LOGINلم أنم تلك الليلة. وضعت الحجر في صندوق الحدادة بين الفحم القديم وأغلقت الغطاء، لكن ضوءه تسرّب من شقوق الخشب خيوطًا زرقاء رفيعة، كأن الصندوق يتنفس في الظلام. جلست قبالته أحدّق فيه، وأصغي إلى المطر الخفيف على السقف، وإلى نبض الفرس البيضاء الهادئ من الإسطبل المجاور.
كانت ليلة طويلة كأنها ثلاث ليالٍ في ليلة واحدة. الريح تدور حول البيت الطيني وتئنّ في شقوق الباب، والعتمة خارج النافذة كثيفة حتى لا ترى اليد أصابعها، ورائحة الفحم والحديد القديم تملأ الحدادة كما تملؤها منذ وُلدت. وفي البعيد، من جهة الجبال، كان عواء ذئب وحيد يرتفع ثم ينكسر، ثم يعود، كأنه يسأل الظلام عن شيء لا يجيبه. جلست جدتي قبالتي حتى منتصف الليل، تدير مسبحتها ولا تنطق. كانت الحبّات تتساقط بين أصابعها كأنها تعدّ سنوات لا أعرفها. وحين خمد الموقد وصار الجمر أحمر باهتًا، قالت دون أن ترفع عينيها: — حين وقع الانطفاء كان أبوك في عمرك الآن. كان من القلائل الذين فهموا ما يجري قبل أن ينتهي كل شيء. لم يكن حدّادًا فقط يا غيث، كان يعمل في بيت من الحجر والزجاج، حيث كانت الأنوار تُصنع. — أبي؟ كان يصقل الحديد! — الحديد هو ما بقي له بعد أن فقد كل شيء آخر. سكتت لحظة، ثم حكت لي ما لم يحكه لي أحد. قالت إن الانطفاء لم يأتِ بطيئًا كما يظن الناس، بل في نَفَس واحد. كانت المدينة التي عاش فيها أبي تلمع في الليل كحقل من النجوم، ثم انطفأت كلها دفعة واحدة، كأن الدنيا أغمضت عينيها. سقطت الطيور المعدنية من السماء، وتوقفت العربات في الطرقات، وسكتت الأصوات التي كانت تأتي من بعيد، وساد صمت لم تعرفه الأرض منذ بدء الخليقة. وعاد أبي ماشيًا على قدميه تسعة أيام، حافي القلب من كل أمل، ومعه سرّ لم يفتحه إلا أمامها. — لم تكن غضبة سماء ولا عقابًا من الأرض كما يقول الشيوخ في المجالس، قال لي يومها. كانت شيئًا صنعه الناس بأيديهم، وأشعلوه وهم يظنون أنهم يطفئون الظلام. وأخبرتني أن أبي، قبل أن يموت، أخفى ما يمكن أن يعيد الطاقة إلى العالم. أخفاه لأن من يملكها سيملك الجميع، ولأن الذين أشعلوا الكارثة أول مرة لم يتعلموا شيئًا من رمادها. — وهذا الحجر؟ سألتها وأنا أنظر إلى شقوق الصندوق. — هو الذي دُفن تحت السرو. أو ظننتُ ذلك ثلاثين سنة. نظرت إلى الأرض، وفهمت متأخرًا أن شجرة السرو التي كنت أزورها كل جمعة، أحمل لها الماء وأقصّ عنها الأعشاب، لم تكن تحرس قبرًا فقط. تذكرت أبي وهو يجلس عند الغروب على عتبة الحدادة، يحدّق شرقًا بصمت طويل، وأنا طفل أظن أنه يراقب الغيم. كان يراقب شيئًا آخر. كان ينتظر. ثم مضى ما بقي من الليل بطيئًا ثقيلًا. نامت جدتي في مقعدها والمسبحة في حجرها، وارتفع صوت أنفاسها المتعبة فوق صوت المطر. وبقيت وحدي مع الصندوق الذي يتنفس بالضوء، أنصت إلى قطرات الماء تنزّ من سقف الحدادة في الإناء النحاسي قطرة بعد قطرة، وأعدّها كما تُعدّ الأيام الأخيرة. وكلما أغمضت عينيّ رأيت أبي واقفًا عند السندان، يطرق الحديد الأحمر ويرفع رأسه إليّ مبتسمًا ابتسامة لم أفهمها حين كنت طفلًا، وأفهمها الآن. خرجت قبل الفجر ومعي معول أبي. كان الندى يغسل الوادي، والسرو الكبير يقف عند أطرافه كحارس عجوز لا ينام، فروعه تهتز بخفة كأنها تعرف أنني جئت لأوقظ ما نام تحتها. حفرت ساعتين متواصلتين، والتراب الرطب يلتصق بيديّ وجبيني، حتى ارتطم الحديد بشيء صلب فاهتزت ذراعي كلها. كان صندوقًا نحاسيًا مدفونًا على عمق قامة، مفتوحًا، فارغًا. وعلى غطائه الداخلي خدوش حديثة، بيضاء لامعة لم يمحها صدأ ولا تراب، كأن أحدهم فتحه بسكين قبل أيام قليلة فقط. بقيت أحدّق في الفراغ الذي كان يحتضن الحجر ثلاثين سنة، وبرد في جسدي برودة لا علاقة لها بالفجر. رفعت رأسي، فرأيت على جذع الشجرة نفسه، فوق رأسي بقامة رجل، علامة محفورة بنصل حاد: ثلاث دوائر متداخلة يخترقها سهم. لم تكن العلامة قديمة. كانت لا تزال تنزّ بعصارة الشجرة الطرية. وسمعت من بعيد صهيلًا لا يشبه صهيل خيلنا.لم يقل عاصم شيئًا حتى أسرجنا الخيل. كان يشد الحزام على بطن حصانه بأصابع هادئة، كمن يعرف أن الانفعال ترف لا يملكه من يطارد شيئًا أسرع منه.— هي لم تمشِ كحصان هارب، قال أخيرًا وهو يحني ظهره على أثر الحافر الأبيض. انظر: خطوتها متساوية، لا تعجل ولا تتباطأ، والأثر أعمق مما ينبغي لفرس جريحة خفيفة. كأنها تحمل شيئًا ثقيلًا جدًا. أثقل من حجر بحجم قبضة طفل.مسكتُ صدري تلقائيًا. كان المكان الذي اعتاد أن ينبض فيه النور الأزرق باردًا كقبر مفتوح، وكنت أشعر به كما يشعر المرء بسن نخلت من فمه، لا تؤلم، لكنك لا تستطيع أن تكف عن لمس مكانها.ركضنا يومًا كاملًا شمالًا، على أرض بيضاء مالحة تلمع تحت الشمس حتى التهمت عيناي. وكان أثر فجر يتبدّل كل ساعة: يعمق ثم يخفّ، ينحرف أحيانًا ثم يعود، كأن الفرس تمشي فوق ما لا تراه عيوننا.وفي فجر اليوم التالي، رأى عاصم الغبار.كان عمودًا رماديًا ضخمًا يتصاعد خلفنا على بعد ميلين، وتحته نقاط سوداء تكبر مع كل نفس. عددتها فوجدتها أكثر من عشرة، ثم أكثر من عشرين.— هلال أحضر ما بقي من رجاله، قال عاصم بهدوء مخيف. والله أعلم كم من القبائل انضم إليه.انطلقنا.كان ريح مهري أشجع ما
غادرنا الواحة قبل أن تشرق الشمس، وكان كل أهلها واقفين على الطريق صامتين، لا يلوّح أحد ولا يبكي. حملوا إليّ أجرانًا مملوءة ماءً عذبًا، وتمرًا، وقطع لحم مجفف، ولم يقل أحد شيئًا حتى جاءت العجوز نجمة متكئة على حفيدتها ريما.كانت الطفلة قد عادت إلى الحياة كأن لا دم قد غادر وجهها، وخداها متورّدتان، وعيناها تلمعان بشيء لا تفهمه بعد. مدّت إليّ سوارًا ضعيفًا ضفرته من سعف النخيل.— خذه يا عمّي. لكي تعود إلينا حين تنتهي.أخذته ولم أجد ما أقوله. وحين انحنى العجوز نحو أذني وهمست: «كل ماء جارٍ في هذه الأرض مدين لك»، شعرت بثقل غريب في صدري، لا أدري أهو فخر أم خوف.ركبتُ ريحًا، مهري الأدهم الذي عاد من مهربه في الوادي بعد أيام، كما حكى لي عاصم، وكان قد جمعه مع حصانه في الطريق. لكن ذلك الصباح لم يكن فيه مكان لشيء سوى الهرب.مشينا ثلاث ساعات دون كلام، عاصم يركب حصانه أمامي، وفجر تمشي بجانبي بلا سرج ولا لجام، كأنها تعرف الطريق أكثر ممن يدلّها. وكان هذا وقتًا كافيًا لأن ألاحظ شيئًا لم أنتبه إليه من قبل.كنت أحاول أن أتذكّر صوت أبي.أعرف أنه علّمني ترويض الخيل. أعرف أنه كان يغنّي أثناء الطرق على السندان. أ
استيقظتُ على رائحة الأعشاب المغلية.كان السقف فوقي من سعف النخيل، وضوء الفجر يتسلل منه خيوطًا رمادية. حاولت أن أنهض فمزّقني الألم من كتفي حتى ضلوعي، فعدت إلى الفراش أتنفس بين أسناني. كانت أكتافي ملفوفة بخرق نظيفة تفوح منها رائحة الزعتر والعسل، وعلى صدري، تحت القماش، حجر دافئ ينبض بهدوء كأنه يحرسني.— لا تتحرك، قال صوت من الزاوية. الجرح عميق، وقد نزفت كثيرًا.التفتُّ ببطء.كان جالسًا على الأرض عند الباب، ظهره إلى الحائط وساقاه ممدودتان، وقوسه الطويلة على ركبتيه. شاب في مثل عمري، أسمر البشرة، بعينين رماديتين كلون الغبار الذي عبرناه، وشعر أسود مقصوص بخشونة كمن يقصّه بسكين. لا درع عليه ولا شعار، إلا سترة جلدية قديمة متآكلة الأطراف، وفي معصمه الأيسر خيط أحمر مجدول، تتدلى منه عقدة صغيرة أعرفها جيدًا.العقدة نفسها التي في عُرف الفرس.— من أنت؟ سألته، وصوتي مبحوح.— عاصم، قال ببساطة من اعتاد أن يُسأل. ومن أنت فأنا أعرفه منذ ثمانية أيام.— منذ ثمانية أيام؟— منذ فتحتُ الصندوق تحت شجرة السرو.تجمّد الدم في عروقي. تذكرت الخدوش البيضاء على الغطاء النحاسي، والعلامة الطرية على جذع الشجرة، وحفرتي ال
لم يكن لدينا غير ساعة واحدة قبل الغروب.علمتني حدادية أبي أن المعركة لا تبدأ حين يستلّ الناس سيوفهم، بل حين يتقرر أين يقفون. جمعتُ أهل الواحة عند البئر، وكانوا ثلاثمئة نفس منهم مائة طفل، ولم يكن معهم غير أربعة سيوف صدئة ومناجل ومعاول. لكنهم كانوا يعرفون شيئًا لا يعرفه فرسان الرماد: كل قناة وكل جدول وكل نقطة رطبة في أرضهم.— خلف النخيل تنحدر أرض منخفضة، قالت العجوز، وقد عادت إلى قامتها كأن الماء نفخ في عظامها شباباً جديدًا. إن فتحنا القنوات القديمة تحوّلت إلى وحل لا تنجو منه حوافر.أمرتها أن تفعل، وركض الصبية إلى القنوات كما تركض الغزلان إلى الغدير، يرفعون الألواح الحجرية التي أغلقت منذ أجيال، ويفتحون المجاري، ويدفعون التراب بأيديهم الصغيرة. وكان الماء يتبعهم كالكلب الوفي، يملأ كل حفرة منخفضة من حول الخليج النخلي.وعند غروب الشمس، حين صار الأفق كجمرة تحت الرماد، ظهروا.سبعة فرسان على خيول سوداء، يهبطون الكثيب بخطوات منتظمة كأنهم قطعة واحدة من حديد. لم يصرخوا، ولم يجردوا سيوفهم. وقفوا على بعد مرمى سهم من النخيل، وتقدّم منهم واحد أطولهم، على حصان أضخم من البقية، ورفع يدًا مفتوحة.— أنتم
في اليوم السادس بعد ملتقى الطرق، رأيتُ أول لون أخضر منذ أن غادرت وادي السرو. ظننته سرابًا، فقد علّمتني الصحراء أن العين تكذب حين يجوع الجسد. لكن الفرس أسرعت من تلقاء نفسها، وارتفعت أذناها، وخفّ تعبها كأن ريحًا خفية رفعت عنها حملًا ثقيلًا.كانت واحة صغيرة محاطة بنخيل نصف ميت وأشجار جُمَّيز عتيقة، جذوعها ضخمة كأعمدة معابد منسية، وبين الأشجار بيوت من طين وسعف تتكئ على بعضها كشيوخ أنهكهم الانتظار. ولا دخان يتصاعد من أي بيت، ولا صوت يتردد في الأزقة، إلا سعال متقطع يخرج من خلف الجدران.عند مدخل الواحة وقفتْ عجوز نحيلة تحمل جرّة فارغة، وحين رأتنا لم تفرح ولم تهرب، بل نظرت إلى فرسي طويلًا ثم قالت بصوت أجفّ من الرمل:— من أين جئتما؟ ومن أجل ماذا؟— من الغرب، قلت. نبحث عن ماء وظلّ ليلة واحدة.— الماء مات يا بُني. ماتت البئر قبل شهرين. وما بقي من ماء الجرار لا يكفي الأطفال إلى آخر الأسبوع.قادتني بين البيوت، وكل بيت أطلّ منه وجه شاحب أو عينان غائرتان. رأيت أمًّا تبلّل شفتي رضيعها بخرقة جافة، ورجلًا يرقد على عتبة بيته كأنه نسي كيف يقف، وصبية يلعقون الحجارة. ثم وصلنا إلى وسط الواحة، حيث كانت البئر
لم أعرف كم ركضنا. أيام أم ساعات، لم يعد الزمن يعني شيئًا حين يكون العدو خلفك والحزن أمامك. كنت أنحني على عنق الفرس وأترك لها الطريق، والرماد يتطاير من تحت حوافرها كدخان ناعم لا ينقطع، يلتصق بثيابي وشعري وجفوني حتى صرت أشبه تمثالًا مغبرًا يمتطي ظلًا أبيض.كانت صحراء الرماد، كما سيعلمني أحد المسافرين بعد أيام، أرضًا لا تشبه أي أرض عرفتها. ليست رملًا ولا حجرًا، بل بقايا شيء احترق منذ زمن بعيد حتى لم يبقَ منه إلا هذا الغبار الرمادي الناعم الذي يمتد إلى الأفق في كل اتجاه. لا شجرة ولا بئر ولا طير ولا ظل، إلا هياكل معدنية ضخمة نصف مدفونة، تبرز من الرماد كأضلاع حيتان ميتة، وفي بعضها بقايا زجاج ما زال يلتقط ضوء الشمس فيرميه في عيني كالسهام.عند الغروب أوقفتُ الفرس أخيرًا. كان زبد أبيض يغطي صدرها، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، وجرحها القديم قد تفتح من جديد. نزلت وجلست على الأرض الرمادية، ولم أجد في جسدي قوة حتى للبكاء.أخرجت السيف الجديد من غمده الأسود وأسندته على ركبتي. كان نصله يعكس السماء كأنه قطعة من ليل صاف. لمسته بإصبعي، فشعرت ببرودة غريبة لا تشبه برودة الحديد، بل أقرب إلى سكون بئر عميقة. وقلت