LOGINغادرنا الواحة قبل أن تشرق الشمس، وكان كل أهلها واقفين على الطريق صامتين، لا يلوّح أحد ولا يبكي. حملوا إليّ أجرانًا مملوءة ماءً عذبًا، وتمرًا، وقطع لحم مجفف، ولم يقل أحد شيئًا حتى جاءت العجوز نجمة متكئة على حفيدتها ريما.
كانت الطفلة قد عادت إلى الحياة كأن لا دم قد غادر وجهها، وخداها متورّدتان، وعيناها تلمعان بشيء لا تفهمه بعد. مدّت إليّ سوارًا ضعيفًا ضفرته من سعف النخيل. — خذه يا عمّي. لكي تعود إلينا حين تنتهي. أخذته ولم أجد ما أقوله. وحين انحنى العجوز نحو أذني وهمست: «كل ماء جارٍ في هذه الأرض مدين لك»، شعرت بثقل غريب في صدري، لا أدري أهو فخر أم خوف. ركبتُ ريحًا، مهري الأدهم الذي عاد من مهربه في الوادي بعد أيام، كما حكى لي عاصم، وكان قد جمعه مع حصانه في الطريق. لكن ذلك الصباح لم يكن فيه مكان لشيء سوى الهرب. مشينا ثلاث ساعات دون كلام، عاصم يركب حصانه أمامي، وفجر تمشي بجانبي بلا سرج ولا لجام، كأنها تعرف الطريق أكثر ممن يدلّها. وكان هذا وقتًا كافيًا لأن ألاحظ شيئًا لم أنتبه إليه من قبل. كنت أحاول أن أتذكّر صوت أبي. أعرف أنه علّمني ترويض الخيل. أعرف أنه كان يغنّي أثناء الطرق على السندان. أعرف أن السندان كان يترنّح به كل ضربة. لكن صوته هو نفسه، النغمة الخشنة الدافئة التي كانت تناديني من بعيد عند الغروب، لم أعد أسمعها في رأسي. حاولت مرة، مرتين، ثلاثًا. كانت الكلمات تأتي لكن الصوت يرفض أن ينطقها، كأن أحدًا قصّ خيطًا رفيعًا بين الذكرى وبنيّ. مسكت مقبض سيفي بقوة، وقلت لنفسي إنه تعب وحسب. — قف. كان عاصم قد أوقف حصانه فجأة عند مدخل وادٍ ضيّق منحوت في جبل أسود، تتسامق من جانبيه جدران صخرية عالية حتى يكاد الممر يُغلق فوق الرؤوس. أشار إلى الأرض. — حوافر، قال. طريّة. حصان واحد دخل من هذا المضيق قبل ساعة ولم يخرج. — قد يكون مسافرًا. — مسافر لا يترك حصانه مثقلًا بالجلد، قال عاصم بهدوء، وهو ينظر إلى الجدران. هذا المضيق يسمّونه «مضيق الصدى»، لأن أي صوت فيه يعود إليك ثلاث مرات. فإذا رأيتهم قبلك، سمعوك قبلك. أدار رأسه نحوي وقال بصوت لا يكاد يُسمع: — لا تتكلّم. لا تتحرك. المرمى على يمينك، فوق الصخرة التي تشبه رأس الجمل. لم أنظر. كنت أعرف أن عليّ ألا أنظر. وفي اللحظة التي أخذ فيها عاصم نفسًا عميقًا، سمعتُ الصوت الذي توقعه: انهيار الحجارة. تدحرجت صخرة ضخمة من أعلى الجدار الأيسر، وهوت في الممر من خلفنا بضجة تهزّ الأرض كلها، وتردّد صداها ثلاث مرات كما قال عاصم، ثم قطعت علينا الطريق تمامًا. ومن أعلى الجدار الأيمن انهمر السهام. كان عاصم أسرع من أي إنسان رأيته. دفع كتفي فسقطت عن السرج الذي كنت أجلس عليه، وصفرت ثلاث سهام فوق رأسي وانغرست في التراب كأنها تزرع موتًا. وقفز هو على ظهر حصانه وقوسه تنشقّ في يده، وأطلق سهمًا واحدًا فقط نحو القمة. سمعت صرخة، ثم صوت جسد يسقط على الحجارة. وجدناه تحت الصخرة المتدحرجة، رجلًا نحيلًا في الخمسين، سهم عاصم في صدره، وفي يده قفص خشبي صغير فيه حمامة من الحمام المرسل. وكان أهم من ذلك أنني عرفت وجهه. — سعد؟ همستُ. حارس البئر؟ كان الرجل الذي فقدناه في معركة الواحة، الذي ظنناه مات في الطين. انحنى عاصم عليه، وقال بصوت هادئ وحازم: — كم حمامة أرسلت؟ ابتسم الرجل والدم يملأ فمه. — ثلاثًا، قال. أول واحدة منذ أن رأيتم النور في الواحة. والثانية عند الفجر. أما الثالثة فهي هذه، التي ماتت معي. ترنح عاصم وهو ينظر إلى القفص فوجد الحمامة ميتة فعلًا في قاعه، ورقتها ملفوفة على ساقها. — ما كتبت لهم؟ سألته أنا. رفع الرجل عينيه إليّ ببطء، وكان في نظرته شيء ثقيل لم أفهمه حينها، أشبه بالشفقة من الحقد. — كتبت لهم أنك لن تبلغ الجبل يا ولد. لأن لا أحد يبلغه ومعه ما معك. وكتبت لهم أيضًا أن الحجر لن يبقى معكم الليلة. سكت ولم يتحرك بعد ذلك. وكان عاصم يحدّق في الجثة بعينين منطفئتين، ثم قال كلمة واحدة لم أسمع منه مثلها قبل ذلك: — نتقدّم. لم ننم تلك الليلة. أشعل عاصم نارًا صغيرة خلف صخرة عالية، وقسم الليل نوبتين مناوبة بيننا، وكان الحجر ينبض على صدري بهدوء كما تنبض قلوب النائمين. وكنت أحدّث نفسي أن هذا الرجل المحتضر كان يكذب ليخيفنا فقط. وفي النوبة الثانية، حين أخذ التعب مني ما أخذ، غفوت غفوة قصيرة. وحين فتحت عينيّ، كان الفجر قد طلع رماديًا كالعادة، وكان الصدر الذي كان يحمل الحجر باردًا. باردًا لأول مرة منذ أن حملته. مددت يدي ألمس الكيس الجلدي فوجدته مفتوحًا، فارغًا. ولم يكن هذا كل شيء. التفتُ نحو المكان الذي كانت تقف فيه فجر بجانبي، فلم أجد إلا أثر حوافر بيضاء خفيفة على الرماد. أقمتُ عاصمًا بيد ترتجف. درس الأرض دقيقة كاملة بصمت، وحين رفع رأسه كان وجهه أشحب من وجه الرجل المحتضر. — هي لم تسرقه، قال. الفرس لا تسرق. لكن انظر إلى اتجاه أثرها. كانت الحوافر لا تمضي شرقًا نحو الجبل، بل شمالًا، نحو أرض لم تكن في خريطة صالح، نحو طريق لا يعرفه أحد. — هي لا تعرف هذا الطريق، همس عاصم وهو ينظر إلى الأفق الشمالي المبهم. أنا علّمتها كل طرق الأرض، ولم أعلّمها هذا. ثم أدار إليّ عينيه الرماديتين، وكانتا تحملان لأول مرة ما لم تحملاه من قبل: خوفًا حقيقيًا. — وهذا يعني أننا لا نعرف شيئًا عن هذه الفرس، يا غيث. لا شيئًا أبدًا.لم يقل عاصم شيئًا حتى أسرجنا الخيل. كان يشد الحزام على بطن حصانه بأصابع هادئة، كمن يعرف أن الانفعال ترف لا يملكه من يطارد شيئًا أسرع منه.— هي لم تمشِ كحصان هارب، قال أخيرًا وهو يحني ظهره على أثر الحافر الأبيض. انظر: خطوتها متساوية، لا تعجل ولا تتباطأ، والأثر أعمق مما ينبغي لفرس جريحة خفيفة. كأنها تحمل شيئًا ثقيلًا جدًا. أثقل من حجر بحجم قبضة طفل.مسكتُ صدري تلقائيًا. كان المكان الذي اعتاد أن ينبض فيه النور الأزرق باردًا كقبر مفتوح، وكنت أشعر به كما يشعر المرء بسن نخلت من فمه، لا تؤلم، لكنك لا تستطيع أن تكف عن لمس مكانها.ركضنا يومًا كاملًا شمالًا، على أرض بيضاء مالحة تلمع تحت الشمس حتى التهمت عيناي. وكان أثر فجر يتبدّل كل ساعة: يعمق ثم يخفّ، ينحرف أحيانًا ثم يعود، كأن الفرس تمشي فوق ما لا تراه عيوننا.وفي فجر اليوم التالي، رأى عاصم الغبار.كان عمودًا رماديًا ضخمًا يتصاعد خلفنا على بعد ميلين، وتحته نقاط سوداء تكبر مع كل نفس. عددتها فوجدتها أكثر من عشرة، ثم أكثر من عشرين.— هلال أحضر ما بقي من رجاله، قال عاصم بهدوء مخيف. والله أعلم كم من القبائل انضم إليه.انطلقنا.كان ريح مهري أشجع ما
غادرنا الواحة قبل أن تشرق الشمس، وكان كل أهلها واقفين على الطريق صامتين، لا يلوّح أحد ولا يبكي. حملوا إليّ أجرانًا مملوءة ماءً عذبًا، وتمرًا، وقطع لحم مجفف، ولم يقل أحد شيئًا حتى جاءت العجوز نجمة متكئة على حفيدتها ريما.كانت الطفلة قد عادت إلى الحياة كأن لا دم قد غادر وجهها، وخداها متورّدتان، وعيناها تلمعان بشيء لا تفهمه بعد. مدّت إليّ سوارًا ضعيفًا ضفرته من سعف النخيل.— خذه يا عمّي. لكي تعود إلينا حين تنتهي.أخذته ولم أجد ما أقوله. وحين انحنى العجوز نحو أذني وهمست: «كل ماء جارٍ في هذه الأرض مدين لك»، شعرت بثقل غريب في صدري، لا أدري أهو فخر أم خوف.ركبتُ ريحًا، مهري الأدهم الذي عاد من مهربه في الوادي بعد أيام، كما حكى لي عاصم، وكان قد جمعه مع حصانه في الطريق. لكن ذلك الصباح لم يكن فيه مكان لشيء سوى الهرب.مشينا ثلاث ساعات دون كلام، عاصم يركب حصانه أمامي، وفجر تمشي بجانبي بلا سرج ولا لجام، كأنها تعرف الطريق أكثر ممن يدلّها. وكان هذا وقتًا كافيًا لأن ألاحظ شيئًا لم أنتبه إليه من قبل.كنت أحاول أن أتذكّر صوت أبي.أعرف أنه علّمني ترويض الخيل. أعرف أنه كان يغنّي أثناء الطرق على السندان. أ
استيقظتُ على رائحة الأعشاب المغلية.كان السقف فوقي من سعف النخيل، وضوء الفجر يتسلل منه خيوطًا رمادية. حاولت أن أنهض فمزّقني الألم من كتفي حتى ضلوعي، فعدت إلى الفراش أتنفس بين أسناني. كانت أكتافي ملفوفة بخرق نظيفة تفوح منها رائحة الزعتر والعسل، وعلى صدري، تحت القماش، حجر دافئ ينبض بهدوء كأنه يحرسني.— لا تتحرك، قال صوت من الزاوية. الجرح عميق، وقد نزفت كثيرًا.التفتُّ ببطء.كان جالسًا على الأرض عند الباب، ظهره إلى الحائط وساقاه ممدودتان، وقوسه الطويلة على ركبتيه. شاب في مثل عمري، أسمر البشرة، بعينين رماديتين كلون الغبار الذي عبرناه، وشعر أسود مقصوص بخشونة كمن يقصّه بسكين. لا درع عليه ولا شعار، إلا سترة جلدية قديمة متآكلة الأطراف، وفي معصمه الأيسر خيط أحمر مجدول، تتدلى منه عقدة صغيرة أعرفها جيدًا.العقدة نفسها التي في عُرف الفرس.— من أنت؟ سألته، وصوتي مبحوح.— عاصم، قال ببساطة من اعتاد أن يُسأل. ومن أنت فأنا أعرفه منذ ثمانية أيام.— منذ ثمانية أيام؟— منذ فتحتُ الصندوق تحت شجرة السرو.تجمّد الدم في عروقي. تذكرت الخدوش البيضاء على الغطاء النحاسي، والعلامة الطرية على جذع الشجرة، وحفرتي ال
لم يكن لدينا غير ساعة واحدة قبل الغروب.علمتني حدادية أبي أن المعركة لا تبدأ حين يستلّ الناس سيوفهم، بل حين يتقرر أين يقفون. جمعتُ أهل الواحة عند البئر، وكانوا ثلاثمئة نفس منهم مائة طفل، ولم يكن معهم غير أربعة سيوف صدئة ومناجل ومعاول. لكنهم كانوا يعرفون شيئًا لا يعرفه فرسان الرماد: كل قناة وكل جدول وكل نقطة رطبة في أرضهم.— خلف النخيل تنحدر أرض منخفضة، قالت العجوز، وقد عادت إلى قامتها كأن الماء نفخ في عظامها شباباً جديدًا. إن فتحنا القنوات القديمة تحوّلت إلى وحل لا تنجو منه حوافر.أمرتها أن تفعل، وركض الصبية إلى القنوات كما تركض الغزلان إلى الغدير، يرفعون الألواح الحجرية التي أغلقت منذ أجيال، ويفتحون المجاري، ويدفعون التراب بأيديهم الصغيرة. وكان الماء يتبعهم كالكلب الوفي، يملأ كل حفرة منخفضة من حول الخليج النخلي.وعند غروب الشمس، حين صار الأفق كجمرة تحت الرماد، ظهروا.سبعة فرسان على خيول سوداء، يهبطون الكثيب بخطوات منتظمة كأنهم قطعة واحدة من حديد. لم يصرخوا، ولم يجردوا سيوفهم. وقفوا على بعد مرمى سهم من النخيل، وتقدّم منهم واحد أطولهم، على حصان أضخم من البقية، ورفع يدًا مفتوحة.— أنتم
في اليوم السادس بعد ملتقى الطرق، رأيتُ أول لون أخضر منذ أن غادرت وادي السرو. ظننته سرابًا، فقد علّمتني الصحراء أن العين تكذب حين يجوع الجسد. لكن الفرس أسرعت من تلقاء نفسها، وارتفعت أذناها، وخفّ تعبها كأن ريحًا خفية رفعت عنها حملًا ثقيلًا.كانت واحة صغيرة محاطة بنخيل نصف ميت وأشجار جُمَّيز عتيقة، جذوعها ضخمة كأعمدة معابد منسية، وبين الأشجار بيوت من طين وسعف تتكئ على بعضها كشيوخ أنهكهم الانتظار. ولا دخان يتصاعد من أي بيت، ولا صوت يتردد في الأزقة، إلا سعال متقطع يخرج من خلف الجدران.عند مدخل الواحة وقفتْ عجوز نحيلة تحمل جرّة فارغة، وحين رأتنا لم تفرح ولم تهرب، بل نظرت إلى فرسي طويلًا ثم قالت بصوت أجفّ من الرمل:— من أين جئتما؟ ومن أجل ماذا؟— من الغرب، قلت. نبحث عن ماء وظلّ ليلة واحدة.— الماء مات يا بُني. ماتت البئر قبل شهرين. وما بقي من ماء الجرار لا يكفي الأطفال إلى آخر الأسبوع.قادتني بين البيوت، وكل بيت أطلّ منه وجه شاحب أو عينان غائرتان. رأيت أمًّا تبلّل شفتي رضيعها بخرقة جافة، ورجلًا يرقد على عتبة بيته كأنه نسي كيف يقف، وصبية يلعقون الحجارة. ثم وصلنا إلى وسط الواحة، حيث كانت البئر
لم أعرف كم ركضنا. أيام أم ساعات، لم يعد الزمن يعني شيئًا حين يكون العدو خلفك والحزن أمامك. كنت أنحني على عنق الفرس وأترك لها الطريق، والرماد يتطاير من تحت حوافرها كدخان ناعم لا ينقطع، يلتصق بثيابي وشعري وجفوني حتى صرت أشبه تمثالًا مغبرًا يمتطي ظلًا أبيض.كانت صحراء الرماد، كما سيعلمني أحد المسافرين بعد أيام، أرضًا لا تشبه أي أرض عرفتها. ليست رملًا ولا حجرًا، بل بقايا شيء احترق منذ زمن بعيد حتى لم يبقَ منه إلا هذا الغبار الرمادي الناعم الذي يمتد إلى الأفق في كل اتجاه. لا شجرة ولا بئر ولا طير ولا ظل، إلا هياكل معدنية ضخمة نصف مدفونة، تبرز من الرماد كأضلاع حيتان ميتة، وفي بعضها بقايا زجاج ما زال يلتقط ضوء الشمس فيرميه في عيني كالسهام.عند الغروب أوقفتُ الفرس أخيرًا. كان زبد أبيض يغطي صدرها، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، وجرحها القديم قد تفتح من جديد. نزلت وجلست على الأرض الرمادية، ولم أجد في جسدي قوة حتى للبكاء.أخرجت السيف الجديد من غمده الأسود وأسندته على ركبتي. كان نصله يعكس السماء كأنه قطعة من ليل صاف. لمسته بإصبعي، فشعرت ببرودة غريبة لا تشبه برودة الحديد، بل أقرب إلى سكون بئر عميقة. وقلت