الولد حيًّا."

لم أفكر. دفعت ريحًا إلى الأمام وانقضضت.

كان أول سيف التقى بسيفي أثقل مما تعلّمت. ارتجّت ذراعي حتى كتفي، وانزلقت قدمي في الركاب. رأيت عينيه من خلف القماش، هادئتين كعيني من قتل كثيرًا ولم يعد يرى القتل شيئًا. ضربني بمقبض سيفه في صدري فسقطت عن السرج، وتدحرجت في التراب، والحجر يضغط على ضلعي حتى كاد ينطق. سمعت وقع حافر فوق رأسي، وارتفع النصل الرمادي في وجه الشمس.

ثم جاء الصهيل.

الفرس البيضاء، التي كان جرحها ينفتح من جديد ويقطر دمًا على الحصى، اندفعت بين الفارس وبيني، وصدمت جواده بكتفها صدمة أسقطته أرضًا. لم أرَ حصانًا يقاتل بهذه الطريقة من قبل، كأنها تعرف بالضبط كيف يُصدّ هذا النوع من الفرسان، وكأنها رأتهم من قبل وعرفت حيلهم كلها.

نهضت وسيفي في يدي، وفي تلك اللحظة تغيّر شيء بداخلي. لم يعد الحديد غريبًا. تذكّرته ذراعاي، كأن أبي واقف خلفي يمسك معصمي ويهمس بما لم يقله لي يومًا: الوزن في الكتف لا في الذراع، والنظر إلى العين لا إلى النصل. ضربت. وسقط الأول.

لكن ستة غيره كانوا يهبطون السفح، وريح قد فرّ مذعورًا نحو الوادي، ولم أجد وقتًا لأتبعه بنظري.

أمسكت بعُرف الفرس البيضاء وقفزت على ظهرها، فانطلقت قبل أن آمرها، شرقًا، كما قالت جدتي. كانت أسرع من أي حصان ركبته، تطير فوق الحصى كأنها لا تلمس الأرض، والدم يسيل على ساقي من جرحها وهي لا تتباطأ. وفي الغبار الذي خلفنا، سمعت صوت العصا تهوي على الأرض، ثم سكنت الريح.

لم ألتفت. لكنني وعدت نفسي، وأنا أغرس وجهي في عُرف الفرس حتى لا ترى دموعي، أنني سأعود.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • صهيل الرماد    وادي النائمين

    لم يقل عاصم شيئًا حتى أسرجنا الخيل. كان يشد الحزام على بطن حصانه بأصابع هادئة، كمن يعرف أن الانفعال ترف لا يملكه من يطارد شيئًا أسرع منه.— هي لم تمشِ كحصان هارب، قال أخيرًا وهو يحني ظهره على أثر الحافر الأبيض. انظر: خطوتها متساوية، لا تعجل ولا تتباطأ، والأثر أعمق مما ينبغي لفرس جريحة خفيفة. كأنها تحمل شيئًا ثقيلًا جدًا. أثقل من حجر بحجم قبضة طفل.مسكتُ صدري تلقائيًا. كان المكان الذي اعتاد أن ينبض فيه النور الأزرق باردًا كقبر مفتوح، وكنت أشعر به كما يشعر المرء بسن نخلت من فمه، لا تؤلم، لكنك لا تستطيع أن تكف عن لمس مكانها.ركضنا يومًا كاملًا شمالًا، على أرض بيضاء مالحة تلمع تحت الشمس حتى التهمت عيناي. وكان أثر فجر يتبدّل كل ساعة: يعمق ثم يخفّ، ينحرف أحيانًا ثم يعود، كأن الفرس تمشي فوق ما لا تراه عيوننا.وفي فجر اليوم التالي، رأى عاصم الغبار.كان عمودًا رماديًا ضخمًا يتصاعد خلفنا على بعد ميلين، وتحته نقاط سوداء تكبر مع كل نفس. عددتها فوجدتها أكثر من عشرة، ثم أكثر من عشرين.— هلال أحضر ما بقي من رجاله، قال عاصم بهدوء مخيف. والله أعلم كم من القبائل انضم إليه.انطلقنا.كان ريح مهري أشجع ما

  • صهيل الرماد    مضيق الصدى

    غادرنا الواحة قبل أن تشرق الشمس، وكان كل أهلها واقفين على الطريق صامتين، لا يلوّح أحد ولا يبكي. حملوا إليّ أجرانًا مملوءة ماءً عذبًا، وتمرًا، وقطع لحم مجفف، ولم يقل أحد شيئًا حتى جاءت العجوز نجمة متكئة على حفيدتها ريما.كانت الطفلة قد عادت إلى الحياة كأن لا دم قد غادر وجهها، وخداها متورّدتان، وعيناها تلمعان بشيء لا تفهمه بعد. مدّت إليّ سوارًا ضعيفًا ضفرته من سعف النخيل.— خذه يا عمّي. لكي تعود إلينا حين تنتهي.أخذته ولم أجد ما أقوله. وحين انحنى العجوز نحو أذني وهمست: «كل ماء جارٍ في هذه الأرض مدين لك»، شعرت بثقل غريب في صدري، لا أدري أهو فخر أم خوف.ركبتُ ريحًا، مهري الأدهم الذي عاد من مهربه في الوادي بعد أيام، كما حكى لي عاصم، وكان قد جمعه مع حصانه في الطريق. لكن ذلك الصباح لم يكن فيه مكان لشيء سوى الهرب.مشينا ثلاث ساعات دون كلام، عاصم يركب حصانه أمامي، وفجر تمشي بجانبي بلا سرج ولا لجام، كأنها تعرف الطريق أكثر ممن يدلّها. وكان هذا وقتًا كافيًا لأن ألاحظ شيئًا لم أنتبه إليه من قبل.كنت أحاول أن أتذكّر صوت أبي.أعرف أنه علّمني ترويض الخيل. أعرف أنه كان يغنّي أثناء الطرق على السندان. أ

  • صهيل الرماد    عاصم

    استيقظتُ على رائحة الأعشاب المغلية.كان السقف فوقي من سعف النخيل، وضوء الفجر يتسلل منه خيوطًا رمادية. حاولت أن أنهض فمزّقني الألم من كتفي حتى ضلوعي، فعدت إلى الفراش أتنفس بين أسناني. كانت أكتافي ملفوفة بخرق نظيفة تفوح منها رائحة الزعتر والعسل، وعلى صدري، تحت القماش، حجر دافئ ينبض بهدوء كأنه يحرسني.— لا تتحرك، قال صوت من الزاوية. الجرح عميق، وقد نزفت كثيرًا.التفتُّ ببطء.كان جالسًا على الأرض عند الباب، ظهره إلى الحائط وساقاه ممدودتان، وقوسه الطويلة على ركبتيه. شاب في مثل عمري، أسمر البشرة، بعينين رماديتين كلون الغبار الذي عبرناه، وشعر أسود مقصوص بخشونة كمن يقصّه بسكين. لا درع عليه ولا شعار، إلا سترة جلدية قديمة متآكلة الأطراف، وفي معصمه الأيسر خيط أحمر مجدول، تتدلى منه عقدة صغيرة أعرفها جيدًا.العقدة نفسها التي في عُرف الفرس.— من أنت؟ سألته، وصوتي مبحوح.— عاصم، قال ببساطة من اعتاد أن يُسأل. ومن أنت فأنا أعرفه منذ ثمانية أيام.— منذ ثمانية أيام؟— منذ فتحتُ الصندوق تحت شجرة السرو.تجمّد الدم في عروقي. تذكرت الخدوش البيضاء على الغطاء النحاسي، والعلامة الطرية على جذع الشجرة، وحفرتي ال

  • صهيل الرماد    ماء و نار

    لم يكن لدينا غير ساعة واحدة قبل الغروب.علمتني حدادية أبي أن المعركة لا تبدأ حين يستلّ الناس سيوفهم، بل حين يتقرر أين يقفون. جمعتُ أهل الواحة عند البئر، وكانوا ثلاثمئة نفس منهم مائة طفل، ولم يكن معهم غير أربعة سيوف صدئة ومناجل ومعاول. لكنهم كانوا يعرفون شيئًا لا يعرفه فرسان الرماد: كل قناة وكل جدول وكل نقطة رطبة في أرضهم.— خلف النخيل تنحدر أرض منخفضة، قالت العجوز، وقد عادت إلى قامتها كأن الماء نفخ في عظامها شباباً جديدًا. إن فتحنا القنوات القديمة تحوّلت إلى وحل لا تنجو منه حوافر.أمرتها أن تفعل، وركض الصبية إلى القنوات كما تركض الغزلان إلى الغدير، يرفعون الألواح الحجرية التي أغلقت منذ أجيال، ويفتحون المجاري، ويدفعون التراب بأيديهم الصغيرة. وكان الماء يتبعهم كالكلب الوفي، يملأ كل حفرة منخفضة من حول الخليج النخلي.وعند غروب الشمس، حين صار الأفق كجمرة تحت الرماد، ظهروا.سبعة فرسان على خيول سوداء، يهبطون الكثيب بخطوات منتظمة كأنهم قطعة واحدة من حديد. لم يصرخوا، ولم يجردوا سيوفهم. وقفوا على بعد مرمى سهم من النخيل، وتقدّم منهم واحد أطولهم، على حصان أضخم من البقية، ورفع يدًا مفتوحة.— أنتم

  • صهيل الرماد    واحة الجُمَّيز

    في اليوم السادس بعد ملتقى الطرق، رأيتُ أول لون أخضر منذ أن غادرت وادي السرو. ظننته سرابًا، فقد علّمتني الصحراء أن العين تكذب حين يجوع الجسد. لكن الفرس أسرعت من تلقاء نفسها، وارتفعت أذناها، وخفّ تعبها كأن ريحًا خفية رفعت عنها حملًا ثقيلًا.كانت واحة صغيرة محاطة بنخيل نصف ميت وأشجار جُمَّيز عتيقة، جذوعها ضخمة كأعمدة معابد منسية، وبين الأشجار بيوت من طين وسعف تتكئ على بعضها كشيوخ أنهكهم الانتظار. ولا دخان يتصاعد من أي بيت، ولا صوت يتردد في الأزقة، إلا سعال متقطع يخرج من خلف الجدران.عند مدخل الواحة وقفتْ عجوز نحيلة تحمل جرّة فارغة، وحين رأتنا لم تفرح ولم تهرب، بل نظرت إلى فرسي طويلًا ثم قالت بصوت أجفّ من الرمل:— من أين جئتما؟ ومن أجل ماذا؟— من الغرب، قلت. نبحث عن ماء وظلّ ليلة واحدة.— الماء مات يا بُني. ماتت البئر قبل شهرين. وما بقي من ماء الجرار لا يكفي الأطفال إلى آخر الأسبوع.قادتني بين البيوت، وكل بيت أطلّ منه وجه شاحب أو عينان غائرتان. رأيت أمًّا تبلّل شفتي رضيعها بخرقة جافة، ورجلًا يرقد على عتبة بيته كأنه نسي كيف يقف، وصبية يلعقون الحجارة. ثم وصلنا إلى وسط الواحة، حيث كانت البئر

  • صهيل الرماد    صحراء الرماد

    لم أعرف كم ركضنا. أيام أم ساعات، لم يعد الزمن يعني شيئًا حين يكون العدو خلفك والحزن أمامك. كنت أنحني على عنق الفرس وأترك لها الطريق، والرماد يتطاير من تحت حوافرها كدخان ناعم لا ينقطع، يلتصق بثيابي وشعري وجفوني حتى صرت أشبه تمثالًا مغبرًا يمتطي ظلًا أبيض.كانت صحراء الرماد، كما سيعلمني أحد المسافرين بعد أيام، أرضًا لا تشبه أي أرض عرفتها. ليست رملًا ولا حجرًا، بل بقايا شيء احترق منذ زمن بعيد حتى لم يبقَ منه إلا هذا الغبار الرمادي الناعم الذي يمتد إلى الأفق في كل اتجاه. لا شجرة ولا بئر ولا طير ولا ظل، إلا هياكل معدنية ضخمة نصف مدفونة، تبرز من الرماد كأضلاع حيتان ميتة، وفي بعضها بقايا زجاج ما زال يلتقط ضوء الشمس فيرميه في عيني كالسهام.عند الغروب أوقفتُ الفرس أخيرًا. كان زبد أبيض يغطي صدرها، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، وجرحها القديم قد تفتح من جديد. نزلت وجلست على الأرض الرمادية، ولم أجد في جسدي قوة حتى للبكاء.أخرجت السيف الجديد من غمده الأسود وأسندته على ركبتي. كان نصله يعكس السماء كأنه قطعة من ليل صاف. لمسته بإصبعي، فشعرت ببرودة غريبة لا تشبه برودة الحديد، بل أقرب إلى سكون بئر عميقة. وقلت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status