قالت جدتي مرة إن الأرض حين تحزن لا تبكي، بل تصمت. وكنت أظن أن هذا كلام العجائز، حتى رأيت صمتها بعيني.اسمي غيث، وأنا في الثامنة والعشرين، أرث عن أبي حرفتين: ترويض الخيل وصقل الحديد. نشأت في وادي السرو، ذلك الوادي الضيق الذي تحيط به جبال بلون الرماد، وتنام بيوته الطينية على سفح واحد كأنها تتدفأ ببعضها. في هذا الوادي لا يُسأل المرء عن اسمه، بل عن فرسه وسيفه. ولا أحد فيه يتذكر ضوءًا غير ضوء النار والزيت، ولا صوتًا غير وقع الحوافر ورنين المطارق. ثلاثون عامًا منذ الانطفاء والعالم يمشي على أربع. تحوّلت السيارات في الطرقات القديمة إلى هياكل صدئة ينبت بينها العشب، وصارت أبراج المدن البعيدة، كما يقول التجار العابرون، قبورًا من زجاج تسكنها الغربان. لم تعد الآلات تعمل، ولا الأضواء تُشعل، ولا الأصوات تصل من وراء البحار. وحدها الخيول لم تخن أحدًا، فرجعنا إليها كما يرجع الابن الضال إلى بيت أبيه.في فجر ذلك الخريف كان الضباب كثيفًا حتى ابتلع الوادي كله، وكنت أسقي «ريح»، مهري الأدهم، عند البئر القديمة. كان الهواء باردًا رطبًا، والصمت من النوع الذي يسبق حدثًا ما، حين تتوقف الطيور عن الغ
Last Updated : 2026-11-01 Read more