LOGINسرنا ثلاثة أيام شرقًا، لا نتوقف إلا لنسقي الفرس ونضمد جرحها بما تبقى من العسل. كانت الأرض تتغير تحت حوافرها: انتهت الجبال، وبدأت سهول رمادية مبسوطة إلى الأفق، تشقّها طرق قديمة من إسفلت متشقق ينبت بين شقوقه الشوك. مررنا بجسر منهار ما زالت سيارات صدئة معلّقة على حافته كأنها تنتظر من يعيدها، وبأبراج بعيدة قائمة في الأفق كعظام وحوش ميتة، وبصمت لم أسمع مثله في حياتي.
في الليل كنت أضع الحجر بجانبي وألتحف السماء، وأراقب ضوءه الأزرق ينبض بإيقاع واحد، فأفكر في أبي، وفي جدتي، وفي سبعة فرسان لم يسألوني من أنا قبل أن يأمروا بقتل عجوز. وفي كل ليلة كانت الفرس تقف قريبة مني، تحدّق شرقًا بلا حراك، كأن شيئًا هناك يناديها. عند فجر اليوم الرابع سمعت الطَّرْق. صوت مطارق بعيد، متفرق ثم متناسق، يتصاعد من خلف تلّة. وحين بلغنا قمتها انفتح تحتنا منظر لم أره إلا في أحاديث التجار: سوق عظيم يمتد على ملتقى أربعة طرق قديمة، خيام وأكشاك وأبنية حجرية وأفران تتصاعد منها أعمدة دخان، وآلاف من الناس والخيول يزدحمون في أزقته. كان هذا «ملتقى الطرق»، سوق الحدّادين، حيث يُصنع كل سيف يُشهر في هذه الأرض. أحنيت رأسي وغطّيت الحجر بعباءتي، وأنزلت قلنسوتي حتى حاجبيّ، ودخلنا. كان السوق مدينة من رنين: مطارق تدقّ، وحديد يُشوى، وصلصلة نصال تُختبر على الصخر، ورائحة الفحم والعرق والجلد المدبوغ. ورأيت وجوهًا من كل الأرض، رجالًا بوشوم زرقاء، ونساءً يحملن الفؤوس، وصبية يجرّون عربات من حديد خردة. لم ينظر إلينا أحد، فالفرس الجريحة في هذا السوق ليست غريبة. لكنني كنت أشعر بالحجر يسخن على صدري كلما توغلنا، كأنه يشمّ شيئًا في هذا الدخان. عند أقصى السوق، في زقاق ضيّق تحجبه خرق سوداء، وجدت حدّادية صغيرة مهجورة تقريبًا، وعلى بابها لوحة خشبية قديمة نُقش عليها بنصل: ثلاث دوائر متداخلة يخترقها سهم. توقفت أمامها، ودمي يتجمد. — ادخل أو ابتعد، قال صوت أجشّ من الداخل. لا أحب من يقف على عتبتي. كان في الداخل شيخ طويل نحيل، له عين واحدة والأخرى غطاها بعصابة جلدية، ولحية بيضاء مضفورة تتدلى على صدره كجلد دباغ. كان يقف أمام سندان ضخم يطرق قطعة حديد حمراء، وذراعه المفتولة تصعد وتهبط بإيقاع من لا يتعب. ولما رآني تجمّدت المطرقة في الهواء. — الولد، قال بصوت خافت. ابن حدّاد السرو. — تعرفني؟ — أعرف ذراعيك. لهما نفس انحناءة ذراعي أبيك حين يمسك المطرقة. ثم نظر خلفي نحو الفرس، وتغيّر وجهه كله. وهذه؟ هذه التي ماتت؟ لم أفهم. لكنه أغلق باب الحدادية بسرعة، وأنزل الخرق، ثم قادني إلى غرفة خلفية ضيقة بلا نافذة، وأشعل سراجًا. قال إن اسمه صالح، وإنه عمل مع أبي زمنًا طويلًا قبل الانطفاء وبعده، وإنه كان ينتظر هذا اليوم منذ ثلاثين سنة. — العلامة على بابك، قلت. ثلاث دوائر وسهم. — هذه علامتنا، لا علامتهم. علامة من حرسوا ما بقي. والذين يحملون الراية نفسها اليوم سرقوا منا الاسم كما يسرق اللص ثوب الميت. ثم أشار إلى كيسي: — أرني. أخرجت الحجر. وحين وضعته على الطاولة بيننا، اهتزّ السراج كله، وانطفأت شعلته للحظة، وبقي الحجر وحده ينير الغرفة بضوء أزرق صافٍ أضاء ملامح الشيخ، وكشف دمعة تسيل على خده من عينه الوحيدة. — حيّ، همس. ما زال حيًّا. — ما هو؟ — قلب. واحد لا شقيق له. ارتجّت ركبتاي. — أبوك لم يصنعه يا ولدي، تابع صالح بصوت متقطع. لم يصنعه أحد. وُجد هذا الحجر قبل الانطفاء بسنين، في جوف جبل بعيد في الشرق، وكان أبوك أول من فهم أنه ليس معدنًا، بل شيء يسمع ويتذكر ويختار. وحين عرف الناس أنه يمنح طاقة بلا حدود، تنازعوا عليه، دولًا وتجّارًا وجيوشًا، ثم اتفقوا في ليلة واحدة على أن يستنزفوه معًا، كلٌّ بحصته، حتى احترق كل ما حوله. لم يكن الانطفاء خطأ رجل واحد يا غيث. كان اختيارًا جماعيًا اتخذه عالم لم يُرد أن يسمع. — وأبي؟ — أخذ الحجر وهرب به، ودفنه ليحميه من شهوة الناس. هذا كل ذنبه. مدّ يده إلى الجدار الخلفي وأزاح خرقة سوداء، فظهرت تحتها خريطة منقوشة بالنصل على الحجر نفسه: جبل واحد مرسوم في أقصى الشرق تحيط به دائرة حمراء، وإليه يمتد طريق طويل من خيط أحمر مجدول يبدأ من وادي السرو. نظرت إلى الخيط الأحمر الذي يقود إلى الجبل، ثم إلى الفرس التي انتظرتني عند الباب، وتذكرت العقدة في عُرفها. — من عقد هذا الخيط؟ سألت وأنا لا أكاد أسمع صوتي. فتح الشيخ فمه ليجيب. وفي اللحظة نفسها، توقفت كل مطارق السوق، دفعة واحدة، كأن يدًا خفية قطعت أنفاس المدينة. وساد صمت ثقيل، لا يقطعه إلا وقع حوافر كثيرة تقترب ببطء، ببطء مقصود، في الزقاق خارج الباب.لم يقل عاصم شيئًا حتى أسرجنا الخيل. كان يشد الحزام على بطن حصانه بأصابع هادئة، كمن يعرف أن الانفعال ترف لا يملكه من يطارد شيئًا أسرع منه.— هي لم تمشِ كحصان هارب، قال أخيرًا وهو يحني ظهره على أثر الحافر الأبيض. انظر: خطوتها متساوية، لا تعجل ولا تتباطأ، والأثر أعمق مما ينبغي لفرس جريحة خفيفة. كأنها تحمل شيئًا ثقيلًا جدًا. أثقل من حجر بحجم قبضة طفل.مسكتُ صدري تلقائيًا. كان المكان الذي اعتاد أن ينبض فيه النور الأزرق باردًا كقبر مفتوح، وكنت أشعر به كما يشعر المرء بسن نخلت من فمه، لا تؤلم، لكنك لا تستطيع أن تكف عن لمس مكانها.ركضنا يومًا كاملًا شمالًا، على أرض بيضاء مالحة تلمع تحت الشمس حتى التهمت عيناي. وكان أثر فجر يتبدّل كل ساعة: يعمق ثم يخفّ، ينحرف أحيانًا ثم يعود، كأن الفرس تمشي فوق ما لا تراه عيوننا.وفي فجر اليوم التالي، رأى عاصم الغبار.كان عمودًا رماديًا ضخمًا يتصاعد خلفنا على بعد ميلين، وتحته نقاط سوداء تكبر مع كل نفس. عددتها فوجدتها أكثر من عشرة، ثم أكثر من عشرين.— هلال أحضر ما بقي من رجاله، قال عاصم بهدوء مخيف. والله أعلم كم من القبائل انضم إليه.انطلقنا.كان ريح مهري أشجع ما
غادرنا الواحة قبل أن تشرق الشمس، وكان كل أهلها واقفين على الطريق صامتين، لا يلوّح أحد ولا يبكي. حملوا إليّ أجرانًا مملوءة ماءً عذبًا، وتمرًا، وقطع لحم مجفف، ولم يقل أحد شيئًا حتى جاءت العجوز نجمة متكئة على حفيدتها ريما.كانت الطفلة قد عادت إلى الحياة كأن لا دم قد غادر وجهها، وخداها متورّدتان، وعيناها تلمعان بشيء لا تفهمه بعد. مدّت إليّ سوارًا ضعيفًا ضفرته من سعف النخيل.— خذه يا عمّي. لكي تعود إلينا حين تنتهي.أخذته ولم أجد ما أقوله. وحين انحنى العجوز نحو أذني وهمست: «كل ماء جارٍ في هذه الأرض مدين لك»، شعرت بثقل غريب في صدري، لا أدري أهو فخر أم خوف.ركبتُ ريحًا، مهري الأدهم الذي عاد من مهربه في الوادي بعد أيام، كما حكى لي عاصم، وكان قد جمعه مع حصانه في الطريق. لكن ذلك الصباح لم يكن فيه مكان لشيء سوى الهرب.مشينا ثلاث ساعات دون كلام، عاصم يركب حصانه أمامي، وفجر تمشي بجانبي بلا سرج ولا لجام، كأنها تعرف الطريق أكثر ممن يدلّها. وكان هذا وقتًا كافيًا لأن ألاحظ شيئًا لم أنتبه إليه من قبل.كنت أحاول أن أتذكّر صوت أبي.أعرف أنه علّمني ترويض الخيل. أعرف أنه كان يغنّي أثناء الطرق على السندان. أ
استيقظتُ على رائحة الأعشاب المغلية.كان السقف فوقي من سعف النخيل، وضوء الفجر يتسلل منه خيوطًا رمادية. حاولت أن أنهض فمزّقني الألم من كتفي حتى ضلوعي، فعدت إلى الفراش أتنفس بين أسناني. كانت أكتافي ملفوفة بخرق نظيفة تفوح منها رائحة الزعتر والعسل، وعلى صدري، تحت القماش، حجر دافئ ينبض بهدوء كأنه يحرسني.— لا تتحرك، قال صوت من الزاوية. الجرح عميق، وقد نزفت كثيرًا.التفتُّ ببطء.كان جالسًا على الأرض عند الباب، ظهره إلى الحائط وساقاه ممدودتان، وقوسه الطويلة على ركبتيه. شاب في مثل عمري، أسمر البشرة، بعينين رماديتين كلون الغبار الذي عبرناه، وشعر أسود مقصوص بخشونة كمن يقصّه بسكين. لا درع عليه ولا شعار، إلا سترة جلدية قديمة متآكلة الأطراف، وفي معصمه الأيسر خيط أحمر مجدول، تتدلى منه عقدة صغيرة أعرفها جيدًا.العقدة نفسها التي في عُرف الفرس.— من أنت؟ سألته، وصوتي مبحوح.— عاصم، قال ببساطة من اعتاد أن يُسأل. ومن أنت فأنا أعرفه منذ ثمانية أيام.— منذ ثمانية أيام؟— منذ فتحتُ الصندوق تحت شجرة السرو.تجمّد الدم في عروقي. تذكرت الخدوش البيضاء على الغطاء النحاسي، والعلامة الطرية على جذع الشجرة، وحفرتي ال
لم يكن لدينا غير ساعة واحدة قبل الغروب.علمتني حدادية أبي أن المعركة لا تبدأ حين يستلّ الناس سيوفهم، بل حين يتقرر أين يقفون. جمعتُ أهل الواحة عند البئر، وكانوا ثلاثمئة نفس منهم مائة طفل، ولم يكن معهم غير أربعة سيوف صدئة ومناجل ومعاول. لكنهم كانوا يعرفون شيئًا لا يعرفه فرسان الرماد: كل قناة وكل جدول وكل نقطة رطبة في أرضهم.— خلف النخيل تنحدر أرض منخفضة، قالت العجوز، وقد عادت إلى قامتها كأن الماء نفخ في عظامها شباباً جديدًا. إن فتحنا القنوات القديمة تحوّلت إلى وحل لا تنجو منه حوافر.أمرتها أن تفعل، وركض الصبية إلى القنوات كما تركض الغزلان إلى الغدير، يرفعون الألواح الحجرية التي أغلقت منذ أجيال، ويفتحون المجاري، ويدفعون التراب بأيديهم الصغيرة. وكان الماء يتبعهم كالكلب الوفي، يملأ كل حفرة منخفضة من حول الخليج النخلي.وعند غروب الشمس، حين صار الأفق كجمرة تحت الرماد، ظهروا.سبعة فرسان على خيول سوداء، يهبطون الكثيب بخطوات منتظمة كأنهم قطعة واحدة من حديد. لم يصرخوا، ولم يجردوا سيوفهم. وقفوا على بعد مرمى سهم من النخيل، وتقدّم منهم واحد أطولهم، على حصان أضخم من البقية، ورفع يدًا مفتوحة.— أنتم
في اليوم السادس بعد ملتقى الطرق، رأيتُ أول لون أخضر منذ أن غادرت وادي السرو. ظننته سرابًا، فقد علّمتني الصحراء أن العين تكذب حين يجوع الجسد. لكن الفرس أسرعت من تلقاء نفسها، وارتفعت أذناها، وخفّ تعبها كأن ريحًا خفية رفعت عنها حملًا ثقيلًا.كانت واحة صغيرة محاطة بنخيل نصف ميت وأشجار جُمَّيز عتيقة، جذوعها ضخمة كأعمدة معابد منسية، وبين الأشجار بيوت من طين وسعف تتكئ على بعضها كشيوخ أنهكهم الانتظار. ولا دخان يتصاعد من أي بيت، ولا صوت يتردد في الأزقة، إلا سعال متقطع يخرج من خلف الجدران.عند مدخل الواحة وقفتْ عجوز نحيلة تحمل جرّة فارغة، وحين رأتنا لم تفرح ولم تهرب، بل نظرت إلى فرسي طويلًا ثم قالت بصوت أجفّ من الرمل:— من أين جئتما؟ ومن أجل ماذا؟— من الغرب، قلت. نبحث عن ماء وظلّ ليلة واحدة.— الماء مات يا بُني. ماتت البئر قبل شهرين. وما بقي من ماء الجرار لا يكفي الأطفال إلى آخر الأسبوع.قادتني بين البيوت، وكل بيت أطلّ منه وجه شاحب أو عينان غائرتان. رأيت أمًّا تبلّل شفتي رضيعها بخرقة جافة، ورجلًا يرقد على عتبة بيته كأنه نسي كيف يقف، وصبية يلعقون الحجارة. ثم وصلنا إلى وسط الواحة، حيث كانت البئر
لم أعرف كم ركضنا. أيام أم ساعات، لم يعد الزمن يعني شيئًا حين يكون العدو خلفك والحزن أمامك. كنت أنحني على عنق الفرس وأترك لها الطريق، والرماد يتطاير من تحت حوافرها كدخان ناعم لا ينقطع، يلتصق بثيابي وشعري وجفوني حتى صرت أشبه تمثالًا مغبرًا يمتطي ظلًا أبيض.كانت صحراء الرماد، كما سيعلمني أحد المسافرين بعد أيام، أرضًا لا تشبه أي أرض عرفتها. ليست رملًا ولا حجرًا، بل بقايا شيء احترق منذ زمن بعيد حتى لم يبقَ منه إلا هذا الغبار الرمادي الناعم الذي يمتد إلى الأفق في كل اتجاه. لا شجرة ولا بئر ولا طير ولا ظل، إلا هياكل معدنية ضخمة نصف مدفونة، تبرز من الرماد كأضلاع حيتان ميتة، وفي بعضها بقايا زجاج ما زال يلتقط ضوء الشمس فيرميه في عيني كالسهام.عند الغروب أوقفتُ الفرس أخيرًا. كان زبد أبيض يغطي صدرها، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، وجرحها القديم قد تفتح من جديد. نزلت وجلست على الأرض الرمادية، ولم أجد في جسدي قوة حتى للبكاء.أخرجت السيف الجديد من غمده الأسود وأسندته على ركبتي. كان نصله يعكس السماء كأنه قطعة من ليل صاف. لمسته بإصبعي، فشعرت ببرودة غريبة لا تشبه برودة الحديد، بل أقرب إلى سكون بئر عميقة. وقلت